النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١ _
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٦
-
وقد أفتى ابن عبد السلام قبله بالمنع ، وببطلان الصلاة بقصد ذلك.
قال صاحب المهمات: مقتضى كلام القاضي حسين الجواز. وقال
الفاروقي في ((فوائد المهذب)): لا تستحب قراءة سجدة غير تنزيل، فإن
ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها، ولو بآية السجدة منها.
ووافقه ابن أبي العصرون في ((كتاب الانتصار))، وفيه نظر. انتهى كلام
الحافظ رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قراءة غير ما ثبت عن النبي تَّه من
السورة التي فيها السجدة، بدلاً عما ثبت عنه ليس مما ينبغي، بل لا يبعد
القول بكراهته إن قصده، وأما القول ببطلان الصلاة به فشيء عجيب،
فكيف تبطل الصلاة بقراءة سورة من السور القرآنية مع الفاتحة. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٩٥٦ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُو عَوَانَةَ ح وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ
حُجْرِ، قَالَ: أَنْبَنَا(٢) شَريكٌ . وَاللَّفْظُ لَهُ عَنِ الْمُخَوَّلِ بْنِ
رَاشِدَ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنَّ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ
أَنَّ الَّنَّبِيَّ ◌َّهُ كَانَ يَقْرَأْ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ يَوَّمَ الَجُمُعَةِ
(١) فتح جـ ٣ ص ٣٥ -٣٦.
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٤٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] السَّجْدَة، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى
الإِنسان ﴾ [الإنسان: ١].
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدم في الباب الماضي.
٢ - (أبو عوانة) وَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة
ثبت، من [٧]، مات سنة ١٧٥ أو ١٧٦، أخرج له الجماعة، تقدم في
٤١/ ٤٦.
٣ - (علي بن حُجْر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة
حافظ، من صغار [٩]، مات سنة ٢٤٤، أخرج له البخاري، ومسلم،
والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣ .
٤ - (شريك) بن عبد الله النخعي القاضي بواسط، ثم الكوفة،
أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، عادل فاضل عابد شديد على أهل
البدع، من [٨]، مات سنة ١٧٧، أخرج له البخاري تعليقًا، مسلم،
والأربعة، تقدم في ٢٥/ ٢٩ .
٥ - (مُخَوَّل(١) بن راشد) أبو راشد بن أبي الْمُجَالد النهدي مولاهم
الكوفي الحنّاط (٢) ثقة نسب إلى التشيع، من [٦] مات بعد أربعين ومائة،
أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٠/ ٤٢٦ .
(١) «مخول))- بوزن مُحَمّد، وقيل: بوزن منْبَرَ .
(٢) ((الحناط)» مهملة، ونون.

٣ -
٣٤٣
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٦
٦ - (مسلم) بن عمران البطين، ويقال: ابن أبي عمران،
أبو عبد الله الكوفي، ثقة من [٦]، تقدم في ٢٦ / ٩١٥.
٧ - (سعيد بن جُبَير) الأسدي مولاهم الكوفي ، ثقة ثبت فقيه،
من [٣] قتل سنة ٩٥ ولم يكمل ٥٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/
٤٣٦ .
٨ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، تقدم في
٠٣١/٢٧
قال الجامع عفا الله عنه: لطائف الإسناد تقدم غير مرة، وكذا
شرح الحديث تقدم في الحديث الذي قبله. والله ولي التوفيق، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٤٧ / ٩٥٦ - وفي ((الكبرى)) - ١٠٢٨/٤٧ - بالسند
المذكور. وفي - ٣٨/ ١٤٢١ - وفي ((الكبرى)) - ٣٧/ ١٧٣٦ - عن محمد
ابن عبد الأعلى الصنعاني، عن خالد بن الحارث الهُجَيمي، عن شعبة،
عن مخول، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عنه، بلفظ: ((أن
ھ
رسول الله عَّه كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ﴿المّ (١) تنزيلَ﴾

٣٤٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
[السجدة: ٢،١]، و﴿هل أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، وفي صلاة
الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين)). وأعاده في ((الكبرى)) في ((التفسير)).
١١٦٣٩ - بلفظ حديث الباب عن علي بن حجر به. والله تعالى ولي
التوفيق .
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبدة بن
سليمان، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، وعن أبي كريب،
عن و کیع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري- وعن محمد بن بشار، عن محمد
بن جعفر، عن شعبة - كلاهما عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين،
عن سعيد بن جبير، عنه. بلفظ: ((أن النبي ◌َّه كان يقرأ في صلاة الفجر
يوم الجمعة ﴿الَمّ (١) تنزيل﴾ [السجدة: ١، ٢] السجدة، و﴿هَلْ أَتَى
عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، وأن النبي ◌َّهُ كان يقرأ في
صلاة الجمعة ((سورة الجمعة، والمنافقين)).
وأبو داود فيه عن مسدد، عن يحيى القطان، عن شعبة به. وعن
مسدد، عن أبي عوانة، عن مخول - بالقصة الأولى.
والترمذي فيه عن علي بن حُجْر، عن شريك، عن مخول بالقصة
الأولى، وقال: حسن صحيح.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن خلاد الباهلي، عن وكيع، وابن
مهدي، كلاهما عن سفيان به .

٣٤٥
-
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٦
وأخرجه أحمد ج١ ص٢٢٦ و ٣٢٨ و٣٤٠ و٣٥٤ و٢٧٢ و ٣٠٧
و ٣١٦ و٣٣٤ و٣٦١ و٣٣٤. وابن خزيمة رقم ٥٥٣. والله تعالى ولي
التوفيق .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٤٨ - بَابُ سُجُودِ الْقُرْآن
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية السجود في
تلاوة القرآن .
وكان الأولى للمصنف رحمه الله تعالى أن يترجم بـ [كتاب سجود
القرآن]، أو بـ [أبواب سجود القرآن] كما فعل الإمام البخاري رحمه الله
تعالی . والله تعالى أعلم.
السُّجُودُ فِىِ ﴿ صَ﴾ [ص: ١]
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السجود في ((سورة
﴿ ص ﴾ .
٩٥٧ - أخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
حَجَّاجٌ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعيد
بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ((أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهَ سَجَدَ في
﴿ص﴾ [ص: ١]، وَقَالَ: ((سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا
شُكْرًا)).
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِبراهيم بن الحسن المِقْسَمِيّ) أبو إسحاق المصِيصيّ، ثقة،

٣٤٧
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
من [١١]، أخرج له أبو داود، النسائي، تقدم في ٥١ / ٦٤ .
٢ - (حجاج بن محمد) الأعور، أبو محمد الترمذي، نزيل
بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدم بغداد، من
[٩] مات سنة ٢٠٦، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٣ - (عمر بن ذرّ) بن عبد الله بن زُرَارة الهَمْدَانِي الْمُرْهِبِيّ، أبو ذر
الكوفي، ثقة رمي بالإرجاء، من [٦].
روى عن أبيه، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، ويزيد بن أمية،
ومجاهد، وآخرين.
وعنه أبان بن تغلب، وحجاج بن محمد الأعور، وابن عيينة،
ووكيع، وابن المبارك، وآخرون.
قال البخاري، عن علي: له نحو ثلاثين حديثًا، وقال أحمد بن
محمد بن يحيى بن سعيد القطان: قال جدي: عمر بن ذرّ ثقة في
الحديث، ليس ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. وقال الدُّوريّ
وغيره عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائي، والدار قطني. وقال
العجلي: كان ثقة بليغًا يرى الإرجاء، وكان لَيِّن القول فيه .
وقال أبو داود: كان رأسًا في الإرجاء ، وكان قد ذهب بصره. وقال
أبو حاتم: کان صدوقًا، وکان مرجئًا، لا يحتج بحديثه، هو مثل یونس
بن أبي إسحاق، وقال في موضع آخر: كان رجلاً صالحًا، محله

_ ٣٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الصدق. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو عاصم، عن عمر بن ذرّ
كوفيٌّ ثقة مرجىء. وقال ابن خراش: صدوق من خيار الناس، وكان
مرجثًا، وعن يحيى بن سعيد القطان ما يدلّ على أنه كان رأسًا في
الإرجاء. وقال ابن حبان في (الثقات)): كان مرجئًا، وهو ثقة. وقال
البَرْديجي : روى عن مجاهد أحاديث مناكير، وقال يعقوب بن سفيان:
ثقة مرجىء. وقال ابن سعد: قال محمد بن عبد الله الأسدي: توفي
سنة (١٥٣) كان مرجئًا، فمات، فلم يشهده الثوري، وكان ثقة ، إن شاء
الله، كثير الحديث، وقيل: مات سنة (١٥٠) وقيل: سنة (٢) وقيل:
(٥) وقيل: (٦) وقيل: (٧). والله أعلم.
روى له ابن ماجه في «التفسير» والباقون سوى مسلم (١). والله تعالى
أعلم.
تنبيه:
وقع في النسخة المطبوعة ((عَمْرو بن ذَرّ)) بالفتح، وهو خطأ،
والصواب عُمَرَ بالضمّ.
ووقع في نسخة ((الكبرى)) ((عمر بن زر)) بالزاي، وهو خطأ،
والصواب ((ذرَ)) بالذال المعجمة. فتنبه.
٤ - (ذّرّ) بن عبد الله المرهبي الكوفي، ثقة عابد رمي بالإرجاء، من
[٦] مات قبل المائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩٥/ ٣١٢.
وأما سعيد ، وابن عباس، فتقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم
(١) ((تك)) جـ ٢١ ص ٣٣٤ - ٣٤٠. ((تت)) جـ ٧ ص ٤٤٤ - ٤٤٥.

٣٤٩ _
-
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن
شيخه ممن انفرد به هو وأبو داود، والباقون من رجال الجماعة، إلا عمر
ابن ذر، فما أخرج له مسلم، وأخرج له ابن ماجه في ((التفسير))، وأن
شيخه وحجاجًا مصيصيان، والباقون كوفيون، إلا ابن عباس، فمدني،
ثم بصري، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عَُّ سجد في
صَلىالله
(عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي
﴿صَ﴾) ولفظه عند البخاري، وغيره: عن ابن عباس رضي الله
عنهما، قال: ﴿صَ﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي عَلّ
يسجد فيها)) .
ووقع عند البخاري في ((التفسير)) من طريق مجاهد، قال: ((سألت
ابن عباس من أين سجدت في (ص)؟))، ولابن خزيمة من هذا الوجه:
((من أين أخذت سجدة ﴿صَ﴾؟))، ثم اتفقا، فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِه دَاوُودَ
وَسَلَيمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قوله: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠].
ففي هذا بيان أنه استنبط مشروعية السجود فيها من الآية، وفي
الأول أنه أخذه عن النبي ◌ٍَّ، ولا تعارض بينهما، لاحتمال أن يكون
استفاده من الطريقين .

٣٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقد وقع عند البخاري في أحاديث الأنبياء من طريق مجاهد في
آخره فقال ابن عباس: ((نبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم)). فاستنبط وجه
سجود النبي ◌َّ فيها من الآية .
وسبب ذلك كون السجدة التي في ﴿ص﴾ إنما وردت بلفظ الركوع،
فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة.
وقوله: ((ليست من عزائم السجود)): المراد بالعزائم ما وردت العزيمة
على فعله، كصيغة الأمر، مثلاً، بناءً على أن بعض المندوبات آكد من
بعض عند من لا يقول بالوجوب، وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن
أبي طالب بإسناد حسن: ((إن العزائم ﴿حمَ﴾، ﴿والنَّجْمِ﴾،
و
و﴿اقْرأْ﴾، ﴿الَّمَ (١) تَنزِيلَ﴾)). وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة
الأخيرة. وقيل: ((الأعراف))، و﴿سَبْحَانَ﴾، و﴿الَم﴾. أخرجه ابن
أبي شيبة. قاله في ((الفتح))(١) .
(وقال) عَّ حينما سجدها (سجدها داود) عليه الصلاة،
والسلام (توبةً) منصوب على أنه مفعول لأجله، وكذا قوله: ((شكراً))،
كما قال في ((الخلاصة)) :
يُنْصَبُ مَفْعُولاً لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ
أَبَانَ تَعْلِيلاً كَـ ((جُدْ شُكْرًا وَدِنْ))
والمعنى أن داود عليه السلام سجد هذه السجدة لأجل التوبة إلى الله
سبحانه وتعالى .
(١) جـ ٣ ص ٢٥٧ .

٣٥١ _
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
(ونسجدها شكرًا) أي نحن أيتها الأمة نسجد هذه السجدة في
هذه السورة شكرًا لله تعالى على ذلك، فحين يجري في القرآن ذكْرُ مَنِّ
الله تعالى على عبده داود عليه السلام بالتوفيق لتلك التوبة والقبول لها؛
نسجد لله تعالی شکرًا على ذلك.
وقد استدلّ الشافعي رحمه الله بقوله: ((شكرًا)) على أنه لا يسجد
فيها في الصلاة، لأن سجود الشكر لا يشرع داخل الصلاة.
وفي رواية أبي داود، وابن خزيمة، والحاكم من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه، أنه قال: قرأ رسول الله عَّة، وهو على المنبر
(ص) فلما بلغ السجدة، نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان
يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَنَّزَ الناس(١) للسجود، فقال
النبي ◌َّ: ((إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَنَّزْتم للسجود، فنزل،
فسجد، وسجدوا)). فهذا السياق يشعر بأن السجود فيها لم يؤكد كما
أكد في غيرها .
واستدل بعض الحنفية من مشروعية السجود عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكعًا
وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] بأن الركوع عندها ينوب عن السجود، فإن شاء
المصلي ركع بها، وإن شاء سجد، ثم طرده في جميع السجدات، وبه
قال ابن مسعود رضي الله عنه (٢) .
(١) أي تهيؤوا، واستعدوا.
(٢) راجع الفتح جـ ٣ ص ٢٥٧ .

-
٣٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستنباط محل نظر. والله تعالى
أعلم.
وقال السندي رحمه الله تعالى: وكون السجدة للشكر لا يستلزم
عدم الوجوب، كما أنه لا يستلزم الوجوب، فينبغي الرجوع في معرفة
أحد الأمرين إلى خارج. والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة قريبًا،
إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث ابن عباس رضي الله عنه هذا صحيح.
وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنف رحمه الله، أخرجه هنا -٤٨/
٩٥٧ - وفي ((الكبرى)) - ١٠٢٩/٤٨ - بالسند المذكور. وأعاده في
((التفسير)) من ((الكبرى)) - ١١٤٣٧.
وأخرجه أيضًا في ((التفسير)) ١١١٦٩ - عن عبيد الله بن سعد، عن
عمه يعقوب بن إبراهيم، عن شريك ، عن حصين بن عبد الرحمن، عن
مجاهد، عن ابن عباس، أنه سجد في ﴿صّ﴾ ثم قال: ((أَمرَ نَبِيُّ
الله عَّهُ أن يقتدي بالأنبياء، ثم قرأ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ١٦٠ .

٣٥٣
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
اقْتده ﴾)) [الأنعام: ٩٠].
وفي - ١١١٧٠ - عن عتبة بن عبد الله، عن سفيان، عن أيوب،
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ((رأيت النبي ◌َّهُ يسجد في (صّ﴾،
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهَدَاهُمُ اقْتَدِهُ﴾﴾)) [الأنعام: ٩٠].
وقد أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، بلفظ: (((ص)
ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ◌َّه يسجد فيها)).
فأخرجه البخاري في سجود القرآن عن سليمان بن حرب،
وأبي النعمان، كلاهما عن حماد بن زيد- وفي ((أحاديث الأنبياء)) عن
موسى بن إسماعيل، عن وهيب - كلاهما عن أيوب السختياني، عن
عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((﴿صّ﴾ ليست من
عزائم السجود ... )).
وأبو داود في ((الصلاة)) عن موسى بن إسماعيل به. والترمذي فيه
عن ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن أيوب به. وقال: حسن صحيح.
والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في اختلاف العلماء في سجود ( ص)
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: وقد اختلف أهل العلم في
السجود في ﴿صّ﴾، فروينا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان،
وابن عمر أنهم سجدوا فيها. وفعل ذلك طاوس، وهو قول سعيد بن
جبير، والحسن البصري، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي.
وذهبت طائفة إلى أنه لا سجود في ﴿ص﴾، وممن كان لا يسجد

٣٥٤
۔
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
فيها: عبد الله بن مسعود ، وعلقمة، وأصحاب عبد الله، وكان
الشافعي لا یری السجود فيها .
قال: وبالقول الأول أقول، للثابت عن رسول الله ﴾ . انتهى كلام
ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما رجحه الإمام ابن المنذر رحمه الله
تعالى هو الراجح عندي، لقوة دليله. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في حكم سجود التلاوة:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن سجود التلاوة سنة، وليس
بواجب، وممن قال بهذا عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعمران
ابن حصين، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ،
وأبو ثور، وداود ، وغيرهم رضي الله عنهم.
وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن سجود التلاوة واجب على
القارئ، والمستمع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠، ٢١]، وبقوله
تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا اللَّه وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وبالأحاديث الصحيحة
أن النبي ◌َّه سجد للتلاوة، وقياسًا على سجود الصلاة.
واحتج الأولون بالأحاديث الصحيحة :
(١) الأوسط جـ ٥ ص ٢٥٤ - ٢٥٥.

٣٥٥
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
-
منها : حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: قرأت على
رسول الله عَ﴾ ﴿والنّجمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. متفق عليه .
ومنها : ما احتج به الشافعي رحمه الله تعالى في هذه المسألة ، وهو
حديث الأعرابي: ((خمس صلوات في اليوم والليلة))، قال: هل علي
غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع)). متفق عليه .
ومنها: ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ يوم الجمعة على المنبر
سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى
إذا كانت الجمعة القابلة، قرأها، حتى إذا جاء السجدة، قال: يا أيها
الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب، ومن لم يسجد، فلا
إثم عليه، ولم يسجد عمر)). وفي رواية قال: ((إن الله لم يفرض
السجود إلا أن نشاء)). أخرجهما البخاري رحمه الله تعالى في
((صحیحه)) .
قال النووي رحمه الله: وهذا القول من عمر رضي الله عنه في هذا
الموطن، والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس
بواجب، ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر
به، ولا معارض له، ولا يوجد هنا .
وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها، فهي إنما وردت في ذم
الكفار في تركهم السجود استكبارًا، وجحودًا، وأما المراد بالسجود في
الآية الثانية سجود الصلاة، والأحاديث التي احتجوا بها محمولة على

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الاستحباب، جمعًا بين الأدلة. والله تعالى أعلم. انتهى من ((مجموع
النووي)) رحمه الله مختصراً (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مذهب الجمهور وهو عدم
الوجوب هو الراجح، لقوة دليله، كما ذكر آنفًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في عدد سجود القرآن:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختلف أهل العلم في عدد سجود
القرآن، فروينا عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كانا
يعدان سجود القرآن، فقالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني
إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطسّ، وألمّ تنزيل، وصَ،
وحمَ السجدة، إحدى عشرة سجدة. وروينا عن ابن عباس رواية أخرى
أنه عدها عشرًا، وأسقط السجود في صّ.
وقد اختلف عن ابن عمر في السجدة الثانية من سورة الحج.
وقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدة، في الحج منها
سجدتان، وفي المفصل ثلاثة، وليس في صَ منها شيء. هكذا قال
الشافعي، وقال أبو ثور كقول الشافعي في العدد ، غير أنه أثبت السجود
في صّ، وأسقط السجود من سورة النجم، خالف الشافعي في هاتين
السجدتین .
(١) المجموع شرح المهذب جـ ٤ ص ٦١ - ٦٢ .

٣٥٧
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
وقال إسحاق في سجود القرآن: خمس عشرة: الأعراف، والرعد،
والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، وفي الحج سجدتان مباركتان، وفي
الفرقان، والنمل، وألمّ تنزيل السجدة، وفي صّ ، وفي حمّ السجدة،
وفي النجم، وفي إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك الذي خلق.
وقال أصحاب الرأي كما قال إسحاق، إلا في السجود في الحج،
فإنهم قالوا: فيها سجدة واحدة، وقولهم كقوله في سائر سجود القرآن.
انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (١). وبالله تعالى التوفيق.
فائدة: قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: واعلم: أنه يشترط
لجواز سجودة التلاوة، وصحته شروط صلاة النفل من الطهارة عن
الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولا يجوز السجود
حتى يتم قراءة السجدة. انتهى(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: مسألة اشتراط الطهارة في سجود التلاوة
فيها خلاف، فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما، وغيره عدم
اشتراط ذلك ، وهو ظاهر مذهب البخاري، فإنه ترجم [باب سجود
المسلمين مع المشركين، والمشرك نجس ليس له وضوء].
قال: وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسجد على غير وضوء.
(١) الأوسط جـ ٥ ص ٢٦٧ -٢٦٨.
(٢) شرح مسلم جـ ٥ ص ٧٩.

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
انتھی
(١) .
وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه
كنفسه، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر ينزل عن راحلته،
فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ.
وأما ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الليث، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما - كما قال
الحافظ - بأنه أراد بقوله طاهر الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة
الاختيار، والأول على الضرورة.
ووافق ابن عمرَ على جواز السجدة بلا وضوء الشعبيّ، أخرجه ابن
أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ
أنه كان يقرأ بالسجدة، ثم يسجد، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة،
وهو يمشي يومئ إيماء. قاله في ((الفتح)) (٢) .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: ليس في أحاديث سجود
التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، وقد كان يسجد
معه ◌َّ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعد
أن یکونوا جمیعًا متوضئین، وأيضًا قد کان یسجد معه المشركون، كما
(١) انظر صحيح البخاري بنسخة الفتح جـ ٣ ص ٢٥٨ .
(٢) فتح جـ ٣ ص ٢٥٨ -٢٥٩.

٣٥٩
٤٨ - باب سجود القرآن - حديث رقم ٩٥٧
تقدم، وهم أنجاس، لا يصح وضوؤهم. انتهى (١) .
قال الجامع: عندي الأولى أن لا يسجد على غير وضوء، وأما
إيجاب الوضوء فمحل توقف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
فائدة أخرى: قال النووي رحمه الله تعالى: يجوز عندنا سجود
التلاوة في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، لأنها ذات سبب، ولا
يكره عندنا ذوات الأسباب، وفي المسألة خلاف مشهور انتهى (٢)
.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: روي عن بعض الصحابة أنه يكره
سجود التلاوة في الأوقات المكروهة، والظاهر عدم الكراهة، لأن
السجود المذكور ليس بصلاة، والأحاديث الواردة في النهي خاصة
(٣)
بالصلاة . انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشوكاني رحمه الله تعالى حسن
جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب)).
(١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ١٢٥ -١٢٦.
(٢) شرح مسلم جـ ٥ ص ٧٩.
(٣) نيل الأوطار جـ ٣ ص ١٢٦.

٣٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٤٩ - السُّجُودُ فِي ﴿وَالنَّجْمِ
[النجم : ١]
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية السجود في سورة
﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١].
٩٥٨ - أخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلكِ بْنُ عَبْد الْحَميد بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرَانَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حَنْبَل، قَالَ: حَدَثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالد،
قَالَ: حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عُنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنَ طَاوُس،َ عُّنْ
عَكْرمَةَ بْنِ خَالد، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُطَّلَبِ بْنَ أبِي وَّاعَةَ،
عَنْ أَبيه، قَالَ: قَرَأْ رَسُولُ اللَّهِ عَه بمَّكَّةَ سَّوَرَةِ النَّجْم،
فَسَجَدَ، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، فَرَفَعْتُ رَآسي، وَأَبَيْتُ أَنْ
أسْجُدَ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَذٍ أَسْلَمَ الْمُطَّلِبُ.
رجال هذا الإسناد : تسعة
١ - (عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن ميمون بن
مهران) الجزري، ثم الرقّيّ، أبو الحسن الميموني، الحافظ الفقيه، ثقة
فاضل، من [١١].
صحب أحمد بن حنبل، وروى عنه ، وعن أبيه عبد الحميد،
ومحمد بن عبيد الطنافسي، وحجاج بن محمد ورَوْح بن عُبَادَةَ،