النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه، ولفظه: ((أعظم
من حامل القرآن وتاركه)).
ومن طريق أبي العالية موقوفًا: ((كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم
الرجل القرآن، ثم ینام عنه حتی ینساه)). وإسناده جيد.
ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا
یکرهونه، ويقولون فيه قولاً شديداً .
ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعًا: ((من قرأ القرآن، ثم نسيه
لقي الله وهو أجذم))(١) . وفي إسناده أيضًا مقال.
وقد قال به من الشافعية أبو المكارم، واحتج بأن الإعراض عن
التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به،
والتهاون بأمره.
وقال القرطبي: من حفظ القرآن، أو بعضه ، فقد علت رتبته
بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخلّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح
عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإنّ ترك معاهدة القرآن يفضي إلى
الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد.
وقال إسحاق بن راهويه: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا
(١) واختلف في معنى ((أجزم))، فقيل: مقطوع اليد، وقيل: مقطوع الحجة. وقيل:
مقطوع السبب من الخير. وقيل: خالي اليد من الخير، وهي متقاربة. وقيل: يحشر
مجزومًا حقيقة، ويؤيده في رواية زائدة بن قدامة عند عبد بن حميد: ((أتى الله يوم
القيامة وهو مجذوم)). انتهى فتح جـ ١٠ ص ١٠٧ .

- ٢٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
يقرأ فيها القرآن .
قال الجامع عفا الله عنه: القول بكون النسيان من الكبائر على
إطلاقه غير صحيح، لأنه مما لا دليل عليه، إذ لا تصح الأحاديث فيه،
ففي إسناد حديث أنس المذكور عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز بن أبي رَوَّاد،
وهو مختلف فيه، والمطلب بن عبد الله بن حنطب، صدوق كثير
التدليس والإرسال - كما قال في التقريب - وقد عنعنه عن أنس.
فالحدیث ضعيف.
وأما حديث سعد بن عبادة ففيه يزيد بن أبي زياد ضعيف، وعيسى
بن أبي عيسى قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير يزيد بن أبي
زياد، وقال ابن عبد البر: لم يسمع من سعد بن عبادة، ولا أدركه(١) .
وبالجملة أن الأحاديث في هذا الباب لا تصح، وعلى تقدير
صحتها تحمل على من أعرض عن القرآن عملاً وتلاوة، فيكون معنى
الحديث على معنى قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ
الْيَوْمَ تَنسى﴾ [طه: ١٢٦].
وأما الذي يعمل بالقرآن، وهو حافظ له، ثم عرض له مانع يمنعه
عن استذكاره، وشغل يشغله عن مراجعته حتى نسيه ، فليس داخلاً في
الوعيد، بدليل أنه مَّةٍ كان ينسى بعض الآيات، فلو كان نسيانه معصية
لما نسي ء﴾ .
والحاصل أن نسيان القرآن بعد حفظه بعذر ليس بمعصية، فضلاً عن
(١) انظر ((تت)) جـ ٨ ص ٢٢٧.

٢٤٣ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
أن يكون من الكبائر، وأما نسيانه بدون عذر فإنه من الكبائر، لأنه يدل
على إعراضه عنه، وعدم مبالاته به، فيدخل تحت الوعيد المذكور في
الآية المذكورة. هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
المسألة السابعة: ليس في الحديثين المذكورين تقدير مدة
مخصوصة للزمن الذي يختم فيه القرآن ، لكن مقتضاهما أنه يتلوه على
وجه لو نقص عنه لأدى إلى نسيانه، أو نسيان شيء منه، وذلك يختلف
باختلاف أحوال الناس في تمكنهم من الحفظ، وفي سرعة النسيان
وبطئه .
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختمونه في كل سَبْع.
وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن حذيفة، قال: قلنا
لرسول الله عليه: لقد أبطأت عنا الليلة، قال: ((إنه طرأ عليّ حزبي من
القرآن فكرهت أن أجيء حتى أختمه))، قال أوس : سألت أصحاب
رسول الله عَّ كيف يُحَزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع،
وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده (١).
وفي صحيح البخاري : أن النبي عَّ قال لعبد الله بن عمرو:
((واقرإ القرآن في شهر؟)) قلت: إني أجد قوة، حتى قال: ((فاقرأه في
(١) وفي سنده عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى مختلف فيه. وعثمان بن عبد الله بن
أوس ليس له إلا هذا الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان.

- ٢٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإفتتاح
سبع، ولا تزد على ذلك)).
وممن كان يختمه في كل سبعة أيام تميم الداري، وعبد الرحمن بن.
يزيد، وإبراهيم النخعي، وعروة بن الزبير، وأبو مجْلز، وأحمد بن
حنبل، وامرأة ابن مسعود، واستحسنه مسروق .
وممن كان يختمه في ثمان أُبيّ، وأبو قلابة. وبمن كان يختمه في
ست الأسود بن يزيد. وممن كان يختمه في خمس علقمة بن قيس،
وممن كان يختمه في ثلاث ابن مسعود، وقال: من قرأه في أقلّ من
ثلاث فهو راجز، وكره ذلك معاذ، وكان المسيب بن رافع يختمه في كل
ثلاث، ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائمًا. رواها كلها ابن أبي
شيبة. رحمه الله تعالى .
وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في
شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم
في كل عشر ليال. وقال أحمد بن حنبل: أكثر ما سمعت أنه يختم
القرآن في أربعين، وكره الحنابلة تأخيره عن ذلك، لأن النبيَّهم
سأله عبد الله بن عمرو في كم يقرأ القرآن؟ قال: ((في أربعين يومًا))، ثم
قال: ((في شهر))، ثم قال: ((في عشرين))، ثم قال: ((في خمس عشرة))،
ثم قال: ((في عشر))، ثم قال: ((في سبع))، لم ينزل من سبع. رواه
أبو داود.
قالوا: ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان، والتهاون

٢٤٥ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
به، قالوا: وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له،
واستحبوا أن يختمه في سبع، وقالوا: إن قرأه في ثلاث فحسن، لما
روي عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت لرسول الله عَّ: إن بي قوّةً،
قال: ((اقرأه في ثلاث)). رواه أبو داود. وعن أحمد بن حنبل رحمه الله
أنه قال: أكره أن يقرأه في أقلّ من ثلاث، وذلك لقوله تعميّة: ((لا يفقه
من قرأه في أقلّ من ثلاث)). رواه أبو داود.
وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حرامًا، فقال:
يستحب أن يختم القرآن مرة في كلّ شهر، ويكره أن يختم في أقل من
خمسة أيام، فإذا فعل ففي ثلاثة أيام، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل
من ذلك، ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم
وليلة، ثم استدلّ على ذلك بالحديث المتقدم: ((لا يفقه من قرأ القرآن في
أقل من ثلاث)) .
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: ولا حجة في ذلك على تحريمه،
ولا يقال: إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرماً، ومراد
الحديث أنه لا يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه، والتدبر
لمعانيه، ولا يتسع الزمان لذلك.
وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة ،
منهم عثمان بن عفان ، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وعن علي
الأزدي وعلقمة قراءته في ليلة واحدة. رواها كلها ابن أبي شيبة في

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٢٤٦
(مصنفه)).
وكان الشافعي يختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان شهر
رمضان ختم في اليوم والليلة مرتين. وكان الأسود يختمه في رمضان
في ليلتين، وفي سواه في ست. وكان بعضهم يزيد على ذلك.
قال ابن عبد البر: كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن
مرتين وأكثر في ليلة .
وقال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ
في اليوم والليلة ثمان ختمات، وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في
ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة ، والترتيل أفضل من العجلة.
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت لأن أقرأ القرآن في شهر
أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة
أحب إليّ من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إليّ من أن
أقرأه في سبع ، أقفُ، وأدعو. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأفضل أن يقرأ القرآن في
شهر، لما في رواية البخاري أنّ النبي ◌َّهُ قال لعبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما: ((اقرإ القرآن في شهر)). مع أنه يعلم أن له نشاطًا وقوة
على القراءة، فلما استزاده، وألحّ عليه قال له: ((اقرأه في عشرين))،
(١) انظر طرح التثريب في شرح التقريب جـ ٣ ص ١٠٢ - ١٠٤.

٢٤٧ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
إلخ . فدلّ على أن الشهر هو الأولى، لكن من وجد قوة ونشاطًا فله أن
يزيد على ذلك حتى يصل إلى سبع، والأفضل أن لا يزيد عليها، لأنها
التي وقف عندها النبي ◌َّ مع إلحاح عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما، وقال له: ((ولا تزد على سبع))، فدل على أنه لا أفضل وراءها،
ويجوز في ثلاث، ولا يزيد عليها، فإن خير الهدي هدي النبي ◌َّه .
والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة : أخرج الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها،
قالت: سمع رسول الله تَّ رجلاً يقرأ في سورة بالليل، فقال:
(يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا
وكذا)). وفي لفظ: ((كنت أسقطتهن من سورة كذا)).
في هذا الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي عمَّه فيما ليس
طريقه البلاغ مطلقًا، وكذا فيما طريقه البلاغ، لكن بشرطين: أحدهما:
أنه بعدما يقع منه تبليغه، والآخر: أنه لا يستمرّ على نسيانه، بل يحصل
له تذكره، إما بنفسه، وإما بغيره، وهل يشترط في هذا الفورُ؟ قولان،
فأما قبل تبليغه، فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلاً .
وزعم بعض الأصوليين، وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان
أصلاً، وإنما يقع منه صورته ليَسُنّ. قال القاضي عياض: لم يقل به من
الأصوليين أحد، إلا أبا المظفر الإسفراييني، وهو قول ضعيف.
وقال الإسماعيلي رحمه الله: النسيان من النبي ◌ُّ لشيء من

- ٢٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
القرآن يكون على قسمين :
أحدهما : نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع
البشرية، وعليه يدل قوله تعَّم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في
السهو: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)) .
والثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو
المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿ سَنُقْرِتُكَ فَلا تَنسَى (٦) إِلاَّ مَا شَاءَ
اللَّهُ ﴾ [الأعلى: ٦-٧].
قال: فأما القسم الأول، فعارض سريع الزوال، لظاهر قوله
تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأما
الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسِهَا ﴾ [البقرة: ١٠٦]
على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همز. انتهى من الفتح بتصرف(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي تفيده الأدلة الصحيحة أنه يل.
ينسى كما ينسى سائر البشر، لكن ذلك بعد تبليغه للناس، وحفظهم
له، أما قبل التبليغ فلا، لأن الله تعالى تكفل بحفظه، حيث قال: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فلو نسيه قبل التبليغ لما
تمكن من تبليغه، فلا يكون محفوظًا، وقد أخبر الله تعالى بأنه حافظ
له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) جـ ١٠ ص ١٠٤ - ١٠٦.

٢٤٩ -
٣٨ - القراءة في ركعتي الفجر - حديث رقم ٩٤٤
٣٨ - الْقَرَاءَةُ فِي رَكْعَتَى الْفَجْر
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية القراءة في ركعتي
الفجر، وبيان الآيتين اللتين يقرأ بهما فيهما مع الفاتحة، وإنما ترك ذكرها
اكتفاء بما تقدم له من الأدلة على وجوب قراءتها في كل الصلوات.
والمراد بركعتي الفجر سنة الصبح القبلية .
وأراد المصنف رحمه الله تعالى الرد على من قال: لا يقرأ فيهما
أصلاً، وعلى من قال : لا يقرأ غير الفاتحة، كما سنذكره في المسألة
الرابعة، إن شاء الله تعالى.
٩٤٤ - أخْبَرَنَا (١) عمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ
الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ بْنُ يَسَارِ، أَنَ ابْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله ◌َُّ
كَانَ يَقْرَأْ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي الأَولَى مِنْهُمَا الآيةَ الَّتِي
فِي الْبَقَرَةِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:
١٣٦] إلَى آخر الآية، وَفي الأخْرَى: ﴿ آمنًا باللَّه وَاشْهَدْ
(١) وفي نسخة: ((أخبرني)).

٢٥٠
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
بِأَنَّا مُسْلمَونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (عمران بن يزيد) هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم
القرشي، ويقال: الطائي الدمشقي، نسب لجده، صدوق من [١٠]،
مات سنة ٢٤٤، أخرج له النسائي، تقدم في ١٨ / ٤٢٢ .
٢ - (مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري، أبو
عبد الله الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء
الشيوخ من [٨]، مات سنة ١٩٣، أخرج له الجماعة، تقدم في
٨٥٠/٥٠.
٣ - (عثمان بن حكيم) بن عَبَّاد بن حُنَف الأنصاري الأوسي،
أبو سهل المدني، ثم الكوفي، ثقة من [٥].
قال البخاري عن علي: له نحو عشرين حديثًا. وقال أبو طالب عن
أحمد: ثقة ثبت. وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم، والنسائي :
ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو سعيد الأشج، عن أبي خالد
الأحمر: سمعت أوثق أهل الكوفة، وأعبدهم عثمان بن حكيم. ووثقه
العجلي، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة، وابن سعد، وغيرهم، وذكره
ابن حبان في الثقات. وأرخ ابن قانع وفاته سنة ١٣٨ - وقال خليفة في
الطبقة الخامسة من أهل الكوفة: مات قبل الأربعين ومائة. علق له

٢٥١ -
٣٨ - القراءة في ركعتي الفجر - حديث رقم ٩٤٤
البخاري ، وأخرج له الباقون(١).
٤ - (سعيد بن يسار) أبو الحُبَاب المدني، ثقة متقن من [٣]، مات
سنة ١١٧ ، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٦ / ٧٤٠ .
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنهما، تقدم
في ٢٧ / ٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله .
ومنها: أن رجاله ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه،
فهو من أفراده .
ومنها : أنه مسلسل بالإخبار والتحديث.
ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها : أن فيه ابن عباس رضي الله عنهما أحد المكثرين السبعة،
وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) عثمان بن حكيم (أخبرني سعيد بن يسار أن ابن عباس)
رضي الله عنهما (أخبره) أي سعيدًا (أن رسول الله عَّ كان يقرأ
في ركعتي الفجر) أي في بعض الأحيان بدليل ما يأتي في الباب التالي
(١) ((تت)) جـ ٧ ص ١١١ - ١١٢.

- ٢٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أنه قرأ بـ ((قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد)).
ولفظ أبي داود: ((إن كثيراً مما كان يقرأ رسول الله عَّه في ركعتي
الفجر)) .. .
والمراد أنه كان يقرأ ما ذكر بعد قراءة الفاتحة، لما تقرر من الأدلة أن
الصلاة لا تصح بدونها، كما أشرنا إليه في أول الباب .
(في الأولى منهما) بدل من الجار والمجرور قبله، بدل تفصيل من
مجمل (الآية) بالنصب مفعول به لـ ((يقرأ)) (التي في البقرة ﴿قُولُوا
آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]) («قولوا)) بدل من ((الآية)»
منصوب محكي، أو خبر لمبتدإ محذوف، أي هي، أو مفعول لفعل
محذوف، أي أعني (إِلى آخر الآية) أي يقرؤها إلى آخرها، وتمامُها:
﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ
مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَِّيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
(وفي الأخرى) أى ويقرأ في الركعة الثانية ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي يقرأ الآية المشتملة على هذا الكلام،
وهي ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
ووقع في رواية لمسلم من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن
حكيم: ((كان رسول الله تَّه، يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه

٢٥٣ _
٣٨ - القراءة في ركعتي الفجر - حديث رقم ٩٤٤
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
٠/٥٠
سواء بيننا وبينكم ﴾[آل عمران: ٦٤].
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن الرواية الأولى أرجح لأن
مروان بن معاوية أحفظ من أبي خالد الأحمر، وقد تابعه عيسى بن
يونس، کما ذکره مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه.
ويحتمل أن يكون في بعض الأوقات يقرأ هذه، وفي بعضها يقرأ
هذه ، وهو ظاهر صنيع مسلم، حيث أخرج الحديثين في صحيحه.
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -
٩٤٤/٣٨ - وفي ((الكبرى)) - ١٠١٦/٣٨ بالإسناد المذكور. والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فیمن أخر جه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن قتيبة بن سعيد، عن مروان بن
معاوية الفزاري - وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر -
وعن علي ابن خشرم، عن عيسى بن يونس - ثلاثتهم عن عثمان بن
حکیم، عن سعيد بن يسار، عنه.

- ٢٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وأبو داود فيه عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن
عثمان بن حکیم به .
وأخرجه (أحمد) ١/ ٢٣٠ و٢٣١، (وعبد بن حميد) رقم
٧٠٦، (وابن خزيمة) ١١١٥ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : مشروعية القراءة في ركعتي الفجر، وهو مذهب الجمهور،
وقد خالف بعض السلف فقال: لا يقرأ شيئًا. وهو قول باطل مخالف
للسنة الصحيحة التي لا معارض لها، كما قال النووي رحمه الله
تعالى .
ومنها : بيان استحباب قراءة الآيتين المذكورتين بعد الفاتحة في
الركعتين، وهو مذهب الشافعي، وجمهور أهل العلم رحمهم الله،
وقال مالك وجمهور أصحابه: لا يقرأ غير الفاتحة، وهو قول مخالف
للأدلة الصحيحة أيضًا (١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت، وإليه أنيب.
(١) انظر: شرح مسلم للنووي رحمه الله ج ٦ ص ٦.

٢٥٥ _
٣٩ - باب القراءة في ركعتي الفجر - حديث رقم ٩٤٥
٣٩ - بَابَ الْقِراءَةِ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ [الكافرون: ١]، وَ﴿ قَلْ
بـ
هُوَ اللَّهُ أَحَدْ﴾ [الإخلاص: ١]
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب قراءة هاتين
السورتين بعد فاتحة الكتاب في ركعتي الفجر .
٩٤٥ - أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مَرْوَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أبي حازم،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِنَّهُ قَرَا فِي رَكْمَتِىِ الْفَجْرِ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ [الكافرون: ١]، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبد الرحمن بن إِبراهيم) بن عمرو العُثماني مولاهم
الدمشقي، أو سعيد، لقبه (دُحيم) مصغرًا ابن اليتيم ، ثقة حافظ متقن
من [١٠]، مات سنة ٢٤٥، أخرج ه البخاري، والنسائي، وابن ماجه،
تقدم في ٤٥ / ٥٦.
٢ - (مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري، أبو

- ٢٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
عبد الله الكوفي، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء
الشيوخ من [٨]، مات سنة ١٩٣، أخرج له الجماعة، تقدم
في ٨٥٠/٥٠.
٣ - (يزيد بن كيسان) اليشكري، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين -
مصغراً - الكوفي ، صدوق يخطئ من [٦]، أخرج ه البخاري في
الأدب المفرد ومسلم والأربعة، تقدم في ١٧٣ / ٢٧٠ .
٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة - ٣ - مات على
رأس (١٠٠)، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧٣ / ٢٧٠ .
٥ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في
١/١ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم
ثقات، من رجال الجماعة ، إلا شيخه، فما أخرج له مسلم، والترمذي،
وأنهم کوفیون، إلا شيخه، فدمشقي، وفيه أبو هريرة رضي الله عنه أكثر
الصحابة رواية للحديث، رزى - ٥٣٧٤ - حديثًا، وفيه الإخبار في
أوله ، والتحديث في موضعين، والعنعنة في موضعين . والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله عَ ةٍ قرأ فى

٢٥٧ -
٣٩ - باب القراءة في ركعتي الفجر - حديث رقم ٩٤٥
ركعتي الفجر) أي بعد قراءة أم القرآن، وإنما لم يذكرها لوضوح
أمرها ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾
" الإخلاص: ١] أى قرأ السورتين بتمامهما، فقرأ في الأولى بعد الفاتحة
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
وفي الحديث دليل لما ذهب إليه الجمهور من استحباب قراءة سورة
في كل ركعة من هاتين الركعتين بعد الفاتحة، وكون المقروء في الأولى
سورة ((الكافرون))، وفي الثانيةسورة ((الإخلاص)).
ولا دليل فيه لمن قال: لا تتعين قراءة الفاتحة في هاتين الركعتين،
لعدم ذكرها مع السورتين، لما علمت من أن عدم ذكرها لاشتهار أمرها.
وفيه الردّ على مالك في قوله بالاقتصار فيهما على الفاتحة، وعلى
من قال: لا قراءة فيهما أصلاً. والله تعالى أعلم. وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٣٩/ ٩٤٥ - وفي ((الكبرى)) - ٣٩/ ١٠١٧ -

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٢٥٨
بالإسناد المذکور.
المسألة الثالثة : فیمن أخر جه معه:
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن محمد بن عباد، وابن أبي عمر -
كلاهما عن مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن
أبي حازم عنه .
وأبو داود فيه عن یحیی بن معین، عن مروان به .
وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم، دحيم، ويعقوب
ابن حميد بن كاسب، كلاهما عن مروان به. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .

٢٥٩ -
٤٠ - تخفيف ركعتي الفجر - حديث رقم ٩٤٦
٤٠ - تَخْفِيفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على استحباب تخفيف صلاة
ركعتي الفجر.
٩٤٦ - أخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أنْبَأنَا(١) جَرِيرٌ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى رَسُولَ الله ◌َُّ
يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَيُخَفِّفُهُمَا، حَتَّى أَقُولَ: أقَرّاً بأم
الْكتَاب؟ .
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي، أبو يعقوب، أو أبو
محمد المعروف بابن راهويه، ثقة حجة ثبت فقيه من [١٠]، مات سنة
٢٣٨ وله ٧٢ سنة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي، تقدم في٢/ ٢ .
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، نزيل الري
(١) وفي نسخة ((أخبرنا)).

- ٢٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه
من [٨]، مات سنة ١٨٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (يحيى بن سعيد ) بن قيس الأنصاري، أبو سعيد قاضي
المدينة ، ثقة ثبت من [٥]، مات سنة ١٤٤ - أو بعدها ، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٢٢/ ٢٣ .
٤ - (محمد بن عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصاري
المدني، ابن أخي عمرة بنت عبد الرحمن، وهو محمد بن عبد
الرحمن ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، ويقال: ابن
محمد بدل عبد الله، ومنهم من ینسبه إلى جده لأمه، فيقول: محمد
ابن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، ثقة - ٦ -.
روى عن عمته عمرة بنت عبد الرحمن، وأختها لأمها أم هشام بنت
حارثة بن النعمان، ويحيى بن أسعد بن زرارة، وابن كعب بن مالك،
وعمرو، ويقال: محمد بن شرحبيل، والأعرج، ومحمد بن عمرو بن
الحسن، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، ويحيى بن أبي كثير،
وسهيل بن أبي صالح، وعمارة بن غزية، وأبو أويس، وغيرهم.
ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: توفي
سنة - ١٢٤ - وهو ثقة، وله أحاديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن
حبان في الثقات. وصرح ابن سعد بأن عمرة عمة أبيه .