النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١ -
-
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤
ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من
الناس، ولکن یکون سر غیب بین الله وبین رسله.
ومنه ما یتكلم به الأنبياء، ولا یکتمونه أحدا، ولا يؤمرون بكتمانه،
ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا، ويبينون لهم أن الله عز وجل أمرهم أن
يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه. ومن الوحي ما يرسل الله من يشاء من
ملائكته، فيوحيه وحيّا في قلوب من يشاء من أنبيائه ورسله.
وقد بين في كتابه أنه كان يرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة
والسلام، فقال في كتابه: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لَجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
قَلْبكَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآية. وقال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ
١
) نَزَلَ بِه الرُّوحُّ الأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ
١٩٢
(١٩٤)
بِلسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وروي عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ
اللَّهُ إِلاَّ وَحْيَا﴾ [الشورى: ٥١] قال: أن ينفث في نفسه ﴿أَوْ مِن وَرَاءِ
حجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] قال: موسى حين كلمه الله. ﴿أَوْ يُرْسلَ
رسولاً﴾ [الشورى: ٥١] قال: جبريل إلى محمد، وأشباهه من الرسل،
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر
رحمه الله تعالى ببعض تصرف(١) .
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .
(١) التمهيد جـ ٢٢ ص ١١٣ - ١١٤. والاستذكار ج ٨ ص ٦٠ - ٦٧ .

١٢٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٩٣٥ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَاَنَةَ، عَنْ مُوسَى
ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى
قَوْلُه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ
عَلَيْنَاَ جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]. قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ
◌َّه يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ ممَّا يُحَرِكُ شَفَتَيْه،
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ
عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]، قَالَ: جَمْعَهُ في
صَدْرِكَ، ثُمَّتَقْرَأْهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، قَالَ:
فَاسْتَمِعْ لَهُ، وَأَنْصِتْ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَّ إِذَا أَتَاهُ
جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَآهُ كَمَا أَقْرَاهُ» .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/١.
٢ - (أبو عوانة) الوَضَّاحُ بن عبد الله اليشكري مولاهم الواسطي
البزاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٧]، مات سنة ١٧٥، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٤١ / ٤٦ .
٣ - (موسى بن أبي عائشة) الهمداني - بسكون الميم -مولاهم،
أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، يرسل [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٤٠ / ٨٣٤.

١ -
١٢٣
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
٤ - (سعيد بن جُبَير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣]
قتل سنة ٩٥ - ولم يكمل الخمسين، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨ / ٤٣٦ .
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله عنه، تقدم في
٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات
أثبات، وأنهم من رجال الجماعة ، وأن شيخه بغلاني، وشيخ شيخه
واسطي، والصحابي بصري، والباقيان كوفيان. ومنها: أنهم من
الأفراد، لا يشاركهم أحد من الرواة في أسمائهم مع أسماء آبائهم.
ومنها: أن أبا عوانة كان كتابه في غاية الإتقان. ومنها: أن موسى بن
أبي عائشة لا يعرف اسم أبيه. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي
موسى، عن سعيد. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد
المكثرين السبعة، روى - ١٦٩٦ - حديثًا، اتفق الشيخان منها على ٧٥
وانفرد البخاري بـ ٢٨ ومسلم بـ ٤٩ حديثًا. ومنها: أن فيه الإخبارَ في
أوله، والتحديث في ثانيه، والعنعنة في الباقي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما (في قوله تعالى) أي في
توضيح معانيه، وبيان سبب نزوله ﴿لا تَحَرّكْ به لسَانَكَ لتَعْجَلَ به ١٦) إِنَّ
عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ [القيامة: ٦
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: هذا تعليم من الله تعالى لرسوله

١٢٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
تَّهُ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق
الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع
له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه
الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له، ويفسره، ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه
في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره، وإيضاح معناه، ولهذا قال
تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لسَانَكَ لتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أي بالقرآن، كما
قال تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآن من قَبْل أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبّ
زِدْنِي عِلْمَا﴾ [طه: ١١٤] انتهى(١) .
(قال: كان النبي ◌َّم) لفظة ((كان)) في مثل هذا التركيب تفيد
الاستمرار (يعالج من التنزيل شدة) المعالجة: محاولة الشيء بمشقة .
و((شدة)) بالنصب مفعول ((يعالج)). وقال الكرماني رحمه الله: يجوز أن
يكون مفعولاً مطلقًا له، أي يعالج معالجة شديدة . اهـ.
فعلى هذا يحتاج إلى شيئين: أحدهما : تقدير المفعول
به لـ ((يعالج)). والثاني: تأويل الشدة بالشديدة، وتقدير الموصوف لها،
فافهم. قاله البدر العیني رحمه الله تعالى.
(وكان مما يحرك شفتيه) إنما كرر لفظة ((كان)) لطول الكلام، وقد
قال العلماء: إذا طال الكلام جاز إعادة اللفظ، ونحوه، كقوله تعالى :
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون:
٣٥]، فأعاد ((أنكم)) لطول الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مّنْ
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٧٩ .

١٢٥
-
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
عند الله﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جاءهم ما عرفوا﴾ [البقرة: ٨٩].
١
و
قاله النووي رحمه الله تعالى(١).
واختلفوا في معنى هذا الكلام، وتقديره، فقال القاضي عياض:
معناه: كثيراً ما كان يفعل ذلك. قال: وقيل: معناه هذا من شأنه،
ودَأبه، فجعل ((ما)) كناية عن ذلك، وأدغمت نون ((منْ)) في ميم ((ما)).
ومنه قوله في حديث سمرة رضي الله عنه: ((كان رسول الله عَّ إذا
صلى الصبح مما يقول لأصحابه مَنْ رأى منكم رؤيا)) أي هذا شأنه.
وحديث البراء رضي الله عنه: ((كنا إذا صلينا خلف النبي ◌َّ مما
نحب أن نكون عن يمينه)). أي هذا شأننا.
وقال بعضهم: معناه (ربما)) لأن ((منْ)) إذا وقع بعدها ((ما)) كانت
بمعنى ((ربما)). قاله الشيرازي، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم،
وخرّجوا عليه قول سيبويه: ((واعلم أنهم مما يحذفون كذا)). وأنشدوا
قول الشاعر [من الطويل]:
عَلَى رَأسِهِ نُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَم
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً
وقال الكرماني: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي مبدأ
العلاج منه. وفيه نظر، لأنه جعل اسم كان ضميرًا يعود على العلاج
المفهوم من ((يعالج))، والأقرب كونه ضمير النبي ◌َّة، ولأن الشدة - كما
قال الحافظ - حاصلة قبل التحريك.
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٦٥ - ١٦٦.

١
١٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
قال الكرماني: أو ((ما)) بمعنى ((مَنْ))، إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا، أي
وكان ممن يحرك شفتيه(١) .
زاد في الرواية الآتية في التفسير من ((الكبرى)) جـ ٦ ص ٥٠٣ .:
«قال ابن عباس: أنا أحر کھما لك کما کان رسول الله ﴾﴾ يحركهما،
قال سعيد: وأنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه،
فأنزل الله عز وجل: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكِ﴾ [القيامة: ١٦] ... ونحوه
عند الشيخين، ولفظ البخاري في ((بدء الوحي)): ((فقال ابن عباس ، فأنا
أحركهما لكم، كما كان رسول الله عَ ◌ّه يحركهما، وقال سعيد: أنا
أحركهما، كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله
تعالى: ﴿لا تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَك﴾ [القيامة: ١٦].
قال في الفتح: قوله: ((فقال ابن عباس: فأنا أحركهما)) جملة
معترضة بالفاء، وذلك جائز، كما في قول الشاعر :
أَنْ سَوْفَ يأْتِي كُلُّ مَا قُدرَا
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ
وفائدة هذا زيادة البيان في الوصف على القول، وعَبَّرَ في الأول
بقوله: ((كان يحركهما))، وفي الثاني بـ (رأيت))، لأن ابن عباس لم ير
النبي ◌َّ في تلك الحالة، لأن سورة ((القيامة)) مكية باتفاق، بل الظاهر
أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، وإلى هذا جنح البخاري في
إيراده في ((بدء الوحي))، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك وُلدَ، لأنه ولد قبل
(١) راجع الفتح جـ ١ ص ٤٣، وعمدة القاري جـ ١ ص ٧٢. ونقلته ملخصًا. وذكر
العیني و جهین آخرین تر کتهما لرکاکتهما .

١٢٧
-
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
الهجرة بثلاث سنين .
لكن يجوز أن يكون النبي ◌َّ أخبره بذلك بَعْدُ، أو بعض الصحابة
أخبره أنه شاهد النبي ◌َّه، والأول هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحًا
عند أبي داود الطيالسي، في مسنده عن أبي عوانة بسنده بلفظ: ((قال ابن
عباس: فأنا أحرك لك شفتي كما رأيت رسول الله ثم له))(١).
وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع.
ولا تنافي بين قوله: ((فحرك شفتيه))، وقوله: ﴿لا تُحَرّكْ به
لسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على
الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان، أو اكتفى
بالشفتين، وحذف اللسان لوضوحه، لأنه الأصل في النطق، إذ الأصل
حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك. ويدل عليه رواية
البخاري في التفسير من طريق جرير : (يحرك لسانه وشفتيه))، فجمع
بینھما .
وكان النبي ◌َّ في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل القراءة،
ولم يصبر حتى يتمها، مسارعةً إلى الحفظ، لئلا ينفلت منه شيء. قاله
الحسن وغيره .
(١) هكذا نقل في الفتح في تفسير سورة ((القيامة)) عن مسند أبي داود الطيالسي عن أبي
عوانة، ولكن الذي رأيته في مسنده ص ٣٣٩ نصه: ((قال ابن عباس: إنما أحرك
شفتي كما كان رسول الله تَّ يحرك)) ... والحافظ رحمه الله ثبت في النقل، فلا
أدري من أي موضع نقله. فيتأمل. والله تعالى أعلم.

١٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
ووقع في رواية الترمذي: ((يحرك به لسانه يريد أن يحفظه)).
وللنسائي: ((يعجل بقراءته ليحفظه)). ولابن أبي حاتم: ((يتلقى أوله،
ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أولَه قبل أن يفرغ من آخره)). وفي
رواية الطبري، عن الشعبي: ((عجل يتكلم به من حبه إياه)). وكلا
الأمرین مراد.
ولا تنافي بين محبته إياه، والشدة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن يُنصتَ
حتى يُقْضَى إليه وَحْيُهُ، وَوُعدَ بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان، أو غيره .
ونحوُهُ قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ
وَحَيْه﴾ [طه: ١١٤]. أي بالقراءة. انتهى ما في ((الفتح)) بزيادة من
((عمدة القاري))(١) .
(قال الله عز وجلّ) وفي رواية ((الكبرى)) في التفسير: ((فأنزل الله
عز وجل)) (﴿لا تُحَرِّكْ بِه لِسَانَك﴾ [القيامة: ١٦] الضمير عائد على
القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لكن القرآن یرشد إليه، بل دلّ عليه سياق
الآية. أي لا تعجل بقراءة القرآن ما دام جبريل يقرؤه.
واحتج بهذا من جوز اجتهاد النبي ◌َّ، وجوز الفخر الرازي أن
يكون أذن له في الاستعجال إلى وقت ورود النهي عن ذلك، فلا يلزم
وقوع الاجتهاد في ذلك (٢).
(١) فتح جـ ١ ص ٤٣ - ٤٤. عمدة القاري جـ ١ ص ٧٣.
(٢): فتح في كتاب التفسير جـ ٩ ص ٦٩٠.

١٢٩ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
(﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]) أي لتأخذه على عجلة، ثم علل النهي
عن العجلة بقوله: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]) أي جمعه
في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك، كما أشار إليه بقوله: (قال) أي
ابن عباس رضي الله عنهما مفسراً لهذه الجملة (جمعه في صدرك)
رواية المصنف أوضح من رواية البخاري في ((بدء الوحي))، ولفظه:
((جمعه لك صَدْرُك)). برفع صدرُك على الفاعلية، قال في الفتح: كذا
في أكثر الروايات، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز، كقوله أنبت
الربيع البقل. أي أنبت الله في الربيع البقل، واللام في ((لك)) للتبيين، أو
للتعليل. انتهى (١).
(ثم تقرأه) بالنصب بـ ((أن)) مضمرة، لكونه معطوفًا على اسم
خالص، وهو ((جَمْعُهُ))، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)) :
تَنْصِبُهُ أَنْ ثَابَتَّا أَوْ مُنْحَذِفْ
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ
ومنه قول الشاعر [من البسيط]:
كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ
إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ
فـ ((أعقله)) منصوب لعطفه على اسم صريح، وهو ((قتلي)). والتقدير
هنا : ((ثم قراءتُكَ له)).
(﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي إذا تلاه عليك جبريل عليه
السلام، ففيه إضافة ما يكون عن أمر الله تعالى إليه (﴿فَاتَّبِعْ قُرَأْنَهُ﴾
[القيامة: ١٨]) أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. قاله ابن كثير في
(١) فتح جـ ١ ص ٤٤.

- ٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
تفسيره. فالقرآن هنا بمعناه المصدري، وهو القراءة. (قال) ابن عباس
رضي الله عنهما (فاستمع له، وأنصِتْ) فيه لغتان: قطع همزته،
ووصلها، يقال: أنصت إنصاتًا: استمع، يتعدى بالحرف، فيقال:
أنصت الرجلُ للقارئ، وقد يحذف الحرف، فيُنصَبُ المفعولُ، فيقال:
أنصت الرجلُ القارئَ، ضُمنَ ((سمعه)). ونَصَتَ له يَنْصتُ، من باب
ضرب، لغةٌ: أي سكت مستمعًا، وهذا يتعدى بالهمزة، فيقال: أنصته،
أي أسكته. قاله الفيومي(١) .
وقال الأزهري: يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت ، ثلاث لغات،
أفصحهن ((أنصت))، وبها جاء القرآن العزيز. انتهى.
والاستماع أخص من الإنصات، لأن الاستماع: الإصغاء،
والإنصات: السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء، فقد يستمع،
ولا ينصت، فلهذا جُمعَ بينهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ
وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. أفاده في شرح مسلم (٢).
زاد في رواية البخاري: ((﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ [القيامة: ١٩]، ثم إن
علينا أن تقرأه))، وفي رواية له: ((علينا أن نبينه بلسانك))، وفي رواية
((على لسانك)).
البيان الإجمالي؛ فلا يتم الاستدلال.
(١) المصباح جـ ٢ ص ٦٠٧ .
(٢) جـ ٤ ص ١٦٦ - ١٦٧ .

١٣١ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
(فكان رسول الله تَّه) بعد نزول هذه الآية (إِذا أتاه جبريل
استمع) لقراءته (فإِذا انطلق جبريل) أي ذهب، وانصرف من عنده
(قرأه كما أقرأه) فاعل ((قرأ)) الأول ضمير النبي لتَّ، وفاعل (قرأ))
الثاني ضمير جبريل عليه السلام.
يعني أن رسول الله تَّه كان بعد نزول هذه الآية إذا أتاه جبريل عليه
السلام استمع لقراءته، فإذا انصرف جبريل قرأ النبي ◌َّ مثل ما قرأ
جبريل عليه السلام من غير زيادة، ولا نقصان. والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(المسألة الأولى) : في درجته :
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٣٧/ ٩٣٤ - و((الكبرى)) ٣٧/ ١٠٠٥ - وفي التفسير -
١١٦٣٤ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن موسى بن عقبة أبي عائشة ، عن
سعيد بن جبير، عنه .
و ((الكبرى)) في ((فضائل القرآن)) -٧٩٧٨ - عن هناد بن السري، عن
عَبيدة، عن موسى به ، مختصراً : ((كان إذا نزل عليه الوحي يعالج من
ذلك شدة)» .

- ١٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وفي ((التفسير)) - ١١٦٣٥ - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن
موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]
قال: ((كان يحرك لسانه، مخافة أن يُفلتَ منه)).
وفي - ١١٦٣٦ - أيضًا عن أحمد بن عَبْدَة، عن سفيان بن عيينة، عن
عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((كان النبي ◌َّ
إذا نزل القرآن عليه، يُعجلُ بقراءته، ليحفظه، فأنزل الله عز وجلّ: ﴿لا
تُحَرَكْ بِه لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] إلى قوله: ﴿وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧].
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((بدء الوحي))، عن موسى بن إسماعيل - وفي
((التوحيد)) عن قتيبة - كلاهما، عن أبي عوانة-، وفي ((التفسير)) عن عبيد
الله بن موسى، عن إسرائيل - وعن الحميدي، عن ابن عيينة-، وفي
((التفسير))، وفي ((فضائل القرآن)) عن قتيبة، عن جرير - أربعتهم عن
موسى بن أبي عائشة به .
ومسلم في الصلاة عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن
إبراهيم ، ثلاثتهم عن جرير به. وعن قتيبة، عن أبي عوانة به .
والترمذي في ((التفسير)) عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به.
وقال : حسن صحيح.

١٣٣
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
-
وأخرجه الحميدي رقم ٥٢٧ - وأحمد ج١ ص ٢٢٠ و٣٤٣.
(المسألة الرابعة) : في فوائده:
منها : بيان ما كان النبي ◌َّهِ يلقاه من معالجة الشدة عند نزول الوحي
عليه، وذلك لثقل الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنَلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً
ثَقيلاً﴾ [المزمل: ٥].
ومنها: أنه كان يحرك شفتيه، لئلا ينسى، وقيل: إنما كان يفعل
ذلك من حبه له، وحلاوته في لسانه ، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن
بعضه مرتبط ببعضه .
ومنها: أن فيه من مصطلح الحديث النوعَ المسمى بـ(المسلسل
بتحريك الشفتين))، فقد تسلسل بتحريك النبي عمّ لابن عباس، كما
تقدم في رواية أبي داود الطيالسي، أنه رآه يحرك شفتيه، ثم بتحريك ابن
عباس رضي الله عنهما لسعيد، ثم بتحريك سعيد لموسى بن أبي عائشة،
وهلم جرّاً حتى وصل إلينا من أحد مشايخنا، وهو الشيخ إسماعيل
عثمان زین اليمني رحمه الله تعالى.
وفائدة التسلسل اشتماله على زيادة الضبط، واتصال السماع، وعدم
التدليس، لكن غالب المسلسلات لا يصح تسلسلها ، كحديث الرحمة
المسلسل بالأولية، فإنه انقطع اتصاله على سفيان بن عيينة، فمن رواه
مسلسلاً إلى آخره، فقد وهم.

-
١٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقد بين الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى المسلسل مع بيان فائدته
في ألفيته ((منظومة الأثر)) حيث قال :
قدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
هُوَ الَّذي إِسْنَادُهُ رجَالَهْ
لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا فُسِّمَا
قَوْلِيَّةٍ فِعْليَّةٍ كِلَيْهِمَا
مُفَادِهِ زِيَادَةُ الصَّبْطِ زُكِنْ
وَخَيْرُهُ الدَّالُ عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ
مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ
وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
كَأوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى
ومنها: أن الله تعالى تكفل لرسوله قميّة أن لا ينسى القرآن، وأنه
كان بعد نزول هذه الآية يستمع، وينصت لجبريل، فإذا انتهى جبريل من
قراءته، وذهب من عنده، قرأه النبي ◌َّة على أصحابه كما أقرأه،
من غير زيادة، ولا نقص، كما قال تعالى: ﴿سَنَقْرِتُكَ فَلا تَنَسَى﴾
[الأعلى: ٦].
ومنها: أن فيه إشارة إلى أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله
تعالى، وفضله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرِّنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن
مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
ومنها : أنه استدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما
هو مذهب الجمهور من أهل السنة، وهو الصحيح في الأصول، ونص
عليه الشافعي رحمه الله، لما تقتضيه ((ثُمَّ) من التراخي.

١٣٥ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٥
قال في ((الفتح)): أول من استدلّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر
ابن الطيب، وتبعوه، وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى،
وإلا فإذا حمل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسانه فلا .
قال الآمدي: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار، لا بيان المجمل، يقال:
بان الکوکب: إذا ظهر .
قال: ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو بعضه،
ولا اختصاص لبعض بالأمر المذكور، دون بعض .
وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يراد البيان التفصيلي، ولا يلزم
منه جواز تأخير البيان الإجمالي، فلا يتم الاستدلال. وتعقب باحتمال
إرادة المعنيين: الإظهار والتفصيل، وغير ذلك، لأن قوله: ((بیانه)) جنس
مضاف، فيعم جميع أصنافه، من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلق
بها، من تخصيص ، وتقييد، وغير ذلك. انتهى ما في ((الفتح)) في كتاب
التفسير(١) .
وقال العلامة العيني رحمه الله : تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع
عند الكل، إلا عند من جوز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت
الخطاب إلى وقت الحاجة فاختلفوا فيه، فذهب الأكثرون إلى جوازه،
واختاره ابن الحاجب، وقال الصيرفي، والحنابلة: ممتنع، وقال الكرخي
بالتفصيل، وهو أن تأخيره عن وقت الخطاب ممتنع في غير المجمل، كبيان
(١) جـ ٩ ص ٦٩٠ - ٦٩١.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ١٣٦
التخصيص، والتقييد، والنسخ، إلى غير ذلك، وجائز في المجمل،
كالمشترك، وقال الجبائي: تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع في غير
النسخ، وجائز في النسخ. انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي ذهب إليه الجمهور من جواز تأخير
البيان عن وقت الخطاب ، لا عن وقت الحاجة هو الصواب، لظاهر قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] فإن المعنى جميع أنواع البيان،
التي من جملتها بيان المعنى المراد، وحمل الآية على بعض أنواع البيان
دون بعض تَحَكّم لا دليل عليه. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
[فائدة] : ذكر الحافظ العراقي رحمه الله تعالى قصة بدء الوحي،
وما يتعلق به في ألفية السيرة المسماة ((الدرر السنية في سيرة خير البرية))،
فقال :
بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ
الأَرْبَعِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ
حَتَّى إِذَا مَا بَلَغَ الرَّسُولُ
فَجَاءَهُ بِالْوَحْيِ مِنْ عِنْدِ الْعَلِي
وَهْوَ بِغَارِ بِحِرَاءٍ مُخْتَلِي
مِنْ شَهْرٍ مَوْلِدٍ ثَمَانٌ إِنْ ثَبَتْ
فِي يَوْمِ الاثْنَیْنِ وَكَانَ قَدْ خَلَتْ
وَقِيلَ بَلْ فِي رَمَضَانَ الطَّيب
وَقِيلَ فِي سَابِعِ عِشْرِ رَجَبِ
(١) عمدة القاري جـ ١ ص ٧٣ .

١٣٧
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٦
-
يُجيبُ نُطْقًا مَا أنَا بِقَاري
قَالَ لَهُ اقْرَأْ وَهْوَ فِي الْمِرَارِ
فَغَطَّهُ ثَلاَثَةً حَتَّى بَلَغْ
أَقْرَأُهُ جِبْرِيلُ أوَّلَ الْعَلَقْ
الْجُهْدَ فَاشْتَدَّ لِذَاكَ وَانْصَبَغْ
قَرَأَهُ كَمَالَهُ بِهَا نَطَقْ
وَقِيلَ بَلْ يَا أَيُّهَا الْمُدَّرُ
وَكَوْنُ ذَا الأوَّلُ فَهْوَ الأشْهَرُ
وَقِيلَ بَلْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ
جَاءَ إِلَى خَدِيجَةَ الأَمِينِهْ
فَثَبَّتَتْهُ إِنَّهَا مُوَفَقَهْ
وَالأوَّلُ الأَقْرَبُ لِلصَّوَابِ
يَشْكُو لَهَا مَا قَدْ رَآهُ حِينَهُ
أوَّلَ مَا قَدْ آمَنَتْ مُصَدِّقَهْ
قَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأى فَصَدَّقَهْ
ثُمَّ أَتَتْ بِهِ تَؤُمُّ وَرَقَهْ
وَكَانَ بَرّاً صَادِقَا مُصَافِيَا
فَهْوَ الَّذِي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيَا
رَأَى لَهُ تَضَحْضُحًا فِي الْجَنَّهْ
وَالصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ
انتهى كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
٩٣٦ - أخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، قَالَ: أنْبَأْنَا عَبْدُ الأعَلَى،
قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ

-
١٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
مَخْرَمَةَ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ:
سَمِعْتُ هِشَامَ ابْنَ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ، يَقْرَأْ سُورَةَ الْفُرْقَان،
فَقَرَأْ فِيهَا حُرُوفًا، لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللهِعَهُ أَقْرَأْنِيهَا، قُلْتُ:
مَنْ أَقْرَاكَ هَذه السُّورَةَ؟ قَالَ: رَسُولُ الله ◌َّهِ، قُلْتُ:
كَذَبْتَ، مَا هَكَذَا(١) أقْرَأْكَ رَسُولُ اللهِ عَِّ، فَأَخَذْتُ
بَيَدَه أَقُودُهُ إِلَى رَسُول الله نَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله
إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأْ فِيهَا
حُرُوفَا، لَمْ تَكُنْ أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّهُ: ((اقْرَأْ
يَا هِشَامُ))، فَقَرَأْ كَمَا كَانَ يَقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ◌َيُّ:
((هَكَذَا أَنْزِلَتْ))، ثُمَّ قَالَ: ((اقْرَأْ يَاعُمَرُ))، فَقَرَأْتُ،
فَقَالَ: ((هَكَذَا أَنْزِلَتْ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ لَه: ((إنَّ
الْقُرْآنَ أَنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُف)).
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (نصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي البصري، ثقة ثبت
طلب للقضاء، فامتنع - ١٠ - مات سنة ٢٥٠ - أو بعدها، أخرج له
(١) وفي بعض النسخ: ((ما كذاك)).

١٣٩
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٦
الجماعة، تقدم في ٢٠ / ٣٨٦.
٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، أبو محمد،
وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقة - ٨ - مات سنة ١٨٩، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٢٠ / ٣٨٦ .
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل
اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام
بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار - ٧ - مات سنة ١٥٤
عن ٥٨ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠ / ١٠ .
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر، الإمام الحجة الثبت الفقيه
المدني، رأس - ٤ - مات سنة ١٢٥ -، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ /١.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة
ثبت فقيه - ٣ - مات سنة ٩٤ -، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠ / ٤٤.
٦ - (ابن مخرمة) هو المسور بن مَخْرَمَةَ بن نوفل بن أُهَيب بن عبد
مناف بن زُهْرَة بن كلاب القرشي، أبو عبد الرحمن الزهري، له ولأبيه
صحبة، وأمه الشِّفَاء بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، توفي
رسول الله ﴾، وهو ابن ثمان سنين.
روى عن النبي ◌َّه، وعن أبيه، وخاله عبد الرحمن بن عوف، وأبي
بكر، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن عوف، وعثمان، وعلي،
ومعاوية، والمغيرة، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة، وابن عباس،

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ١٤٠
وجماعة .
وعنه ابنته أم بكر، ومروان بن الحكم، وعوف بن الطفيل رضيع
عائشة، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، وعبد الله
ابن حنين، وعبد الله بن أبي مليكة، وعلي بن الحسين، وعروة بن
الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
قال عمرو بن علي: ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، فقُدمَ به المدينةَ في
عقب ذي الحجة سنة ثمان، ومات في ربيع الآخر سنة - ٦٤ - أصابه
المنجنيق، وهو يصلي في الحجرة، فمكث خمسة أيام، ثم مات، وهو
ابن ثلاث وستين، وفيها أرخه الواقدي، وقيل: قتل مع ابن الزبير سنة
٧٣، والأول أصح.
قال الزبيري: كان ممن يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفضل
والدين. ووقع في صحيح مسلم من حديثه في خطْبَة عليّ لابنة أبي
جهل، قال المسور: سمعت النبي ◌َّ، وأنا محتلَم، يخطب الناس.
فذكر الحدیث.
قال الحافظ: وهو مشكل المأخذ، لأن المؤرخين لم يختلفوا أن مولده
كان بعد الهجرة، وقصة خطبة علي كانت بعد مولد المسور بنحو ست
سنين، أو سبع سنين، فكيفَ يسمى محتلمًا، فيحتمل أنه أراد الاحتلام
اللغوي، وهو العقل، والله تعالى أعلم.
ومن الشذوذ ما حكي في رجال ((الموطأ)) لابن الحذاء أنه قيل: إن
المسور عاش - ١١٥ - سنة . قال الحافظ رحمه الله: ولعل قائل ذلك انتقل