النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١ -
٣٦ - باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام - حديث رقم ٩٣٢
المقال [من البسيط]:
وَلَيْسَ كُلُّ خلافٍ جَاءَ مُعْتَبَرَاً إِلَّ خلافٌ لَهُ حَظٍّ منَ النَّظَرِ
ومن قال [من الوافر]:
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رَؤُسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن العاطس
يحمد الله تعالى، لصحة الحديث عن رسول الله تَّه بذلك، ولكن لا
يشرع تشميته، لعدم ثبوته عنه تَّة ، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٩٣٢ - أخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَميد بْنُ مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ عَبْد الجَبَّار
ابْنِ وَائِلٍ، عَنْ أبيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُول الله وَّه،
فَلَمَّا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ أسْفَلَ مِنْ أَذُنَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأْ ﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالّين﴾ [الفاتحة: ٧] قَالَ: ((آمينَ))،
فَسَمِعْتُهُ، وأنَا خَلْفَهُ، قَالَ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِوَُّ
رَجُلاً، يَقُولُ: الْحَمْدُ للَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فيه،

٨٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ◌َهُ مِنْ صَلاَتِهِ، قَالَ: ((مَنْ صَاحِبُ
هَذِه الْكَلمَة في الصَّلاة؟))، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولُ
الله، وَمَا أَرَدَتُّ بِهَا بَأسًّا، قَالَ النَّبِيُّ ◌َلُ: (لَقَدِ ابْتَدَرَهَا
اثْنَا عَشَرَ مَلَكًا، فَمَا نَهْنَهَهَا شَيْءٌ دُونَ الْعَرْش)).
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبد الحميد بن محمد) الْمُسْتَام - بضم الميم، وسكون
المهملة، بعدها مثناة - بن حكيم بن عمرو الإمام، أبو عمر الحَرَّاني،
إمام مسجد حرّان، مولى حذيفة بن اليمان، ثقة من [١١]، أخرج له
النسائي .
روى عن عبد الجبار بن محمد الخطابي، وعثمان بن عبد الرحمن
الطرائفي، ومخلد بن يزيد، والمغيرة بن سقلاب، وأبي جعفر النفيلي.
وعنه النسائى، وأبو عروبة، وأبو علي محمد بن سعيد الرقي
الحافظ، وإبراهيم بن محمد بن متويه، وأبو عوانة الإسفراييني، وابن
صاعدة، وعدة. قال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه بعض
أصحابنا، ولم يُقضَ لي السماع منه. وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: مات في جمادى الآخرة سنة ٢٦٦. انفرد به المصنف رحمه الله
تعالى(١) .
(١) (تك)) جـ ١٦ ص ٤٥٧ - ٤٥٨. ((تت)) جـ ٦ ص ١٢١ .

٨٣ -
٣٦ - باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام - حديث رقم ٩٣٢
٢ - (مخلد) بن يزيد القرشي الحَرَّاني، صدوق له أوهام، مات
سنة ١٩٣، من كبار [٩]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٤١/ ٢٢٢ .
٣ - (يونس بن أبي إسحاق) السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي،
صدوق يهم قليلاً، مات سنة ١٥٢ من [٥]، أخرج ه البخاري في جزء
القراءة، ومسلم والأربعة، تقدم في ١٦/ ٦٥٢.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السّبيعي
الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، مات سنة ١٢٩ وقيل: قبل ذلك، من
[٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/٣٨ .
٥ - (عبد الجبار بن وائل) بن حُجْر، ثقة، لكنه أرسل عن أبيه،
مات سنة ١١٢، من [٣]، أخرج له مسلم والأربعة، تقدم في ٨٧٩/٤.
٦ - (وائل بن حجر) بن سعد بن مسروق الحضرمي، الصحابي
الشهير، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات في ولاية
معاوية رضي الله عنهما، تقدم في ٤ /٨٧٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم موثقون،
وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فحرانيان، نسبة إلى حرّان -

- ٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
بالفتح والتشديد - مدينة بالجزيرة، قال السمعاني: هي من ديار
ربيعة(١)، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث،
والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن وائل بن حجر) رضي الله عنه، أنه (قال: صليت خلف
رسول الله ◌َّة، فلما كبر رفع يديه أسفل من أذنيه) وتقدم من
طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق ٨٧٩/٤: (ورفع يديه حتى حاذتا
أذنيه))، ولعل الاختلاف لاختلاف الأوقات. والله تعالى أعلم (فلما
قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: ((آمين))،
فسمعته) فيه استحباب الجهر بـ ((آمين))، وقد تقدم البحث عنه مستوفى
برقم ٩٢٥/٣٣، (وأنا خلفه) جملة اسمية في محل نصب على الحال
من الفاعل في ((فسمعته)) (قال) وائل (فسمع رسول الله عَّه رجلاً)
لم أعرفه (يقول: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما سلم
النبي ◌َّه من صلاته، قال: ((من صاحب هذه الكلمة؟))) إطلاق
((الكلمة)) على الجملة سائغ في اللغة، كما قال ابن مالك في ((خلاصته)):
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمُّ
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]
(١) لب اللباب جـ ١ ص ٢٤٠.

٨٥ -
-
٣٦ - باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام - حديث رقم ٩٣٢
إشارة إلى قوله: ﴿ربّ ارجعون (٩٩) لَعَلَي أَعْمَلُ صَالحَا فِيمَا تَرَكْتُ﴾
[المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].
(في الصلاة) متعلق بحال مقدر من ((الكلمة))، أي حال كونها
واقعة في الصلاة (فقال الرجل) الذي تكلم بها، (أنا يا رسول الله)
أي أنا المتكلم بها (وما أردت بها بأسًا) أي ما قصدت بها سوءًا (قال
النبي ◌ُّ: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا) أي تسابقوا في كتابتها،
ورفعها إلى الله تعالى (فما نهنهها شيء دون العرش) أي ما منعها،
وكفها عن الوصول إليه .
قال ابن منظور رحمه الله: النَّهْنَهَةُ: الكَفُّ. تقول: نَهْنَهْتُ
فلانًا: إذا زجرته، فَتَنَهْنَهَ: أي كَفَفْتُه، فكفّ، قال الشاعر [من مجزوّ
الكامل الْمُرَفَّل]:
نَهُنهُ دُمُوعَكَ إِنَّ من
يَغْتَرُّ بِالْحِدْثَانِ عَاجِزْ
٥٠
كأنّ أصله من النَّهْي. وفي حديث وائل: ((لقد ابتدرها اثنا عشر
ملكًا، فما نَهْنَهَهَا شيءٌ دون العرش)). أي ما منعها، وكفها عن الوصول
إليه. ونَهْنَهَهُ عن الشيء: زجره. قال أبو جُنْدَب الهُذَلي [من الطويل]:
فَتَهْنَهْتُ أُولَى الْقَوْمِ عِنْهُمْ بِضَرْبَةٍ تَنَفَّسَ عَنْهَا كُلُّ حَيْشَانَ مُحْجَرٍ (١)
وقد تَنَهْنَهَ، ونَهْنَهْتُ السبُعَ: إذا صحْتَ به لتَكُفَّهُ، والأصل في
(١) قال ابن سيده: ورجل حَش، وحَشْيَانُ من الربو. اهـ. والحَشَى: الرَّبْوُ الذي يَعرض
للمسرع في مشيته، من ارتفاع النفس، وتواتره. اهـ لسان باختصار.

- ٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
((نَهْنَهَ)) : نَهْهَهَ بثلاث هاءات، وإنما أبدلوا من الهاء الوُسطى نونا للفرق
بين فَعْلَلَ، وفَعَّلَ، وزادوا النون من بين الحروف؛ لأن في الكلمة نونًا.
انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى (١).
والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حدیث وائل بن حجر هذا صحيح.
فإِن قيل : إن فيه انقطاعًا؛ لأن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، فكيف
یصح؟
أجيب : بأن له شاهدًا من حديث أنس رضي الله تعالى عنه تقدم في
١٩/ ٩٠١، ولفظه: قال: كان رسول الله عَّه، يصلي بنا، إذ جاء
رجل، فدخل المسجد، وقد حَفَزَه النفَسُ، فقال: الله أكبر، الحمد لله
حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله تعَّه صلاته قال:
((أيكم الذي تكلم بكلمات))، فَأَرَمَّ القومُ، قال: ((إنه لم يقل
بأسًا))، قال: أنا يا رسول الله، جئت، وقد حفزني النفس، فقلتها، قال
النبي عَّهُ: ((لقد رأيت اثني عشر ملكًا، يبتدرونها، أيهم يرفعها)). وأما
ما قاله الشيخ الألباني من أنه صحيح بما قبله، دون قوله: ((فما
(١) لسان العرب جـ ٦ ص ٤٥٦٤.

٨٧ -
٣٦ - باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام - حديث رقم ٩٣٢
نهنهها ... ))، وهو تمام الحديث المتقدم انتهى(١) - ففيه نظر؛ إذ هو
مخالف لما قبله مخالفة ظاهرة، وليس تمامَهُ، فهناك الملائكة بضعة
وثلاثون، وهنا اثنا عشر، وهنا زيادة قوله: ((فما نهنهها شيء دون
العرش)). وفي محاولة الجمع بين الحديثين تكلف بارد، وتعسف ظاهر.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٣٦/ ٩٣٢، وفي الكبرى ١٠٠٤/٣٦، عن عبد الحميد
بن محمد، عن مخلد بن يزيد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه،
عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، رضي الله عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد، عن يحيى بن آدم، عن
إسرائيل، عن أبي إسحاق مختصراً على الذكر فقط. وعن محمد بن
الصباح، وعمار بن خالد الواسطي، كلاهما عن أبي بكر بن عياش،
عن أبي إسحاق، به مختصراً على التأمين فقط .
وأخرجه أحمد جـ ٤ ص ٣١٧، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل،
عن أبي إسحاق به، وليس فيه ذكر الملائكة، ولفظه :
قال: صليت مع النبي ◌َّة ، فقال رجل: الحمد لله كثيرًا طيبًا
(١) انظر صحيح النسائي جـ ١ ص ٢٠٣.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٨٨
مباركًا فيه، فلما صلى رسول الله عَّه قال: ((من القائل؟))، قال الرجل:
أنا يا رسول الله، وما أردت إلا الخير، فقال: ((لقد فتحت لها أبواب.
السماء، فلم ينهها دون العرش)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.

٨٩
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣
-
٤ - جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ
أي هذا باب جامعٌ لما جاء عن رسول الله ثمّ فيما يتعلق بالقرآن،
من كيفية نزوله، ومن تسهيل الله تعالى على الأمة حيث أنزله على سبعة
أحرف، حتى لا تقع في حرج شديد، لو أنزله على حرف واحد، ومن
نهيه عَّ عن الاختلاف فيه، وعن التساهل عن مراجعته حتى ينساه
الشخص، وفي حثه على تعاهده لئلا يتفلت عنه. وغير ذلك .
٩٣٣ - أخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْراهيمَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا سُفْيَانُ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: سَأْلَ
الْحَارَثُّ بْنُ هِشَامِ رَسَّوَلَ اللـهِعَلَهُ، كَيْفَ يَأتيكَ
الْوَحْيَّ؟ ، قَالَ: ((فَيِ مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، فَيَفَّصِمُ
عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ، وَهُوَ أشَدُّهُ عَلَيَّ، وَأَحْيَانًا يَأتيني
فِي مِثْلِ صُورَةِ الْفَتَى، فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور، ثقة
ثبت فقيه، من [١٠] مات سنة ٢٣٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران/ ميمون الهلالي مولاهم،
أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت فقيه حجة [٨]، مات سنة ١٩٨،
أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١ .

٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوَّام الأسدي، أبو المنذر
المدني، ثقة فقيه، ربما دلس [٥] مات سنة ١٤٥، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٤٩ / ٦١ .
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة
ثبت فقيه [٣]، مات سنة ٩٤، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠ / ٤٤ .
٥ - (عائشة) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين رضي الله عنهما،
تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما
أخرج له ابن ماجه.
ومنها : أن شيخه مروزي، ثم نیسابوري، وسفیان کوفي، ثم
مكي، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه،
ورواية الراوي عن خالته .
ومنها : أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة، وهم المجموعون
في قول بعضهم [من الطويل]:
أَلاَ إِنَّ مَنْ لاَ يَقْتَدِي بِأئِمَّةٍ فَقِسْمَتُهُ ضِيرَى عَنِ الْحَقِ خَارِجَهْ
سَعِيدٌ أَبُو بَكْرِ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ

٩١ _
-
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣
ومنها: أنه فيه عائشةَ رضي الله عنها من المكثرين السبعة، روت
- ٢٢١٠ - أحاديث .
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبارَ، والإنباءَ، والعنعنة، وكلها
من صيغ الاتصال على الراجح في ((عن)) من غير المدلس.
قال القاضي عياض رحمه الله: لا خلاف أنه يجوز في السماع من
لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا ، وسمعته
يقول: وقال لنا فلان، وذكر فلان، وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا
المذهب ابن الحاجب، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة
الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين ، منهم الزهري، ومالك ،
وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان، وقيل: إنه قول معظم الحجازیین،
والكوفيين.
وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلا مقيدًا، مثل حدثنا فلان
قراءةً عليه، وأخبرنا قراءةً عليه، وهو مذهب ابن المبارك، وأحمد ابن
حنبل، ويحيى بن يحيى التميمي، والمشهور عن النسائي، وصححه
الآمدي، والغزالي، وهو مذهب المتكلمين .
وقال آخرون بالمنع في حدثنا، والجواز في أخبرنا، وهو مذهب
الشافعي، وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، ونقل
عن أكثر المحدثين، منهم ابن جريج، والأوزاعي، والنسائي، وابن
وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع
الغالب على أهل الحديث، والأحسن أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم

- ٩٢
1
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أرادوا التمييز بين النوعين ، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا لقوة إشعاره
بالنطق والمشافهة .
واختلف في المعنعن فقال بعضهم: هو مرسل، والصحيح الذي
عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه .
قال النووي: ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن، وهو
الذي فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء
من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا - يعني مع براءتهم من
التدليس-، ونقل - أي مسلم - عن بعض أهل عصره أنه قال: لا يحمل
على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة فأكثر، ولا يكفي
إمكان تلاقيهما، وقال: هذا قول ساقط، واحتج عليه بأن المعنعن
محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال، وكذا إذا
أمكن التلاقي .
قال النووي: والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا
الفن، البخاري وغيره، وقد زاد جماعة عليه، فاشترط القابسي أن يكون
قد أدركه إدراكًا بينًا، وأبو المظفر السمعاني طولَ الصحبة بينهما.
(١)
انتھی
٠
(قال الجامع عفا الله عنه): عندي أن مذهب مسلم أقوى، لقوة
أدلته، كما بينها في مقدمة صحيحه. والله تعالى أعلم.
(١) عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ١ ص ٣٩.

٠
٩٣
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣
-
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، أنها (قالت : سأل
الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أخو أبي
جهل شقيقه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدراً كافرًا، فانهزم،
وأسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وأعطاه النبي تَّه يوم حنين مائة من
الإبل، قتل باليرموك سنة - ١٥ -، وكان شريفًا في قومه، وله اثنان
وثلاثون ولدًا، منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أحد
الفقهاء السبعة على قول، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا،
وإلا الحارث بن هشام الجُهَنيّ، روى عنه المصريون. ذكره ابن عبد
(١)
البر(١).
قال الحافظ رحمه الله: قوله: (سأل) هكذا رواه أكثر الرواة عن
هشام بن عروة.
فيحتمل أن تكون عائشة حضرت ذلك، وعلى هذا اعتمد أصحاب
الأطراف، فأخرجوه في مسند عائشة .
ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعدُ، فيكون من مرسل
الصحابة، وهو محكوم بوصله عند الجمهور، وقد جاء ما يؤيد الثاني،
ففي ((مسند أحمد))، و((معجم البغوي))، وغيرهما، من طريق عامر بن
(١) عمدة القاري جـ ١ ص ٤٩ .

- ٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
صالح الزبيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن
هشام، قال: سألت ... وعامر فيه ضعف، لكن وجدت له متابعًا عند
ابن منده، والمشهور الأول. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١).
(رسول الله ◌َّ) بالنصب مفعولاً به لـ((سأل))، ( كيف يأتيك
الوحي) مقول القول مقدر، أي قائلاً: ((كيف يأتيك الوحي)). وفي
رواية البخاري: ((فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي)).
ثم إنه يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن
يكون صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك، وعلى كل تقدير فإسناد
الإتيان إلى الوحي مجاز، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله. قاله في
الفتح.
وقال السندي رحمه الله: ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه،
لا عن كيفية الملك الحامل له، ويدل عليه أول الجواب، لكن آخر الجواب
يميل إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل، فيقال: يلزم من كون الملك
في صورة الإنسان كون الوحي في صوت مفهوم متبين أولَ الوَهْلَة،
فبالنظر إلى هذا اللازم صار بيانًا لكيفية الوحي، فلذلك قوبل بصلصلة
الجرس، ويحتمل أن يكون السؤال عن كيفية الحامل، أي كيف يأتيك
حامل الوحي. انتهى (٢).
(١) فتح جـ ١ ص ٢٨ .
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ١٤٦ .
٠.٠

٩٥ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣
و ((كيف)) اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل، في قولهم: على كيف
تبيع الأحمرين، وتستعمل شرطية، نحو: كيف تصنعْ أصنعْ،
واستفهامية، نحو كيف زيدٌ، ولغير ذلك، وهي هنا للاستفهام.
و ((الوحي)): الإشارة، والكتابة ، والرسالة، والكلام الخفي، وكل
ما ألقيته إلى غيرك، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلام، وأوحيت، وَوَحَى
وَحْيًا، وأوحَى أيضًا، أي كتب، قال العَجَّاجُ [من الرجز]:
حَتَّى نَحَاهُمْ جَدُّنَا وَالنَّاحِي
لِقَدَرِ كَانَ وَحَاه الْوَاحِي
والوَحْيُ المكتوبُ، والكتاب أيضًا، وعلى ذلك جمعوه، فقالوا:
وُحِيٌّ، مثل حَلْيٍ، وحُلِيٍّ.
قال لَبيد [من الكامل]:
خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الْوُحِيَّ سِلاَمُهَا
فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا
أراد ما يُكتَب في الحجارة، ويُنقَش عليها .
وأوحى إليه : بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ
إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وفيه ﴿بأنَّ رَبَّكَ أَوْحِى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي
إليها، فمعنى هذا أمَرَها، ووَحَى في هذا المعنى؛ قال العَجّاج [من الرجز]:
وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ
وَحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ
ووَحَى إليه، وأوحى: كلَّمه بكلام يخفيه من غيره، ووحَى إليه،
وأوحَى: أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُوا بُكْرَةً

٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
۔
وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وقال أبو الهَيْثَم: وأما اللغة الفاشية في القرآن
فبالألف، وأما في غير القرآن فوحيت إلى فلان مشهورة. انتهى ملخصًا
من لسان العرب(١).
هذا من حيث اللغة، وأما شرعًا، فهو الإعلام بالشرع، وقد يطلق
الوحي، ويراد به اسم المفعول منه، أي الْمُوحَى، وهو كلام الله المنزل
على النبي ◌َّ(٢) ..
وله أقسام، وصور، فأما أقسامه في حق الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، فعلى ثلاثة أضرب:
(أحدها): سماع كلام الله تعالى، كسماع موسى عليه الصلاة
والسلام .
(والثاني) : وحي رسالة بواسطة الملك.
(والثالث): وحي تَلَقُّ بالقلب، كقوله عَّهُ: ((إن روح القدس نفث
في رُوعي ... ))، أي في نفسي.
وأما الوحي إلى غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو الإلهام،
كالوحي إلى النحل. وأما صوره فسبعة، على ما ذكره السهيلي رحمه الله :
(الأولى) : المنام ، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها
المشهور. (الثانية): أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، كما في هذا
(١) لسان العرب جـ ٦ ص ٤٧٨٧ - ٤٧٨٨ .
(٢) فتح الباري جـ ١ ص ١٥.

٩٧ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣
الحديث. (الثالثة): أن ينفث في رُوعه الكلام، كما مر آنفًا.
(الرابعة): أن يتمثل له الملك رجلاً، كما في هذا الحديث أيضًا.
(الخامسة): أن يتراءى له جبريل في صورته التي خُلقَ عليها.
(السادسة): أن يكلمه الله من وراء حجاب. (السابعة): وحي
إسرافيل عليه السلام، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن الشعبي: أن
رسول الله عَّه نزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، فقُرنَ بنبوته
إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم
ينزل القرآن ، فلما مضت ثلاث سنين؛ قرن بنبوته جبريل عليه السلام،
فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة: عشراً بمكة، وعشرًا بالمدينة،
فمات، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وأنكر بعضهم كونه و كل به غير
جبريل عليه السلام. اهـ ملخصًا من عمدة القاري(١).
(قال) وفي الرواية التالية: ((فقال رسول الله عَّه)): (في مثل
صلصلة الجرس) متعلق بمحذوف ، أي يأتيني في مثل صلصلة الجرس.
وفي الرواية التالية: ((أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس)). وفي
رواية البخاري: ((مثل صلصلة الجرس)).
أي يأتيني في صوت متدارك، لا يدرك في أول الوَهْلَة، كصوت
الجرس، أي يجيء في صورة وهيئة لها مثل هذا الصوت، فنبه بالصوت
الغير المعهود على أنه يجيء في هيئة غير معهودة، فلذا قابله بقوله في
(١) عمدة القاري جـ ١ ص ٤٠.

٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
((صورة الفتى))، وعلى الوجهين فصلصلة الجرس مثال لصوت الوحي.
قاله السندي رحمه الله تعالى(١) .
و((الصلصلة)) - بمهملتين مفتوحتين، بينهما لام ساكنة ـ في الأصل
صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له
طنين. وقيل : هو صوت متدارك، لا يدرك في أول وهلة. قاله في
الفتح.
وقال العلامة العيني رحمه الله: ((الصلصلة)) - بفتح الصادين
المهملتين . : الصوت الذي لا يفهم أوّلَ وَهْلَة. ويقال: هي صوت كل
شيء مصوّت، كصلصلة السلسلة. وفي ((العباب)): صلصلة اللجام:
صوته إذا ضوعف .
وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه، ولا يتبينه أولَ ما
يقرع سمعه حتى يفهمه من بعدُ. وقال أبو علي الهجري في أماليه:
((الصلصلة)) للحديد، والنحاس، والصفر، ويابس الطين، وما أشبه
ذلك صوته .
وفي ((المحكم)): صَلَّ يَصلُّ صَليلاً، وصَلْصَلَ، وتصَلْصَل
صَلْصَلَةً، وتَصَلْصُلاً: صوّت.
وقال القاضي: الصلصلة: صوت الحديد فيما له طنين. وقيل:
معنى الحديث هو قوةُ صوت حَفيف أجنحة الملائكة، لتشغله عن غير
ذلك، وتؤيده الرواية الأخرى: ((كأنه سلسلة على صفوان))، أي حفيف
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ١٤٦ .

٩٩
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣
-
الأجنحة(١). انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى(٢).
و ((الجرس)) - بفتح الجيم، والراء - : الجُلْجُل الذي يعلق في رؤوس
الدواب، واشتقاقه من الجَرْس - بإسكان الراء - وهو الحسّ.
وقال الكرماني: الجَرَس: شبه ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله
قطعة نُحاس معلق منكوسًا على البعير ، فإذا تحركت النحاسة، فأصابت
السطل، فتحصل صلصلة، والعامة تقول: حرص بالصاد، وليس في
كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم، إلا الصمج، وهو القنديل،
وأما الجص فَمُعَرّب .
وقال ابن دريد: اشتقاقه من الجَرْس، أي الصوت والحس. وقال ابن
سيَده: الجَرْس أي بالفتح، والجرْس أي بالكسر، والجَرَسُ أي
بفتحتين: الحركة والصوت من كل ذي صوت. وقيل: الْجَرْس بالفتح
إذا أفرد، فإذا قالوا: ما سمعتُ له حسّا ولا جرْسًا كسروا، فأتبعوا اللفظ
باللفظ . اهـ (٣).
قال في ((الفتح)): [فإن قيل]: المحمود لا يُشَبَّهُ بالمذموم، إذ حقيقة
التشبيه إلحاق ناقص بكامل، والمشبه الوحي، وهو محمود، والمشبه به
صوت الجرس، وهو مذموم ، لصحة النهي عنه، والتنفير من مرافقة ما
هو معلق فيه، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم،
(١) حفيف الأجنحة - بالحاء المهملة: صوتها.
(٢) المصدر المذكور جـ ١ ص ٤٠ - ٤١ .
(٣) انظر ((عمدة القاري)) جـ ١ ص ٤١. ولسان العرب جـ ١ ص ٥٩٧ - ٥٩٨ .

- ١٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وأبو داود ، وغيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟
[والجواب]: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه في الصفات
كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة مَّا،
فالمقصودهنا بيان الجنس، فذكر ما ألفَ السامعون سماعَهُ تقريبًا
لأفهامهم .
والحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة، وجهة طنین، فمن حیث
وقع التشبيه به، ومن حیث الطرب وقع التنفیر عنه، وعلل بکونه مزمار
الشيطان .
ويحتمل أن يكون النهي عنه وقع بعد السؤال المذكور، وفيه نظر .
قيل: والصلصة المذكورة صوت الملك بالوحي. قال الخطابي: يريد
أنه صوت متدارك ، يسمعه، ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعدُ.
وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك.
والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحيُ، فلا يبقى فيه مكان لغيره،
ولما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا متداركة وقع التشبيه به، دون غيره
من الآلات. انتهى ما في الفتح(١) .
(فيفصم عني ) قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله: أي
ينفرج عني، ويذهب. كما يُفْصَمُ الخلخالُ إذا فتحته لتخرجه عن
(١) جـ ١ ص ٣٠.