النص المفهرس
صفحات 1-20
شرح سُْ النَّائِيّ المُسَمَّى ذَخِيرَةُ الْعُقْبَى فِي شَرَّح الجَتَبَى لجامِعِه الفَقِيْرُ إلى مَوْلَاهِ الفَنِّالقَدِيُّر ◌ُمَّابِ الشّيخ العَّ ◌َى بْ آدَمَ نُوَ الأُنِي الْوَلَّيِّ المُدُّسُ بَدَارُ الحَدَيثُ الخيريَّة بمَلّة المكرّمة عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنُ وَإِلَيْهِ آَمِينْ الجزء الثانى عَشَر مَكتب تنسيق وتَمْرِيجُ ويُحقيقٌ ـ تَخِصُنْ عُلا قم: ٢٥٢٤٠ دَارآل بسروم النشر وَالثّور بسم الله الرحمن الرحيم شرح سُبْ النََّائي جميع الحقوق محفُوظُعَّة الطّبعَة الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م وَازَال بُرُويُمْ لِلنِرِوَالتَّريخ الملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ التغيُمُ صَربْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) ٥ ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ ٣٢- مَا يُجْزِئُ مِنَ الْقِرَاءَةِ لِمَنْ لا يُحْنُ الْقُرْآنَ ٠٠ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على الأذكار التي تجزئ من قراءة القرآن لمن لا يحسن قراءة القرآن. ٩٢٤ - أخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عيسَى، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، عَن الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْعَرٌّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ السَّكْسَكِ، عَنِ ابْنِ أبِي أَوْقَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِ عَِّ، فَقَالَ: إِنِّي لا أسْتَطِيعُ أنْ آخُذَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآن، فَعَلَّمْنِي شَيْئًا يُجْزِئُنِي مِنَ القُرْآنِ، فَقَالَ: ((قُلْ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلا إلَهَ إلا الله، واللـهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةً إِلاَّ بِاللـه)). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (يوسف بن عيسى) بن دينار الزهري، أبو يعقوب المروزي، ثقة فاضل، من [١٠]، أخرج ه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . روى عن عمه يحيى ، وحفص بن غياث، والفضل بن موسى، وأبي معاوية، ووكيع، وابن عيينة، وعبد الله بن نمير، وعلي بن ٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح عاصم، و ابن فضيل، وغيرهم. وعنه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن سيار المروزي ، وعبدة بن سليمان البصري، والحسن بن سفيان، وعمر بن محمد بن بجير، وآخرون. قال النسائي: ثقة. وقال الحاكم: هو جد شيخنا أبي الفضل الحسن ابن يعقوب بن يوسف البخاري، وكان شيخنا أبو الفضل يذكر فضائل جده، وزهده، وورعه، وكثرة صدقاته، وإحسانه، وما خلف من أوقافه ببخارا ونيسابور. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال هو، والبخاري، والنسائى: مات سنة ٢٤٩(١). ٢ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، مات سنة ٢٣٩، من [١٠]، أخرج ه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٣٣/ ٣٧ . ٣ - (الفضل بن موسى) السِّينَانيُّ، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، مات سنة ١٩٢، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٠/٨٣. ٤ - (مسعر) بن كدَام بن ظُهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، مات سنة ١٥٣، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨/٨. (١) ((تك)) جـ ٣٢ ص ٤٤٩ - ٤٥٠ ((تت)) جـ١١ ص ٤٢٠ - ٤٢١ . ٧ - ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ ٥ - (إِبراهيم السَّكسَكِيّ) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسماعيل، أبو إسماعيل الكوفي، مولى صُخَير - بمهملة، ثم معجمة، مصغراً - صدوق، ضعيف الحفظ، من [٥]، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وأبي وائل، وغيرهم. وعنه العَوَّام بن حَوشب، ومسعر، وأبو خالد الدالاني، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال القطان: كان شعبة يضعفه، كان يقول: لايحسن يتكلم. وقال النسائى: ليس بذاك القوي، يكتب حديثه، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه، كما قال النسائي. قال الحاكم: قلت لعلي بن عمر الدارقطني: لم ترك مسلم حديث السكسكي؟ فقال: تكلم فيه يحيى بن سعيد، قلت: بحجة؟ قال: هو ضعيف. وذكره العقيلي في الضعفاء. وقال الساجي: تفرد بحديثه عن ابن أبي أوفى مرفوعًا: ((خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر)). وذكره ابن حبان في الثقات(١) . و((السكسكي)) - بفتح المهملتين، وسكون الكاف الأولى - : نسبة إلى السكاسك، بطن من كندة. قاله في اللب جـ ٢ ص ٢١. وفي (١) (تك)) جـ ٢ ص ١٣٢ (تت)) جـ ١ ص ١٣٨. - ٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الأنساب جـ ٣ ص ٢٦٧ ((السكسكي)): هذه النسبة إلى السكاسك، وهو بطن من الأزد، ووادي السكاسك: موضع بالأردن، نزلت فيه السكاسك حين قدموا الشام زمن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. انتھی . ٦ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما، شهد الحديبية، وعُمِّرَ بعد النبي ◌َّهُ دهرًا، ومات سنة ٨٧ ، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، تقدم في ٣/ ٤٠٢ . لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات، إلا إبراهيم، فتكلموا فيه، وأن الثلاثة الأولين مروزيون، والباقون كوفيون، وأن صحابيه ابن صحابي، وروى ٩٥ حديثًا، اتفق الشيخان على ١٠ ، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بواحد، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن) عبد الله (بن أبي أوفى) علقمة بن خالد، رضي الله عنهما، أنه (قال: جاء رجل إِلى النبي ◌َّم) لم يُعرَف اسمه (فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا) أي لا أقدر على حفظ شيء منه، وهو يحتمل أن لا يمكنه الحفظ حالاً ومآلاً لعلمه العجز من نفسه . ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ ويحتمل أن لا يمكنه في الحال لضيق وقت الصلاة، أو لسوء حفظه . قال شارح المصابيح: إن هذه الواقعة لا يجوز أن تكون في جميع الأزمان؛ لأن من قدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة، بل تأويله: لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل عليّ وقت الصلاة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم. (١) . انتھی' قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله شارح المصابيح كلام حسن جدّاً. والله تعالى أعلم. (فعلمني شيئًا يجزئني من القرآن) بضم حرف المضارعة، مهموزًا - من الإجزاء رباعيّاً، ويحتمل أن يكون - بفتح حرف المضارعة غیر مهموز - من الجَزاء، ثلاثيًا . قال الفيومي: جَزَى الأمرُ يَجْزِي جَزَاءً، مثلُ قَضَى يَقضي قَضَاءً، وزنًا ومعنى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمَا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الدعاء: ((جزاه الله خيراً))، أي قضاه له، وأثابه عليه، وقد يستعمل ((أجزأ) بالألف، والهمز، بمعنى ((جزى))، ونقلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من غير همزة لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم. انتهى(٢). (١) راجع المنهل العذب المورود جـ ٥ ص ٢٦٥. (٢) المصباح المنير جـ ١ ص ١٠٠. - ١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح والجملة في محل نصب صفة ((شيئًا))، أي يكفيني من قراءة القرآن في صلاتي . (فقال) تَّ (قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) زاد في رواية أبي داود من طريق أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي : ((قال: يا رسول الله هذا لله، فما لي؟ قال: قل: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني))، فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله عَ ليه: ((أما هذا فقد ملأ يده من الخير)) . وفي الحديث دلالة على أن هذا الذكر يجرئ من لا يستطيع أن يتعلم القرآن . قال الشوكاني رحمه الله: وليس فيه ما يقتضي التكرار، فظاهره أنه يكفي مرة. وقد ذهب البعض إلى أنه يقوله ثلاث مرات، والقائلون بوجوب الفاتحة في كل ركعة لعلهم يقولون بوجوبه في كل ركعة. انتھی(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر وجوب هذه الأذكار في كل ركعة؛ لأنه ثبت أن القراءة في كل ركعة؛ حيث قال النبي ◌ٍَّ للمسيء صلاته بعد قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك)): (( ثم افعل ذلك في صلاتك (١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ٧٦. ١١ - ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ كلها)»، وهذا الرجل سأله عما يكفيه من القرآن، أي القرآن الذي يجب أن يقرأه في صلاته، فكان هذا الذكر نائباً عن القرآن الواجب قراءته في كل ركعة. والله تعالى أعلم. وسيأتي بيان مذاهب أهل العلم فيمن لا يستطيع قراءة الفاتحة في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته : حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه هذا صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: اعلم أن حديث الباب صححه ابن خزيمة جـ١ ص ٢٧٣، وابن حبان جـ ٥ ص ١١٤ - ١١٧، والحاكم جـ١ ص٢٤١، وقال: على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وهو كذلك، فإنه، وهو وإن كان في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرحمن السكسكي، وقد تكلموا فيه، لكنه أخرج له البخاري، وقال ابن عدي : لم أجد له حديثًا منكر المتن. ثم إنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه طلحة بن مصرف، عن ابن أبي أوفى، كما أخرجه ابن حبان في صحيحه، لكن في سنده الفضل بن - ١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الموفق، قال أبو حاتم: كان شيخًا صالحًا ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات جـ ٩ ص ٦ فمثله لا بأس به في المتابعات. وله شاهد أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن خزيمة ج١ ص ٢٧٤ من حديث رفاعة بن رافع: أن رسول الله عَّ عَلَّمَ رجلاً الصلاةَ فقال: ((إذا قمت إلى الصلاة، فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، فأقم ، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله ... )) الحديث. رواه أبو داود، والترمذي. والحاصل أن الحديث صحيح لما ذكر. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٣٢/ ٩٢٤، وفي الكبرى ٩٩٦/٣٢، عن يوسف بن عيسى، ومحمود بن غيلان، كلاهما عن الفضل بن موسى، عن مسعر ابن كدام، عن إبراهيم السكسكي، عن ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه . زاد في الكبرى: قال أبو عبد الرحمن: إبراهيم السكسكي، ليس بذاك القوي. انتھی . المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه أبو داود في الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ١٣ - ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ سفيان الثوري، عن أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم، به. وأخرجه الحميدي رقم ٧١٧. وأحمد جـ٤ ص ٣٥٦. وابن خزيمة ٥٤٤. وابن حبان جـ٥ ص ١١٤ - ١١٥. والدار قطني ج١ ص ٣١٣. والحاكم جـ١ / ٢٤١، والبيهقي جـ٢ ص ٣٨١. المسألة الرابعة: اختلف العلماء فيمن عجز عن قراءة القرآن في الصلاة : فذهبت الحنابلة إلى أنه إن عجز عن الفاتحة لزمه قراءة قدرها في عدد الحروف والآيات من غيرها، فإن لم يحسن من القرآن إلا آية واحدة من الفاتحة، أو من غيرها كررها بقدرها، فإن كان يحسن آية من الفاتحة، ويحسن شيئًا من غيرها كرر الآية التي يحسنها من الفاتحة بقدرها، ولا يكرر التي ليست من الفاتحة . فإن لم يحسن شيئًا من القرآن لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن لم يحسن إلا بعض الذكر المذكور كرره بقدره مراعيًا لعدد الحروف والجمل، فإن لم يحسن شيئًا من الذكر وقف بقدر الفاتحة كالأخرس، ولا يلزم الذي لا يحسن الفاتحة الصلاة خلف قارئ، لكن يستحب له ذلك، لتكون قراءة الإمام قراءة له، وخروجاً من خلاف من أوجبه. وبمثل هذا قالت الشافعية ، إلا أنهم اختلفوا في الذكر، فقال أبو - ١٤ = شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح علي الطبري: يجب أن يقول: سبحان الله إلى آخر ما ذكر في الحديث، . ولا يزيد عليه، وقيل: يلزمه أن يزيد على ما في الحديث كلمتين من الذكر، ليصير سبعة أنواع منه مقام سبع آيات . ولا يخفى بعده لمخالفته ظاهر الحديث. وقيل: لا يتعين شيء من الذكر، بل يجزئه جميع الأذكار، من التهليل، والتسبيح، والتكبير، وغيرها، ويجب سبعة أنواع من الذكر، ويشترط أن لا ينقص حروف ما أتى به عن حروف الفاتحة. قال النووي: وهو الصحيح عند جمهور الأصحاب. وذهبت المالكية إلى أن من لم يحسن الفاتحة يجب عليه أن يأتم بمن يحسنها، فإن لم يجد سقطت القراءة عنه، ويكون فرضه الذكر كما قاله محمد بن سحنون. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: لا يجب عليه تسبيح، ولا تحميد. واختاره اللخمي، وهو المعتمد في المذهب، قال: ويستحب له أن يقف وقوفًا ما، فإن لم يفعل أجزأه. وقال أبو حنيفة: إذا عجز من القراءة قام ساكتًا، ولا يجب الذكر. ذكر هذه الأقوال في ((المنهل العذب المورود))(١). قال الجامع عفا الله: الذي يظهر لي في هذه المسألة أن من عجز عن قراءة شيء من القرآن وجب عليه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لحديث الباب، (١) المنهل العذب جـ ٥ ص ٢٦٦ . ١٥ - ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ فإن الرجل سأل ما يجزيه عن القرآن، فأجابه النبي عَّ بما ذكر، فلو كان هناك شيء يجزيه غير هذا لدله عليه، فيعلم أنه لا يجزيه غير ما ذكر، ولا يجب عليه أيضًا أن يصلي وراء من يحسن القرآن؛ لأنه تم ◌ّ ما كلفه بذلك . وأما ما ذكر من التفاصيل في الأقوال المتقدمة، من مراعاة عدد الكلمات، والحروف بمقدار سبع آيات، فتكلف، ليس عليه دليل . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . المسألة الخامسة: في بيان اختلاف العلماء في قراءة القرآن بغير العربية : ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب، سواء أمكنته العربية، أوعجز عنها، وسواء كان في الصلاة، أو غيرها، فإن أتى بترجمة في صلاة بدلاً عن القراءة لم تصح صلاته، سواء أحسن القراءة، أو لا . قال النووي رحمه الله: هذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، منهم مالك، وأحمد، وداود. وذهب أبو حنيفة إلى أنه تجوز الصلاة بغير العربية مطلقًا، وقال أبو يوسف، ومحمد: تجوز للعاجز، دون القادر. واحتج لأبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم به وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] قال: والعجم لا يعقلون الإنذار إلا بترجتمه. - ١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وفي الصحيحين: أن النبي ◌َِّ قال: ((أنزل عَلَى القرآن على سبعة أحرف)). وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن قومًا من الفرس سألوه أن يكتب لهم شيئًا من القرآن، فكتب لهم فاتحة الكتاب بالفارسية؛ ولأنه ذكْرٌ، فقامت ترجمته مقامه كالشهادة في الإسلام، وقياسًا على جواز ترجمة حديث النبي ◌َّ ، وقياسًا على جواز التسبيح بالعجمية . واحتج الجمهور بما أخرجه الشيخان من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرأ عمر، فَلَبِّبَهُ بردائه، وأتى به إلى رسول الله تعَّه ... ، وذكر الحديث. فلو جازت الترجمة لأنكر عليه النبي تمّه اعتراضه في شيء جائز . واحتجوا أيضًا بأن ترجمة القرآن ليست قرآنًا؛ لأن القرآن هو هذا اللفظ المعجز، وبالترجمة يزول الإعجاز، فلم يجز، وكما أن الشعر تخرجه ترجمته عن كونه شعرًا، فكذلك القرآن . وأما الجواب عن الآية الكريمة، فهو أن الإنذار يحصل ليتم به (١)، وإن نقل إليهم معناه. وأما الجواب عن الحديث، فسبع لغات للعرب؛ ولأنه يدل على أنه لا يتجاوز هذه السبعة، وهم يقولون: يجوز بكل لسان، ومعلوم أنها (١) هكذا نسخة المجموع ((يحصل ليتم به))، ولعل صواب العبارة ((يحصل بما يتم به الإنذار)). والله أعلم. ١٧ - ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ تزيد على سبعة . وعن فعل سَلْمَان أنه كتب تفسيرها، لا حقيقة الفاتحة . وعن الإسلام يكون المراد معرفة اعتقاده في الباطن، والعجمية كالعربية في تحصيل ذلك . وعن القياس على الحديث والتسبيح، أن المراد بالقرآن الأحكام، والنظم المعجز، بخلاف الحديث، والتسبيح. ولقد أجاد إمام الحرمين رحمه الله في الرد عليهم حيث قال: عمدتنا أن القرآن معجز، والمعتمد في إعجازه اللفظُ، قال: ثم تكلم علماء الأصول في المعجز منه، فقيل: الإعجاز في بلاغته، وجزالته، وفصاحته المجاوزة لحدود جزالة العرب. والمختار أن الإعجاز في جزالته مع أسلوبه الخارج عن أساليب كلام العرب، والجزالةُ والأسلوبُ يتعلقان بالألفاظ، ثم معنى القرآن في حكم التابع للألفاظ، فحصل من هذا أن اللفظ هو المقصود المتبوع، والمعنى تابع . فنقول بعد هذا التمهيد: ترجمة القرآن ليست قرآنًا بإجماع المسلمين، ومحاولة الدليل لهذا تكلف، فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآنًا، وليس ما لفظ به قرآنًا، ومن خالف في هذا كان مراغمًا جاحدًا، وتفسيرُ شعر امرئ القيس ليس - ١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآنًا، وقد سلّموا أن الجنب لا يحرم عليه ذكر معنى القرآن، والمحدثُ لا يُمنَعُ من حمل كتاب فيه معنى القرآن وترجمته؟! فَعُلم أن ما جاء به ليس قرآنًا، ولا خلاف أن القرآن معجز، وليست الترجمة معجزة ، والقرآن هو الذي تَحَدِّى به النبي صَلىالله عَاوسه العرب، ووصفه الله تعالی بكونه عربيًا . وإذا علم أن الترجمة ليست قرآنًا، وقد ثبت أنه لا تصح صلاة إلا بقرآن حصل أن الصلاة لا تصح بالترجمة . هذا كله مع أن الصلاة مبناها على التعبد والاتباع، والنهي عن الاختراع، وطريق القياس مُنْسَدَّة، وإذا نظر الناظر في أصل الصلاة، وأعدادها، واختصاصها بأوقاتها، وما اشتملت عليه من عدد ركعاتها، وإعادة ركوعها في كل ركعة، وتكرر سجودها إلى غير ذلك من أفعالها، ومدارها على الاتباع، ولم يفارقها جملة وتفصيلاً، فهذا يسد باب القياس، حتى لو قال قائل: مقصود الصلاة الخضوع، فيقوم السجود مقام الركوع لم يقبل ذلك منه، وإن كان أبلغ في الخضوع. ثم عجبت من قولهم: إن الترجمة لا يكون لها حكم القرآن في تحريمها على الجنب، ويقولون: لها حكمه في صحة الصلاة التي مبناها على التعبد والاتباع، ويخالف تكبيرة الإحرام التي قلنا بها لعاجز عن العربية بلسانه، لأن مقصودها المعنى مع اللفظ، وهذا بخلافه. هذا آخر ١٩ - ٣٢ - باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن - حديث رقم ٩٢٤ كلام إمام الحرمين رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد إمام الحرمين رحمه الله تعالى في الرد عليهم بما لا مزيد عليه، فجزاه الله تعالى على ذلك خير الجزاء. وبالله التوفيق . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب . (١) انظر المجموع جـ ٣ ص ٣٨٠ - ٣٨١. ونقلته ببعض تصرف. - ٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٣٣ - جَهْرُ الإِمَامِ بِآمِينَ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية الجهر للإمام بـ ((آمين)) بعد قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية . وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالی في صحیحہ [باب جھر الإمام بالتأمين]. قال في الفتح: أي بعد الفاتحة في الجهر، والتأمين مصدر ((أمَّنَ)) بالتشديد، أي قال: آمين، وهي بالمد، والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكى الواحدي عن حمزة، والكسائي الإمالة. وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة: القصر، حكاه ثعلب، وأنشد له شاهدًا، وأنكره ابن درستويه، وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحكى عياض، ومن تبعه عن ثعلب أنه إنما أجازه في الشعر خاصة، والتشديد مع المد والقصر، وخطأهما جماعة من أهل اللغة. و((آمين)): من أسماء الأفعال، مثل ((صه)) للسكوت، وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، مثل ((كيف))، وإنما لم تكسر، لثقل الكسرة بعد الياء، معناها: ((استجب))، عند الجمهور، وقيل: غير ذلك، مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى، كقول من قال: معناه اللهم أُمَّنَا بخير. وقيل: كذلك يكون. وقيل: درجة في الجنة تجب لقائلها. وقيل: لمن استجيب له، كما استجيب للملائكة. وقيل: هو اسم من