النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ - ٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٤ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته : حديث أبي بن كعب رضي الله عنه هذا صحيح، إلا أن في إسناده علة، سأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ٢٦/ ٩١٤ - وفي ((الكبرى)) - ٢٦/ ٩٨٦ - عن الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عنه. المسألة الثالثة : فیمن أخر جه معه : أخرجه الترمذي في ((التفسير)) بسند المصنف، فكلاهما يرويانه عن شيخ واحد، وهو الحسين بن حريث. وعبد بن حميد في مسنده رقم ١٦٥ . والدارمي ٣٣٧٥ . وعبد الله بن أحمد جـ ٥ ص ١١٤ . وابن خزيمة رقم ٫٥٠٠ ٥٠١. المسألة الرابعة: أنه اختلف في إسناد هذا الحديث : فأخرجه الترمذي في تفسير ((سورة الحجْر)) كما ذكرنا آنفا، عن الحسين بن حريث، بسند المصنف، ومتنه. ثم ساقه عن قتيبة، عن عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن - ٥٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة، أن النبي ◌ُّهُ خرج على أبَيّ، وهو يصلي، فذكر نحوه بمعناه. قال: حديث عبد العزيز بن محمد أطول، وأتم، وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، وهكذا روى غير واحد، عن العلاء بن عبد الرحمن. وقد ساقه مطولاً في ((فضائل القرآن))، فقال: حدثنا قتيبة، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله تَّهُ خرج على أبيِّ بن كعب، فقال رسول الله ◌َّ: ((يا أبَيِّ) - وهو يصلي - فالتفت أبَيّ، فلم يجبه، وصلى أبيّ، فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله عَمّه، قال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: رسول الله تَّه: ((وعليك السلام، ما منعك يا أبيّ أن تجيبني، إذ دعوتك؟)) فقال: يا رسول الله، إني كنت في الصلاة، قال: ((أفلم تجد فيما أوحي إلي أن: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؟)) قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله، قال: ((أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؟)) قال: نعم يا رسول الله، فقال: رسول الله عَّ: ((كيف تقرأ في الصلاة؟)) قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله تعميم: ((والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من - ٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٤ المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته)). هذا حديث حسن صحيح. انتھی کلام الترمذي رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: فقد بیّن الترمذي رحمه الله أن كونه من مسند أبي هريرة رضي الله عنه. وهي رواية عبد العزيز الدراوردي - أصح من كونه من مسند أبيّ بن كعب رضي الله عنه - وهي رواية عبد الحميد بن جعفر - وذلك لكثرة من تابع عبد العزيز في روايته، فقد تابعه روح بن القاسم، عند النسائي - كما عزاه إليه في ((الفتح)) (٢) - وعبد الرحمن بن إبراهيم عند أحمد، وحفص بن ميسرة عند ابن خزيمة، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: خرج النبي ◌َُّ على أبيِّ بن كعب ... فذكر الحديث . وقد مال إلى ترجيح الترمذي الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى، كما في ((تحفة الأشراف)) جـ ١ ص ٤٠. وقال الحافظ في (الفتح)) جـ ٩ ص ٦: وقد أخرج الحاكم أيضًا من (١) جامع الترمذي جـ ٨ ص ٥٥٣ - ٥٥٤ بنسخة تحفة الأحوذي. (٢) هكذا عزا في ((الفتح)) رواية روح إلى النسائي، ولم أجدها، وقد عزا أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في ((التمهيد)) رواية روح بن القاسم إلى محمد بن إسحاق السرّاج في تاريخه، وساقه، ولعل ((السَّرَّج)) تصحف إلى ((النسائي)) من بعض نساخ ((الفتح))، والله أعلم. - ٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح طريق الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ◌َّ نادى أبيّ بن كعب ... وهذا مما يقوي ما رجحه الترمذي. انتهى. وأخرجه مالك في الموطأ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز، أخبره أن رسول الله تَّ نادى أبيّ بن كعب، وهو يصلي ... الحديث. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: ولم يختلف الرواة على مالك، عن العلاء في إسناد هذا الحديث، وخالفه فيه غيره عن العلاء: فرواه ابن جريج، وابن عجلان، ومحمد بن إسحاق، عن العلاء مرسلاً عن النبي ◌َّ . ورواه إسماعيل ومحمد ابنا جعفر بن أبي كثير، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وروح بن القاسم، وعبد السلام بن حفص، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َِّ مسندًا. ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ بن كعب، عن النبي تَّى، وهو الأشبه عندي. والله أعلم. انتھی کلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع: الظاهر أن ابن عبد البر يميل إلى ترجيح كونه من مسند أيِّبن کعب رضي الله عنه. والذي يظهر لي أن ما رجحه الأولون، من كونه من مسند آبي (١) التمهيد جـ ٢٠ ص ٢١٧ - ٢١٨. ٥٨٥ _ ٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٥ هريرة رضي الله عنه بدون واسطة أبَيّ، هو الأصح، لعدم متابع لعبد الحميد بن جعفر في جعله من مسند أبيِّ بن كعب، مخالفًا للحفاظ ممن رووه عن العلاء بن عبد الرحمن، وهم جماعة مع أنه مختلف فيه كما تقدم في ترجمته . والحاصل أن الحديث صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بدون واسطة أبيّ بن كعب رضي الله عنه. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩١٥ - أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثْنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((أوتِيَ النَّبِيُّ ◌َ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ، السَّبْعَ الطُّوَلَ)). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن قُدَامَة) بن أَعْيَنَ الهاشمي مولاهم المصيصي، ثقة، مات سنة ٢٥٠ تقريبًا، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٥٢٨ . ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد الله الكوفي، نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٥٨٦ آخر عمره يَهمُ من حفظه، مات سنة ١٨٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/٢. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨ . ٤ - (مسلم) بن عمران البَطين، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن أبي عبد الله، أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من [٦]. روى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي عبد الله الجَدَليّ، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وأبي عمرو الشيباني، وأبي العبيد بن الأعمى، وغيرهم. وعنه ابنه شبة(١) بن مسلم، وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق السبيعي، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن سُمَيَع، وعبد الله بن عون، ومُخَوَّل بن راشد، وأبو فَزَارة العبسي، والمسعودي، وأبو العميس، وغيرهم. قال أحمد، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. زاد أبو حاتم: لم يدركه : شعبة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة(٢) . ٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، (١) هكذا في ((تت)): شبة، بالشين والباء، وفي (تك)): سنة بالمهملة والنون، فليحرر. (٢) ((تك)) جـ ٢٧ ص ٥٢٦ - ٥٢٨. ((تت)) جـ١ ص ١٣٤. ٠ ٥٨٧ - ٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٥ قتل سنة ٩٥ ولم يكمل الخمسين، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله عنهما، تقدم في ٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف . ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصيصيّ، وابن عباس، فمدني، ثم بصري، ثم مكي، ثم طائفي. ومنها : أن فيه رواية من هو من الأكابر، عمن هو من الأصاغر، فالأعمش تابعي، رأى أنسًا، وشيخه مسلم لم يلق صحابيًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال: أوتي النبي ◌َّه) أي أعطاه الله تعالى (سبعًا) أي سبع سور (من المثاني) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ((سبعًا)) (السبع الطَّوَل) بالنصب بدل - ٥٨٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح من (سبعًا))، أي السور السبع، و((الطول)) - بضم الطاء، وفتح الواو - جمع الطولى، كالكُبْرَى، والكُبَر، والفُضْلَى والفُضَل. وما قاله ابن عباس في تفسير السبع المثاني بالسبع الطول قاله ابن مسعود، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم . وهي البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بُيِّنَ فيهن الأمثال، والخبر، والعبَر. وقال سعيد: بَيّنَ فيهن الفرائض، والحدود، والقصص، والأحكام. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان: المثاني: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة. وعن ابن عباس قال: هن السبع الطول، ولم يعطهن أحد إلا النبي ◌َّ ، وأعطي موسى منهن اثنتين . رواه هشيم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار، عن سعيد بن جبير، عنه. وعنه قال: أوتي النبي تَّ سبعًا من المثاني الطول، وأوتي موسى ستًا، فلما ألقى الألواح رفعت اثنتان، وبقيت أربع. أخرج هذه الآثار ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير سورة الحجر جـ ١٤ ص ٥٨٩ _ ٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٥ ٥١ - ٥٤. وذكرها ابن كثير أيضًا في تفسيره جـ ٢ ص ٥٧٧ . قال الجامع عفا الله عنه: قد صح عن ابن عباس، وغيره من الصحابة، والتابعين تفسير السبع المثاني بالسبع الطُّوَل، لكن الذي صح عن رسول الله ◌َي أحق بتقديمه على غيره، على أن كونها هي الفاتحة لا ينافي وصف غيرها بها كما تقدم تمام البحث في ذلك في شرح حديث سعيد بن المعلى رضي الله عنه. فتفطن . والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا صحيح. المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٢٦/ ٩١٥ - وفي ((الكبرى)) ٩٧٨/٢٦ - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عنه. وفي ٩١٦/٢٦ - وفي ((الكبرى)) ٢٦/ ٩٨٨ - عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد، به. وفي ((الكبرى)) - ١١٢٧٦ - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسی، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، به. - ٥٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩١٦ - أخْبَرَنَا عَلَيُّبْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍْ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَبْعَ مِّنَ الْمَثَانِيِ﴾ قَالَ: السَّعُ الطُّوَلُ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (علي بن حجر) المروزي البغدادي، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٤ وقد قارب ١٠٠، من صغار [٩]، أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في ١٣/١٣ . ٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا، مات سنة ١٧٧، من [٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٩/٢٥ . ٣ - (أبو إِسحاق) السبيعي، عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة عابد، اختلط بآخره، يدلس، مات سنة ١٢٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/٣٨ . والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وما يتعلق ٥٩١ _ ٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٥ به. وبالله تعالى التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت، وإليه أنيب . ٥٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٢٧ - تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيهَا لَمْ يَجْهَرْ فيه ے أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ترك قراءة المأموم وراء الإمام في الصلاة التي لا يجهر فيها الإمام. اعلم أنه اختلف أهل العلم في قراءة المأموم وراء الإمام على أقوال: منهم من ذهب إلى عدم مشروعية القراءة له أصلاً . ومنهم من قال: يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام، ولا يقرأ إذا سمعها . ومنهم من قال: لابد من قراءة فاتحة الكتاب مطلقًا، وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله تعالى، حيث ترجم لترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، ثم لترك القراءة خلفه فيما جهر فيه، ثم ترجم بعدهما لوجوب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام، فدل على أنه يرى أن النهي عن القراءة محمول على ما عدا الفاتحةَ. وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ٩١٧ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ، قَالَ: صَلَّى بِنَ النَِّيُّ ◌َ الْظُّهْرَ، فَقَرَا رَجُلٌ ٥٩٣ - ٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧ خَلْفَهُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: ((مَنْ قَرَأ ﴿سَبِحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟))، قَالَ رَجُلٌ: أنَا، قَالَ: ((قَدْ عَلَمْتُ أنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا)). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤ / ٨٠. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج، تقدم في الباب الماضي. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، مات سنة بضع وعشرون ومائة، رأس الطبقة [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/٣٠. ٥ - (زُرَارة) - بضم أوله - بن أوْفَى العامري الحَرَشيّ - بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة - أبو حاجب البصري، قاضيها، ثقة عابد من [٣]. روى عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وابن عباس، وعمران بن حصين، وعائشة، رضي الله عنهم، والمحفوظ أن - ٥٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح بينهما سعد بن هشام، والمغيرة بن شعبة، وأنس، وأسير بن جابر، وعبد الرحمن بن أبي نُغْم، ومسروق. وعنه قتادة، وداود بن أبي هند، وعوف، وبهز بن حکیم، وأیوب، وغيرهم. قال أبو داود الطيالسي: لم يسمع من ابن مسعود. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من العباد. وقال أبو جناب القصاب: صلى بنا زرارة الفجرَ، ولمابلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٨، ٩] شهق شهقة، فمات. وقال ابن سعد: مات فجأة سنة ٩٣، وكان ثقة، وله أحاديث. وذكر ابن حبان أنه مات في أول قدوم الحجاج العراق في ولاية عبد الملك. وقال العجلي: بصري ثقة رجل صالح. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي: هل سمع زرارة من ابن سلام، قال: ما أراه، ولكن يدخل في المسند، وقد سمع من عمران، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم. أخرج له الجماعة(١). ٦ - (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الخُزاعي، أبو نُجَيد أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلاً، وقضي بالكوفة ، مات سنة ٥٢ بالبصرة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢١/٢٠١ . والله تعالى أعلم. (١) (تت)) جـ ٣ ص ٣٢١ - ٣٢٢. ((تك)) ج ٩ ص ٣٣٩ - ٣٤٠. ((ت)) ص ١٠٦. ٥٩٥ - ٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧ لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف. ومنها : أن رجاله كلهم ثقات. ومنها : أنهم من رجال الجماعة. ومنها : أن شيخه هو أحد التسعة الذين روى الستة عنهم بدون واسطة. ومنها : أنه مسلسل بالبصريين. ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ قتادة، عن زرارة. ومنها: أن فيه قتادة، وهو مدلس، لكن الراوي عنه شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين، مثل قتادة، والأعمش، وأبي إسحاق السبيعي، إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد وقع التصريح لقتادة في هذا الحديث من طريق شعبة، في رواية لمسلم، فقال: ((سمعت زرارة بن أوفى)). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمران بن حصين) رضي الله عنهما، أنه (قال: صلى النبي ◌َّ الظهر) هكذا في رواية المصنف، ومسلم، وأبي داود ((الظهر)) بدون شك، وفي الرواية التالية، وهي رواية لمسلم من طريق أ (١) تفسير ابن کثیر جـ ١ ص ٥٧٨. - ٥٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح أبي عوانة، عن قتادة: ((صلى الظهر، أو العصر)) بالشك (فقرأ رجل خلفه) تَُّ (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾) مفعول ((قرأ)) محكي لقصد لفظه (فلما صلى) أي لما فرغ النبي ◌َُّ من صلاته (قال: من قرأ ﴿سَبِّحٍ اسْمَ رَبّكَ الأَعْلَى﴾؟) وفي رواية أبي عوانة التالية: ((أيكم قرأ بـ ﴿سبّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾)» ونحوه في رواية مسلم . وهذا ظاهر في أن الرجل جهر حتى سمع منه عمّ (قال رجل: أنا) وفي رواية أبي عوانة: ((فقال رجل من القوم: أنا، ولم أرد بها إلا الخير)) (قال) النبي ◌َّه (قد علمت أن بعضكم خالجنيها) أي نازعني السورة المذكورة. وأراد بهذا الكلام الإنكار على الرجل في جهره بالقراءة، حيث أسمع غيره، فخلط عليه، لا عن أصل القراءة؛ لأن الجهر هو الذي يقع به المخالجة والمنازعة، وهذا الإنكار لما سوى الفاتحة، كما هو الظاهر من الحديث، وللأدلة الأخرى، كما يأتي بيانها، إن شاء الله تعالى . وقال النووي رحمه الله: ومعنى هذا الكلام الإنكارُ في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرءون السورة في الصلاة السرية. وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم، وهذا الحكمُ عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية، كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلط؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع، فلا معنى لسكوته من غير ٥٩٧ _ ٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧ استماع، ولو كان في الجهرية بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته، فالأصح أنه يقرأ السورة، لما ذكرناه. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته : حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ٢٧ /٩١٧، ١٧٤٤/٥٠ - وفي ((الكبرى)) - ٩٨٩/٢٧ - عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرَارَة بن أوفَى، عنه. وفي ٩١٨/٢٧، و ((الكبرى)) ٢٧٩٩٠ عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، به . المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، به. وعن سعید بن منصور، وقتيبة، كلاهما، عن أبي عوانة، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية - وعن محمد بن المثنى، عن محمد بن أبي عدي - كلاهما عن ابن أبي عروبة، عن (١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٠٩ - ١١٠. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٥٩٨ قتادة، به . وأبو داود فيه عن أبي الوليد الطياليسي، ومحمد بن كثير العبدي، كلاهما عن شعبة، به. وعن ابن المثنى، عن ابن أبي عدي، به. وأخرجه الحميدي رقم ٨٣٥. وأحمد ٤٢٦/٤ و٤٣١ و ٤٣٣ و٤٤١. والبخاري في ((جزء القراءة)) رقم ٨٢ و ٨٨ و٩٠ و٩١ و٩٢ و ٩٣ و٩٤ و١٠٠ و٢٥٩ و٢٦٠. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم القراءة خلف الإمام : قال النووي رحمه الله في ((المجموع)): قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في ((جامعه)): القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ◌َّيه، والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ابن المنذر رحمه الله : قال الثوري، وابن عيينة، وجماعة من أهل الكوفة: لا قراءة على المأموم. وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية. وقال ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيره من أصحاب الشافعي: تجب القراءة على المأموم في السرية والجهرية. وقال الخطابي: قالت طائفة من الصحابة رضي الله عنهم: تجب ٥٩٩ _ ٢٧ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به - حديث رقم ٩١٧ على المأموم، وكانت طائفة منهم لا تقرأ. واختلف الفقهاء بعدهم على ثلاثة مذاهب، فذكر المذاهب التي حكاها ابن المنذر، وحكى الإيجاب مطلقًا عن مكحول. وحكاه أبو الطيب عن الليث بن سعد، وحكى العبدري عن أحمد أنه يستحب له أن يقرأ في سكتات الإمام، ولا يجب عليه، فإن كانت جهرية، ولم يسكت لم يقرأ، وإن كانت سرية استحب الفاتحة وسورة . وقال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم. ونقل القاضي أبو الطيب، والعبدري عن أبي حنيفة: إن قراءة المأموم معصية . والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية . قال البيهقي: وهو أصح الأقوال على السنة، وأحوطها، ثم روى الأحاديث فيه، ثم رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد الله بن مغفل، وعائشة، رضي الله عنهم. قال: ورويناه عن جماعة من التابعين، فرواه عن عروة بن الزبير، ومكحول، والشعبي، وسعيد بن جبير، والحسن البصري رحمهم الله (١) . (١) المجموع جـ ٣ ص ٣٦٤ - ٣٦٥. - ٦٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح أدلة الموجبين للقراءة خلف الإمام قد ذكر العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى في كتابه ((تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام)) (١) عشرة أحاديث، وتكلم عليها، فأحسن، وأجاد، وأسهب، وأعاد، أذكر هنا معظمها بالاختصار: الحديث الأول: عن عبادة رضي الله عنه أن رسول الله تَ ◌ّه قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). أخرجه الجماعة. وتقدم ٠٩١٠/٢٤ فقد ثبت بهذا الحديث وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، حيث عبر بـ ((من)) التي هي من صيغ العموم. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله : حديث عبادة عام لا يخصه شيء؛ لأن رسول الله عَّي لم يخص بقوله ذلك مصليًا من مصل. يعني أنه يعم الإمام، والمأموم، والمنفرد. اهـ (٢). (١) وهو العلامة المحدث، أبو العلَى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري - ١٢٨٣ - ١٣٥٣ هـ. صاحب ((تحفة الأحوذي)) رحمه الله تعالى، وكتابه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام)) كتاب لا نظير له في بابه، قد حقق هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا، لا يرى مثله في كتب من ألف في هذا الشأن، وهو بلغة (أردو)) وقد ترجمه إلى اللغة العربية، وعلق عليه الدكتور وصي الله بن محمد عباس الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى جزاه الله تعالى على مابذل من الجهد في ذلك خيرالجزاء، طبع سنة ١٤١٤ هـ. (٢) التمهيد جـ ١١ ص ٣٨، ٤٣. بتصرف.