النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١ _
٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آَتْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لا يعرف في الصحابة
إلا بحديثين، وذكر هذين الحديثين(١). والله تعالى أعلم.
تنبيهان :
يتعلقان بإسناد هذا الحديث، ذكرهما الحافظ رحمه الله في الفتح:
أحدهما: نسب الغزالي، والفخر الرازي، وتبعهما البيضاوي هذه
القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وَهَمٌ، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى.
ثانيهما: روى الواقدي هذا الحديث عن محمد بن معاذ، عن
خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، فزاد في إسناده عن أبي سعيد بن
المعلى، عن أبي بن كعب، والذي في الصحيح أصح، والواقدي شديد
الضعف إذا انفرد، فکیف إذا خالف، وشيخه مجهول .
قال: وأظن الواقدي دخل عليه حديث في حديث، فإن مالكًا
أخرج نحو الحديث المذكور من وجه آخر فيه ذكر أبيّ بن كعب، فقال:
((عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر: أن النبي ◌َّ﴾.
نادى أبيّ بن كعب ... ))، ومن الرواة عن مالك من قال: عن أبي
سعيد، عن أبي بن كعب: أن النبي ◌َّه ناداه ... وكذلك أخرجه
الحاكم.
ووَهُمَ ابنُ الأثير حيث ظن أن أبا سعيد، شيخ العلاء، هو أبو سعيد
(١) ((الاستيعاب)) جـ ٤ ص ١٦٧٠.

- ٥٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
ابن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك
تابعي مكي من موالي قريش .
وقد اختلف فيه على العلاء، أخرجه الترمذي من طريق
الدراوردي، والنسائي من طريق روح بن القاسم، وأحمد من طريق
عبد الرحمن بن إبراهيم، وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة، كلهم
عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((خرج النبي ◌َّه
على أبي بن كعب ... )) فذكر الحديث.
وأخرجه الترمذي، وابن خزيمة من طريق عبد الحميد بن جعفر،
والحاكم من طريق شعبة، كلاهما عن العلاء مثله، لكن قال: عن
أبي هريرة رضي الله عنه (١) .
ورجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة. وقد أخرجه الحاكم
أيضًا من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ نادى أبيّ بن
كعب، وهو مما يقوّي ما رجحه الترمذي. ورجح البيهقي بأن القصة
وقعت لأبيّ بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى ذلك
(١) هكذا في ((الفتح))، ولعل فيه تحريفًا، والأصل: ((لكن ما قال: عن أبي هريرة)) كما
يدل عليه ما في مستدرك الحاكم جـ ١ ص ٥٥٨، ونصه:
ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أنه قرأ على
رسول الله ◌َُّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله تميّه: «إنها
السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت)»، فدل على أنه ليس لأبي هريرة في
رواية شعبة ذكر، فتنبه. والله أعلم.

٥٦٣ _
٢٦ - تاويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما، كما سيتبين قريبًا.
انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف يسير(١).
والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد بن المعلِّى) رضي الله عنه، تقدم الخلاف في اسمه
قريبًا، والأصح أنه الحارث بن نُفَيْع، كما تقدم قريبًا (أن النبي ◌َِّ مر
به)، وللبخاري: قال: « كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله
◌َّ ... )) (وهو يصلي) جملة حالية من الضمير في ((به)) (فدعاه،
قال) أبو سعيد (فصليت، ثم أتيته) وفي رواية البخاري: ((فدعاني
رسول الله ◌َّ ، فلم أجبه))، زاد في رواية: ((فلم آته حتى صليت، ثم
أتيته)) (فقال) تَّ (ما منعك أن تجيبني؟) ((ما)) استفهامية، أي أيُّ
شيء منعك من إجابتي حين دعوتك؟ .
(قال) أبو سعيد (كنت أصلي) يعني أن الذي منعني عن إجابتك
هي الصلاة. فبين له النبي ◌َّم كون الصلاة لا تمنع من الإجابة،
فـ (قال: ألم يقل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا اللَّه
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾) وفي حديث أبي هريرة: ((أوليس
تجد فيما أوحى الله إلى أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ الآية؟، فقلت:
(١) فتح جـ ٩ ص ٦، كتاب التفسير.

- ٥٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
بلى يا رسول الله، لا أعود إن شاء الله)).
تنبيه :
نقل ابن التين عن الداودي أن في حديث الباب تقديمًا وتأخيرًا،
وهو قوله: ((ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾)» قبل قول أبي
سعيد: ((كنت أصلي))، قال: فكأنه تأول أن من هو في الصلاة خارج
عن هذا الخطاب، قال: وتأول القاضيان: عبد الوهاب، وأبو الوليد
أن إجابة النبي ◌َِّ في الصلاة فرض، يعصي المرء بتركه، وأنه حكم
يختص بالنبي قَ﴾ .
قال الحافظ: وما ادعاه الداودي لا دليل عليه، وما جنح إليه
القاضيان من المالكية هو قول الشافعية على اختلاف عندهم بعد قولهم
بوجوب الإجابة، هل تبطل الصلاة، أولا؟. انتهى فتح(١).
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للَّه وَللرَّسُول﴾ هذا
الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، والاستجابة: الإجابة. قال
أبو عبيدة: معنى ((استجيبوا)): أجيبوا، ولكن عُرْف الكلام أن يتعدى
(استجاب)) بلام، ويتعدى ((أجاب)) دون لام، قال الله تعالى: ﴿يَا
قَوْمَنَا أَجيبُوا داعي الله ﴾ وقد يتعدى ((استجاب)) بغير لام، كقوله [من
الطويل]:
وَدَاعِ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلى النِّدَا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
(١) المصدر المذکور ج ٩ ص ٦-٧
٠

٥٦٥ _
٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
تقول: أجابه، وأجاب عن سؤاله، والمصدر الإجابة، والاسم
الْجَابَة، كالطاقة، والطاعة، تقول: أساء سَمْعًا، فأساء جَابَةً.
وقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الضمير للرسول عَّ، وذكر الله للتنبيه
على أن دعاءه دعاء الله تعالى، واستجابته استجابته له تعالى.
قال السندي: لا يلزم من وجوب استجابته في الصلاة بقاء
الصلاة، وإنما لازمه رفع إثم الفساد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى فساد الصلاة بإجابته عمّه لا دليل
عليه، فالراجح أنها لا تبطل، لعدم بيانه تمّ ذلك مع كون المقام يقتضي
ذلك. فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيِكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا ﴾ وأصل
((يحييكم)) يُحْيِيُكُمْ، حذفت الضمة من الياء لثقلها، ولا يجوز
الإدغام. والمعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى
((إلى))، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم، ويعلمكم. وقيل: أي
إلى ما يحيي به قلوبكم، فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت
الكفر والجهل. وقال مجاهد، والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة؛
وما تضمنه القرآن من أوامر، ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة
و
السرمدية. وقيل: المراد بقوله: ﴿لِمَا يُحييكم ﴾ الجهاد، فإنه سبب
٩

- ٥٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الحياة في الظاهر لأن العدو إذا لم يُغْزَ غزا؛ وفي غزوه الموت، والموت
في الجهاد الحياة الأبدية؛ قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. قال القرطبي
رحمه الله: والصحيح على العموم كما قال الجمهور. انتهى (١).
(ألا) هي أداة حثّ وتحضيض (أعلمك أعظم سورة) وفي رواية
شعبة في فضائل القرآن من ((الكبرى)) جـ ٥ ص ١١: ((ألا أعلمك أعظم
سورة في القرآن))، وفي حديث أبي هريرة جـ ٦ ص ٣٥١: ((أتحب أن
أعلمك سورة، لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور،
ولا في الفرقان مثلها)) .
قال في ((الفتح)): قال ابن التين: معناه أن ثوابها أعظم من غيرها.
واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وقد منع ذلك
الأشعري، وجماعة؛ لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل،
وأسماء الله ، وصفاته، وكلامه لا نقص فيها. وأجابوا عن ذلك بأن
معنى التفاضل أن ثواب بعضه أعظم من ثواب بعض، فالتفضيل إنما هو
من حيث المعاني، لا من حيث الصفة، ويؤيد التفضيل قوله تعالى:
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وقد روى ابن أبي حاتم من
طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ نأت بخيرٍ
(١) الجامع لأحكام القرآن جـ ٧ ص ٣٨٩ - ٣٩٠.

٥٦٧ _
٢٦ - تاويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
مِّنْها﴾ أي في المنفعة، والرفق، والرفعة. وفي هذا تعقب على من قال:
فيه تقديم وتأخير، والتقدير (نأت منها بخير)). وهو كما قيل في قوله
تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] لكن قوله في آية
الباب: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ يرجح الاحتمال الأول، فهو المعتمد. والله أعلم.
(١)
انتهى (١) .
(قبل أن أخرج من المسجد) أي النبوي (قال : فذهب ليخرج)
وللبخاري: ((ثم أخذ بيدي)). زاد في حديث أبي هريرة: ((يحدثني،
وأنا أتباطأ مخافة أن يبلغ الباب قبل أن ينقضي الحديث)) (قلت: يا
رسول الله قولك) بالنصب مفعول لفعل محذوف، أي اذكر قولَك،
أو أنتظرُ قولَك، ويحتمل الرفع خبرًا لمحذوف، أي قولك مطلوبي،
ويحتمل العكس، أي المطلوب قولُك. وفي رواية البخاري من طريق
شعبة: ((فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي
أعظم سورة في القرآن)). وفي رواية أبي هريرة: ((قلت: يا رسول الله ما
السورة التي قد وعدتني؟ قال: كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأت عليه أم
القرآن)».
(قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني الذي أوتيته)
((الحمد لله)) إلخ، مبتدأ محكي لقصد لفظه، و(هي)) ضمير فصل،
و(السبع)) خبر المبتدأ، و(المثاني))، صفته، و((الذي)) صفة بعد الصفة.
و(المثاني)): جمع مَثْنَّى بمعنى مُرَدَّد، ومُكَرَّر، ويجوز أن يكون
(١) فتح ج ٩ ص ٧.

- ٥٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
((مثنى)) مَفْعَل من التثنية بمعنى التكرير والإعادة، كما في قوله تعالى:
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، أي كرة بعد كرة، ونحو قولهم:
لبيك، وسعديك. أي أنه جُمعَ لمعنى التكرير والإعادة، كما ثني
لذلك، لكن استعمال الْمُثَنَّى في هذا المعنى أكثر، لأنه أول مراتب
التكرار. قاله الألوسي في تفسيره(١).
وسميت بـ ((المثاني)) من التثنية، بمعنى التكرار؛ لأنها تثنى في كل
ركعة، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى. ويأتي
بيان اختلاف العلماء في المراد بـ ((المثاني)) في المسألة الخامسة، إن شاء الله
تعالی.
(والقرآن العظيم) وعند البخاري في تفسيره سورة الأنفال من
رواية معاذ بن معاذ: ((هي الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني،
والقرآن العظيم الذي أوتيته)). وفي حديث أبي هريرة: فقال: ((إنها
السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)).
قال الخطابي رحمه الله: يعني بـ ((العظيم)) عظَمَ المثوبة على
قراءتها، وذلك لما تجمع هذه السورة من الثناء، والدعاء، والسؤال.
والواو فيه ليست للعطف الموجب للفصل بين الشيئين، وإنما
هي الواو التي تجيء بمعنى التخصيص، كقوله تعالى: ﴿ وَمَلائِكَتَه وَرُسُله
وجبرِيل﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله: ﴿فَاكِهَةَ وَنَخْلٌ وَرَمَّان﴾ [الرحمن: ٦٨].
(١) روح المعاني جـ ١٤ ص ٧٨ - ٧٩.

٥٦٩ -
٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
وقال الكرماني رحمه الله: المشهور بين النحاة أن هذه الواو للجمع بين
الوصفين، فمعنى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمُ﴾
[الحجر: ٨٧] أي ما يقال له: السبع المثاني، والقرآن العظيم، وما
يوصف بهما. انتهى (١).
وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مّنَ
الْمَثَانِي﴾ هي الفاتحة. وهو الراجح من الأقوال في معنى هذه الآية،
وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد بن الْمُعَلَّى رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٢٦/ ٩١٣ - وفي ((الكبرى)) - ٩٨٥/٢٦ - وفي ((التفسير))
منه جـ ٦ ص ٢٨٣ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث
الْهُجَيمي، عن شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن
عاصم، عنه. وفي ((فضائل القرآن)) - من ((الكبرى)) - جـ ٥ ص ١١ عن
(١) راجع عمدة القاري جـ ١٤ ص ٤١٨. وللعيني اعتراض على كلام الخطابي تركته؛
لعدم جدواه، إذ حاصله يرجع إلى نفس ما قاله الخطابي، فلو أمعن النظر لما اعترض
عليه. فتنبه. والله تعالى ولي التوفيق.

- ٥٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر،
كلاهما عن شعبة، به. وفي ((التفسير)) منه جـ ٦ ص ٣٧٥ - عن محمد
ابن بشار، عن يحيى القطان، عن شعبة، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال عن مسدد، وفي فضائل
القرآن عن علي بن عبد الله ، كلاهما عن يحيى القطان - وفي تفسير
سورة الحجر عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة - وعن بندار،
عن غندر - وتعليقًا، قال معاذ - يعني ابن معاذ - أربعتهم عن شعبة، به .
وأبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن خالد الهجيمي،
عن شعبة، به .
وابن ماجه، في ثواب التسابيح من كتاب الأدب عن أبي بكر بن
أبي شيبة، عن غندر به، بقصة فضل الفاتحة. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
آتَيْنَاكَ سَبْعًا مّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، وأن المراد به الفاتحة، وهذا هو
الراجح، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: ما قاله بعضهم: فيه دليل على أن ((بسم الله الرحمن
الرحيم)) ليست آية من القرآن، كذا قال، وعكس غيره؛ لأنه أراد

٥٧١ _
٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
السورة، ويؤيده أنه لو أراد بـ ((الحمد لله رب العالمين)) الآية لم يقل هي
السبع المثاني؛ لأن الواحدة لا يقال لها: سبع، فدل على أنه أراد بها
السورة، و((الحمد لله رب العالمين)) من أسمائها، وفيه قوة لتأويل
الشافعي رحمه الله في حديث أنس، قال: كانوا يفتتحون الصلاة
بـ ((الحمد لله رب العالمين)).
قال الشافعي رحمه الله : أراد السورة، وتعقب بأن هذه السورة
تسمى سورة ((الحمد لله))، ولا تسمى ((الحمد لله رب العالمين))، وهذا التعقيب
مردود بهذا الحديث، فإنه نص صريح في کونها تسمی بـ «الحمد لله رب
العالمين)) أيضًا .
ومنها: أن الأمر يقتضي الفور؛ لأنه ◌َّ عاتب هذا الصحابي على
تأخير إجابته .
ومنها: أن فيه استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها، قال
الخطابي: فيه أن حكم لفظ العموم أن يجري على جميع مقتضاه، وأن
الخاص والعام إذا تقابلا كان العام منزلاً على الخاص؛ لأن الشارع حرّم
الكلام في الصلاة على العموم، ثم استثنى منه إجابة دعاء النبي ◌َّه في
الصلاة .
ومنها: أن إجابة المصلي دعاء النبي ◌َّهُ لا تفسد الصلاة، هكذا
صرح به جماعة من الشافعية، وغيرهم. قال في الفتح: وفيه بحث،
لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا، أو

- ٥٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
غير مصل، أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة، أو لا يخرج، فليس
في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة، ولو خرج المجيب
من الصلاة، وإلى هذا جنح بعض الشافعية. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: ما أسمج هذا القول! فهل من المعقول أن
يُعَنِّفَ النبيُّ ◌َّهُ الصحابيَّ الذي اعتذر إليه بكونه في الصلاة، إذ هي لا
يصلح فيها شيء من الكلام، ثم لا يقول له: أجب دعوتي، ثم أعد
صلاتك، لبطلانها، ولا يشير أدنى إشارة، مع كون هذا الصحابي
شديد الحرص على أن لا تبطل صلاته؟، إن هذا لشيء عجيب ! .
فالقول الصحيح الذي لا غبار عليه هو القول الأول، فلا تبطل
الصلاة بإجابته مّه . والله تعالى أعلم بالصواب.
قال: وهل يختص هذا الحكم بالنداء، أو يشمل ما هو أعم، حتى
تجب إجابته إذا سأل؟ فيه بحث. وقد جزم ابن حبان بأن إجابة الصحابة
في قصة ذي اليدين كان كذلك. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالعموم هو الراجح، كما أشار
إليه ابن حبان رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في المراد بـ ((السبع المثاني)):
قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله : اختلف العلماء في
(١) فتح جـ ٩ ص ٧ - ٨ .

-٥٧٣ -
٢٦ - تأويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
((السبع المثاني)):
فقيل: الفاتحة. قاله علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، والربيع بن
أنس، وأبو العالية، والحسن، وغيرهم، وروي عن النبي ◌َّه من وجوه
ثابتة، من حديث أبي بن كعب، وأبي سعيد بن المعلى، وأخرج
الترمذي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّ: ((الحمد لله
أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني)). قال: هذا حديث حسن
صحيح. وهذا نص. وقال الشاعر [من الرجز]:
أُم الْكِتَابِ السَّبعِ مِنْ مَثَانِي
نَشَدْتُكُمْ بِمُنْزِلِ الْقُرْآنِ
وقال ابن عباس رضي الله عنه: هي السبع الطُّوَل: البقرة، وآل
عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة
معًا، إذ ليس بينهما التسمية. وسيأتي للمصنف - ٩١٦/٢٦ - عن ابن
عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجلّ: ﴿ سَبْعَا مِّنَ الْمَثَانِيِ﴾ قال:
السبع الطُّوَل، وسميت مثاني، لأن العبَرَ، والأحكام، والحدود ثنيت
فيها .
وأنكر قوم هذا، وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة، ولم ينزل من
الطول شيء إذ ذاك. وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء
الدنيا، ثم أنزله منها منجمًا، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه
محمدًاً عَُّ، وإن لم ينزل عليه بعدُ. وممن قال: إنها السبع الطول:

- ٥٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد.
وقال جرير [من الوافر]:
جَزَى الله الْفَرَزْدَقَ حِينَ يُمْسِي
مُضِيعًا لِلْمُفَصَّلِ وَالْمَثَانِي
وقيل: المثاني القرآن كله، قال الله تعالى: ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ .
وهذا قاله الضحاك، وطاوس، وأبو مالك، وقاله ابن عباس. وقيل له:
مثاني؛ لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه. وقالت صفية بنت عبد المطلب،
ترثي رسول الله عَ﴾ [من الطويل]:
يُخَصُّ بِتَنْزِلِ الْمَثَانِي الْمُعَظّمِ
فَقَدْ كَانَ نُورًا سَاطِعاً يُهْتَدَی به
أي القرآن. وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن، من الأمر،
والنهي، والتبشير، والإنذار، وضرب الأمثال، وتعديد نعَم، وأنباء
قرون. قاله زياد بن أبي مريم.
قال القرطبي رحمه الله : والصحيح الأول؛ لأنه نص، وقد قدمنا
في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك،
إلا إذا ورد عن النبي تمّه ، وثبت عنه نص في شيء، لا يحتمل التأويل
کان الوقوف عنده. انتھی بتصرف يسير(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه العلامة القرطبي
رحمه الله تعالى، هو الراجح عندي.
(١) الجامع لأحكام القرآن جـ ١٠ ص٥٤ - ٥٥ .

٥٧٥ _
٢٦ - تاويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٣
وحاصله أن ((السبع المثاني، والقرآن العظيم)) هي الفاتحة،
للنصوص الصحيحة الصريحة، ولكن هذا لا ينافي أن يوصف غيرها
بهذا الوصف، كوصف القرآن بأنه مثاني، حيث وصفه الله به في
قوله: ﴿ كِتَابًا مُتَشَابِهَا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد ذكر ما أخرجه البخاري
رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَظّ: ((أم
القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم))، ما نصه: فهذا نص في أن
الفاتحة السبعُ المثاني، والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من
السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف
القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثُ
كِتَابًا مُّتَشَابِهَا مَّثَانِيَ﴾ فهو مثان من وجه، ومتشابهٌ من وجه، وهو القرآن
العظيم أيضًا، كما أنه تمّ لَمَّ سئل عن المسجد الذي أسس على
التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي ،
فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة. والله
أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩١٤ - أخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْث، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٧٨ .

- ٥٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
مُوسَى، عَنْ عَبْد الْحَميدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ الْعَلاَءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبَيِّ بْنِ
كَعْب، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزّ وَجَلَ
فِي التَّوْرَةِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ
الْمَثَانِي، وَهِيَ مَفْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا
سأل)).
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (الحسين بن الحريث) الخُزاعي مولاهم، أبو عَمَّار المروزي،
ثقة، مات سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو
داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَاني، أبو عبد الله المروزي، ثقة
ثبت، وربما أغرب، مات سنة ١٩٢ ، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ١٠٠/٨٣.
٣ - (عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن
سنان الأنصاري الأوسي، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص، ويقال: إن
رافع بن سنان جده لأمه، صدوق رمي بالقدر، وربما وَهمَ، من [٦].
قال أحمد: ثقة، ليس به بأس، سمعت یحیی بن سعيد، يقول:

٥٧٧ -
٢٦ - تاويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٤
كان سفيان يضعفه، من أجل القدر. وقال الدوري، عن ابن معين:
ثقة، ليس فيه بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى: قد
روی عنه یحیی بن سعید؟، قال: قد روی عنه، و کان یضعفه، وکان
يروي عن قوم ما كانوا يساوون عنده شيئًا. قال ابن معين: وكان يرى
القدر. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: کان یحیی بن سعيد يوثقه،
و کان الثوري يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ لیس بحديثه بأس،
وهو صالح. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن
المديني، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يحمل عليه، وما أدري ما
كان شأنه وشأنه. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائي: ليس
به بأس. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن یکتب حديثه.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال الساجي: ثقة
صدوق. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة -
١٥٣ - وهو ابن ٧٠ سنة. وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع
محمد بن عبد الله بن حسن العلوي. استشهد به البخاري في
((الصحیح))، وروى له في كتاب ((جزء رفع اليدين))، وغيره، وأخرج له
الباقون(١).
٤ - (العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقيّ، أبو شبل
المدني، صدوق ربما وهم، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، من [٥] ،
أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٧/ ١٤٣ .
(١) ((تك)) جـ ١٦ ص ٤١٦ - ٤٢٠. ((تت)) جـ ٦ ص ١١١ - ١١٢. ((ت)) ص ١٩٦.

- ٥٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٥ - (عبد الرحمن بن يعقوب) الجُهَني المدني، مولى الحُرَقَة،
ثقة من [٣]، أخرج له البخاري في ((جزء القراءة))، ومسلم، والأربعة،
تقدم في ١٠٧/ ١٤٣.
٦ - (أبو هريرة) الدَّوْسيُّ الصحابي الشهير رضي الله عنه،
أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١ .
٧ - (أُبَيّ بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، أبو
المنذر، وأبو الطفيل، سيد القراء، الصحابي الشهير رضي الله عنه،
أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٠٨/٣٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم
من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الحميد،
فعلق له البخاري، وأخرج له الباقون.
ومنها : أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعي، عن تابعي؛ العلاء،
عن أبيه .
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي؛ أبو هريرة، عن أُبيّ
رضي الله عنهما .
ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.

٥٧٩ -
٢٦ - تاويل قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي ... ﴾ - حديث رقم ٩١٤
شرع الحديث
(عن أبيّ بن كعب) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله
قَ اتٍ: ما أنزل الله عز وجل في التوراة) هو الكتاب الذي أنزله الله
على موسى عليه الصلاة والسلام.
وقد اختلف اللغويون في أصل اشتقاق ((التوراة)) على أقوال كثيرة،
مذكورة في كتب اللغة، وقد استوفاها المرتضى الزبيدي رحمه الله في
شرح ((ق))، وقال في آخره نقلاً عن شيخه، ما نصه: وقد تعقب المحققون
كلامهم بأسره، وقالوا: هو لفظ غير عربي، بل هو عبراني اتفاقًا، وإذا
لم يكن عربيًا، فلا يعرف له أصل من غيره، إلا أن يقال: إنهم أجروه
بعد التعريب مجرى الكلم العربية، وتصرفوا فيه بما تصرفوا فيها. والله
أعلم. انتهى كلام المرتضى رحمه الله تعالى(١).
(ولا في الإِنجيل) هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليه
الصلاة والسلام. قال ابن منظور رحمه الله: يُؤْنَّث، ويُذَكَّر، فمن أنث
أراد الصحيفة، ومن ذَكَّرَ أراد الكتاب. وفي صفة الصحابة رضي الله
عنهم: ((معه قوم صدورهم أناجيلهم))؛ هو جمع إنجيل، وهو اسم
كتاب الله المنزل على عيسى عليه السلام، وهو اسم عبْرَاني، أو
سرياني. وقيل: هو عربي. يريد أنهم يقرءون كتاب الله عن ظهر
قلوبهم، ويجمعونه في صدورهم حفظًا، وكان أهل الكتاب إنما يقرءون
كتبهم في الصحف، ولا يكاد أحدهم يجمعها حفظًا، إلا القليل، وفي
(١) تاج العروس جـ ١٠ ص ٣٨٩.

- ٥٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
رواية: ((وأناجيلهم في صدورهم))، أي إن كتبهم محفوظة فيها.
والإنجيل: مثلُ الإكليل، والإخْريط، وقيل: اشتقاقه من النَّجْل
الذي هو الأصل، يقال: هو كريم النَّجْل، أي الأصل، والطّبْع، وهو
من الفعل إفعيلٌ، وقرأ الحسن: ((وليحكم أهل الأنْجيل)) بفتح الهمزة،
وليس هذا المثال من كلام العرب، قال الزَّجَّاج: وللقائل أن يقول: هو
اسم أعجمي، فلا يُنكَر أن يقع بفتح الهمزة؛ لأن كثيراً من الأمثلة
العجمية يخالفُ الأمثلة العربية، نحو آجَر، وإبراهيمَ، وهابيل،
وقابیل. انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: التحقيق أن التوراة والإنجيل اسمان
أعجميان، لا أصل لهما في العربية، فلا وجه للاشتغال بأصل
اشتقاقهما، بل مثل هذا يعدّ من فضول الكلام، ومما لا يعني الإنسان.
وقد أخرج أحمد، والترمذي، وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعًا: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). والله تعالى أعلم.
(مثل أم القرآن) بالنصب مفعولاً لـ ((أنزل))، وقد تقدم وجه كون
الفاتحة أم القرآن (وهي السبع المثاني) تقدم تفسيره في الحديث السابق
أيضًا (وهي مقسومة بيني وبين عبدي) أي لأن نصفها ثناء وتمجيد،
ونصفها سؤال وابتهال (ولعبدي ما سأل) وعد من الله سبحانه لعبده
أن يوفقه لنيل ما طلبه منه، والله لا يخلف الميعاد. والله تعالى أعلم،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) لسان العرب جـ ٦ ص ٤٣٥٦.