النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ - ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٦ وذكر الحاكم أن البخاري ومسلمًا رويا عنه، قال الحافظ: كأنه في غير الجامعين. روى عنه الترمذي، والنسائي(١) . ٢ - (علي بن الحسن بن شقيق) بن دينار بن مشعب، العبدي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، قدم من البصرة إلى خراسان، ثقة حافظ، من كبار [١٠]. قال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنهم يتكلمون فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. وقال ابن معين: قيل له في الإرجاء، فقال: لا أجعلكم في حل، ولا أعلم قدم علينا من خراسان أفضل منه، وكان عالمًا بابن المبارك. وقال الآجري عن أبي داود: وسمع الكتب من ابن المبارك أربع عشرة مرة. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من علي بن الحسين بن واقد. وقال أبو عمار الحسين بن حريث: قلت له: هل سمعت ((كتاب الصلاة)) من أبي حمزة السكري؟ فقال: نعم سمعت، ولكن نهق حمار يومًا، فاشتبه علي حدیث، فلا أدري أي حديث هو، فتركت الكتاب كله. وقال العباس بن مصعب: كان جامعًا، وكان من أحفظهم لكتب ابن المبارك، وقد شارك ابن المبارك في كثير من رجاله، مثل شريك، وإبراهيم بن طهمان، وقيس بن الربيع، وكان من أروى الناس عن ابن (١) ((تت)) جـ ٩ ص ٣٤٩ - ٣٥٠. ((ت)) ٣١١. - ٤٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح عيينة، وكان أول أمره المنازعة مع أهل الكتاب، حتى كتب التوراة والإنجيل، وأربعة عشر كتابًا من كتب ابن المبارك، ثم صار شيخًا ضعيفًا، لا يمكنه أن يقرأ، فكان يحدث كل إنسان الحديثين والثلاثة . وتوفي سنة ٢١٥، و کذا أرخ وفاته غير واحد. زاد أبو رجاء ابن حمدويه، ويقال: ولد ليلة قتل أبي مسلم بالمدائن سنة - ١٣٧ - وكان يسكن البهارة. وقال ابن حبان: مات سنة - ٢١١- وقيل: سنة ٢١٢ - وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مولده - ١٣٧ -، وروى الحاكم في تاريخه عن عبد العزيز ابن حاتم: ولدت سنة - ١٩٣ - واختلفت إلى علي بن الحسن بن شقيق من سنة - ٢١١ - إلى سنة ٢١٥ - وفيها توفي. وفي الزهرة: روى عنه البخاري حديثين. أخرج له الجماعة(١). ٣ - (أبو حمزة) محمد بن ميمون السُّكَّري المروزي، ثقة فاضل، من [٧]. قال الأثرم عن أحمد: ما بحديثه عندي بأس، وهو أحب إلي حديثًا من حسين بن واقد. وقال الدوري: كان من ثقات الناس، ولم يكن يبيع السكر، وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه. وقال النسائي: ثقة. وقال حفص بن حميد، عن ابن المبارك: حسين بن واقد ليس بحافظ، ولا يترك حديثه، وأبو حمزة صاحب حديث، هذا أو نحوه. وقال (١) ((تت) جـ ٧ ص ٢٩٨ - ٢٩٩. (تك)) جـ ٢٠ ص ٣٧١ - ٣٧٤. ((ت)) ص ٢٤٤. ٤٤٣ _ ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٦ سفيان بن عبد الملك: قال ابن المبارك: السكري وابن طهمان صحيحا الكتاب . وقال علي بن الحسن بن شقيق: سئل عبد الله، عن الأئمة الذين يقتدى بهم، فذكر أبا بكر ، وعمر، حتى انتهى إلى أبي حمزة، وأبو حمزة يومئذ حي. وقال يحيى بن أكثم: سئل ابن المبارك عن الاتباع؟ فقال: الاتباع ما كان عليه حسين بن واقد، وأبو حمزة. وقال العباس بن مصعب: كان مستجاب الدعوة. وعن معاذ بن خالد قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف. وقال إبراهيم الحربي، عن محمد بن الحسن بن شقيق: أراد جار لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه بأربعة آلاف، وقال: خذ هذا، ولا تبع دارك. قال ابن أبي رزمة، وغيره: مات سنة ١٦٧ - وقال بشر بن محمد السختياني: سنة ١٦٨ . وقال ابن حبان: سنة ٧ أو ٨ . وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): ليس بقوي، ذكره في ترجمة سُمَيّ. وقال النسائي: لا بأس بأبي حمزة، إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن کتب عنه قبل ذلك، فحديثه جید. وذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط، أخرج له الجماعة(١). (١) ((تت)) جـ ٩ ص ٤٨٦ - ٤٨٧. (تك)) جـ ٢٦ ص ٥٤٤ - ٥٤٨. ((ت)) ص ٣٢١. ٤٤٤ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٤ - (منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، مات سنة ١٢٩ على الصحيح، ثقة ثبت عابد، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٤٧٥ . ٥ - (أنس بن مالك) رضي الله عنه، تقدم في ٦ / ٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله ، وأن رجاله ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأنهم ما بين مروزيين؛ وهم الثلاثة الأولون، وواسطي؛ وهو منصور، ومدني ثم بصري؛ وهو الصحابي، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه الإخبار ، والسماع، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الصحيح في ((عن)) من غير المدلس. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه أنه (قال: صلى بنا رسول الله تَّه) أي صلى إمامًا لنا (فلم يسمعنا قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم))) بضم حرف المضارعة، من الإسماع. ثم إن ظاهره أنه تمّ قرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ولكنه لم يجهر بها، فعدم سماعهم لعدم جهره بها، لا لأنه لم يقرأها، وأصرح منه ما في الرواية الآتية ((فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ ((بسم الله الرحمن ٤٤٥ _ ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٧ الرحيم)) (وصلى بنا أبو بكر، وعمر فلم نسمعها منهما) بفتح حرف المضارعة، من السماع. وهذا الحديث دليل على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أنه أراد بعدم السماع منهم عدم جهرهم بها، وهذا، و إن كان يحتمل عدم قراءتها أصلاً، لكن الظاهر الأول. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه هذا من طريق منصور بن زاذان صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه غيره، أخرجه هنا - ٩٠٦/٢٢ - وفي ((الكبرى)) - ٩٧٨/٢٢ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٠٧ - أخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَعيد، أَبُو سَعيد الأَشَجُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بَنُ خَالَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وابْنُ أبي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس، قَالَ: صَلَيْتُ خَلْفَ رَسُول الله عَّهُ، وَأَبِي بَكْرِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ أسْمَعْ أحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عبد الله بن سعيد) بن حُصَين الكندي، أبو سعيد الأشج - ٤٤٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الكوفي، ثقة، من صغار [١٠]. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، ولکنه یروي عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال مرة: الأشج إمام زمانه. وقال النسائي: صدوق، وقال مرة: ليس به بأس. وقال محمد ابن أحمد بن بلال الشطوي: ما رأيت أحفظ منه. وقال اللالكائي، وغيره: مات سنة ٢٥٧ - وأرخه ابن قانع سنة - ٦ -، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الخليلي، ومسلمة بن قاسم: ثقة. وفي ((الزهرة)): روى عنه البخاري ثمانية، ومسلم سبعين حديثًا. أخرج عنه الجماعة(١). ٢ - (عقبة بن خالد) بن عقبة بن خالد السَّكُوني، أبو مسعود الكوفي الْمُجَدّر - بفتح الجیم - ، صدوق صاحب حدیث. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، قلت: هو ثقة؟ قال: أرجو إن شاء الله . وقال أبو حاتم: من الثقات، صالح الحديث، لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الجارودي: شيخ كوفي صاحب حديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عقبة بن خالد، وما تعلمت ألفاظ الحديث إلا منه. وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة. قال ابن نمير، والترمذي: مات سنة - ١٨٨ -، أخرج له الجماعة (٢). (١) (تت)) جـ ٥ ص ٢٣٦ - ٢٣٧. ((ت)) ص ١٧٥. (٢) ((تت)) جـ ٧ ص ٢٣٩ - ٢٤٠. ((ت)) ص ٢٤١. ٤٤٧ - ٢٢ - ترك الجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم)» - حديث رقم ٩٠٧ ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الثبت الحجة الواسطي، ثم البصري، مات سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/٢٤. ٤ - (ابن أبي عروبة) هو سعيد، واسم أبيه مهْران، أبو النضر البصري، مات سنة ١٥٦، ثقة حافظ، كثير التدليس، واختلط، من أثبت الناس في قتادة، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/٣٤. والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث واضح، يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه بألفاظ مختلفة، سأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ٢٢ /٩٠٧ -، وفي ((الكبرى)) - ٩٧٩/٢٢ - بالسند المذكور . المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن - ٤٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح قتادة، عن أنس رضي الله عنه، ومسلم فيه عن محمد بن المثنى، ومحمد ابن بشار، كلاهما عن غندر، عن شعبة به. وعن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به. وأحمد جـ ٣ ص١٧٦ و٢٧٣ و١٧٩. وعبد بن حُمَيْد رقم ١١٩١، وابن خزيمة ٤٩٦ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف الرواة في هذا الحديث: قد حقق الحافظ رحمه الله تعالى هذا الاختلاف، فأجاد، وأفاد، ودونك عبارته : قال رحمه الله تعالى : وقد اختلف الرواة عن شعبة في لفظ هذا الحديث، فرواه جماعة من أصحابه عنه بلفظ: ((كانوا يفتتحون القراءة بـ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)) [الفاتحة: ٢]. ورواه آخرون عنه بلفظ: ((فلم أسمع أحداً منهم يقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم)). كذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسي، ومحمد بن جعفر. وكذا أخرجه الخطيب من رواية أبي عمر الدوري(١) شيخ البخاري فيه. وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة . ولا يقال: هذا اضطراب من شعبة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين، فأخرجه البخاري في ((جزء القراءة))، والنسائي(٢) وابن ماجه، من طريق أيوب، وهؤلاء والترمذي من طريق (١) قوله: ((الدوري)) هكذا في الفتح، ولعل الصواب: ((الحوضي))؛ لأن البخاري رواه عن أبي عمر الحوضي، لا الدوري. فتنبه . (٢) هو الحديث الماضي - ٢٠/ ٩٠٢ و٩٠٣. ٤٤٩ - ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٧ أبي عوانة، والبخاري في ((جزء القراءة))، وأبو داود من طريق هشام الدستوائي، والبخاري فيه، وابن حبان من طريق حماد بن سلمة، والبخاري فيه، والسرّاج من طريق، همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول، وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي، عن قتادة بلفظ: لم يكونوا یذکرون «بسم الله الرحمن الرحيم». وقد قدح بعضهم في صحته بكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبةً، وفيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه أبو يعلى عن أحمد الدورقي، والسرّاجُ عن يعقوب الدورقي، وعبدُ الله بنُ أحمد، عن أحمد بن عبد الله السلمي، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بلفظ: ((فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) قال شعبة: فقلت لقتادة: سمعته من أنس؟ قال: نحن سألناه. لكن هذا النفي محمول على ما قدمناه أن المراد أنه لم يسمع منهم البسملة، فيحتمل أن يكونوا يقرؤونها سراً، ويؤيده رواية من رواه عنه بلفظ: ((فلم يكونوا يجهرون بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)). كذا رواه سعيد بن أبي عروبة عند النسائي، وابن حبان، وهمامٌ عند الدار قطني، وشيبانُ عند الطحاوي، وابن حبان، وشعبة أيضًا من طريق وكيع عنه عند أحمد، أربعتهم عن قتادة. ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول: قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك. فرواه البخاري في ((جزء القراءة))، - ٤٥٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح والسرّاج، وأبو عوانة في صحيحه، من طريق إسحاق بن أبي طلحة، والسراجُ من طريق ثابت البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار، كلهم عن أنس رضي الله عنه باللفظ الأول. ورواه الطبراني في الأوسط من طريق إسحاق أيضًا، وابن خُزيمة من طريق ثابت أيضًا، والنسائي من طريق منصور بن زاذان، وابن حبان من طريق أبي قلابة، والطبراني من طريق أبي نعامة، كلهم عن أنس رضي الله عنه باللفظ النافي للجهر. فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده أن لفظ رواية منصور بن زاذان: ((فلم يُسمعنا قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)). وأصرح من ذلك رواية الحسن، عن أنس عند ابن خزيمة بلفظ: ((كانوا يسرون ((بسم الله الرحمن الرحيم))؛ فاندفع بهذا تعليلُ من أعله بالاضطراب، كابن عبد البر؛ لأن الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه. وأما من قدح في صحته بأن أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنسًا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنسًا سئل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي سلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة، أو الحمدلة؟ وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة، أو غيرها؟ قال: ويدلّ عليه قول قتادة في صحيح مسلم: نحن سألناه. انتهى - فليس بجيد؛ لأن أحمد روى في مسنده ٤٥١ _ ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٧ بإسناد ((الصحيحين)) أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي سلمة، والذي في مسلم إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة ، ولم يبين مسلم صورة المسألة، وقد بينها أبو يعلى، والسراجُ، وعبد الله بن أحمد في رواياتهم التي ذكرناها عن أبي داود أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر من طريق أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة، قال: سألت أنسًا، أيقرأ الرجل في الصلاة ((بسم الله الرحمن الرحيم)»؟ فقال: صليت وراء رسول الله تَّه، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم)». فظهر اتحاد سؤال أبي سلمة، وقتادة، وغايته أن أنسًا أجاب قتادة بالحكم، دون أبي سلمة، فلعله تذكره لما سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي سلمة: ما سألني أحد قبلك، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة، دون أبي سلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي سلمة بلا نزاع. وإذا انتهى البحث إلى أن مُحَصَّلَ حديث أنس رضي الله عنه نفي الجهر بالبسملة على ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الروايات عنه، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه، لا لمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جداً أن يصحب النبي تَّ مدة عشر سنين، ثم يصحب أبا بكر، وعمر ، وعثمان، خمسًا وعشرين سنة، فلم يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به، ثم تذكر من الجزم - ٤٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح بالافتتاح بالحمد جهرًا، ولم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١) ... قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق من الحافظ رحمه الله تعالى حسن جدّاً، إلا قوله: ((فيتعين الأخذ بحديث الجهر))؛ لأن الأولى، بل المتعين في مثل هذا سلوك طريقة الجمع بالعمل بالحديثين، بحمل حديث الجهر على بعض الأوقات؛ لأن العمل بالحديثين معًا أولى من إلغاء أحدهما بالترجيح، ولو سلكنا مسلك الترجيح لكان حديث أنس رضي الله عنه أولى، لقوته، وصراحته. والحاصل أن طريقة الجمع بحمل حديث الجهر على بعض الأحيان أولى وأرجح مما قاله الحافظ، وهو الذي سلكه الحذاق من فقهاء المحدثين، كالمصنف، وابن خزيمة، وغيرهما. كما سيأتي تحقيق ذلك في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٠٨ - أخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُود، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَعَامَةً (٢) الْحَنَفَيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُفَفَّلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الله بْنُ مُغَفّلِ، إِذَا سَمِعَ أحَدَنَا يَقْرَا بِسْمِ السلسِهِ (١) فتح جـ ٢ ص ٤٦٨ - ٤٧٠. (٢) بفتح النون، فما وقع في نسخة ((المجتبى)) بضم النون فتحريف فتنبه. ٤٥٣ _ ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٨ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، يَقُولُ: صَلَيْتُ خَلْفَ رَسُول الله عَّهِ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرِ، وَخَلْفَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَرّ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري، أبو مسعود البصري، مات سنة ٢٤٨، ثقة من [١٠]، أخرج ه النسائي، تقدم في ٤٢ / ٤٧ . ٢ - (خالد) بن الحارث بن عبيد بن سليم الْهُجَيْمي، أبو عثمان البصري، مات سنة ١٨٦، ثقة ثبت من [٨]، تقدم في ٤٢ / ٤٧ . ٣ - (عثمان بن غياث) - بمعجمة، ومثلثة - الراسبي، أو الزهراني البصري، ثقة رمي بالإرجاء، من [٦]. قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال أحمد: ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى - يعني القطان - يقول: عند عثمان بن غياث كتب عن عكرمة، فلم يصححها لنا . وذكره الآجري عن أبي داود في مرجئة أهل البصرة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه في التفسير. وقال العجلي: بصري ثقة. أخرج له البخاري، - ٤٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ومسلم، وأبو داود، والنسائي(١). ٤ - (أبو نعامة الحنفي) الرماني، وقيل: الضبي، واسمه قيس ابن عَبَاية البصري (٢) ثقة من [٣]، أخرج ه البخاري في ((جزء القراءة))، والأربعة. قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي نعامة الحنفي؟ فقال: اسمه قيس بن عباية بصري ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدا رماه بكذب، ولا ببدعة. وذكره البخاري في (( الأوسط)) فيمن مات ما بين عشرين ومائة. له عند الترمذي، والمصنف، حديث الباب فقط(٣). قال الجامع عفا الله عنه: وقع في نسخ ((المجتبى)) هنا تصحيف في قوله: ((الخيفي))، والصواب كما في كتب الرجال: ((الحنفي))، وهو الذي وقع في ((الكبرى)). فتنبه. والله تعالى أعلم. ٥ - (ابن عبد الله بن مغفل) اسمه يزيد. قاله في ((ت))، وفي ((تت)): ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه في ترك الجهر بالبسملة، وعنه أبو نعامة الحنفي، قيل: اسمه یزید. اهـ. وقال الحافظ في ((الدراية)): وقع في رواية للطبراني: ((عن يزيد بن (١) (تت)) جـ ٧ ص ١٤٦ - ١٤٧. (٢) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحدة، ثم تحتانية . (٣) ((تت)) جـ ٨ ص ٤٠٠ - ٤٠١. ((ت)) ص ٢٨٣. ٤٥٥ _ ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٨ عبد الله بن مغفل)). وهو كذلك في مسند أبي حنيفة. اهـ(١). قال الجامع عفا الله عنه : هو کذلك في مسند أحمد جـ ٤ ص ٨٥ يزيد بن عبد الله. وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ٦ - (عبد الله بن مغفل) بن عبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي بايع تحت الشجرة، نزل البصرة، مات سنة ٥٧، وقيل: بعد ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦/٣٢ . وشرح الحديث واضح يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مغفل هذا حسن . قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن . انتهى . وقال النووي رحمه الله في ((الخلاصة)): وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر، والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو (١) راجع ((تحفة الأحوذي)) جـ ٢ ص ٥٤ - ٥٥. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٤٥٦ مجهول . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تحسین الترمذي رحمه الله عندي هو الصحيح؛ إذ ابن عبد الله بن مغفل معروف، روى عنه ثلاثة كما يأتي قريبًا في كلام الحافظ الزيلعي، ولم یرو ما ليس له أصل، بل روى ما له شواهد من حديث أنس رضي الله عنه، وغيره، فتحسین حديث مثله هو الصواب على ما هو مقرر في مصطلح المحدثين. قال الحافظ الزيلعي رحمه الله في ((نصب الراية)) بعد ذكر كلام النووي هذا ما نصه: رواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل، قالوا: كان أبونا إذا سمع أحدًا منا يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) يقول: أيْ بَنِيّ صليت مع النبي ◌َّ، وأبي بكر، وعمر، فلم أسمع أحداً منهم يقول: ((بسم الله الرحمن الرحیم)). انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بَنيّ، هكذا عنده بصيغة الجمع، وكذا قوله: ((قالوا))، وقوله: ((أبونا إذا سمع أحدًا منا)). والذي في نسخة المسند التي بين أيدينا بالإفراد في كلها. فليحرر. والله تعالى أعلم. قال: ورواه الطبراني في ((معجمه)) عن عبد الله بن بريدة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مثله. ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، قال: صليت خلف ٤٥٧ _ ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٨ إمام، فجهر ((بسم الله الرحمن الرحيم))، فلما فرغ من صلاته، قلت : ما هذا؟ غَيِّبْ عنا هذه التي أراك تجهر بها، فإني قد صليت مع النبي تَّ، ومع أبي بكر، وعمر، فلم يجهروا بها. انتهى. فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه، وهم أبو نعامة الحنفي: قيس بن عباية، وقد وثقه ابن معين، وغيره، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه ببدعة في دينه، ولا كذب في روايته. وعبد الله بن بريدة، وهو أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي، وهو وإن تُكُلِّمَ فيه، ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد، كما هو عند الطبراني فقط . قال الجامع عفا الله عنه: بل ثبت تسميته يزيد عند أحمد أيضًا ٤ / ٨٥ من طريق إسماعيل، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل، يزيد بن عبد الله ، قال: سمعني أبي ... راجع ((المسند)) جـ ٤ ص ٨٥. وكذا ثبت في مسند أبي حنيفة رحمه الله كما قاله الحافظ في ((تت)) جـ ١٢ ص ٣٠٢، والحافظ المزي في ((تحفته)) كما يأتي قريبًا. والله تعالى أعلم. قال: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه . - ٤٥٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح قال: وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت متابعاته. والذين تكلموا فيه، وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل، قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يَعلَم هو أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث؛ إذ قال بعد أن رواه في كتاب ((المعرفة)) من حديث أبي نعامة بسنده المتقدم، ومتن السنن: هذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس ابن عباية، وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح . فقوله: تفرد به أبو نعامة ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة، وأبو سفيان، كما قدمناه، وقوله: وأبو نعامة، وابن عبد الله بن مغفل، لم يحتج بهما صاحبا الصحيح. ليس هذا لازمًا في صحة الإسناد، ولئن سلمنا، فقد قلنا: إنه حسن، والحسن يحتج به. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى ببعض اختصار(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ الزيلعي رحمه الله من تحسين حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه حسن جدّاً. وحاصله أن ابن عبد الله بن مغفل معروف، فقد روى عنه ثلاثة، (١) راجع ((نصب الراية)) جـ ١ ص ٢٣٢ - ٢٣٣ . ٤٥٩ - ٢٢ - ترك الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) - حديث رقم ٩٠٨ وقد روى ما تشهد له الأحاديث الصحاح، من حديث أنس وغيره، فتحسين حديثه بشواهده هو الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه : أخرجه هنا - ٢٢/ ٩٠٨ - وفي ((الكبرى)) - ٢٢/ ٩٨٠ - بالسند المذكور. وأخرجه الترمذي في الصلاة عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد الجريري، عن قيس بن عباية، وهو أبو نعامة الحنفي، عن ابن عبد الله بن مغفل، عنه. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، نحوه. قال الحافظ المزي من زياداته: رواه أبو حنيفة، عن أبي سفيان، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه. انتهى(١) . وأخرجه أحمد ٨٥/٤ بسنده عن عباية بن رفاعة، عن ابن عبد الله ابن مغفل يزيد بن عبد الله، قال: سمعني أبي، وأنا أقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، فقال: أي بني إياك، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله تَّه كان أبغض إليه حدثًا(٢) في الإسلام منه، فإني قد صليت مع رسول الله تَّ ، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها، فلا تقلها، إذا قرأت، فقل: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. (١) تحفة الأشراف جـ ٧ ص ١٨١ . (٢) هكذا نسخة المسند ((حدثا)) بالنصب، ولعل الصواب ((حدث)) بالرفع فليحرر. - ٦٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وأخرجه في ٥٥/٥ بسنده عن قيس بن عباية، حدثني ابن عبد الله ابن مغفل، قال: سمعني أبي، وأنا أقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فلما انصرف قال: يا بُنَيّ! إياك والحدث في الإسلام، فإني صليت خلف رسول الله عَّه، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهم، فكانوا لا يستفتحون القراءة بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)). ولم أر رجلاً قط أبغض إليه الحدث منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.