النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ - ١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥ بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا مالك رحمه الله، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلاً، بل يقول : الله أكبر ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلى آخر الفاتحة. واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته ، فإنه ليس فيه استفتاح ، وقد يُحتَجّ له بحديث أنس ((كان رسول الله تَّ، وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لله ربّ الْعَالَمِينَ ﴾)) [الفاتحة: ٢] متفق عليه، ويأتي للمصنف - ٩٠٣/٢٠. ودليلنا الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها، والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي تَّه إنما علمه الفرائض فقط، وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس رضي الله عنه أن المراد يفتتحون القراءة، كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيْنَه حديث عائشة رضي الله عنها ((كان رسول الله عَ ◌ّه يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)) [الفاتحة: ٢] متفق عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة المتظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي. والله أعلم. وأما ما يستفتح به فيستفتح بـ (( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)) إلخ. الآتي - ١٧ / ٨٩٧ - وبه قال علي بن أبي طالب، وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، - ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ ((سبحانك اللهم وبحمدك)) إلخ الآتي ٨٩٩/١٨ - ولا يأتي بـ (( وجهت وجهي)). وقال أبو يوسف: يجمع بينهما، ويبدأ بأيهما شاء، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي. قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث ((وجهت وجهي)) أميل. قال النووي: دليلنا أنه لم يثبت عن النبي تمّه في الاستفتاح بـ ((سبحانك اللهم. شيء(١)، وثبت ((وجهت وجهي))، فتعين اعتماده، والعمل به. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله ببعض تصرف(٢). وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: بعد ذكره أنواعًا من دعاء الاستفتاح - ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رويناه عن عمر، وابن مسعود رضي الله عنهم. وكان الشافعي يقول: بحديث عبيد الله بن أبي رافع، عن علي. وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك))، ومثل ((وجهت وجهي))، ومثل قوله: ((الله أكبر کبیرًا))، وما أشبه ذلك. فأما مالك بن أنس ، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا (١) سيأتي الكلام على الحديث، وأنه صحيح بمجموع طرقه، راجع حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الآتي برقم ٨٩٩/١٨. (٢) (المجموع)) ج ٣ ص ٣٢١ - ٣٢٢. ٣٤٣ _ ١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥ يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. ١ قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي من عمل به بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كله ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سھو، وأصح ذلك إسنادًا حدیث علي، فإن لم يقله فکالذي روي عن عمر، وابن مسعود - يعني ((سبحانك اللهم وبحمدك)). انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله عنه: بل الأصح في دعاء الاستفتاح ما جاء في حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهو ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... إلخ)) المتفق عليه، وأما (وجهت وجهي)) الذي في حديث علي رضي الله عنه، فأخرجه مسلم فقط. فتبصر. والله تعالى أعلم. وقال الحافظ رحمه الله: ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أصح ما ورد في ذلك (٢) انتھی (٢) . وقال المجد ابن تيمية رحمه الله في ((المنتقى)): واختيار هؤلاء الصحابة - يعني الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ (سبحانك اللهم))، وجھرُ عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنة إخفاؤه (١) الأوسط جـ ٣ ص ٨٥ - ٨٦. (٢) فتح جـ ٢ ص ٤٧٢ . - ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي ◌َّه يداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه علي، أو أبو هريرة فحسن، لصحة الرواية انتهى. قال العلامة الشوكاني رحمه الله: ولا يخفى أن ما صح عن النبي ◌َّهُ أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة - يعني حديث الباب - ثم حديث علي - يعني الآتي بعد باب - ١٧ / ٨٩٧ - وأما حديث عائشة - يعني حديثها في استفتاح النبي ◌َّهُ بـ ((سبحانك اللهم)) ففيه مقال. وكذا حديث أبي سعيد الآتي ٨٩٩/١٨ - فيه مقال أيضًا . قال الإمام أحمد رحمه الله: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي كان حسناً . وقال ابن خزيمة رحمه الله: لا أعلم في الافتتاح بـ ((سبحانك اللهم)) خبرًا ثابتًا، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدًا، ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ببعض تصرف(١) . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدم أن دعوات الاستفتاح التي ثبتت عن رسول الله ثمّه كما في حديث الباب، وأحاديث الأبواب الآتية ١٦ و١٧ و١٨ و١٩ وغيرها، يستحب استعمالها في (١) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٣٦. ٣٤٥ _ ١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥ الفرائض والنوافل، فإن تيسر للمصلي الجمع بينهما فحسن، وإن اقتصر على بعضها فحسن، وأصحها ما في حديث الباب، ويليه حديث علي ((وجهت وجهي)) الآتي ١٧ / ٨٩٧، ويليه ((سبحانك اللهم)) الآتي ١٨ /٨٩٩. وأما قول مالك رحمه الله بعدم مشروعية ذلك فقد عرفت الرد عليه في كلام النووي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت، وإليه أنيب . ٣٤٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ١٦ - نَوْعٌ أَخَرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ أي هذا باب في ذكر الحديث المبين لنوع آخر من الدعاء الذي يقرأ بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وهذا ثالث الأنواع. ٨٩٦ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ ابْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أبي حَمْزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َةِ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ صَلاتِي، ونُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبَذَلِكَ أمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمينَ، اللَّهُمَّاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأعْمَالِ، وَأَحْسَنِ ٠٠ الأخْلاَق، لاَ يَهْدِي لأحْسَنِهَا إِلا أنْتَ، وَقِنِي سَيئَ الأَعْمَالِ، وَسَييعَ الأَخْلاق، لاَ يَقِي سَيْئَهَا إلا أنْتَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم ، أبو حفص الحمصي، مات سنة ٢٥٠، صدوق، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢١/ ٥٣٥ . ٣٤٧ _ ١٦ - نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٦ ٢ - (شريح بن يزيد الحَضْرَمِيّ) أبو حيوة الحمصي المؤذن ، مات سنة ٢٠٣، من [٩]. قال الذهبي في ((الكاشف)): ثقة. وقال في (صه)): وثقه ابن حبان. انفرد به أبو داود، والمصنف. ٣ - (شعيب بن أبي حمزة) دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، مات سنة ١٦٢ أو بعدها، ثقة عابد، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٩/ ٨٥ . ٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، مات سنة ١٣٠ أو بعدها، ثقة فاضل، من [٣]، تقدم في ١٠٣ / ١٣٨. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي رضي الله عنهما، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الشيخان، والترمذي، وإلا شريحًا، فانفرد به هو ، وأبو داود، وأن الثلاثة الأولين حمصيون، وابن المنكدر مدني، وجابر مدني، وقد سكن مكة أيضًا، ولذا قال المصنف رحمه الله في (الکبری)» عقب هذا الحدیث - ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حمصي، رجع إلى المدينة، ثم ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح إلى مكة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: أراد بذلك أنه حديث رواه ثلاثة من الحمصيين، وهم : عمرو بن عثمان، وشريح بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، ثم انتقل إلى المدينة حيث رواه محمد بن المنكدر، وجابر، ثم إلى مكة، حيث رواه جابر رضي الله عنه، فإنه سكن مكة، كما صرح بذلك البخاري، ففي ((شرح علل الترمذي)) للحافظ ابن رجب رحمه الله- مانصه: وقال - يعني البخاري - في تاريخه: قال لنا مسدد، عن أبي معاوية ، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. انتھی. جـ ٢ ص ٨٥٢ . ومنها : أن جابرًا رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما أنه (قال: كان النبي عَّهُ إِذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، وليست السين والتاء للطلب، وفي نسخة: ((إذا افتتح الصلاة)) (كبر) أي قال: ((الله أكبر)) (ثم قال: ((إِن صلاتي) قال الأزهري: الصلاة اسم جامع للتكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والتشهد، وغيرها، (١) ((السنن الكبرى)) للنسائي جـ ١ ص ٣١٢ . ٣٤٩ - ١٦ - نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٦ (ونسكي) بضمتين - وهو كما قال الأزهري: العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته لله تعالى، وأصله من النسيكة، وهي النقرة الخالصة المُذَابة المُصَفَّة من كل خلط، والنسيكة أيضًا القربان الذي يتقرب به إلى الله تعالى. وقيل: النسك ما أمر به الشرع. (ومحياي ومماتي) أي حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها، والأكثرون على فتح محياي، وإسكان مماتي. (لله رب العالمين) الجار والمجرور خبر ((إن))، و((رب)) صفة لـ ((لله)). قال الواحدي وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد، والاستحقاق، كالسرج للفرس، وكلاهما مراد هنا. وقال النووي رحمه الله: وفي معنى ((رب)) أربعة أقوال، حكاها الماوردي وغيره: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي. قال: فإن وصف الله تعالى بأنه رب، أو مالك، أو سيد، فهو من صفات الذات، وإن قيل: لأنه مدبر خلقه، أو مربيهم، فهو من صفات فعله. قال: ومتى أدخلتَ عليه الألف واللام فهو مختص بالله تعالى، دون خلقه، وإن حذفتها كان مشتركًا، فتقول : رب العالمين، ورب الدار. وأما العالمون فجمع عالم، والعالم لا واحد له من لفظه. واختلف العلماء في حقيقته؛ فقال المتكلمون، وجماعات من أهل اللغة والمفسرون: العالم كل المخلوقات. وقال جماعة: هم الملائكة، والإنس، والجن. وقيل: أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجن، - ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح والشياطين. قاله أبو عبيدة، والفراء. وقيل: بنو آدم. قاله الحسن بن الفضل، وأبو معاذ النحوي. وقال آخرون: هو الدنيا، وما فيها . قال الواحدي: اختلفوا في اشتقاق العالم، فقيل: مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه، كالعالم اسم لجميع المخلوقات، ودليله استعمال الناس في قولهم: العالم محدث. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، ودليله من القرآن قوله عز وجل: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. وقيل: مشتق من العلم، فالعالمون على هذا مَنْ يعقل خاصة. قاله ابن عباس، واختاره أبو الهيثم، والأزهري، لقول الله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيراً﴾ [الفرقان: ١](١). (لا شريك له) جملة في محل نصب على الحال من ((الله))، أي حال كونه غير مشارك في الصلاة، والنسك، والمحيا والممات (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالتوحيد والإخلاص له (وأنا من المسلمين) أي المنقادين لأمر الله تعالى. وفي حديث علي رضي الله عنه المذكور في الباب التالي: ((وأنا أول المسلمين)) أي من هذه الأمة، كما قاله قتادة رحمه الله . (اللهم اهدني لأحسن الأعمال) أي أكملها وأفضلها، وهي ما كانت موافقة للكتاب والسنة، وخالصة لله تعالى (والأخلاق) جمع (١) ((المجموع شرح المهذب)) جـ ٣ ص ٣١٦ - ٣١٧. ٣٥١ - ١٦ - نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٦ خلق - بضمتين - السَّجيّة، وأحسنها ما كانت على هدي رسول الله عَّه الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، والذي تخلق بمعنى قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأُمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (لا يهدي لأحسنها إلا أنت) علة لطلب الهداية منه، أي إنما طلبت منك الهداية لأحسن الأعمال والأخلاق لأنه لا يهدي إليها غيرك (وقني) أمر من وَقَى يَقي: إذا حفظ (سيئ الأعمال، وسيئ الأخلاق) أي احفظني من قبيحها (لا يقي سيئها إلا أنت) أي لأنه لا يحفظ من قبيحها غيرك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف رحمه الله ، أخرجه هنا - ٨٩٦/١٦ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٩٧٠ - بالسند المذكور. ويستفاد منه استحباب قراءة هذا الدعاء بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وتقدم في المسائل المتقدمة في الباب الماضي أنه لا تنافي بين هذه الدعوات، فإن المصلي مخير فيها، أو يجمعها إن تيسر له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت، وإليه أنيب . ٣٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ١٧ - نَوْعَ آخَرُ مِنَ الذِّكْرِ والدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِراءَة أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على ذكر نوع آخر من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، وهو النوع الرابع، والخامس. ٨٩٧ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَليٍّ، قَالَ: حَدَثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ الأعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ رَضيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِلَيْ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا منَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَّتِي، ونُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبَذَلَكَ أمرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لاَ إلَهَ إِلا أَنْتَ، أَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاعْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، وَأَهْدِنِي ٣٥٣ - ١٧ - نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٧ لأحْسَنِ الأخْلاق، لاَ يَهْدِي لأَحْسَنَهَا إلا أنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئُهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيُِّهَا إِلا أَنْتَ، لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّلَيْسَ إِلَيْكَ، أنَا بِكَ، وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ، وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفرُكَ، وَأَتوبُ إلَيْكَ)). رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، ثقة، ثبت، من [١٠]، تقدم في ٤ / ٤ . ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان، أبو سعيد البصري، مات سنة ١٩٨، ثقة ثبت حجة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢ /٤٩ . ٣ - (عبد العزيز بن أبي سلمة) هو ابن عبد الله بن أبي سلمة، الماجشون(١) - واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار - أبو عبد الله ، ويقال: أبو الأصبغ، أحد الأعلام، المدني، نزيل بغداد، التيمي، مولى آل الهُدَير، مات سنة ١٦٤، ثقة فقيه، مصنف، من [٧]. قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي الماجشون لأن (١) بكسر الجيم، بعدها معجمة مضمومة. اهـ (ت)). - ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وجنتيه كانتا حَمْراوين، فسمي بالفارسية الماهكون، فشبه وجنتاه بالقمر، فعربه أهل المدينة، فقالوا : الماجشون. وقال ابن أبي خيثمة: قال أحمد: تعلق من الفارسية بكلمة، وكان إذا لقي الرجل يقول: شموني، فلقب الماجشون. وقال الحسين بن حبان: قيل لأبي زكريا: الماجشون، هو مثل ليث، وإبراهيم بن سعد؟ فقال: لا ، هو دونهما، إنما كان رجلاً يقول بالقدر والكلام، ثم تركه، وأقبل إلى السنة، ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد كتبوا عنه، فكان بعدُ يقول: جعلني أهل بغداد محدثًا، وكان صدوقًا . وقال أبو داود، عن أبي الوليد: كان يصلح للوزارة. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود والنسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن مهدي، عن بشر بن السري: لم يسمع من الزهري. قال أحمد بن سنان: معناه أنه عرض. وقال ابن السراج، عن ابن وهب: حججت سنة - ١٤٨ - وصائح يصيح: لا يفتح الباب إلا المالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وأهل العراق أروى عنه من أهل المدينة. وتوفي ببغداد سنة ١٦٤ - وكان فقيها ورعًا متابعًا لمذهب أهل الحرمين مفرعًا على أصولهم ذاباً عنه. وكذا قال البخاري. وقال أحمد بن صالح: كان نزها صاحب سنة ثقة. وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال ابن أبي مريم: سمعت أشهب يقول: هو أعلم من ٣٥٥ - ١٧ - نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٧ مالك. وقال أحمد بن كامل: لعبد العزيز كُتُبُّ مصنفةٌ في الأحكام، يروي عنه ذلك ابن وهب، وعبد الله بن صالح، وغيرهما. وقال موسى بن هارون الحمال: كان ثبتًا متقنًا. أخرج له الجماعة (١). ٤ - (الماجشون بن أبي سلمة) هو يعقوب التيمي مولاهم، أبو يوسف المدني، صدوق، من [٤]. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: يكنى أبا يوسف، وهو الماجشون، سمي بذلك هو وولده، وكان فيهم رجال لهم فقه، ورواية للحديث والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة. وقال البخاري، عن هارون بن محمد: الماجشون بالفارسية الوَرْد. وقال مصعب الزبيري : إنما سمي الماجشون لكونه كان يعلم الغناء، ويتخذ القيان، وكان يجالس عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته، وكان عمر يأنس إليه، فلما استخلف عمر قدم عليه، فقال له: إنا تركناك حين تركنا لبس الخز، فانصرف عنه. وكان الماجشون يعين ربيعة على أبي الزناد . وقال يعقوب بن شيبة: ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، ثنا سوار بن عبد الله ، حدثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى بن موسى، عن ابن الماجشون، قال: عرج بروح أبي الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، وقلنا للناس: نَرُوح به، فدخل إليه غاسل يغسله، فرأى عرْقًا (١) ((تت)) جـ ٦ ص ٣٤٣ - ٣٤٤. ((ت)) ص ٢١٥. - ٣٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح يتحرك من أسفل قدميه، فأقبل علينا، فقال: أرى عرْقًا يتحرك، ولا أرى أن أعجل عليه، فاعتللنا على الناس، وقلنا: نَغْدُو لم يتهيأ أمرنا على ما أردنا، فأصبحنا، وغدا عليه الغاسل، وجاء الناس، فرأى العرق على حاله، فاعتذرنا إلى الناس بالأمر الذي رأيناه، فمكث ثلاثًا على حاله، ثم إنه نشع(١) بعد ذلك، فاستوى جالسًا، فقال: ائتوني بسويق، فأتي به، فشربه، فقلنا له : أخبرنا مما رأيت؟ قال: نعم، عرج بروحي، فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا، فاستفتح، ففتح له، ثم هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة، فقيل له: من معك؟ قال: الماجشون، فقيل له: لم يَأن له، بقي من عمره كذا وكذا سنة، وكذا وكذا شهراً، وكذا وكذا يومًا، وكذا وكذا ساعة، ثم هبطت، فرأيت النبي تٍَّ، ورأيت أبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للذي معي: من هذا؟ قال: أوَ ما تعرفه؟ قلت: إني أحببتُ أن أتثبت، قال: هذا عمر بن عبد العزيز، قلت: إنه لقريب المقعد من رسول الله عَ ◌ّه، قال: إنه عمل بالحق في زمن الجور، وإنهما عملا بالحق في زمن الحق. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عساكر: قال أبو الحسين ابن أبي القواس الوارق: مات يعقوب سنة ١٦٤، قال الحافظ المزي: (١) نشع نشوعًا: كرب من الموت، ثم نجا. اهـ((ق)). ٣٥٧ _ ١٧ - نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٧ كذا قال، وهو خطأ لا شك فيه، ولم ينبه عليه أبو القاسم(١)، والصواب إن شاء الله تعالى في سنة ١٢٤ . أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي(٢). ٥ - (عبد الرحمن الأعرج) بن هرمز، وأبو داود، المدني مولى ربيعة بن الحارث، مات سنة ١١٧، ثقة ثبت عالم، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧ . ٦ - (عبيد الله بن أبي رافع) المدني مولى النبي تَمّ، ثقة، من [٣]. روى عن أبيه، وأمه سلمى، وعن علي بن أبي طالب، وكان كاتبه، وأبي هريرة، وشُقْران مولى النبي ◌َّه. وعنه أولاده/ إبراهيم، وعبد الله ، ومحمد، والمعتمر، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن المنكدر، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، وبسر بن سعيد، والحكم بن عتيبة، والأعرج، وعبد الله ابن الفضل، وعاصم بن عبيد الله ، والزبير، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وآخرون. قال أبو حاتم، والخطيب: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان (١) يعني ابن عساكر. (٢) ((تت)) جـ ١١ ص ٣٨٨ - ٣٨٩. (تك)) جـ ٣٢ ص ٣٣٦ - ٣٣٩. ٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ٣٥٨ ثقة كثير الحديث. أخرج له الجماعة(١). ٧ - (علي) بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسن أحد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، تقدم في ٧٤/ ٩١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا الماجشون، فما أخرج له البخاري، وابن ماجه. ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصریان . ومنها : أن شيخه أحد مشايخ الستة الذين يروون عنهم دونَ واسطة . ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، الماجشون، عن أبي رافع، ورواية الراوي عن عمه، وفيه الإخبار بصيغة الجمع لكون الراوي سمع قارئًا على شيخه، والتحديث مرتين بصيغة الجمع لكونه سمع مع جماعة، ومرة بصيغة الإفراد، لكونه سمع وحده، والعنعنة. والله تعالى أعلم. (١) ((تت)) جـ ٦ ص ١٠ - ١١. ((تك)) جـ ١٩ ص ٣٤ - ٣٥. ((ت)) ص ٢٢٤. ٣٥٩ - ١٧ - نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة - حديث رقم ٨٩٧ شرح الحديث (عن علي رضي الله عنه أن رسول الله تَّه كان إذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، فالسين والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة، لما في رواية ابن حبان ((إذا قام إلى الصلاة المكتوبة))، وفي رواية الدارقطني: ((كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة))، وفي رواية المصنف التالية: ((إذا قام يصلي تطوعًا)). وفيه دليل واضح على أن هذه الأدعية كانت في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه رد على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة. (كبرثم قال) فيه تصريح بأن هذا الدعاء كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه رد على من قال: إنه قبل التكبير (وجهت وجهي) قال الأزهري، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي. وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه، ويجوز في ((وجهي)) إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان (للذي فطر السموات والأرض) أي ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق. وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعًا كالسموات، لأنه أراد جنس الأرضين، وجمع السموات لشرفها، قال النووي رحمه الله: وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض. وقيل: الأرضون أفضل؛ لأنها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى(١). (١) المجموع جـ ٣ ص ٣١٥. - ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لم يكلفنا الله تعالى بعلمه، ولو كان فيه خير لبينه الله تعالى في كتابه، أو بينه رسول الله تَّه في سنته، فاللائق بالمسلم الكف عن مثل هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. والله تعالى أعلم. وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض - لأنا لا تنتفع من الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب موزعة عليها. وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقي عن أبي الضحى، عن ابن عباس، أنه قال: قوله: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: ((سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم)). قال: وإسناده صحيح عن ابن عباس، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا انتهى (١). (حنيفًا) منصوب على الحال، أي وجهت وجهي في حال حنيفيتي. قال الأزهري، وآخرون: أي مستقيمًا. وقال الزجاج، والأكثرون: الحنيف المائل، ومنه قيل: أحْنَفُ الرِّجْل، قالوا: والمراد هنا المائل إلى الحق. وقيل له ذلك لكثرة مُخالفيه. وقال أبو عبيدة: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عَّه. انتهى (٢). (١) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٣١. و((تفسير ابن كثير)) جـ ٤ ص ٤١١. (٢) ((المجموع)) جـ ٣ ص ٣١٥.