النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١ _
١٣ - الصف بين القدمين في الصلاة - حديث رقم ٨٩٢
الكوفي، صدوق، من[٧].
قال عبد الله بن أحمد: أملى علي أبي أن أبا خازم ميسرة ثقة. وقال
ابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو داود: معروف. وقال
ابن أبي حاتم: سألت أبي عن ميسرة، وحجاج بن أرطاة، وابن أبي
ليلى؟ فقال: ميسرة أحب إلي على قلة ما ظهر من حديثه، قلت: فما
تقول فيه؟ قال: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له
البخاري في ((الأدب المفرد))، والباقون، سوى مسلم، وابن ماجه.
قال الجامع عفا الله عنه: ميسرة هذا قال عنه في ((ت)): صدوق،
كما مرَّ آنفًا، وكان من حقه أن يقول: ثقة، فإنه متفق على توثيقه، فإن
قول أبي حاتم: لا بأس به. بمنزلة ثقة من غيره. فتنبه. والله أعلم.
٥ - (المنهال بن عمرو) الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق، ربما
وَهمَ، من [٥].
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: ترك شعبة المنهال بن
عمرو على عمد. قال ابن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة
بالتطريب. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب
إلي من المنهال، وقال: نعم شديدًا أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسن.
وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال وهب بن جرير، عن شعبة:
أتيت منزل المنهال، فسمعت منه صوت الطنبور، فرجعت، ولم أسأله،

- ٣٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
قلت: فهلا سألته، عسى كان لا يعلم. وقال ابن المديني، عن يحيى بن
سعيد: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتًا، فتركه. وقال
العجلي: كوفي ثقة. وقال الدارقطني: صدوق. وقال جرير، عن
مغيرة: كان حسن الصوت، وكان له لحن يقال له وزن سبعة. وقال
الغلابي: كان ابن معين يضع من شأن المنهال بن عمرو. وقال
الجوزجاني: سيئ المذهب، وقد جرى حديثه. وقال ابن أبي خيثمة:
حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثني محمد بن عمر الحنفي، عن إبراهيم
ابن عبيد الطنافسي، قال: وقف المغيرة صاحب إبراهيم على يزيد بن
أبي زياد، فقال: ألا تعجب من هذا الأعمش الأحمق إني نهيته أن يروي
عن المنهال بن عمرو، وعن عباية، ففارقني على ألا يفعل، ثم هو يروي
عنهما، نشدتك بالله تعالى هل كانت تجوز شهادة المنهال على درهمين؟
قال: اللهم لا. وكذا عباية. وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ : محمد بن عمر الحنفي راوي الحكاية فيه نظر .
وقال الحاكم : المنهال بن عمرو غمزه يحيى القطان. وقال أبو الحسن
ابن القطان: كان أبو محمد بن حزم يضعف المنهال، وردّ من روايته
حديث البراء، وليس على المنهال جرح، فيما حكى ابن أبي حازم،
فذكر حكايته المتقدمة، قال: فإن هذا ليس بجرح، إلا إن تجاوز إلى حد
تحريم، ولم يصح ذلك عنه، وجرحه بهذا تعسف ظاهر، وقد وثقه ابن

٣٢٣ _
١٣ - الصف بين القدمين في الصلاة - حديث رقم ٨٩٢
معين، والعجلي، وغيرهما. أخرج له الجماعة سوى مسلم (١).
٦ - (أبو عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته،
والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر، مات سنة ٨٠، كوفي
ثقة، من كبار [٣]، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه ، أخرج له
الأربعة، تقدم في ٥٥/ ٦٢٢.
٧ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، تقدم ٣٥/ ٣٧ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم
من رجال الجماعة، سوى ميسرة، فأخرج له البخاري في الأدب المفرد،
وأبو داود، والترمذي، والمصنف، والمنهال بن عمرو، فما أخرج له
مسلم، وأبا عبيدة، فمن رجال الأربعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي؛
المنهال، عن أبي عبيدة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود (أن عبد الله) بن
مسعود رضي الله عنه ( رأى رجلاً يصلي) جملة في محل نصب صفة
(١) (تت) جـ ١٠ - ص ٣١٩ - ٣٢٠. ((ت)) ص ٣٤٨.

- ٣٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
لـ ((رجلاً)) (قد صف بين قدميه) جملة حالية من ((رجلاً)) لكونه
موصوفًا بالجملة، أو صفة بعد صفة، قال السندي رحمه الله: كأنّ المراد
قد وصل بينهما (فقال) عبد الله (خالف السنة) وفي الرواية الآتية
من طريق شعبة عن ميسرة: ((فقال أخطأ السنة)) (ولو راوح بينهما) أي
اعتمد على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة ليُوصلَ الراحة إلى كل
منهما (لكان أفضل)، وفي رواية شعبة: ((ولو راوح بينهما كان
أعجب إلي)).
يعني أن السنة في القيام المراوحة بين القدمين، لا صفّهما مع
الإلزاق. والحديث وإن كان فيه انقطاع بين أبي عبيدة وأبيه، لكن سيأتي
للمصنف أنه قال: الحديث جيد .
وقد قال به كثير من أهل العلم: قال الإمام أبو بكر بن المنذر
رحمه الله في كتابه «الأوسط)): كان مالك، وأحمد بن حنبل،
وإسحاق، لا يرون بأسًا أن يراوح المصلي بين قدميه. انتهى(١).
وقال النووي رحمه الله تعالى في ((المجموع)): [فرع] في الترويح
بين القدمين في القيام، قال ابن المنذر(٢): قال مالك، وأحمد،
وإسحاق: لا بأس به. قال: وبه أقول. قال النووي: وهذا أيضًا
(١) الأوسط جـ ٣ ص ٢٧٦ .
(٢) لعل ما نقله النووي عن ابن المنذر هذا في كتبه الأخرى، فإنه زاد(( وبه أقول)). وليس
في ((الأوسط)). والله أعلم.

٣٢٥ _
١٣ - الصف بين القدمين في الصلاة - حديث رقم ٨٩٢
مقتضى مذهبنا، قال: ويكره أن يلصق القدمين، بل يستحب التفريق
بينهما. ويكره أن يقدم إحداهما على الأخرى. انتهى(١).
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويكره أن يلصق إحدى
قدميه بالأخرى في حال قيامه؛ لما روى الأثرم عن عيينة بن
عبد الرحمن، قال: كنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلاً يصلي، قد
صف بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركت في
هذا المسجد ثمانية عشر رجلاً من أصحاب النبي ◌َّ، ما رأيت أحداً
منهم فعل هذا قط. وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يفرج بين قدميه،
ولا يمس إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك، لا يقارب، ولا يباعد.
انتهى (٢) .
لكن يعارضه ما أخرجه أبو داود في سننه، قال: حدثنا نصر بن
علي، نا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن،
قال: سمعت ابن الزبير يقول: ((صفُّ القدمين، ووضع اليد على اليد
من السنة)). ورجال هذا الإسناد ثقات، وزرعة، وإن قال في التقريب:
مقبول، لكنه وثقه ابن حبان، وقال الذهبي في (( الكاشف)): ثقة.
فالظاهر أن الحديث صحيح، وإن ضعفه بعضهم. والله تعالى أعلم .
لكن يمكن الجمع بينهما بحمل الصف الذي أنكره ابن مسعود على
(١) المجموع جـ ٣ ص ٢٦٦.
(٢) المغني جـ ٢ ص٣٩٦.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٣٢٦
إلزاق إحدى القدمين بالأخرى، وحمل الصف الذي قاله ابن الزبير على
صفهما متساويتين، مع التفريج بينهما قليلاً كما تقدم عن ابن عمر
رضي الله عنهما.
والحاصل أن المستحب صف القدمين مع التفريج بينهما، أو يراوح
بينهما إن احتاج إلى ذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا فيه انقطاع، كما
أسلفته آنفًا. لكن المصنف قال: إنه جيد، ونصه في ((الكبرى)):
قال أبو عبد الرحمن: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد.
انتھی (١) .
قال الجامع عفا الله عنه: فظاهر كلامه رحمه الله تعالى أنه یری
صحة حديث أبي عبيدة عن أبيه مع أنه منقطع، وقد ثبت مثله عن علي
ابن المديني، ويعقوب بن شيبة رحمهما الله ، كما ذكره الحافظ ابن
رجب الحنبلي رحمه الله في «شرح علل الترمذي))، ونصه فیه: قال ابن
المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: هو
(١) السنن الكبرى للمصنف جـ ١ ص ٣١٠.
د

٣٢٧ -
١٣ - الصف بين القدمين في الصلاة - حديث رقم ٨٩٣
منقطع، وهو حديث ثبت. قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا
أن يدخلوا حديث أبي عبيدة، عن أبيه في المسند - يعني في الحديث
المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بأحاديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها
بحديث منكر. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١). وكثيراً ما
يحسن الترمذي في جامعه حديث أبي عبيدة عن أبيه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف، أخرجه هنا -
٨٩٢/١٣ - وفي ((الكبرى)) - ٩٦٧/١٣ - عن عمرو بن علي الفَلأَّس،
عن يحيى القطان، عن سفيان الثوري، عن ميسرة، عن المنهال بن
عمرو، عن أبي عبيدة، عنه. و - ٨٩٣ - و((الكبرى)) - ٩٦٨ - عن
إسماعيل بن مسعود، عن خالد الهُجَيميّ، عن شعبة، عن ميسرة به .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٨٩٣ - أخْبَرَنَا إِسْمَاعيلُ بْنُ مَسْعُود، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَيْسَرَةُ بْنُ حَبيب، قَالَ: سَمِعْتُ
الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْروِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْد اللـه
٠
(١) شرح علل الترمذي جـ ١ ص ٥٤٤ . بتحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٣٢٨
-
أنَّهُ رَأى رَجُلاً، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أَخْطَأ
الْسُنَّةَ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ البصري، ثقة، من
[١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢ / ٤٧ .
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيميّ البصري، ثقة ثبت، من [٨]،
تقدم في ٤٢ / ٤٧ .
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، من [٧]، تقدم في
٢٦/٢٤.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث،
ومتعلقاته. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
تو کلت، وإليه أنيب .

٣٢٩ -
١٤ - سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة - حديث رقم ٨٩٤
١٤ - سُكُوتُ الإِمَامِ بَعْدَ امْتِتَاحِهِ الصَّلاةَ
٠٠
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السكوت للإمام بعد
افتتاحه الصلاة بالتكبير .
والمراد من السكوت هنا عدم الجهر، لا ما يقابل الكلام، فلا ينافي
ما يأتي في الباب التالي وغيره، أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح، فإن
الحديث مختصر من الحديث الآتي فيه . والله تعالى أعلم.
٨٩٤ - أخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقِعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ
عَمْرو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله عَلَّه.
كَانَتْ لَهُ سَكْتَةٌ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزي،
نزيل بغداد، مات سنة ٢٣٩، وقيل: بعد ذلك، ثقة، من [١٠]، أخرج
له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في
٣٧/٣٣.
٢ - (وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفي،
مات في آخر سنة ١٩٦ أو أول٧، عن ٧٠ سنة، ثقة حافظ عابد ، من

- ٣٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٥/٢٣ .
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام، تقدم في الباب الماضي.
٤ - (عمارة بن القعقاع) بن شُبْرُمة الضبي الكوفي، ثقة أرسل
عن ابن مسعود، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٨/ ٦٠.
٥ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي،
قيل: اسمه هَرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل:
جرير، ثقة، من [٣]، تقدم في ٤٣ / ٥٠.
٦ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ . والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، سوى
شیخه، فما أخرج له أبو داود.
ومنها : أنه مسلسل بالکوفیین، غير شيخه، فمروزي، ثم بغدادي،
وأبا هريرة، فمدني .
ومنها : أن فيه أبا هريرة رئيس المكثرين، روى - ٥٣٧٤ - حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة،

٣٣١ _
١٤ - سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة - حديث رقم ٨٩٤
وكلها من صيغ الاتصال، من غير المدلس. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به، يأتي في
الباب التالي إن شاء الله تعالى، فإن الحديث مختصر من الحديث الآتي
فيه، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت، وإليه أنيب .

٣٣٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
١٥ - بَابُ الدَّعَاءِ بَيْنِ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَة
أي هذا باب مشروعية الدعاء بين تكبيرة الإحرم وبين قراءة الفاتحة،
وقد ذكر رحمه الله في هذا الكتاب سبعة أنواع من الذكر الذي يقال بين
التكبير والقراءة، فقد تقدم له في ٨٨٥/٨ وهذا ثاني الأنواع، و((الدعاء)):
الابتهال. يقال: دعوت الله أدعوه دُعاءً: ابْتَهَلْتُ إليه بالسؤال،
ورَغبْتُ فيما عنده من الخير. قاله الفيومي(١) . والله تعالى أعلم.
٨٩٥ - أخْبَرَنَا عَليُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَنَا جَرِيرٌ،، عَنْ عُمَارَةَ
ابْنِ الْفَعْفَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَّهُ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ
سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأبِي أَنْتَ وَأَمِّي يَا رَسُولَ الله، مَا
تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة؟ قَالَ: ((أَقُولُ:
اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِق
وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّنَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَفَّى الثَّوْبُ
الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ
وَالثَّْجِ وَ الْبَرَدِ)).
(١) المصباح المنير جـ ١ ص ١٩٤.

١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥
٣٣٣ _
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو،
مات سنة ٢٤٤، ثقة حافظ، من صغار [٩]، أخرج له البخاري،
ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣ .
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، مات سنة
١٨٨، ثقة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/٢.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: كان رسول الله عَ ليه
إِذا افتتح الصلاة) أي ابتدأها بالتكبير (سكت هنيهة) أي ساعة
لطيفة، وهي تصغير هَنْت. وفيه أوجه :
الأول: ((هُنَيْهَةٌ)) - بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء، بعدها
هاء مفتوحة .
والثاني: ((هُنَيَّةٌ)) - بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء.
وأصلها هَنْوَة، فلما صغرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت الواو والياء،
وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت. كما قال ابن
مالك رحمه الله في «خلاصته) :
وَتَّصَلاَ وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍوَيَا

- ٣٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمًا وَشَدَّ مُعْطَّى غَيْرَ مَا قَدْ رُسمَا
والثالث: ((هُنَيْئَة)) - بالهمز بدل الهاء الثانية، قال القاضي عياض،
والقرطبي: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النووي فقال:
الهمز خطأ. وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة. وقد تقدم تمام
البحث في أوائل الكتاب، في شرح الحديث ٤٨/ ٦٠ فراجعه تزدد
علماً .
والمراد بالسكوت هنا عدم الجهر، لا عن مطلق القول، أو عن قراءة
القرآن، لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتى
السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟ .
(فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله) الجار والمجرور متعلق
بمحذوف، إما اسم، فيكون تقديره: أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعل،
فالتقدير: فديتك بأبي، وحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم
المخاطب به، فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
وفيه تفدية النبي ◌َّهِ بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره أيضًا،
وليس خاصًا به، وفيه خلاف تقدم بيانه في الباب المذكور .
(ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة) ((ما)) استفهامية؛
أي أيَّ شيء تقول في حال سكوتك بين التكبير وقراءة الفاتحة .
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله : قوله: ((ما تقول)) يشعر بأنه

٣٣٥ _
١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥
فهم أن هناك قولاً، فإن السؤال وقع بقوله: ((ما تقول))، ولم يقع
بقوله: ((هل تقول))، والسؤال بـ ((هل)) مقدم على السؤال بـ ((ما)) هنا،
ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على
القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله
تعالى(١) .
(قال:) تَُّ (أقول) بينهما (اللهم) أي يا الله (باعد) أي
أبعد، قال الكرماني رحمه الله: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة
(بيني وبين خطاياي) جمع خطيئة، كالعطايا جمع عطية، يقال:
خطأ في دينه خَطّأ: إذا أثم فيه. والخطأ بالكسر الذنب. وقد تقدم بيان
تصريف هذه الكلمة في الباب المذكور، فراجعه .
وإنما كرر (بين)) في قوله: ((بيني وبين خطاياي))، ولم يكرره في قوله
الآتي: ((بين المشرق والمغرب)) لأنه إذا عطف على الضمير المجرور يلزم
إعادة الجار عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك رحمه الله كما قال
في ((خلاصته)) :
ضَمِيرِ خَفْضٍ لازِمَّا قَدْ جُعِلاَ
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى
فِي النَّظْمِ وَ النَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لازِمَاً إِذْ قَدْ أَتَى
(كما باعدت بين المشرق والمغرب) ((ما) مصدرية، أي
(١) إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٢٦٨ - ٢٦٩ . نسخة الحاشية.

- ٣٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
كمباعدتك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن التقاء المشرق
والمغرب لما كان مستحيلاً شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب
المشرق من المغرب .
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: قوله: ((اللهم باعد بيني إلخ))
عبارة: إما عن محوها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من
وقوعها، والعصمة منها. وفيه مجازان :
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها،
والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل.
والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها؛ لا يقتضي
الزوال. وليس المراد هاهنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز،
وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب
المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى(١).
(اللهم نقني) بتشديد القاف، أمر من التنقية، كناية عن الإزالة
والمحو (من خطاياي) وفي رواية البخاري ((من الخطايا)) (كما ينقى
الثوب الأبيض) أي طهرني من خطاياي، وأزلها عني، كما يطهر
الثوب الأبيض من( الدنس) بفتحتين - أي الوَسَخْ.
وهو مجاز عن زوال الذنوب وأثرها، ولما كان ذلك أظهر في
(١) ((المصدر السابق)) جـ ٢ ص ٢٦٩ - ٢٧٠ .

٣٣٧ -
١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥
الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قاله ابن دقيق العيد
رحمه الله تعالى.
(اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج) - بفتح فسكون -:
ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد
جموده، (والبرد) - بفتحتين -: حَبُّ الغَمَام، ماء ينزل من السماء
جامد كالملح، ثم يذوب على الأرض. أي طهرني من ذنوبي بأنواع
المغفرة التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة
الوسخ.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: وقوله: ((اللهم اغسلني ... إلخ))
يحتمل أمرین - بعد كونه مجازًا عما ذكرناه :
أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع،
فإنا الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء .
الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذا الأشياء مجازاً عن صفة
يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ
١
لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فكل واحدة من هذه الصفات - أعني العفو ، والمغفرة، والرحمة -
لها أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل
كل فرد من أفراد الحقيقة دالاً على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول

- ٣٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
لا ينظر إلى أفراد الألفاظ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو
للذنب. انتهى(١) .
وقد تقدم البحث في هذا مطولاً برقم - ٤٨/ ٦٠ - فراجعه تستفد.
وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ١٥ / ٨٩٥ - و ٦٠/٤٨ - وفي ((الكبرى)) - ١٥ / ٩٦٩
- و٤٢ /٦٠ - عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، عن عمارة
ابن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وفي ١٤ / ٨٩٤ -
و((الكبرى)) - ٩٦٨/١٤ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن
سفيان، عن عمارة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن موسى بن إسماعيل، عن
عبد الواحد بن زياد، عن عمارة به. ومسلم فيه عن زهير بن حرب،
(١) المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٧٠ - ٢٧١ .

٣٣٩ -
١٥ - باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة - حديث رقم ٨٩٥
عن جرير به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، كلاهما عن محمد
ابن فضيل - وعن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن
عمارة به. وأبو داود فیه عن أحمد بن أبي شعیب، عن محمد بن فضيل
به. وعن أبي كامل به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي
ابن محمد كلاهما عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ ٢ص٢٣١ و ٤٤٨
و٤٤٩، والدارمي رقم ١٢٤٧، وابن خزيمة ٤٦٥ و١٥٧٩ و١٦٣٠ .
والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف، مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة،
وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية.
ومنها: جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا
للحنفية .
ومنها: ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه ◌َّه على سبيل المبالغة في
إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته. واعترض بكونه
لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند
البزار.
ومنها : ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من المحافظة على
تتبع أحوال النبي ◌َّه في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٣٤٠
حفظ الله بهم الدین .
ومنها: أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وقد تقدم
هذا للمصنف في الباب الذي مر ذكره ، قال في الفتح: واستبعده ابن
عبد السلام. وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء
المستعمل. انتهى(١) . والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح :
قال الإمام النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)): وفي حديث
أبي هريرة رضي الله عنه هذا دليل للشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد،
والجمهور رحمهم الله تعالى أنه يستحب دعاء الافتتاح، وجاءت فيه
أحاديث كثيرة في الصحيح. وقال مالك رضي الله عنه: لا يستحب
دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه الأحاديث
الصحيحة. انتهى(٢)
٠
وفي ((شرح المهذب)): فيستحب لكل مصلّ، من إمام ، ومأموم،
ومنفرد ، وامرأة ، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد،
ومضطجع، وغيرهم أن يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضًا: أما
الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٧٢ .
(٢) شرح مسلم جـ ٥ ص ٩٦ - ٩٧.