النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ يحسن العربية. وقال النعمان: إن افتتح الصلاة بالفارسية، وقرأ بها، وهو يحسن العربية أجزأه. قال أبو بكر: لا يجزيه، لأن ذلك خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علّم رسول الله ◌َّ أمته، وما عليه جماعات أهل العلم، لا نعلم أحدًا وافقه على مقالته هذه، ولا يكون قارئًا بالفارسية القرآن أبدًا، لأن الله تعالى أنزله قرآنًا عربيًا، فغير جائز أن يُقْرأ بغير ما أنزل الله . انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله هو الحق الحقيق بالقبول، وما عداه لا يؤيده منقول، ولا معقول، فلا تلتفت إليه إن كنت من ذوي العقول. والله تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: ذهب مالك في أكثر الرواية عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه - إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة. والحجة لهم حديث أبي هريرة، ورفاعة بن رافع عن النبي تَّه أنه قال للرجل: ((إذا أردت الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن ... )) الحديث. فعلمه ما كان من الصلاة واجبًا، وسكت له عن كل ما كان منه مسنونًا ومستحبًا، مثل (١) الأوسط جـ ٣ ص ٧٥ - ٧٨. ٢٢٢ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح التكبير، ورفع اليدين، والتسبيح، ونحو ذلك. فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها، مع قوله عليه السلام: ((تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم)). رواه علي بن أبي طالب عن النبي عمّ، ورواه أبو سعيد الخدري(١) . وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسماً من أسماء الله ، ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه. وقال الزهري، والأوزاعي، وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما، وأن الإمام إذا لم يكبر للإحرام بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، وهذا يقتضي على قوله في المأموم. والصحيح في مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام، وأنها فرض، ركن من أركان الصلاة، وهو الصواب، وكل من خالف ذلك فمخطئ محجوج بما وصفنا، وبالله توفيقنا. وقال أيضًا: وأجمع جمهور العلماء على أن التكبير في افتتاح الصلاة لا يجزئ منه غيره من سائر الذكر، تهليلاً كان، أو تسبيحًا، أو تحميدًا، وعلى هذا مذهب الحجازيين: مالك، والشافعي، ومن (١) حديث علي وأبي سعيد رضي الله عنهما صحيحان. انظر: صحيح الترمذي للشيخ الألباني جـ ١ ص٤ و ص ٧٦. -٢٢٣ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ اتبعهم، وأكثر العراقيين. وروي عن الحكم بن عتيبة، قال: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. وقال أبو حنيفة: إن افتتح بـ (ـلا إله إلا الله)) يجزيه، وإن قال: ((اللهم اغفر لي)) لم يجزه. ولا يجزئ عند مالك إلا ((الله أكبر))، لا غير. وكذلك الشافعي، وزاد: ويجزي ((الله الأكبر))، ولا يجزي عند المالكيين ((الله الأكبر)). وقال أصحاب مالك، والشافعي، وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: من أحسن العربية لم يجزه أن يكبر بالفارسية. وقال أبو حنيفة: يجزيه التكبير بالفارسية، وإن كان يحسن العربية، وكذلك لو قرأ بالفارسية عنده. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار(١). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: عند شرح حديث ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمُهَا التكبير)) ما حاصله: فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل لفظ قصد به التعظيم. والحديث يرد عليه، لأن الإضافة في قوله: ((تحريمها)) تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير، أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير، لا تحريم لها غير ذلك، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو . (١) الاستذكار جـ ٤ ص ١٢٣ - ١٣٢. - ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وفي الباب أحاديث كثيرة تدلّ على تعين لفظ التكبير من قوله تَ له وفعله. وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير. وقد اختلف في حکمه، فقال الحافظ : إنه رکن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعية، وسنة عند الزهري. قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره. وروي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا: يجزيه تكبيرة الركوع. قال الحافظ: نعم نقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية(١)، وأبي بكر الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة . وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف، قال في البحر: إنه فرض، إلا عن نفاة الأذكار، والزهريِّ. ويدل على وجوبه ما في حديث المسيء عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ: ((فإذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر))، وعند الجماعة من حديثه بلفظ: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر))، وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة، وأن كل ما هو مذكور فيه واجب، وماخرج عنه، وقامت علیه أدلة تدل على وجوبه، ففيه خلاف (١) الظاهر أنه إبراهيم بن إسماعيل، لا إسماعيل بن علية، بل ولده، وقال عنه الذهبي في الميزان: إبراهيم بن إسماعيل بن علية، جهمي هالك، كان يناظر، ويقول بخلق القرآن. مات سنة ٢١٨ . ٢٢٥ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف. ويدل على الشرطية حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود بلفظ: ((لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر)). ورواه الطبراني بلفظ: ((ثم يقول: الله أكبر)). والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح، إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة، وهو الظاهر، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها فعليه البيان . وقد جعل صاحب ((ضوء النهار)) نفيَ التمام هنا هو نفي الكمال بعينه، واستدلّ على ذلك بقوله عَّ في حديث المسيء: ((فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك)). وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضًا، لأنا نقول: الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها، لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يرد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات، وليست منها . نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ: أنه لما قال عَّه: ((فإنك لم تصلِّ)) كبر على الناس أنه مَن أخَفَّ من صلاته لم يصلّ، حتى قال عَّه : ((فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك)). فكان أهون عليهم، فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام - ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح المذكور بمعنى نفي الكمال؛ إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين، ولَمَا كانت هذه أهون عليهم. ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره، لا في فهم بعض الصحابة، سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع، فنحن نقول بموجب ما فهموه، ونسلم أن بين الحالتين تفاوتًا، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة، فقد فعل خيرًا من قيام وذكر وتلاوة ، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها، وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف(١)، وهو حسن . ثم إنا نقول: غاية ما ينتهض له دعوى مَن قال: إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية، لا عدم الوجوب، لأن المجيء بالصلاة تامة كاملة واجب، وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام، ولفظه: ومن قال من الفقهاء: إن هذا لنفي الكمال. قيل: إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين : (١) يعني المجد بن تيمية صاحب المنتقى. ٢٢٧ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ أحدهما : أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع؛ أنه ينفي عملاً فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي عملاً إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه. والثاني: لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم، ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله عَّه. يقال: لا صلاة له. اهـ. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما سبق من الأدلة أن قول الجمهور هو الصحيح. والحاصل أن الدخول في الصلاة لا يصح، ولا يجزىء إلا بلفظ (( الله أكبر)) باللغة العربية، فتبصر، ولا تتحير، واتبع، ولا تبتدع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل الأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه معَّه ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا (١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ٤ - ٦. - ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح المصلي، وما لم تتعلق فيه إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط . فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكوراً في هذا الحديث فلنا أن نتمسك في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكوراً في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه، لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكل موضع اختلف في تحريمه(١) فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه، لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده، فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبًا لذكر ذلك على ما قررناه. فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضد، ومن الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره - أعني الأمر بالتلبس بالضد - انتفى ملزومه، وهو الأمر بالضد، وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء. فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف : أحدها : أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد، فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب. (١) أي في تحريم فعله في الصلاة. اهـ العدة جـ ٢ ص ٣٦١. ٢٢٩ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ وثانيها: إذا قام دليل على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدلیلین، فیعمل به . وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعد ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى، لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب، لأن المراد ثَمََّ أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول ◌َّه يدل على عدم الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذُكرَ، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب. وأيضًا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها . وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية، - ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح. وثالثها : أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتثعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالاً واحداً، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى(١). وكتب العلامة الصنعاني رحمه الله الزيادات التي أشار إليها ابن دقيق العيد رحمه الله فيما تقدم من كلامه، فقال: ولتضم ألفاظه التي تفرقت في الأمهات التي فيها زيادة على ما ذكر في ((العمدة))، فأخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث رفاعة الحدیثَ، وفيه : (( فخاف الناس، وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، قال: فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، قال: أجل ، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ، ثم تشهد، فأقم، فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره - إلى أن قال: فإذا فعلت ذلك، فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك)). قال: وكان أهون عليهم من الأولى أنه إن انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها . وفي لفظ من رواية أبي هريرة: ((إنه لا تتم صلاة أحد من الناس (١) ((إحكام الأحكام)) جـ٢ ص ٣٥٨ - ٣٦٦ نسخة ((العدة)). ٢٣١ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ حتى يتوضأ، فيضع الوضوء - يعني مواضعه - ثم يكبر، ويحمد الله عز وجل، ويثني عليه، ثم يقرأ ما شاء من القرآن)). ثم ذكر فيه تكبير النقل والتسميع . وفي أخرى ((حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ثم يقرأ من القرآن)). وفي أخرى ((إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وإذا سجدت فمكن سجودك، وإذا رفعت، فاقعد على فخذك اليسرى، ثم تشهد)). وفي أخرى: ((فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافرش فخذك الیسری، ثم تشهد)) . وفي أخرى بعد ذكر الوضوء: ((ثم تشهد، فأقم، ثم كبر)). وفي أخرى بعد ذكر إحسان الوضوء: ((ثم قم، فاستقبل القبلة، ثم کبر)) . قال: فهذه خلاصة الزيادات في الروايات جميعًا سقناها لنفعها فيما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى ((العدة)) جـ ٢ ص ٣٥٩. وكتب الحافظ رحمه الله بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصه: قد امتثلت ما أشار إليه، وجمعت طرقه القوية من رواية أبي هريرة، - ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ورفاعة، وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها، فمما لم يذكر فيه صريحًا من الواجبات المتفق عليها: النية، والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهد الأخير، والصلاة على النبي عَّه، والسلام في آخر الصلاة . قال النووي: وهو محمول على أن ذلك كان معلومًا عند الرجل اهـ. قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو ثبوت الدليل على إیجاب ما ذکر کما تقدم، وفيه بعد ذلك نظر . قال: وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب اهـ. وهو في معرض المنع، لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق، كما تقدم بيانه، فيحتاج من لم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدم تقريره. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١) . المسألة السابعة: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله أيضًا: قد تقدم أنه قد يستدل حيث يراد نفي الوجوب بعدم الذكر في الحديث، وقد فعلوا هذا في مسائل : منها : أن الإقامة غير واجبة، خلافًا لمن قال بوجوبها من حيث إنها (١) فتح جـ ٢ ص ٣٥٣. -٢٣٣ - ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ لم تذكر في الحديث، وهذا على ما قررناه يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق هذا الحديث، وقد ورد في بعض طرقه الأمر بالإقامة، فإن صح فقد عدم أحد الشرطين اللذين قررناهما . قال الجامع: قد تقدم في كتاب الأذان أدلة وجوب الإقامة، وأيضًا قد ذكر في بعض طرق هذا الحديث ذكر الإقامة، فالراجح وجوبها . فتبصر. والله تعالى أعلم. ومنها: الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح، حيث لم يذكر، وقد نقل عن بعض المتأخرين ممن لم يرسخ قدمه في الفقه، ممن ينسب إلى غير الشافعي أن الشافعي يقول بوجوبه، وهذا غلط قطعًا، فإن لم ينقله غيره فالوهم منه، وإن نقله غيره كالقاضي عياض رحمه الله، ومن هو في مرتبته من الفضلاء فالوهم منهم، لا منه. ومنها : استدلال بعض المالكية به على عدم وجوب التشهد بما ذكرناه من عدم الذكر، ولم يتعرض هذا المستدلّ للسلام، لأن للحنفية أن يستدلوا به على عدم وجوب السلام بعينه، مع أن المادة واحدة، إلا أن يريد أن الدليل المعارض لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه، فلذلك تركه، بخلاف التشهد، فهذا يقال فيه أمران: أحدهما: أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر، وهو أرجح مما ذكرناه . - ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وبالجملة فله أن يناظر على الفريقين بين الرجحانين، ويمهد عذره، ويبقى النظر ثمة فيما يقال. الثاني: أن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح، فإن الدلالة أمر، ويرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لو جرد النظر إليه لثبت الحكم، وذلك لا ينفي وجود المعارض. نعم لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب به، وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح، والأولى أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول، ومن ادعى المعارض الراجح فعليه البيان. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. المسألة الثامنة: قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله أيضًا: استدل بقوله: ((فكبر)) على وجوب التكبير بعينه، وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول: إذا أتى بما يقتضي التعظيم، كقوله: ((الله أجل)) أو ((أعظم)) كفى، وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكل ما دل عليه، وغيره اتبع اللفظ، وظاهره تعيين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها الاتباع. وأيضًا فالخصوص قد يكون مطلوبًا، أعني خصوص التعظيم بلفظ ((الله أكبر))، وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة، كما تدل عليه ٢٣٥ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ الأحاديث، فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى، ولا يعارض هذا أن يكون أصل المعنى مفهومًا، فقد يكون التعبد واقعًا في التفصيل كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعًا آخر لم يكتف به. ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة؛ أعني ((الله أكبر)). وأيضًا فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة. ويخرج على هذا حكم هذه المسألة، فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير، وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرًا وتفصيلاً، وعلى تقدير تقريرها مطلقًا يخرج ما ذكرناه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة حسن جدّاً، وحاصله تعين جملة (( الله أكبر)) للدخول في الصلاة، كما هو مذهب الجمهور، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة السابقة، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))، استدل به من قال: إن قراءة الفاتحة لا تتعين، قال ابن دقيق العيد: ووجهه أنه إذا تيسر فيه غير الفاتحة، فقرأه يكون ممتثلاً، فيخرج عن العهدة، قال : والذين عينوها أجابوا بأن الدليل على تعيينها تقييد للمطلق في هذا - ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الحديث، وهو متعقب، لأنه ليس بمطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير، وإنما يكون مطلقًا لو قال: اقرأ قرآنًا، ثم قال : اقرأ فاتحة الكتاب. وقال بعضهم: هو بيان للمجمل، وهو متعقب أيضًا، لأن المجمل ما لم تتضح دلالته، وقوله: (( ما تيسر)) متضح، لأنه ظاهر في التخيير . قال: وإنما يقرب ذلك إن جعلت ((ما)) موصولة، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها، فهي المتيسرة . وقيل: هو محمول على أنه عَرَف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر. وقيل: محمول على أنه منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة، ولا يخفى ضعفهما، لكنه محتمل، ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله : ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)). وقيل: إن قوله: ((ما تيسر)) محمول على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة، ويؤيده الرواية التي تقدمت لأحمد، وابن حبان حيث قال فيها: ((اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت)). قاله في الفتح(١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة العاشرة: استدل به على وجوب الطمأنينة في الأركان، واعتذر بعض من لم يقل به بأنه زيادة على النص، لأن المأمور به في (١) المصدر السابق جـ ٢ ص ٥٣٦. ٢٣٧ _ ٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤ القرآن مطلق السجود، فيصدق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر. وعورض بأنها ليست زيادة، لكن بيان للمراد بالسجود، وأنه خالف السجود اللغوي، لأنه مجرد " وضع الجبهة، فبينت السنة أن السجود الشرعي ما كان بالطمأنينة . ويؤيده أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود، وكان النبي ◌َّهُ ومن معه يصلون قبل ذلك ، ولم يكن النبي ◌ُّه يصلي بغير طمأنينة. قاله في الفتح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت، وإليه أنيب. ٢٣٨ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٨ - القَوْلُ الَّذِى يُفْتَتَحُ به الصّلاةُ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي يفتتح المصلي صلاته به . والقول الجُمَل، أي الأذكار التي تأتي في الحديثين المذكورين، لأن القول يطلق على ما يعم الكلمة، والكلم، والكلام، كما قال ابن مالك رحمه الله في (( الخلاصة)): وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ كَلامُنَا لَفْظٌ مُفيدٌ كَاسْتَقِمْ وَكَلِمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ وَحِدُهُ كَلمَةٌ وَ الْقَوْلُ عَمّ و(يفتتح)) بالبناء للمفعول، أي يُبتدأ، و(( الصلاة)) نائب فاعله. وفي الكبرى ((تفتتح)) بتاءين. والله تعالى أعلم. ٨٨٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْب، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثِنِي زَيْدٌ - هُوَ ابْنُ أَبي أُنْسَةَ - عَنْ عَمْروَ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ خَلْفَ نَبِّي اللـهِ نَّهُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لله كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ لَّهُ: ((مَنْ ٢٣٩ _ ٨ - القول الذي يفتتح به الصلاة - حديث رقم ٨٨٥ صَاحِبُ هَذه الْكَلِمَة؟»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللهِ، فَقَالَ، ((لَقَد ابْتَدَرَهَا اثْنَا عَشَرَ مَلَكَّا)). رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعَافَى الحَرَّاني، مات سنة ٢٤٣، صدوق، من [١٠]، أخرجَ له النسائي، تقدم في ١٩١ / ٣٠٦ . ٢- (محمد بن سَلَمَة) بن عبد الله الباهلي مولاهم الحرّاني، مات سنة ١٩١ على الصحيح، ثقة، من [٩]، أخرج له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٩١ / ٣٠٦ . ٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد/ سماك بن رستم الأموي مولاهم الحرّاني، مات سنة ١٤٤ ، ثقة، من [٦]، وقيل : اسم أبيه يزيد، وقيل: اسم جده سَمَّال(١)، أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦. ٤ - (زيد بن أبي أنيسة) الجزري، أبو أسامة الكوفي، نزيل الرَّها، مات سنة ١١٩، عن ٣٦ سنة، ثقة له أفراد، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩١ / ٣٠٦ . ٥- ( عمرو بن مُرّة) بن عبد الله بن طارق الجَمَلي المرادي، (١) بفتح أوله، وتشديد الميم، آخره لام. اهـ (ت)). ص ٩١. - ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح أبو عبد الله الكوفي الأعمى، مات سنة ١١٨، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧١ / ٢٦٥. ٦ - (عون بن عبد الله) بن عُتْبَة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله الكوفي الزاهد، أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه، ثقة عابد، من [٤]، . قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة . وقال ابن المديني: قال عون: صليت خلف أبي هريرة. وذكر الدار قطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لَمَّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله ، وعمر بن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقة كثير الإرسال. وقال الأصمعي، عن أبي نوف الهذلي، عن أبيه: كان من آدب أهل المدينة، وأفقههم، وكان مرجئًا، ثم رجع عن ذلك، وقال أبياتًا في ذلك [من الوافر] منها: نُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِئُونَا لأَوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكِّ وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِجَائِرِينَا ٥ وَقَالُوا مُؤمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوَرِ وَقَدْ حَرُمَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَا وَقَالُوا مُؤْمِنٌ دَمُّهُ حَلالُ ثم خرج مع ابن الأشعث، فهرب حيث هربوا، فأتى محمد بن مروان بنَصيبين، فآمنه، وألزمه ابنه، ثم صحب عمر بن عبد العزيز في .-