النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١ _
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا أحْسنُ غَيْرَ هَذَا،
فَعَلِّمْنِي، قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأ
مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعَاً،
ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمَاً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتّى تَطْمَتَنَّ
سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسَاً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي
صَلاتكَ كُلِّها)).
رجال هذا الإسناد: ستة
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت،
مات سنة ٢٥٢ هـ، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤ /٨٠.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، تقدم في الباب الماضي.
٣ - (عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب العُمَري أبو عثمان المدني، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على
مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري،
عن عروة، عنها. مات سنة بضع وأربعين ومائة، من [٥]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٥/ ١٥ .
٤- ( سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، أبو سَعْد المدني، ثقة
تغير قبل موته بأربع سنين ، مات في حدود ١٢٠، وقيل : قبلها،

- ٢٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقيل : بعدها، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٥/ ١١٧ .
٥ - (أبو سعيد) كَيْسان المقبري المدني، مولى أم شريك،
صاحب العَبَاء، ثقة ثبت، مات سنة مائة، من [٣]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٦٣/ ٨٧٢.
٦ - (أبو هريرة) الدَّوْسيّ الصحابي رضي الله عنه، تقدم
في١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنهم
مدنيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان .
ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب
الأصول الستة بدون واسطة وهم المجموعون في قولي :
ذَوُوا الأصُولِ السَّتَّةِ الْوُعَاه
اشْتَرَكَ الأئمَةُ الْهُدَاةُ
الْحَافِظينَ النَّاقدينَ الْبَرَرَه
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشَّيُوخِ الْمَهَرَهُ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرَو السَّرِي
٠٩٠٠٠٠
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
وَأَبْنُ الْعَلَاءِ وَابْنَ بَشَّارٍ كَذَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيـادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدموا غير مرة، وإنما أعدتهم تذكيرًا، لطول العهد بهم.

٢٠٣ _
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عبيد الله ، عن سعيد.
ومنها : أن فيه رواية الابن، عن أبيه، سعيد، عن كيسان.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رضي الله عنه، أكثر الصحابة حديثًا، روی
٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قوله: ((عن أبيه))، قال الدار قطني رحمه الله : خالف يحيى
القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لم يقولوا: ((عن
أبيه))؛ ويحيى حافظ، قال: ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على
الوجهين. وقال البزار رحمه الله: لم يتابع يحيى عليه. ورجح
الترمذي رحمه الله روایة یحیی.
قال الحافظ رحمه الله : قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما
رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن
سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة رضي الله
عنه، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريقي يحيى
في ((باب أمر النبي ◌َّ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة))، وفي (( باب
وجوب القراءة))، وأخرج في ((الاستئذان)) طريق عبد الله بن نمير، وفي
((الأيمان والنذور)) طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله، ليس فيه ((عن
أبيه)). وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة.
وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة رضي الله عنه،

- ٢٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أخرجها أبو داود، والنسائي، من رواية إسحاق بن أبي طلحة - ومحمد
ابن إسحاق - ومحمد بن عمرو - ومحمد بن عجلان - وداود بن قيس
- كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن عمه
رفاعة بن رافع. فمنهم من لم يسم رفاعة، قال: ((عن عم له بدري))،
ومنهم من لم يقل: ((عن أبيه)). ورواه النسائي، والترمذي من طريق
يحيى بن علي بن يحيى، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة، لكن لم يقل
الترمذي: ((عن أبيه)). وفيه اختلاف آخر نذكره قريبًا. انتهى كلام الحافظ
رحمه الله تعالى(١) . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله عَّ دخل
المسجد) النبوي (فدخل رجل). في رواية ابن نمير: ((ورسول الله عَ ليه
جالس في ناحية المسجد)). وللنسائى من رواية إسحاق بن أبي طلحة:
«بينما رسول الله څ﴾ جالس، ونحن حوله)).
وهذا الرجل هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى راوي الخبر، بينه
ابن أبي شيبة عن عباد بن العوّام، عن محمد بن عمرو، عن علي بن
يحيى، عن رفاعة أن خلاداً دخل المسجد. وروى أبو موسى في الذيل
من جهة ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن عبد الله بن
(١) فتح جـ ٢ ص ٥٣٢ .
٠

٢٠٥ _
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
خلاد، عن أبيه، عن جده أنه دخل المسجد اهـ.
قال الحافظ رحمه الله: وفيه أمران: زيادة عبد الله في نسب علي بن
يحيى، وجعل الحديث من رواية خلاد جد علي. فأما الأول فَوَهَمٌّ من
الراوي عن ابن عيينة. وأما الثاني فمن ابن عيينة، لأن سعيد بن منصور
قد رواه عنه كذلك، لكن بإسقاط ((عبد الله)). والمحفوظ أنه من حديث
رفاعة، كذلك أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة،
وابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، كلاهما عن محمد بن عجلان.
وأما ما وقع عند الترمذي ((إذ جاء رجل كالبدوي، فصلى فأخفّ
صلاته)) ، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد، لأن رفاعة شبهه بالبدوي، لكونه
أخف الصلاة، أو لغير ذلك. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١).
(فصلى) زاد المصنف من طريق داود بن قيس - ٦٧ /١٣١٤ -:
((ركعتين))، وفيه إشعار بأنه صلى نفلاً، والأقرب أنه تحية المسجد، وفي
الرواية المذكورة، ((وقد كان النبي ◌َّهِ يَرْمُقُهُ في صلاته))، زاد في رواية
إسحاق بن أبي طلحة: (( ولا ندري ما يعيب منها))، وعند ابن أبي شيبة
من رواية أبي خالد: ((يرمقُهُ، ونحن لا نشعر))، وهذا محمول على
حالهم في المرة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله، كأنه قال: ولا
نشعر بما يعيب منها. قاله في ((الفتح)).
(١) المصدر السابق.

- ٢٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
(ثم جاء فسلم على رسول الله تَّ)، وفي رواية أبي أسامة
(فجاء فسلم))، وهي أولى، لأنه لم یکن بين صلاته ومجيئه تراخ (فرد
عليه رسول الله عَّه)، وفي رواية للبخاري، ومسلم. (( فقال: وعليك
السلام)). قال في ((الفتح)): وفيه ردّ على ابن الْمُنَيِّر حيث قال: فيه أن
الموعظة في وقت الحاجة أهم من ردّ السلام، ولأنه لعله لم يرد عليه
السلام تأديبًا على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. اهـ.
قال الحافظ: والذي وقفنا عليه من نسخ الصحيحين ثبوت الرد في
هذا الموضع وغيره، إلا الذي في الأيمان والنذور، وقد ساق الحديث
صاحب ((العمدة)) بلفظ الباب إلا أنه حذف منه ((فرد النبي ◌َّهِ))، فلعل
ابن المنير اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب ((العمدة)). انتهى.
(وقال: ارجع) وفي رواية ابن عجلان ((أعد صلاتك))، (فإِنك
لم تصلّ) الفاء للتعليل؛ أي لأنك لم تصل، أي لم تُوجدْ حقيقة
الصلاة، فهو نفي للحقيقة، لانتفاء الطمأنينة التي هي ركن من أركانها،
أو أن المراد لم تصح صلاتك، فيكون النفي راجعًا للصفة، خلافًا لمن
قال: إنه نفي للكمال، لأن النفي يتوجه للحقيقة إن أمكن، كما هنا،
وإلا يتوجه لأقرب صفة للحقيقة، كالصحة، لا الكمال(١).
وقال القاضي عياض رحمه الله: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة
على غير علم لا تجزئ، وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء،
(١) راجع المنهل العذب الورود ج ٥ ص ٣٠٠.

٢٠٧ -
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه ◌َّ لم يأمره بعد
التعليم بالإعادة، فدلّ على إجزائها، وإلا لزم تأخير البيان. كذا قاله
بعض المالكية، وهو المهلب، ومن تبعه، وفيه نظر، لأنه عَّه قد أمره في
المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم، فعلمه، فكأنه قال له: أعد
صلاتك على هذه الكيفية. قاله في ((الفتح)).
(فرجع) الرجل (فصلى كما صلى) أي مثل صلاته الأولى بلا
طمأنينة، ولا اعتدال، (ثم جاء إِلى النبي ◌َّه، فسلم عليه، فقال له
رسول الله ◌َيُّه: ((وعليك السلام، ارجع، فصل، فإِنك لم تصل))،
فعل ذلك ثلاث مرات)، وفي رواية رفاعة بن رافع الآتية
١٠٥٣/١٥: ((قال: لا أدري في الثانية، أو في الثالثة))، وفي
١٣١٣/٦٧: ((فإنك لم تصل، مرتين، أو ثلاثًا))، وفي ١٣١٤/٦٧ :
((حتى كان عند الثالثة، أو الرابعة)). وتترجح ما في الباب - كما قال
الحافظ - لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه مَّه كان من عادته استعمال
الثلاث في تعليمه غالباً.
واستشكل تقريره تَّه له على صلاته، وهي فاسدة على القول بأنه
أخل ببعض الواجبات، وأجاب المازري بأن أراد استدراجه بفعل ما
يجهله مرات، لاحتمال أن یکون فعله ناسيًا أو غافلاً، فيتذكره، فيفعله
من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب
تحقق الخطأ. وقال النووي: نحوه، قال: وإنما لم يعلمه أوّلاً ليكون

- ٢٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة. وقال ابن
الجوزي: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى
أن الوقت لم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك.
وقال ابن دقيق العيد: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا، بل
لابد من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لمها يلقى إليه
بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله، مصلحة مانعة من
وجوب المبادرة إلى التعليم، لا سيما مع عدم خوف الفوات، إما بناء
على ظاهر الحال، أو بوحي خاص.
وقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أوّلاً لأنه لما رجع لم
يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنه اغترّ بما عنده من العلم،
فسكت عن تعليمه زجرًاً له، وتأديبًا، وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم
علیه، فلما طلب کشف الحال من مورده أرشد إليه. انتهى.
قال الحافظ: لكن فيه مناقشة، لأنه إن تم له في الصلاة الثانية
والثالثة لم يتم له في الأولى، لأنه معَّه بدأه لما جاء أول مرة بقوله:
((ارجع فصل، فإنك لم تصل))، فالسؤال وارد على تقريره له على
الصلاة الأولى، كيف لم ينكر عليه في أثنائها، لكن الجواب صحيح
بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه إنما لم ينكر عليه أثناء الصلاة،
(١) فتح جـ ٢ ص ٥٣٦ - ٥٣٧ .

٢٠٩ _
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
بل أخره إلى أن انتهى ليتبين له جميع ما يخطئ فيه ؛ إذ لو أنكر عليه في
الوسط وعلمه وأعاد، ربما أخطأ في غيره فيحتاج إلى تعليمه
ويتسلسل، ولا يقال: إن تبين له ذلك في المرة الأولى، فلماذا رده ثانيًا
وثالثًا، لأننا نقول: إن ذلك زجر له حيث أقدم على الإعادة من غير أن
يتعلم منه ◌َِّ فعاقبه . والله تعالى أعلم.
(فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا
فعلمني)، وفي حديث رفاعة رضي الله عنه: (( والذي أنزل عليك
الكتاب لقد جهدت، فعلمني، وأرني))، وفي لفظ: ((لقد جهدت،
وحَرَصتُ، فأرني، وعلمني))، وفي رواية: (( والذي أكرمك يا رسول
الله، لقد جهدت، فعلمني))، وفي رواية: ((فقال الرجل: فأرني
وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ. فقال: أجل)).
(قال) تَّ معلمًا له (إِذا قمت إِلى الصلاة، فكبر) وفي حديث
رفاعة: (( إذا أردت الصلاة، فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم،
فاستقبل القبلة، ثم كبر))، وفي رواية: (( فتوضأ كما أمرك الله ، ثم
تشهد، وأقم))، وفي رواية: (( إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ
الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح
رأسه، ورجلیه إلی الکعبین، ثم يكبر الله ، ويحمده، ويمجده)).
وهذا محل الترجمة وهو أنه يدل على فرضية تكبيرة
الإحرام، وسيأتي أقوال أهل العلم فيه مستوفى في ((المسألة الخامسة))،

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٢١٠
إن شاء الله تعالى.
(ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قال في ((الفتح)): لم تختلف
الرواية في هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأما رفاعة، ففي رواية
إسحاق بن أبي طلحة: ((ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله))، وفي
رواية يحيى بن علي: ((فإن كان معك قرآن، فاقرأ، وإلا فاحمد الله ،
و کبره، وهلله))، وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود: «ثم اقرأ بأم
القرآن، أو بما شاء الله))، ولأحمد، وابن حبان من هذا الوجه: ((ثم اقرأ
بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت)، ترجم له ابن حبان بـ [ با ب فرض
المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة]. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بهذه الروايات أن معنى ما تيسر
هي الفاتحة، فلا متمسك لمن استدل به على عدم فرضية الفاتحة.
فتبصر. والله تعالى أعلم.
(ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، وفي رواية أحمد المذكورة: (( فإذا
ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وتمكن
لركوعك)). وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((ثم يكبر، فيركع حتى
تطمئن مفاصله، ويسترخي)).
(ثم ارفع) أي رأسك من الركوع (حتى تعتدل قائماً)، وفي
(١) جـ ٢ ص ٥٣٤.

٢١١ -
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
رواية ابن نمير عند ابن ماجه: ((حتى تطمئن قائمًا))، أخرجه ابن أبي شيبة
عنه، وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسق لفظه،
فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، عن أبي
أسامة، وهو في ((مستخرج أبي نعيم)) من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج
عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة .
قال الحافظ رحمه الله بعد ذكر ما تقدم: فثبت ذكر الطمأنينة في
الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن
حبان، وفي لفظ لأحمد: ((فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى
مفاصلها))، وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها -
أي الطمأنينة في الرفع من الركوع - شيء لأنها لم تذكر في حديث
المسيء صلاته، دالٌ على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة. انتهى
كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١) .
(ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، وفي رواية إسحاق بن أبي
طلحة: (( ثم يكبر ، فيسجد حتى يمكن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن
مفاصله، وتسترخي)).
(ثم ارفع) أي رأسك من السجود (حتى تطمئن جالسًا)، وفي
+
رواية إسحاق المذكورة: «ثم يكبر، فيرفع حتى يستوي قاعدًا على
مقعدته، ويقيم صلبه))، وفي رواية محمد بن عمرو: (( فإذا رفعت
(١) فتح جـ ٢ ص ٥٣٤.

- ٢١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى))، وفي رواية إسحاق: ((فإذا
جلست في وسط الصلاة، فاطمئن جالسًا، ثم افترش فخذك الیسری،
ثم تشهد)) .
(ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) بالجر توكيد لـ ((صلاتك)).
وفي رواية محمد بن عمرو: (( ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة)).
وفي حديث رفاعة رضي الله عنه الآتي - ١٥/ ١٠٥٣ -: ((فإذا
صنعت ذلك ، فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك، فإنما
تنقصه من صلاتك)). وفي رواية - ١٣١٤/٦٧ -: ((فإذا أتممت
صلاتك على هذا، فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من
صلاتك)) .
تنبيه: وقع في رواية ابن نمير عند البخاري في ((الاستئذان)) بعد
ذكر السجود الثاني: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)). وقد قال بعضهم:
هذا يدلّ على إيجاب جلسة الاستراحة، ولم يقل به أحد. وأشار
البخاري إلى أن هذه اللفظة وَهَم، فإنه عَقَّبَه، بأن قال: قال أبو أسامة
في الأخير: ((حتى تستوي قائمًا)) .
قال الحافظ: ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس
للتشهد، ويقويه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاري ظاهر في
أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواهُ إسحاقُ بن راهويه في ((مسنده))

٢١٣ _
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا،
ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد
حتى تطمئن قاعدًا، ثم افعل ذلك في كل ركعة)). وأخرجه البيهقي من
طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح
رواية عبيد الله بن سعيد أبي قُدامة، ويوسف بن موسى عن أبي أسامة
بلفظ: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا»،
ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى (١)
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تضعيف رواية إسحاق غير
صحيح، لأنه تابعه ابن نمير كما مر آنفًا، فالحديث صحيح، وأما دلالته
على وجوب جلسة الاستراحة فظاهر، إلا أن له صارفًا، وهو ما صح
عنه ◌َّ من تركه جلسة الاستراحة في بعض الأحيان، كما يأتي البحث
عنه في موضعه، إن شاء الله تعالى . والله تعالى أعلم، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
(١) المصدر السابق جـ ٢ ص ٥٣٤ - ٥٣٥ .

- ٢١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أخرجه هنا - ٧/ ٨٨٤ - وفي ((الكبرى)) - ٧/ ٩٥٧ - عن محمد بن
المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد بن
أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
أخرجه هنا - ٧/ ٨٨٤ - وفي ((الكبرى)) - ٧/ ٩٥٧ - عن محمد
ابن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد
ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه.
وقال في ((الكبرى)) عقب إيراد الحديث: قال أبو عبد الرحمن:
خولف يحيى في هذا الحديث، فقيل: عن سعيد، عن أبي هريرة،
والحديث صحيح. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف يرى صحة الطريقين،
طريق يحيى بزيادة ((عن أبيه))، وطريق غيره بإسقاطه، وهو مذهب
الشيخين، حيث أخرجا الحديث عن الطريقين، ومذهب الدارقطني
أيضًا، حيث قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين.
وأما الترمذي فقد رجح طريقة يحيى، حيث قال: حديث يحيى بن
سعيد أصح. وقد تقدم تمام الكلام على هذا في التنبيه الذي ذكرته عقب
ذكر لطائف الإسناد، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى ولي التوفيق،
وهو الهادي إلى سواء الطريق.
(١) راجع الكبرى جـ ١ ص ٣٠٨.

٢١٥ -
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (البخاري) في ((الصلاة)) عن مسدد - وفيه، وفي الاستئذان
عن محمد بن بشار - (مسلم وأبو داود) في ((الصلاة)) عن أبي موسى
محمد بن المثنی - ثلاثتهم عن یحیی بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر
به. و(الترمذي) فيه عن محمد بن بشار به. وقال : روى ابن نمير هذا
عن عبيد الله ، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواية يحيى أصح.
وأخرجه أحمد، وابن حبان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
المسألة الرابعة: في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب تكبيرة
الإحرام، وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في
المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها : وجوب الإعادة على من أخل بشيء من واجبات الصلاة .
ومنها : ما قيل: إن الشروع في النافلة مُلزم، لكن يحتمل أن تكون
تلك الصلاة فريضة .
ومنها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
صَلىالله
ومنها: الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النبي
عامله بالرفق فيما أمره به، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح

- ٢١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
المسألة، وتلخيص المقاصد.
ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّ من حسن الخلق، ولطف المعاشرة.
ومنها: طلب المتعلم من العالم أن يعلمه ما يجهله من أمر دينه،
ولا سيما الصلاة.
ومنها: مشروعية تكرار السلام ورده، وإن لم يخرج من الموضع
إذا وقعت صورة انفصال.
ومنها: جلوس الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه.
ومنها : التسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصير،
والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ .
ومنها: ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به
القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قیل، وفيه نظر ، بل ما دل الدليل
على وجوبه مما ثبت في السنة، فهو واجب، لأنه مما أمر الله به، إذ آية
الوضوء مجملة، فسرتها السنة القولية والفعلية، وقد تقدم البحث في
ذلك في أبواب الوضوء مُستوفى بحمد الله تعالى، فارجع إليه تزدد
علماً .
ومنها: تأخير البيان في المجلس للمصلحة .
ومنها : أن فيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية، لكون ما ليس

٢١٧ -
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
بلسان العرب لا يسمى قرآنًا . قاله عياض رحمه الله.
ومنها: وجوب القراءة في كل الركعات.
ومنها : أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج
إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من
باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كونه
قال: ((علمني)) أي الصلاة، فعلمه الصلاة ومقدماتها .
ومنها : أنه استدل به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه
قال الجمهور، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير
من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم،
فإنه ترجم ((مقدار الركوع والسجود)) ثم ذكر الحديث الذي أخرجه
أبو داود وغيره في قوله: (( سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، وذلك
أدناه)). قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزئ
أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعاً واطمأن
ساجداً أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد.
قاله في الفتح(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في وجوب تكبيرة
الإحرام :
(١) فتح جـ ٢ ص ٥٣٥ .

- ٢١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
ذهب جمهور العلماء إلى تعين لفظ ((الله أكبر)) للشروع في
الصلاة، دون غيره من ألفاظ التعظيم، ووافقهم أبو يوسف من
أصحاب أبي حنيفة، وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: تنعقد بكل لفظ
يقصد به التعظيم، كالله أعظم، والله أجلّ، ونحو ذلك.
واحتج الجمهور بحديث الباب، حيث قال للمسيء صلاته:
((فكبر))، ولفظ أبي داود في حديث رفاعة رضي الله عنه: (( لا تتم صلاة
أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر))،
ورواه الطبراني بلفظ: (( ثم يقول: الله أكبر))، وبحديث أبي حميد
الساعدي رضي الله عنه، قال: كان رسول الله عٍَّ إذا قام إلى الصلاة
اعتدل قائمًا، ورفع يديه، ثم قال: ((الله أكبر)). أخرجه ابن ماجه،
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وهذا فيه بيان المراد بالتكبير، وهو
قول: (( الله أكبر)).
وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي رضي الله
عنه: أن النبي ◌َّم كان إذا قام إلى الصلاة قال: ((الله أكبر)). ولأحمد،
والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما
عن صلاة رسول الله عَّه؟ فقال: ((الله أكبر)) كلما وضع، ورفع(١).
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثابت عن نبي الله تَ ﴾.
أنه قال لرجل: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر))، وجاء الحديث عنه أنه قال:
(١) راجع الفتح جـ ٢ ص ٤٥٥ .

٢١٩ _
٧ - فرض التكبيرة الأولى - حديث رقم ٨٨٤
((مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير))، وجاءت الأخبار من وجوه
شتى عن نبي الله تَّه أنه افتتح الصلاة بالتكبير، وأجمع أهل العلم على
أن من أحرم للصلاة بالتكبير أنه داخل فيها .
وممن رأى أن التكبير افتتاح للصلاة عبدُ الله بن مسعود، وطاوس،
وأيوب، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو ثور،
وإسحاق، وعليه عوامّ أهل العلم في القديم والحديث، لا يختلفون أن
السنة أن تفتتح الصلاة بالتكبير.
وكان الحَكَم يقول: إذا ذَكَرَ الله مكان التكبير يجزيه.
واختلف أصحاب الرأي في هذه المسألة، فحكَى يعقوب عن
النعمان أنه قال في الرجل يفتتح الصلاة بـ((لا إله إلا الله)) يجزيه، وإن
افتتح بـ ((اللهم اغفر لي) لم تجزه الصلاة، قال: وهو قول محمد بن
الحسن، وقال أبو يوسف: لا تجزيه إذا كان يحسن التكبير.
وفي كتاب محمد بن الحسن قال: قلت: أرأيت رجلاً افتتح
بالتهليل، أو بالتحميد، أو بالتسبيح، هل يكون ذلك دخولاً في
الصلاة ؟ قال : نعم. قلت له: لم؟ قال: أرأيت لو افتتح الصلاة،
قال: الله أجل، أو الله أعلم، أكان داخلاً في الصلاة؟ قال: نعم.
قال: فهذا وذاك سواء، قال: وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد ،
وإبراهيم، والحكم.

- ٢٢٠ -
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقال يعقوب: لا يجزيه إن كان يعرف أن الصلاة تُفتتح بالتكبير،
وكان يحسنه، وإن كان لا يعرف أجزأه.
قال أبو بكر: ولا أعلم اختلافًا في أن من أحسن القراءة، فهلل،
وكبر، ولم يقرأ - أن صلاته فاسدة، فاللازم لمن كان هذا مذهبه أن
يقول: لا يجزئ مكان التكبير غيرها. وقد روينا عن الزهري قولاً
ثالثًا أنه سئل عن رجل افتتح الصلاة بالنية، ورفع يديه، فقال: يجزيه .
قال أبو بكر: ولا أعلم أحداً قال به غيره.
قال أبو بكر: والأخبار الثابتة عن رسول الله تَّه في هذا الباب
مُستغنيّ بها عما سواها، ولامعنى لقول أحدثَ مخالفًا للسنن الثابتة .
ولمَا كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون، وسائر المهاجرين والأنصار،
وأصحاب رسول الله تَّة، وفقهاء المسلمين في القديم والحديث.
وقد أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم أن الرجل يكون داخلاً في
الصلاة بالتكبير متبعًا للسنة إذا كبر لافتتاح الصلاة، وقد اختلفوا فيمن
سبح مكان التكبير لافتتاح الصلاة، وغير جائز أن تنعقد صلاة عقدها
مصليها بخلاف السنة. والله أعلم.
واختلفوا في الرجل يفتتح الصلاة بالفارسية، فكان الشافعي
وأصحابه يقولون: لا يجزئ أن يكبر بالفارسية إذا أحسن العربية،
وهكذا قال يعقوب، ومحمد: إن ذلك لا يجزيه، إلا أن يكون ممن لا .