النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١ _
١ - بَاب العمل في افتتاح الصلاة - حديث رقم ٨٧٦
و((الكبرى)) - ١٠٩٨/٣٣ - عن قتيبة، عن سفيان - وفي -
١٠٨٨/٣٧ - والكبرى - ٦٧٥/٣٥ - عن محمد بن عبيد الكوفي
المحاربي، عن ابن المبارك، عن معمر - وفي ١١٤٤/٨٥ - و ((الكبرى)) - ٧٣٠/٨١ -
عن - إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان - وفي ٣/ ١١٨٢ - و((الكبرى)) -
١١٠٥/٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن
سليمان، عن عبيد الله بن عمر - ستتهم عن ابن شهاب، عن سالم بن
عبد الله ،عن أبيه رضي الله عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (البخاري) في ((الصلاة)) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك
- وعن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن يونس - في (جزء رفع
اليدين) عن أبي اليمان، عن شعيب - عن علي بن عبد الله ، عن سفيان
- وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك - وعن عبد الله بن صالح، عن
الليث، عن يونس - وعن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن معتمر، عن
عبيد الله بن عمر - وعن قتيبة، عن هشيم - وعن عبد الله بن صالح،
عن الليث، عن عُقيل .
و(مسلم) عن يحيى بن يحيى التميمي، وسعيد بن منصور،
وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب، وابن نمير،
كلهم عن ابن عيينة - وعن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق، عن ابن
جريج - وعن محمد بن رافع، عن حُجَين بن المثنى، عن الليث، عن

- ١٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
عقيل - وعن محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ، عن سلمة بن سليمان، عن
عبد الله، عن يونس .
و(أبو داود) عن أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة - وعن
محمد بن المُصفَّى الحمصي، عن بقية، عن الزبيدي .
و(الترمذي) عن قتيبة، وابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة -
وعن الفضل بن الصباح البغدادي، عن ابن عيينة .
و(ابن ماجه) عن علي بن محمد ، وهشام بن عمار، وأبي عمر
الضریر، کلهم عن ابن عيينة - سبعتهم عن الزهري، به .
وأخرجه (مالك في الموطأ) ص ٦٩، و(الحميدي) رقم ٦١٤،
و(أحمد) جـ ٢ ص ٨ و ١٨ و٤٧ و٦٢ و١٣٤ و١٤٧ و(الدارمي) رقم
١٢٥٣ و١٣١٥ و١٣١٤، و(ابن خزيمة) ٤٥٦ و٥٨٣ ٦٩٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله ، وهو بيان العمل الذي
يعمله المصلي في افتتاح صلاته، وهو رفع اليدين إذا افتتح الصلاة،
وكون الرفع مع التكبير، وبيان حد الرفع ، وهو كونه بمحاذاة المنكبين.
ومنها : رفع اليدين عند الركوع.
ومنها : الرفع أيضاً عند الرفع من الركوع.
ومنها : مشروعية قول : ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)).

١٤٣ _
١ - بَاب العمل في افتتاح الصلاة - حديث رقم ٨٧٦
ومنها : عدم مشروعية الرفع في حالة السجود، وسيأتي إثبات
ذلك في حديث مالك بن الحويرث، ويأتي الكلام عليه ٢٦/ ١٠٨٥ ،
وكذا سيأتي تفاصيل هذه الأمور في أبوابها الخاصة بها، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى ولي التوفيق.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في رفع اليدين في
الصلاة :
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: في هذا الحديث رفع
اليدين في هذه المواطن الثلاثة عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع،
وعند الرفع منه، وبه قال أكثر العلماء من السلف والخلف.
قال ابن المنذر رحمه الله: روینا ذلك عن ابن عمر، وابن عباس،
وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وقال الحسن
البصري: كان أصحاب رسول الله عَّه يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا
ركعوا، وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنها المراويح، وروي ذلك
عن جماعة من التابعين، وجماعة ممن بعدهم، وقال الأوزاعي: ما
اجتمع عليه علماء الحجاز والشام والبصرة أن رسول الله ﴾ کان یرفع
يديه في هذه المواطن الثلاثة.
قال ابن المنذر: وهو قول الليث بن سعد، والشافعي ، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه ابن وهب عن مالك، وبه نقول. انتهى.

- ١٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقد حكاه عن مالك أيضاً أبو مصعب، وأشهب، والوليد بن
مسلم، وسعيد بن أبي مريم، وجزم به الترمذي عن مالك.
وقال البخاري: يُروى عن عدة من أهل الحجاز والعراق والشام
والبصرة واليمن - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ورفع الرأس
منه، منهم سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والقاسم بن
محمد، وعمر بن عبد العزيز، والنعمان بن أبي عياش، والحسن، وابن
سیرین، وطاوس، ومكحول، وعبد الله بن دينار، ونافع، وعبيد الله
ابن عمر، والحسن بن مسلم، وقيس بن سعد، وغيرهم عدة كثيرة.
انتهى .
وقال البيهقي: وقد رويناه عن أبي قلابة، وأبي الزبير، ثم عن
مالك، والأوزاعي، والليث، وابن عيينة، ثم عن الشافعي، ويحيى
القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن
يحيى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعدة كثيرة
من أهل الآثار بالبلدان.
وقالت طائفة : لا يرفَع یدیه فیما سوى الافتتاح، وهو قول
سفيان، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن صالح بن حي، وهو
رواية ابن القاسم عن مالك، قال ابن عبد البر: وتعلق بهذه الرواية عن
مالك أكثر المالكیین.
وقال الشيخ تقي الدين في ((شرح العمدة)): وهو المشهور عند

١٤٥ _
١ - باب العمل في افتتاح الصلاة - حديث رقم ٨٧٦
أصحاب مالك، والمعمول به عند المتأخرين منهم. انتهى.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك
مثل رواية ابن القاسم في رفع اليدين، قال محمد: والذي آخذ به أن
أرفع على حديث ابن عمر .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه الرفع في تكبيرة الإحرام فقط عن
علي، وابن مسعود، والأسود، وعلقمة، والشعبي، وإبراهيم
النخعي، وخيثمة، وقيس بن أبي حازم، وأبي إسحاق السبيعي،
وحكاه عن أصحاب علي، وابن مسعود، وحكاه الطحاوي عن عمر،
وذكر ابن بطال أنه لم يختلف عنه في ذلك، وهو عجيب، فإن المعروف
عنه الرفع في المواطن الثلاثة .
وقال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر أن هذا هو مشهور مذهب
مالك أن الرفع في المواطن الثلاثة هو آخر أقواله، وأصحها المعروف من
عمل الصحابة، ومذهب كافة العلماء إلا من ذكر. انتهى. وكذا قال
الخطابي: إنه قول مالك في آخر أمره.
وقال محمد بن نصر المروزي: لا يَعلم(١) مصرًا من الأمصار تركوا
بأجمعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع في الصلاة إلا أهل الكوفة،
فكلهم لا يرفع إلا في الإحرام.
وقال ابن عبد البر: لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع عند
(١) هكذا نسخة ((الطرح)) ((يعلم مصرًا))، ولعل الأولى (( لا نعلم مصرًا» فليحرر.

- ١٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
كل خفض ورفع ممن لم يُختلَفَ عليه فيه إلا ابن مسعود وحده، وروى
الكوفيون عن علي مثل ذلك، وروى المدنيون عنه الرفع من حديث
عبيد الله بن أبي رافع. انتهى.
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن الطريق عن علي في ترك الرفع
واهية .
وقال الشافعي في رواية الزعفراني عنه: ولا يثبت عن علي، وابن
مسعود ، ولو كانا ثابتين عنهما لا يثبته (١) أن يكون رآهما مرة أغفلا رَفْع
اليدين، ولو قال قائل: ذهب عنهما حفظ ذلك عن النبي ◌َّه ،
وحفظه ابن عمر لكانت حجة. انتهى.
وروى البيهقي في ((سننه)) عن وكيع، قال: صليت في مسجد
الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك إلى جنبه يصلي، فإذا
عبد الله يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، وأبو حنيفة لا يرفع، فلما
فرغوا من الصلاة قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن رأيتك
تكثر رفع اليدين أردت تطير؟! فقال له عبد الله : يا أبا حنيفة قد رأيتك
ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير ؟! فسكت أبو
حنيفة، قال وكيع: فما رأيت جوابًا أخصر من جواب عبد الله لأبي
حنيفة.
(١) هكذا نسخة الطرح ((لا يثبته)) ولعل الصواب: ((يشبه أن يكون الخ)) بحذف ((لا))
و ((يشبه)) بالشين المعجمة من الشبه. فليحرر.

١٤٧ _
١ - بَاب العمل في افتتاح الصلاة - حديث رقم ٨٧٦
وروى البيهقي أيضاً عن سفيان بن عيينة، قال: اجتمع
الأوزاعي والثوري بمنى، فقال الأوزاعي للثوري: لمَ لا ترفع يديك في
خفض الركوع، ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد،
فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن
النبي ◌َّ، وتعارضني بيزيد بن أبي زياد، ويزيد رجل ضعيف
الحديث، وحديثه مخالف للسنة؟ !قال: فاحمارّ وجه سفيان، فقال
الأوزاعي: كأنك كرهت ما قلت؟ قال الثوري: نعم، فقال
الأوزاعي: قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق، قال: فتبسم الثوري لمّا
رأى الأوزاعي قد احْتَدَّ. انتهى ما قاله ولي الدين رحمه الله تعالى(١).
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: احتج القائلون بالاستحباب
بالأحاديث الكثيرة من الصحابة حتى قال الشافعي: رَوَى الرفعَ جمع
من الصحابة، لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم.
وقال البخاري في (( جزء رفع اليدين)): روى الرفع تسعة عشر نفساً
من الصحابة. وسرد البيهقي في السنن، وفي الخلافيات أسماء من روي
عنه الرفع نحوًا من ثلاثين صحابيًا، وقال : سمعت الحاكم يقول: اتفق
على رواية هذه السنة العشرةُ المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من أكابر
الصحابة. قال البيهقي: وهو كما قال. قال الحاكم والبيهقي أيضاً: ولا
يعلم سنة اتفق على روايتها العشرةُ ، فمن بعدهم من أكابر الصحابة
على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة .
(١) ((طرح التثريب)) جـ ٢ ص ٢٥٢ - ٢٥٥.

- ١٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وروى ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي سلمة الأعرج،
قال: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع .
وقال البخاري في الجزء المذكور: قال الحسن، وحميد بن هلال:
كان أصحاب رسول الله عَّه يرفعون أيديهم، ولم يستثن أحدًا منهم .
قال البخاري: ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله تَّ﴾ أنه لم
یرفع یدیه .
واحتج من قال بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة رضي الله
عنه عند مسلم، وأبي داود، قال: خرج علينا رسول الله عَّه، فقال:
«مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس، اسكُنُوا في
الصلاة)).
وأجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص، فإن مسلمًا رواه أيضاً
من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: ((كنا إذا صلينا مع
النبي ◌َّعٍ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله
وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال لهم النبي تَّ: عَلامَ تومئون بأيديكم
كأنها أذناب خيل شُمْس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذه،
ثم يسلم على أخيه مَنْ عَنْ يمينه، ومَنْ عن شماله)).
ورُدَّ هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب
مرجوح، كما تقرر في الأصول. وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت
من فعله ◌َّهِ ثبوتًا متواترًا كما تقدم، وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن

١٤٩ _
١ - بَاب العمل في افتتاح الصلاة - حديث رقم ٨٧٦
تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك
العموم على تسليم عدم القصر.
وربما نازع في هذا بعضهم، فقال: قد تقرر في الأصول أنه إذا جهل
تاريخ العام والخاص اطرحا. وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت
على هذه المسألة بعد موته عَّه ، وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا
رسول الله څ﴾ علیه.
على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر
أن رسول الله تَّه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع،
وعند الاعتدال: ((فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى)).
وأيضاً المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما
وجب البناء، وقد جعله بعض الأصوليين مجمعاً عليه، كما في ((شرح
الغاية)).
وربما احتج بعضهم بما رواه الحاكم في المدخل من حديث أنس
بلفظ: (( من رفع يديه في الصلاة، فلا صلاة له))، وبما رواه ابن الجوزي
عن أبي هريرة بنحو حديث أنس، وهو لا يشعر أن الحاكم قال بعد
إخراج حديث أنس: إنه موضوع. وقد قال في البدر المنير: إن في
إسناده محمد بن عكاشة الكرماني، قال الدار قطني : يضع الحديث.
وابن الجوزي جعل حديث أبي هريرة المذكور من جملة الموضوعات.
انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(١).
(١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ١٠ - ١٢.

- ١٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن رفع اليدين عند الإحرام
للصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وفي القيام إلى الثالثة، هو
مذهب جمهور الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من المحققين، الذين
تؤيدهم الدلائل الواضحة كالشمس في رابعة النهار، والمخالفون ليس
لهم دليل مقنع، بل أدلتهم كلها لا تصلح مستنداً حتى يُعْدَل إليهما عما
ثبت عن رسول الله تَّه بطرق التواتر، فسلِّم تسلم، والله ولي الهداية
والتوفيق. وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في الأبواب المناسبة له حيث
يذكره المصنف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة السادسة: قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: أجمعت
الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، واختلفوا فيما
سواها. انتھی.
قال ولي الدين رحمه الله : وفي حكاية هذا الإجماع نظر من
وجھین :
أحدهما : أن بعض العلماء یقول بوجوبه، وقد قال النووي بعد
ذلك بأسطُر: أجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكي عن
داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن
سیار. انتهى.

١٥١ _
١ - باب العمل في افتتاح الصلاة- حديث رقم ٨٧٦
قال ولي الدين: وحكاه القاضي حسين في تعليقه عن أحمد بن
حنبل. وقال ابن عبد البر: كل من رأى الرفع، وعمل به من العلماء لا
يُبطل صلاةَ من لم يرفع إلا الحميدي، وبعض أصحاب داود، ورواية
عن الأوزاعي، ثم حَكىَ عن الأوزاعي أنه ذكر الرفع في المواطن
الثلاثة، فقيل له: فإن نقص من ذلك؟ قال: ذلك نقص من صلاته.
ثم قال ابن عبد البر: وقول الحميدي، ومن تابعه شذوذ عن الجمهور،
وخطأ لا يلتفت إليه أهل العلم. انتهى.
وحكى الطحاوي إيجابه عند الركوع، والرفع منه، والقيام من
السنن عن قوم، واعترضه البيهقي، وقال: لا نعلم أحدًا يوجب الرفع.
وحكى صاحب المفهم عن بعضهم وجوب الرفع كله. وقال ابن حزم في
((المحلى)): ورفع اليدين للتكبير من الإحرام في أول الصلاة فرض، لا
تجزئ الصلاة إلا به. ثم قال: وقد روي ذلك عن الأوزاعي، وهو قول
بعض من تقدم من أصحابنا. انتهى.
وقد ثبت بذلك وجود الخلاف في وجوب الرفع في تكبيرة
الإحرام، بل في وجوب الرفع كله. والله أعلم . انتهى كلام ولي الدين
رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من استحباب
(١) طرح جـ ٢ ص ٢٥٥ - ٢٥٦.

- ١٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الرفع مطلقاً هو الصحيح، وأما القول بالإيجاب فليس عليه دليل يعتمد
عليه، وغاية ما استدلوا به حديث: (( صلوا كما رأيتموني أصلي))، وهذا
الاستدلال غير صحيح، لاستلزامه وجوب جميع أفعال الصلاة،
بحيث لا يوجد فيها شيء من المستحبات، وهذا لا يقولون به. فتبصر.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في بيان حكمة مشروعية رفع اليدين في الصلاة:
قال النووي رحمه الله : اختلفت عبارات العلماء في الحكمة في
رفع اليدين، فقال الشافعي رحمه الله: فعلته إعظاماً لله تعالى، واتباعاً
لرسول اللـه ◌َ﴾، وقال غيره: هو استكانة، واستسلام، وانقياد، وكان
الأسيرُ إذا غُلبَ مَدَّ يديه إعلاماً باستسلامه. وقيل: هو إشارة إلى
استعظام ما دخل فيه. وقيل: إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال
بكليته على صلاته، ومناجاة ربه سبحانه وتعالى، كما تضمن ذلك
قوله: ((الله أكبر))، فتطابق فعله وقوله. وقيل: إشارة إلى دخوله في
الصلاة، وهذا الأخير يختص بالرفع لتكبيرة الإحرام. وقيل: غير
ذلك، وفي أكثرها نظر. والله أعلم. انتهى كلام النووي(١).
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله : وهذا المعنى الأخير، وهو
الإشارة إلى دخوله في الصلاة قد ذكره الحنفية مع زيادة فيه، وهو إعلام
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ٩٦.

١٥٣ _
١ - باب العمل في افتتاح الصلاة - حديث رقم ٨٧٦
الأصم، ونحوه بذلك، وذكره أيضًا المهلب من المالكية، وذكر الحنفية
أيضًا في رفع اليدين معنى آخر، وهو الإشارة إلى نفي الكبرياء عن
غير الله تعالى.
وقال أبو العباس القرطبي: قيل فيه أقوال، أنسبها مطابقة
قوله: (الله أكبر)) لفعله. وقال ابن عبد البر: معنى رفع اليدين عند
الافتتاح وغيره خضوع، واستكانة، وابتهال، وتعظيم لله عز وجل،
واتباع لسنة رسول اللـه عٍَّ، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة
الصلاة، ثم حکی عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول:
لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير، ورفع الأيدي فيها. وعن
النعمان بن أبي عياش، قال: كان يقال: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة
التکبیر، ورفع الأيدي عند الافتتاح، وحین ترید أن ترکع،، وحین ترید
أن ترفع. وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات، بكل أصبع
حسنة. وروى البيهقي في سننه عن الربيع بن سليمان، قال: قلت
للشافعي: ما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما
عند الافتتاح تعظيم الله ، وسنة متبعة، یرجی فیها ثواب الله عز وجل،
ومثل رفع اليدين على الصفا والمروة، وغيرهما. انتهى كلام ولي الدين
رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وما قاله
(١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٢٦٠.

- ١٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الشافعي رحمه الله تعالى أظهر، وأما ما روي عن عقبة رضي الله عنه،
أن بكل إشارة عشر حسنات، فيحتاج إلى النظر في صحة سنده. فالله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثامنة: قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: واعلم أنه قد
روي رفع اليدين من حديث خمسين من الصحابة، منهم العشرة، وقال
أيضاً: وقد جمعت رواته، فبلغوا نحو الخمسين. انتهى.
قال ولي الدين رحمه الله : لكن ابن عبد البر اقتصر على ثلاثة
عشر، والسِّلَفي قال: رواه سبعة عشر، ومن علم حجة على من لم
يعلم، وقوله: إن منهم عشرة، سبقه إليه غير واحد، فقال البيهقي:
سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ يقول: لا نعلم سنَّة
اتفق على روايتها عن رسول الله عَ ◌ّه الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين
شهد لهم رسول الله تَّه بالجنة، فمَنْ بَعدَهم من أكابر الصحابة على
تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال البيهقي: وهو كما قال
أستاذنا أبو عبد الله .
وقال الشيخ تقي الدين في ((الإلمام)): جزمه ليس بجيد، فإنّ الجزم
إنما يكون مع الصحة، ولعله لا يصح عن جملة العشرة
قال ولي الدين: ولذلك أتى والدي رحمه الله بصيغة التمريض،
فقال: رُوي، وممن ذكر أن حديث رفع اليدين رواه العشرة عبد الرحمن
ابن محمد بن منده في كتاب له سماه (( المستخرج من كتب الناس)»،

١٥٥ _
١ - باب العمل في افتتاح الصلاة- حديث رقم ٨٧٦
لكن في تخصيص الحاكم والبيهقي رواية العشرة بحديث رفع اليدين
نظر، فقد شاركه في ذلك حديث: ((من كذب علي متعمدًا، فليتبوّا
مقعده من النار))، ذكر غير واحد أنه رواه العشرة، فحكى ابن الجوزي
في مقدمة ((الموضوعات)) عن أبي بكر بن أحمد بن عبد الوهاب
الإسفراييني أنه ليس في الدنيا حديث اجتمع عليه العشرة غيره. وحكى
ابن الصلاح ذلك عن بعض الحفاظ، ولعله أراد هذا، وفي هذا الحصر
نظر أيضاً لما عرفت، وقد شاركهما في ذلك حديث مسح الخفين، فقد
رواه أكثر من ستين من الصحابة، ومنهم العشرة، كما ذكره عبد
الرحمن بن منده في ((المستخرج من كتب الناس))(١). انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب.
(١) المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٦٤ .

١٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٢ - بَابُ وَفْعَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ التَّعْبِير
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على مشروعية رفع اليدين قبل
التكبير للصلاة.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالی یری
ترجيح الرفع قبل التكبير.
ويرى البخاري رحمه الله تعالى ترجيح المقارنة، فلذا ترجم في
صحيحه بقوله: [باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح
سواءً]. والمسألة خلافية، لاختلاف الأحاديث، وسنحقق الكلام في
المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
٨٧٧ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأْنَا (١) عَبْدُ الله بْنُ
الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِي، قَالَ: أخْبَرَنِي
سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله عَثَ إِذَا قَامَ
إِلَى الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ
◌ُكَبِّرُ، قَالَ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرَّكُوعِ،
ويَفْعَلُ ذَلكَ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكُوعِ،
(١) وفي نسخة ((أخبرنا)).

١٥٧ _
٢ - باب رفع اليدين قبل التكبير - حديث رقم ٨٧٧
ويَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلا يَفْعَلُ ذَلكَ في
ءُ و
السّجُود .
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - ( سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، من [١٠] ، تقدم
في ٤٥/ ٥٥ .
٢- (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي،
الإمام الحجة الثبت، من [٨]، تقدم في ٣٦/٣٢ .
٣ - ( يونس ) بن يزيد الأيلي، ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في
٠٩/٩
والباقون تقدموا في الباب الماضي .
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث وما يتعلق به من المسائل
قد تقدم في الباب الماضي، فلا أطيل الكتاب بإعادته، وإنما أذكر ما
ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو :
البحث عن وقت الرفع لليدين .
اعلم أنه اختلفت الروايات في وقت الرفع عند تكبيرة الإحرام،
هل يكون قبلها، أو بعدها، أو مقارنًا لها، ففي بعضها قبلها، كحديث
ابن عمر المذكور في الباب، وفي بعضها بعدها، كحديث مالك بن

- ١٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الحويرث عند مسلم بلفظ: ((كبر، ثم رفع يديه))، وفي بعضها ما يدلّ
على المقارنة، كحديث ابن عمر المذكور في الباب الماضي بلفظ (( رفع
یدیہ حین یکبر)» .
وفي ذلك خلاف بين العلماء، والمرجح عند الشافعية المقارنة(١).
وقال في ((الفتح)) عند قول البخاري رحمه الله تعالى: [باب رفع
اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء] ما حاصله: هو ظاهر قوله
في حديث الباب: (( يرفع يديه إذا افتتح الصلاة)). وفي رواية شعيب:
(ويرفع يديه حين يكبر)). فهذا دليل المقارنة. وقد ورد تقديم الرفع على
التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي حديث الباب عنده من رواية
ابن جريج وغيره، عن ابن شهاب بلفظ: ((رفع يديه ثم كبر)). وفي
حديث مالك بن الحويرث عنده: ((كبر ، ثم رفع يديه)).
وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح
عند أصحابنا - الشافعية - المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على
الرفع، ويرجح الأول حديث وائل بن حجر عند أبي دواد بلفظ: ((رفع
يديه مع التكبير))، وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو الذي صححه
النووي في ((شرح المهذب))، ونقله عن نص الشافعي، وهو المرجح عند
المالكية، وصحح في ((الروضة)) تبعًا لأصلها أنه لا حد لانتهائه.
(١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ١٢ .

١٥٩ _
٢ - باب رفع اليدين قبل التكبير - حديث رقم ٨٧٧
وقال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: الأصح يرفع ، ثم يكبر، لأن
الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي
سابق على الإثبات، كما في كلمة الشهادة. انتهى ما في ((الفتح))
باختصار(١) .
وقال ابن قدامة رحمه الله : ويبتدئ رفع يديه مع ابتداء التكبير،
ويكون انتهاؤه مع انقضاء تكبيره، ولا يسبق أحدهما صاحبه.
(٢)
انتھی
وقال الحافظ ولي الدين رحمه الله بعد أن حكى الاختلاف في
مذهب الشافعي ما حاصله : وقال الغزالي في ((الوسيط)): قال
المحققون: ليس هذا اختلافًا ، بل صحت الروايات كلها، فنقبل الكل،
ولنجوزها على نسق واحد، وتبع في ذلك إمام الحرمين، فإنه حكى
عن والده أن الكيفيات كلها على السواء، وأقره عليه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل أقوال أهل العلم في المسألة أن
الجمهور يرون الرفع مقارنًا للتكبير، وهو المرجح عند المالكية،
والشافعية، والحنبلية، ويرى بعضهم تقديم الرفع على التكبير، وهو
مذهب المصنف رحمه الله ، وفيه إبطال ادِّعَاء من يدعي أن المصنف
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٥٧ .
(٢) المغني جـ ٢ ص ١٣٨ .
(٣) طرح جـ ٢ ص ٢٥٧ .

- ١٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
شافعي المذهب، وبما ذهب إليه قال الحنفية، كما تقدم في قول صاحب
(«الهداية» .
وعندي أن هذا من الُخَيَّر فيه، فيجوز الرفع مقارنًا للتكبير، وقبله،
وبعده، لصحة الأحاديث بذلك، كما نقله ولي الدين عن الغزالي تبعًا
لإمام الحرمين، ووالده رحمهم الله تعالى، فإن الأحاديث قد صحت ،
فحديث الباب صريح في تقديم الرفع على التكبير، وحديث مالك بن
الحُويرث عند مسلم المتقدم صريح في تقديم التكبير على الرفع،
وحديث وائل بن حجر عند أبي داود المتقدم صريح في المقارنة. وكلها
صحيح، والعمل بكلها ممكن في الأوقات المختلفة، فلا حاجة إلى
الترجيح، لأنه إنما يصار إليه عند تعذر العمل بالروايات كلها، وهنا
ليس كذلك، فالجمع أولى. فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت، وإليه أنيب.