النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ _ ٦١ - فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة - حديث رقم ٨٦٨ آمين ، إنه ولي التوفيق ، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عبد الله بن سَرْجس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨٦٨/٦١، وفي ((الكبرى)) ٦١/ ٩٤٠ بالسند المذكور . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي كامل الجَحْدَري ، عن حماد بن زيد ، وعن حامد بن عمر البكراوي ، عن عبد الواحد بن زياد ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبي معاوية ، وعن زهير بن حرب ، عن مروان بن معاوية الفزاري، كلهم عن عاصم الأحول ، عن عبد الله ابن سرجس رضي الله عنه . وأبو داود فيه عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد، به . وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن معاوية، به. وأحمد جـ ٥ ص ٨٢. وابن خزيمة رقم ١١٢٥ . والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ٦٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٦٢ - المُنْفَرِدُ خَلْفَ الصَّفَّ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم صلاة المنفرد خلف الصفّ . والظاهر أن المصنف رحمه الله يرى صحة صلاته؛ حيث أورد الحديثين المذكورين استدلالاً على ما ترجم له ، لكن في استدلاله بهما نظر . أما حديث أنس رضي الله عنه، فإنه لا يدل على جواز صلاة الرجل منفردًا خلف الصف ، وإنما يدل على جواز صلاة المرأة خلف الصف وحدها ، ومعلوم أن المرأة تختلف في هذا عن الرجل، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة ، إن شاء الله تعالى . وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فليس فيه ما يدل على صلاة الرجل وحده خلف الصف أصلاً، فتبصر . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . ٨٦٩ - أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِلَّهُ فِي بَيْنَا، فَصَلَّيْتُ أَنَا، وَيَتَيمٌ لَنَا خَلْفَهُ، وَصَلَّتَ أْمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا . ٦٣ - ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٦٩ رجال هذا الإسناد : أربعة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسْوَر بن مخرمة الزهري البصري ، صدوق ، مات سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة ، تقدم في ٤٨/٤٢ . ٢ - (سفيان) بن عيينة ، أبو محمد الكوفي ، ثم المكي ، ثقة ثبت حجة ، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٣ - (إِسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري ، أبو يحيى المدني ، ثقة حجة ، مات سنة ١٣٢ ، من [٤] ، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٦٨/٥٤ . ٤ - (أنس) بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي ، أبو حمزة المدني، الصحابي الخادم رضي الله عنه ، تقدم في ٦/ ٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من رباعيات المصنف ، وهو ٦٣ من رباعيات الكتاب ، وأن رجاله كلهم ثقات ، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه ، فما أخرج له البخاري ، وأنهم ما بين بصري ، وهو شيخه ، وكوفي ، ثم مكي ، وهو سفيان ، ومدني ، وهو إسحاق ، ومدني ، ثم بصري ، وهو أنس. ومنها : أنه مسلسل بالإخبار ، والتحديث ، والسماع . - ٦٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ومنها : أن فيه رواية الراوي عن عمه ؛ وهو إسحاقُ ، عن أنس رضي الله عنه ، وبالله تعالى التوفيق . شرح الحديث (قال) أنس رضي الله عنه (أتانا رسول الله عَّه في بيتنا، فصليت أنا ويتيم لنا) اسمه ضميرة بن أبي ضميرة ، كما تقدم في شرح ١٩/ ٨٠١ ، قال في الفتح : كذا وقع للجميع ، وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن ابن عيينة . ووقع عند ابن فتحون فيما رواه عن ابن السكن بسنده في الخبر المذكور : (( صليت أنا، وسليم)) بسين مهملة ، ولام مصغراً - فتصحفت على الراوي من لفظ (يتيم)) ومشى على ذلك ابن فتحون ، فقال في ذيله على الاستيعاب : سليم غير منسوب ، وساق هذا الحديث . ثم إن هذا الحديث طرف من حديث أنس رضي الله عنه ، اختصره سفيان ، وطوله مالك، كما تقدم ١٩ / ٨٠١(١) . (خلفه) أي وراء النبي ثَُّ ، واستُدلَّ به على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإمام ، خلافًا لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه ، والآخر عن يساره، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي تقدم للمنصف ٧٩٩/١٨ ، وأبي داود أنه (١) أفاده في الفتح جـ ٢ ص٤٤٩ . ٦٥ - ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٦٩ أقام علقمة عن يمينه ، والأسود عن شماله ، وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان ، رواه الطحاوي. أفاده في الفتح. (وصلت أم سليم) بنت ملحان بن خالد الأنصارية ، والدة أنس، يقال : اسمها سهلة ، أو رُميلة ، أو رميصة، أو مليكة ، أو أنيثة ، وهي الغميصاء ، أو الرميصاء ، اشتهرت بكنيتها ، وكانت من الصحابيات الفاضلات ، ماتت في خلافة عثمان رضي الله عنهم . تقدمت ترجمتها ٤٣ / ٧٣٧. (خلفنا) فيه أن المرأة لاتصف مع الرجال، لما يُخشى من الافتتان بها ، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور ، وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة . وقد تقدم تحقيق الخلاف في ذلك ١٩ / ٨٠١. واستدل به المصنف على صحة صلاة المنفرد خلف الصف ، وهو استدلال غير صحيح ، إذ المرأة في هذا تخالف الرجل ، فإنه ممنوع أن يصلي خلف الصف وحده ، بخلافها ، كما يأتي تحقيقه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري . - ٦٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨٦٩/٦٢، وفي ((الكبرى)) ٦٢/ ٩٤١ بالسند المذكور . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد المسندي - وعن أبي نعيم- كلاهما عن ابن عيينة ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس رضي الله عنه. والحميدي رقم ١١٩٤. وأحمد جـ٣ ص ١١٠. وابن خزيمة رقم ١٥٣٩ و١٥٤٠. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة من صلى خلف الصف وحده : قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى : اختلف أهل العلم فيما يجب على من صلى خلف الصف وحده : فقالت طائفة : لا يجزيه ، هذا قول النخعي ، والحكم ، والحسن ابن صالح ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وقد روينا عن أبي هريرة أنه قال : لا تركع حتى تأخذ مكانك من الصف . وقالت طائفة : صلاة المنفرد في الصف وحده جائزة ، وممن رأى ذلك جائزًا : الحسن البصري ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأصحاب الرأي . ٦٧ - ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٦٩ قال الجامع : وهو ظاهر مذهب المصنف رحمه الله تعالى هنا . قال ابن المنذر رحمه الله : صلاة الفرد خلف الصف باطلة ، لثبوت خبر وابصة ، وخبر علي بن الجعد بن شيبان(١) . ثم أخرج بسنده عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد رضي الله عنه، قال: رأى رسول الله عملية رجلاً يصلي خلف القوم وحده ، فأمره ، فأعاد الصلاة . قال أبو بكر : وقد ثَّتَ هذا الحديث أحمد ، وإسحاق ، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يُدفعان عنه. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى (٢). وقال العلامة الشوكاني رحمه الله بعد ذكر القولين اللذين ذكرهما ابن المنذر : وفرق آخرون في ذلك، فرأوا على الرجل الإعادة دون المرأة . قال الجامع عفا الله عنه : هذا الفرق بين الرجل والمرأة هو الحق، لصحة الدليل بذلك . والله تعالى أعلم . وتمسك القائلون بعدم الصحة بحديث علي بن شيبان : أن رسول الله مه رأى رجلاً يصلي خلف الصف ، فوقف حتى انصرف (١) هكذا في نسخة الأوسط ((علي بن الجعد بن شيبان)) ولعل الصواب علي بن شيبان، فراجع جامع الترمذي ، وشرحه تحفة الأحوذي جـ٢ ص٢٣ . (٢) الأوسط جـ٤ ص ١٨٣ - ١٨٤. - ٦٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الرجل، فقال له : (( استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف)) رواه أحمد، وابن ماجه. وروى الأثرم عن أحمد أنه قال: حديث حسن. قال ابن سيد الناس : رواته ثقات معروفون، وهو من رواية عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه ، وعبد الرحمن قال فيه ابن حزم : وما نعلم أحدًا عابه بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بنّ بدر ، وهذا ليس بجرحة . انتهى . وصححه ابن حبان، وابن خزيمة . وتمسكوا أيضًا بحديث وابصة بن معبد المتقدم . وهو حديث صحيح(١) . وتمسك القائلون بالصحة بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى . قالوا : لأنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف ، ولم يأمره النبي ثمّ بالإعادة ، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على الأولَى(٢). ومن جملة ما تمسكوا به، حديث ابن عباس، وجابر ، إذ كل واحد منهما وقف عن يسار رسول الله تَّ﴾ مؤتمًا به وحده، فأدار كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه ، قالوا : فقد صاركل واحد منهما خلف رسول الله عَّه في تلك الإدارة ، وهو تمسك غير مفيد للمطلوب ؛ لأن (١) وقد أجاد الشيخ الألباني حفظه الله في تخريج حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه في إروائه، فأفاد. انظر الإرواء جـ٢ ص ٣٢٣-٣٢٩. (٢) سيأتي الجواب عن تمسكهم هذا في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ٦٩ - ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٦٩ الُدَارَ من اليسار إلى اليمين لا يسمى مصليًا خلف الصف ، وإنما هو مصل عن اليمين . ومن مُتَمَسَّكاتهم ما رُوي عن الشافعي أنه كان يضعف حديث وابصة ، ويقول : لو ثبت لقلت به ، ويجاب عنه بأن البيهقي ، وهو من أصحابه قد أجاب عنه ، فقال: الخبر المذكور ثابت . وقيل : الأوْلَى الجمعُ بين أحاديث الباب بحمل عدم الأمر بالإعادة على من فعل ذلك لعذر من خشية الفوت لو انضم إلى الصف ، وأحاديث الإعادة على من فعل ذلك لغير عذر . قال الجامع عفا الله عنه : هذا جمع حسن ، كماسيأتي قريبًا . وقيل: من لم يعلم ما في ابتداء الركوع على تلك الحال من النهي فلا إعادة عليه ، كما في حديث أبي بكرة ؛ لأن النهي عن ذلك لم يكن تقدم ، ومن علم بالنهي ، وفعل بعض الصلاة ، أو كلها خلف الصف لزمته الإعادة . قال الجامع عفا الله عنه: قد رد على هذا الفرق شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال : وأما الفرق بين العالم والجاهل ، فلا يسوغ، فإن المصلي المنفرد لم يكن عالمًا بالنهي ، وقد أمره بالإعادة ، كما أمر الأعرابي المسيء في صلاته بالإعادة . انتهى(١). وقال ابن سيد الناس: ولايُعَدُّ حكمُ الشروع في الركوع خلف (١) مجموع الفتاوى جـ٢٣ ص ٣٩٧. - ٧٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الصف حكمَ الصلاة كلها خلفه ، فهذا أحمد بن حنبل يرى أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة ، ويرى أن الركوع دون الصف جائز . (١) انتھی(١) . واستدل القائلون بجواز الصلاة خلف الصف وحده أيضًا - كما في تحفة الأحوذي.(٢) بحديث أنس رضي الله عنه ، قال : صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي تَّه، وأمي أم سليم خلفنا . رواه البخاري ومسلم. قال الزيلعي في ((نصب الراية)): وأحكام الرجال والنساء في ذلك سواء. انتهى . وقال ابن بطال : لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى . انتهى . ورد هذا الاستدلال بأنه إنما ساغ ذلك للمرأة لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل، فإن له أن يصف معهم ، وأن يتزاحم، وأن يجذب رجلاً من حاشية الصف، فيقوم معه (٣) ، فافترقا. وقال الحافظ في ((الفتح)) : قال ابن خزيمة : لا يصح الاستدلال به ؛ لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهي عنها باتفاق ممن يقول تجزئه، أو لا تجزئه ، وصلاة المرأة وحدها إذا لم يكن هناك امرأة أخرى مأمور (١) ((نيل الأوطار)) بتصرف يسير جـ٤ ص٩٢ - ٩٣. (٢) جـ٢ ص٢٤ -٢٥. (٣) القول بالجذب غير صحيح ، لضعف ما ورد في ذلك، ولأنه يؤدي إلى وجود الخلل في الصف المقدم ، وهو لا يجوز . فتنبه . ٧١ - ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٦٩ بها باتفاق ، فكيف يقاس مأمور على منهي . انتهى . واستدل لهم أيضًا بحديث أبي بكرة الآتي في الباب التالي، حيث لم يأمره النبي ◌َّ بالإعادة . قال الجامع : ویرد هذا بأن الركوع دون الصف ثم الدخول فيه ليس كالصلاة خلف الصف ، كما أشار إليه ابن سيد الناس فيما مرّ قريبًا . والله تعالى أعلم . وقال شيخ الإسلام رحمه الله : وأما حديث أبي بكرة فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع ، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة ، فهو بمنزلة أن يقف وحده ، ثم يجيء آخر فيصافه في القيام ، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله: ((ولا تَعُدْ)) وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة ، كما في حديث الفذّ ، فإنه أمره بإعادة الصلاة ، وهذا مبين مفسر ، وذلك مجمل ، حتى لو قدر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام - كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره - لكان سائغًا في مثل هذا ، دون ما أمر فيه بالإعادة ، فهذا له وجه ، وهذا له وجه . انتھی(١) . وقال الحافظ في ((الفتح)): جمع أحمد وغيره بين الحديثين - يعني (١) مجموع الفتاوى جـ ٢٣ ص ٣٩٧. - ٧٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة حديث وابصة، وحديث أبي بكرة، بأن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة ، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف ، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع ، لم تجب عليه الإعادة ، كما في حديث أبي بكرة ، وإلا فيجب ، على عموم حديث وابصة ، وعلي بن شیبان . انتهى . قال العلامة المباركفوري رحمه الله : وهذا الجمع حسن ، بل هو المتعين ، فإنه يُحَصِّلُ التوفيقَ بين الأحاديث بلا تكلف . والله تعالى (١) أعلم (١) . قال الجامع عفا الله عنه : عندي أنه لا حاجة إلى الجمع المذكور ، لأنه لا تخالف بين الأحاديث ؛ لأن حديث أبي بكرة رضي الله عنه فيه النهي عن العودة إلى الركوع دون الصف ، وهذا داخل في النهي عن الصلاة خلف الصف منفردًا ، وأما احتجاج من احتج بأن أبا بكرة لم يؤمر بالإعادة ، فإنه احتجاج بعدم النقل ، ومعلوم أن عدم النقل للشيء لا يستلزم انتفاء ذلك الشيء ، فتدبر بالإنصاف ، ولا تتحير بالاعتساف. وقد مر تحقيق هذا البحث في مسألة عدم الاعتداد بالركعة بإدراك الركوع - كما هو المذهب الراجح - خلافًا للجمهور، مُستوفّى ، ولله الحمد . (١) انظر تحفة الأحوذي جـ ٢ ص٢٥. ٧٣ ٢ ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٦٩ والحاصل أن الراجح، عدم صحة الصلاة خلف الصف للرجال ، دون النساء ، إلا للضرورة ، كمن تعذر عليه الدخول في الصف ، لضيق المكان ، ولم يجد من يقوم معه، فإنه تصح صلاته للضرورة ، كما استظهره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، واحتج بأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعذر(١) وهو حسن جدًا . وأما النساء فتخالف الرجال في هذا ، فتصح صلاتها وحدها خلف الصف، لحديث أنس رضي الله عنه ، وغيره . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة : اختلف فيمن لم يجد فرجة ، ولا سعة في الصف ، ما الذي يفعل ؟ فحكي عن نص الشافعي في البويطي أنه يقف منفردًا ، ولا يجذب إلى نفسه أحدًا ؛ لأنه لو جذب إلى نفسه واحدًا ، لفوّت عليه فضيلة الصف الأول ، ولأوقع الخلل في الصف ، وبهذا قال أبو الطيب الطبري، وحكاه عن مالك. وقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه يجذب إلى نفسه واحدًا ، ويستحب للمجذوب أن يساعده، ولا فرق بين الداخل في أثناء الصلاة، والحاضر في ابتدائها في ذلك . وقد روي عن عطاء ، وإبراهيم النخعي أن الداخل إلى الصلاة ، (١) انظر مجموع الفتاوى جـ٢٣ ص٣٩٦. - ٧٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة والصفوف قد استوت واتصلت، يجوز له أن يجذب إلى نفسه واحداً ليقوم معه، واستقبح ذلك أحمد ، وإسحاق ، وكرهه الأوزاعي ، ومالك . وقال بعضهم : جذب الرجل عن الصف ظلم . واستدل القائلون بالجواز بما رواه الطبراني في الأوسط ، والبيهقي من حديث وابصة أنه مَّه قال لرجل صلى خلف الصف: (( أيها المصلي هلا دخلت في الصف ، أو جررت رجلاً من الصف ، أعد صلاتك)). وفيه السَّريّ بن إسماعيل ، وهو متروك ، وله طريق أخرى في تاريخ أصبهان لأبي نعيم، وفيه قيس بن الربيع ، وفيه ضعف . ولأبي داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعًا: ((إن جاء رجل ، فلم يجد أحدًا ، فليختلج إليه رجلاً من الصف ، فليقم معه، فما أعظم أجر المُخْتَلَج)) . وأخرج الطبراني عن ابن عباس بإسناد واه - كما قال الحافظ - بلفظ: إن النبي ◌َّهُ أمر الآتي ، وقد تمت الصفوف أن يجتذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه (١). قال الجامع عفا الله عنه : قد تبين مما ذكر أن أحاديث الأمر بالجذب من الصف غير ثابتة ، فلا يجوز العمل بها ، وأن من جاء بعد استواء الصف ، ولم يجد مساغًا للدخول فيه ، فَلْيُصَلِّ خلف الصف وحده للضرورة ، كما تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (١) أفاده فى النيل جـ٤ ص٩٤ . ونقله بتصرف. ,٠ ٧٥ _ ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٧٠ تعالى. قال الله تعالى: ﴿ لا يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وَسَعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّه ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]. والله تعالى أعلم بالصواب . وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَّبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحٌ - يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ - عَنِ ابْنِ مَالك ، وَهُوَ عَمْرُو، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : كَانَت امرأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُول اللَّه ◌َّهُ حَسْنَاءُ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ، قَالَ: فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَتَقَدَّمُ فِي الصَّفَ الأوَّل لِئَلأَّ يَرَاهَا ، وَيَسْتَأَخِرُ بَعْضُهُمْ حَتَّى يَكُونَ فِي الصَّفَ المُؤَخَّرِ ، فَإذَا رَكَعَ نَظَرَ مِنْ تَحْت إبْطه ، فَأَنْزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَكُمْ وَقَدْ عَلَمْنَا الْمَستأخرين﴾ [سورة الحجر، الآية: ٢٤]. رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ١ / ١ . ٢ - (نوح بن قيس) بن رَبَاح الأزدي ، أبو روح البصري، أخو خالد، صدوق رُميَ بالتشيع ، مات سنة ١٨٣ أو ١٨٤، من [٨] ، شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٧٦ تقدم في ٤٥٩/٥ . ٣ - (عمرو بن مالك) النُّكْري بضم النون، أبو يحيى، أو أبومالك البصري، صدوق له أوهام ، مات سنة ١٢٩ ، من [٧] . روى عن أبيه وأبي الجوزاء ، وروى عنه ابنه يحيى ، ونوح بن قيس، ومهدي بن ميمون ، وسعيد وحماد ابنا زيد ، ومخلد بن الحسن، ويزيد بن كعب العوذي ، وعباد بن عباد، وغيرهم . ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه ، يخطئ، ويغرب. مات سنة ١٢٩ ، أخرج ه البخاري في ((خلق أفعال العباد))، والأربعة(١) . ٤ - (أبو الجوزاء) - بالجيم والزاي - أوس بن عبد الله الرَّبَعي - بفتح الموحدة - من رَبَعَة الأزد البصري، ثقة يرسل كثيراً، من [٣]. قال العجلي : بصري تابعي ثقة . وقال ابن حبان في الثقات : كان عابدًا فاضلاً . وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): أبو الجوزاء عن عمر، وعلي مرسل . قال البخاري: في إسناده نظر . قاله عقب حديث له رواه في التاريخ من رواية عمرو بن مالك النكري ، والنُّكْري عنده ضعيف . وقال ابن عدي : حدث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة ، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة ، وأرجو أنه لا بأس به ، ولا تصح روايته عنهم أنه سمع منهم ، وقول البخاري : في (١) (تت)) ج٨ ص٩٦. ((ت)) ص٢٦٢ . ٧٧ - ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٧٠ إسناده نظر ، يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود ، وعائشة ، وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده ، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع. قال الحافظ : حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم ، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أيضًا أنه لم يسمع منها ، وقال جعفر الفريابي في ((كتاب الصلاة)) : ثنا مزاحم بن سعيد ، ثنا ابن المبارك ، ثنا إبراهيم بن طهمان ، ثنا بُدَيلُ العُقَيلي، عن أبي الجوزاء ، قال : أرسلت رسولاً إلى عائشة يسألها ... فذكر الحديث . فهذا ظاهره أنه لم يشافهها ، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك ، فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء . حكى البخاري عن يحيى بن سعيد أنه قتل في الجماجم سنة ٨٣. أخرج له الجماعة . والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله عنه : قال الذهبي في ((الكاشف)) جـ١ ص١٤٢ : ثقة، قتل في الجماجم. وقال في ((الميزان)) جـ١ ص٢٧٨ : وثقوه. ثم ذكر قول البخاري المتقدم . فيظهر من هذا أنه ثقة عندهم ، وما نقل عن البخاري ، يعود إلى ضعف حديث معين له ، بسبب ضعف الراوي عنه . والله تعالى أعلم . ٥ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله عنهما ، تقدم في ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. - ٧٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف . ومنها : أن رجاله موثقون ، ومن رجال الجماعة، إلا نوحًا ، فما أخرج له البخاري ، وعمرو بن مالك ، فما أخرج له الشيخان ، وإن أخرج له البخاري في ((خلق أفعال العباد)). ومنها : أن فيه قوله : (( يعني ابن قيس))، وذلك أن شيخه قتيبة لم ينسب شيخه نوحاً إلى أبيه ، فلما أراد المصنف نسبته إليه، زاد كلمة ((يعني)) فصلاً بين كلامه وكلام شيخه، وكذا قوله: (( وهو عمرو))، وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي في ((ألفية الحديث))؛ حيث قال: فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أوَّلَهُ بِنَحْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بـ ((أنَ) أو بـ ((هُو)) وَالفَصْلُ أَوْلَى قَاصِرَ المَذْكُورِ أجزهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ ومنها : أن فيه ابن عباس رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة ، روى ١٦٩٦ حديثًا، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة ، سنة ٦٨ هـ. وبالله التوفيق . شرح الحديث (عن ابن عباس) رضي الله عنهما، أنه (قال : كانت امرأة ٧٩ = ٦٢ - المنفرد خلف الصف - حديث رقم ٨٧٠ تصلي خلف رسول اللـه عَ ◌ّ حسناءُ) تأنيث أحسن ، بالرفع ، نعت لـ ((امرأة)) بعد النعت بالجملة الفعلية (من أحسن الناس) متعلق بحال محذوف (قال) ابن عباس رضي الله عنهما (فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها) هؤلاء هم أهل الدين والورع، (ويستأخر بعضهم) أي من المنافقين ، أو الجهلة من الأعراب ، وضعفاء الإيمان ، فيتأخر عن الصف المقدم (حتى يكون في الصف المؤخر) أخذ المصنف من هذا صحة صلاة المنفرد خلف الصف ، وهو غير ظاهر، إذ لا ينافي كونه في الصف المؤخر للغرض المذكور أن لا يكون معه غيره ممن لا يريد ما أراده هو من النظر لتلك المرأة فليُتْأمَّل . والله تعالى أعلم بالصواب . (فإِذا ركع نظر إليها من تحت إِبطه) - بكسر فسكون - : ما تحت الجَنَاحِ، ويذكّر ويؤنث ، والجمع آباط ، مثل حمْل وأحمال ، وزعم بعض المتأخرين أن كسر بائه لغة وهو غير ثابت . قاله الفيومي(١). فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلَمْنَا الْمُسْتَقْدِمينَ منكُمْ وَلَقَدْ عَلَمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] . قال الجامع عفا الله عنه : حاصل معنى الآية على هذا الحديث: أنه أقسم الله سبحانه وتعالى بأنه علم الذين يتقدمون إلى الصف الأول مخافة الافتتان بالنظر لهذه المرأة الحسناء وَرَعًا وتقوى ، وعلم الذين (١) المصباح جـ١ ص١ - ٢. - ٨٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة يتأخرون إلى الصف المؤخر رغبة في النظر إليها . وقال العلامة الآلوسي رحمه الله في ((تفسيره)): والمراد من علمه تعالى بهؤلاء، علمه سبحانه بأحوالهم ، والآية لبيان كمال علمه جلّ وعلا بعد الاحتجاج على كمال قدرته تعالى(١) ، فإن ما يدل عليها دليل عليه، ضرورةً أن القادر على كل شيء، لابد من علمه بما يصنعه ، وفي تكرير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَنَا﴾ ما لا يخفى من الدلالة على التأكيد. انتهى (٢). والله تعالى أعلم، وهو المستعان ، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا صحيح . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٦٢/ ٨٧٠، وفي ((الكبرى)) ٦٢/ ٩٤١، وفي التفسير منها ١١٢٧٣، عن قتيبة ، عن نوح بن قيس ، عن عمرو النُّكْري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه الترمذي في ((التفسير)) بسند المصنف . وقال: روی جعفر ابن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك ، عن أبي الجوزاء نحوه ، (١) أشار به إلى الآيات التي قبلها . (٢) روح المعاني جـ ١٤ ص٣٢.