النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١ -
٥٩ - التهجيرُ إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦٤
أبو مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة ، وأن حديثه عند أهلها دون أهل
المدينة ، وهو مولى أبي هريرة، وأبي سعيد ، وهذا مولى جهينة . والله أعلم.
قال الحافظ: وممن فرق بينهما البخاري ، ومسلم ، وابن المديني ،
والنسائي ، وأبو أحمد الحاكم ، وغيرهم، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره
ابن حبان في الثقات . وقال ابن عبد البر : هو من ثقات تابعي أهل
الكوفة . قال ابن خلفون : وثقه الذَّهْليُّ . أخرج له الجماعة . انتهى،
((تت)) جـ ٤ ص ١٣٩ - ١٤٠.
٧ - (أبو هريرة) رضي الله عنه. تقدم في ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته ، وأن رجاله كلهم ثقات ، وأن الثلاثة
الأولين حمصيون ، والباقون مدنيون ، وأن فيه رواية تابعي عن
تابعيين ؛ الزهري عن أبي سلمة والأغر ، وكلاهما يرويان عن أبي
هريرة رضي الله عنه، وأنّ أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، وأنّ أبا هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث ، روى ٥٣٧٤
حديثًا . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
شرح الحديث
(عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرني أبو سلمة بن
عبد الرحمن ، وأبو عبد الله الأغر أن أبا هريرة) رضي الله عنه

- ٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
(حدثهما أن رسول الله ◌َّه قال: إِنما مثل المهجر في الصلاة) اسم
فاعل من (( هجّر)) المضاعف، أي المبادر إلى الصلاة في أول وقتها، وقد
تقدم أول الباب أن الأصح في معنى التهجير: المبادرة أولَ الوقت
مطلقًا، سواء كان وقت الهاجرة ، أو غيره ( کمثل الذي يُهدي) من
الإهداء، أو المراد به التصدق بها تقربًا إلى الله تعالى. وقيل : الإهداء
إلى الكعبة، لكن لا يناسبه الدجاجة والبيضة ، إذ إهداؤهما إلى الكعبة
غير معهود . قاله السندي رحمه الله (١) .
(البدنة) - بالتحريك -: البعير ذكراً كان أو أنثى ، والهاء فيها
للوحدة ، لا للتأنيث . وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن
يخص البدنة بالأنثى . وقال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر : البدنة
لا تکون إلا من الإبل ، وصح ذلك عن عطاء ، وأما الهدي، فمن الإبل
والبقر والغنم .
وفي الصحاح: البدنة: ناقة، أو بقرة تنحر بمكة ، سميت بذلك؛
لأنهم كانوا يسمنونها. انتهى. والمراد بالبدنة هنا الناقة بلا خلاف .
واستدل به على أن البدنة تختص بالإبل ؛ لأنها قوبلت بالبقرة عند
الإطلاق ، وقسم الشيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وقال إمام الحرمين : البدنة من الإبل ، ثم الشرع قد يقيم مقامها
البقرة، وسبعًا من الغنم . وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال : لله علي
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ١١٦ .

-٢٣ -
٥٩ - التهجيرُ إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦٤
بدنة، وفيه خلاف ، والأصح تعين الإبل إن وجدت ، وإلا فالبقرة ،
أوسَبْعٌ من الغنم . وقيل : تتعين الإبل مطلقًا . وقيل : يتخير مطلقًا .
قاله في الفتح (١) .
(ثم الذي على إثره) بفتحتين ، أو بكسر ، فسكون ، أي تبعه عن
قُرْب (٢) (كالذي يهدي البقرة) التاء للوحدة ، لا للتأنيث ، كما مر في
البدنة ( ثم الذي على إثره كالذي يهدي الكبش) - بفتح فسكون۔:
الحَمَل(٣) إذا أثنى، أو إذا خرجت رَباعيته، جمعه أكْبُشٌ، وكبَاشٌ
وأكْبَاشٌ. قاله المجد(٤) .
(ثم الذي على إثره كالذي يهدي الدجاجة) بالفتح، ويجوز
الكسر ، وحكى الليث الضم أيضًا. وعن محمد بن حبيب أنها بالفتح
من الحيوان ، وبالكسر من الناس(٥) (ثم الذي على إثره كالذي
يهدي البيضة) التاء للوحدة أيضًا .
قال في ((الفتح)): واستشكل التعبير في الدجاجة والبيضة
بقوله: ((كالذي يُهدي)) ؛ لأن الهدي لا يكون منهما . وأجاب القاضي
(١) فتح جـ ٣ ص ٢٠.
(٢) أفاده في المصباح جـ١ ص٤.
(٣) ((الحَمَل - بفتحتين -: ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع حُمْلان. قاله في
المصباح . جـ١ ص١٥٢ .
(٤) ((ق)) ص ٧٧٨ .
(٥) قال السندي : أي يجعل اسمًا للناس . اهـ.

- ٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
عياض تبعًا لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ ،
فيكون من الاتباع ، كقوله : (( مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا)) وتعقبه ابن المنير في
الحاشية بأن شرط الاتباع أن لا يصرح باللفظ في الثاني ، فلا يسوغ أن
يقال : متقلداً سيفًا، ومتقلدًا رمحًا . والذي يظهر أنه من باب
المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله : هو من تسمية الشيء باسم
قرينه .
وقال ابن دقيق العيد: قوله : ((قَرَّبَ بيضةً))، وفي الرواية
الأخرى: ((كالذي يهدي)) يدل على أن المراد بالتقريب الهدي ، وينشأ
منه أن الهدي يطلق على مثل هذا ، حتى لو التزم هديًا ، هل يكفيه
ذلك ، أو لا . انتهى .
قال في ((الفتح)): والصحيح عند الشافعية الثاني ، وكذا عند
الحنفية، والحنابلة ، وهذا مبني على أن النذر هل يسلك به مسلك
جائز الشرع ، أو واجبه؟ فعلى الأول، يكفي أقل ما يتقرب به ، وعلى
الثاني، يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس ، ويقوي الصحيح
أيضًا أن المراد بالهدي هنا التصدق ، كما دل عليه لفظ التقرب . والله
أعلم . انتهى(١) .. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان ، وعليه
التكلان .
قال الجامع عفا الله عنه : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا
(١) فتح جـ ٣ ص ٢٠ - ٢١ .

٢٥ _
٥٩ - التهجيرُ إلى الصلاة - حديث رقم ٨٦٤
متفق عليه ، وهو طرف من حديث سيأتي تمامه في (( الجمعة))
١٣/ ١٣٨٥، وسيأتي الكلام على مسائله هناك إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٦٠ - مَ يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ الإِقَامَة
ے
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الصلوات التي يكره أداؤها
عند الإقامة للصلاة المكتوبة .
فـ ((مَا)) موصولة، و((يكره)) بالبناء للمفعول، و(( من الصلاة)) بيان
لـ ((ما))، و((عند الإقامة)) متعلق بـ ((يكره)) أو بـ ((الصلاة)). والله تعالى
أعلم .
٨٦٥ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ
وَيُّدُ بْنُ نَصْر ، قَالَ : أَنْبَأْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَك،
عَنْ زَكَرِيًّا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَار، قَالَ :
سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَُّ: ((إذَا أُقِيمَت الصَّلاةُ، فَلَا صَلاةَ
إِلاَّ الْمَكْتُوَبَةُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]،
أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥ .
٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي، ثقة ثبت حجة إمام ، مات
سنة ١٨١ ، من [٨]، تقدم في ٣٦/٣٢.

٢٧ _
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٥
٣ - (زكريا(١)) بن إسحاق المكي، ثقة رمي بالقدر، من [٦].
قال أحمد ، وابن معين : ثقة . وقال أبو زرعة ، وأبو حاتم ،
والنسائي : لا بأس به . وقال الآجري : قلت لأبي داود : زكرياء بن
إسحاق قدري؟ قال : نخاف عليه ، قلت : هو ثقة ؟ قال : ثقة . وذكره
ابن حبان في الثقات. وقال الميموني ، عن أحمد ، عن عبد الرزاق:
قال لي أبي: الزم زكرياء بن إسحاق ، فإني قد رأيته عند أبي نجيح
بمكان، قال : فأتيته ، وإذا هو قد نسي ، وأتاه ابن المبارك، فأخرج له
كتابه . وقال ابن المديني، عن سفيان : لم يُجالس عطاء ، قيل
لسفيان: إنهم حكوا عنك أن زكرياء قال : أخرج إلينا عطاء صحيفة ،
فقال سفيان : لا ، إنما أراني صحيفة عنده ، ما هي بالكبيرة ، فقال :
هذه أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال : هذه التي سمع أبي من أصحاب
رسول الله عملية .
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث . وقال ابن معين : كان يرى
القدر، ثنا رَوْح بن عُبَادة ، قال : سمعت مناديًا على الحجر ، يقول:
إن الأمير أمر ألا يُجَالَسَ زكريا بنُ إسحاق لموضع القدر . وقال وكيع :
ثنا زكرياء ، وكان ثقة . وقال البرقي، والحاكم : كان ثقة. أخرج له
الجماعة(٢).
(١) ((زكريا)) بالمد، والقصر.
(٢) ((تت)) جـ ٣ ص ٣٢٨ -٣٢٩. ((تك)) جـ ٩ ص ٣٥٦ -٣٥٨. ((ت)) ص ١٠٧.

٢٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٤ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الأثرم الجُمَحيّ، مولاهم المكي
، ثقة ثبت ، مات سنة ١٢٦ ، من [٤] . أخرج له الجماعة . تقدم في
٠١٥٤/١١٢
٥ - (عطاء بن يسار) الهلالي ، أبو محمد المدني، مولى ميمونة،
ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة ، مات سنة ٩٤، من صغار [٣] .
تقدم في ٦٤ / ٨٠ .
٦ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف ، وأن رجاله كلهم ثقات ، ومن
رجال الجماعة ، إلا شيخه ، فممن انفرد به هو ، والترمذي ، وأن فيه
رواية تابعي عن تابعي ، عمرو، عن عطاء ، وأن فيه مروزيين ،
ومكيين، ومدنيين ، وأن فيه الإخبار ، والإنباء ، والتحديث ،
والعنعنة، والسماع ، وكلها من صيغ الاتصال على تفصيل في العنعنة.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله عَلّه :
إِذا أقيمت الصلاة) أي إذا شُرع في الإقامة، كما صرح بذلك محمد
ابن جُحادة ، عن عمرو بن دينار، فيما أخرجه ابن حبان بلفظ: ((إذا

٢٩ _
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٥
أخذ المؤذن في الإقامة)) (فلا صلاة) أي صحيحة ، أو كاملة ، قال
الحافظ رحمه الله : والتقدير الأول أولى ، لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة ،
لكن لما لم يقطع النبي ◌َّه صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دلّ على
أن المراد نفي الكمال . ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي ، أي فلا
تصلوا حينئذ، ويؤيده ما رواه البخاري في التاريخ ، والبزار،
وغيرهما من رواية محمد بن عمار ، عن شريك بن أبي نمر ، عن أنس،
مرفوعًا، وفيه: ((ونهى أن يُصَلَيَا (١) إذا أقيمت الصلاة)). وورد بصيغة
النهي أيضًا فيما رواه أحمد من وجه آخر ، عن ابن بحينة في قصته
الآتية، فقال: (( لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر ، واجعلوا بينهما
فصلاً)) . والنهي المذكور للتنزيه ، لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته .
انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه : في حمله النهي على التنزيه نظر ،
وعدم النقل بقطع الصلاة ليس نصًا في عدم قطعها ، فتأمل . والله
تعالى أعلم .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله: قوله: (( فلا صلاة)) يحتمل أن
يتوجه النفي إلى الصحة، أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛
لأنها أقرب المجازين إلى الحقيقة، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة
(١) الضمير لركعتي الفجر.
(٢) فتح جـ ٢ ص٣٦٨ .

- ٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
الصلاة المكتوبة ، كما نقل عن أبي هريرة ، وأهل الظاهر .
قال العراقي: إن قوله: ((فلا صلاة)) يحتمل أن يراد: فلا يَشرَع
حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويحتمل أن يراد: فلا يشتغل
بصلاة، وإن كان قد شرع فيها قبل الإقامة ، بل يقطعها المصلي لإدراك
فضيلة التحريم ، أو أنها تبطل بنفسها ، وإن لم يقطعها المصلي، يحتمل
كُلاً من الأمرين .
وقد بالغ أهل الظاهر ، فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر ، أو
غيرهما من النوافل ، فأقيمت الفريضة، بطلت الركعتان، ولا فائدة له
في أن يسلم منهما، ولو لم يبق عليه منهما غير التسليم ، بل يدخل كما
هو بابتداء التكبير في صلاة الفريضة، فإذا أتم الفريضة ، فإن شاء
ركعهما، وإن شاء لم يركعهما ، قال: وهذا غلوّ منهم في صورة ما إذا
لم يبق عليه غير السلام ، فليت شعري أيهما أطول زمنًا مدة السلام ،
أو مدة إقامة الصلاة ، بل يمكنه أن يتهيأ بعد السلام لتحصيل أكمل
الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة. نعم، قال الشيخ أبو حامد من
الشافعية : إن الأفضل، خروجه من النافلة إذا أداه إتمامها إلى فوات
فضيلة التحريم ، وهذا واضح. انتهى (١) ..
قال الجامع عفا الله عنه : ما نقل عن أبي هريرة ، وأهل الظاهر،
هو الذي يكون موافقًا لظاهر النص ، ففيما قاله العراقي في الرد عليهم
(١) انظر نيل الأوطار جـ ٣ ص ٣٧٢ -٣٧٣ .

٣١ -
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٥
نظر لا يخفى ، والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب.
(إِلا المكتوبة) الألف واللام ليست لعموم المكتوبات ، وإنما هي
راجعة إلى الصلاة التي أقيمت ، فقد ورد التصريح بذلك في رواية
لأحمد بلفظ: ((فلا صلاة إلا التي أقيمت))، وكذلك في رواية
لأبي هريرة، ذكرها ابن عبد البر في التمهيد .
وقال في ((الفتح)) : فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة،
سواء كانت راتبة أم لا ؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة . وزاد مسلم بن
خالد ، عن عمرو بن دينار في هذا الحديث : قيل : يا رسول الله ، ولا
ركعتي الفجر؟ قال: ((ولا ركعتي الفجر)) . أخرجه ابن عدي في
ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب ، وإسناده حسن .
والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة ، لكن المراد الحاضرة ، وصرح
بذلك أحمد والطحاوي من طريق أخرى ، عن أبي سلمة ، عن أبي
هريرة بلفظ : ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت)).
انتهى (١). وبالله تعالى التوفيق ، وهو المستعان ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم .
(١) فتح جـ٢ ص٣٦٩.

٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٨٦٥/٦٠، وفي ((الكبرى)) ٦٠/ ٩٣٧ ، عن سويد بن
نصر ، عن ابن المبارك ، عن زکریاء بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ،
عن عطاء بن يسار، عنه. وفي ٦٠/ ٨٦٦، و((الكبرى)) ٦٠/ ٩٣٨ عن
أحمد بن عبد الله بن الحكم ، ومحمد بن بشار، كلاهما ، عن محمد
ابن جعفر ، عن شعبة ، عن ورقاء بن عمر ، عن عمرو بن دينار به .
والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن محمد بن حاتم ، ومحمد بن رافع،
كلاهما عن شبابة بن سَوَّار ، وعن أحمد بن حنبل ، عن غندر ، عن
شعبة - كلاهما عن ورقاء بن عمر ، به . وعن يحيى بن حبيب ، عن
روح بن عُبادة - وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق - كلاهما عن زكريا
ابن إسحاق به . وعن الحسن بن علي الحلواني ، عن يزيد بن هارون ،
عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، به. وزاد : قال
حماد: ثم لقيت عمراً ، فحدثني به ، ولم يرفعه .
وأبو داود فيه، عن أحمد بن حنبل، به ، وعن الحسن بن علي ،
عن يزيد بن هارون، به ، ولم يذكر الزيادة . وعن محمد بن المتوكل ،
عن عبد الرزاق، به ، وعن مسلم بن إبراهيم ، عن حماد بن سلمة، عن
الحسن بن علي ، عن أبي عاصم، عن ابن جريج - كلاهما عن عمرو

٣٣ -
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٥
ابن دینار، به .
والترمذي فيه، عن أحمد بن منيع ، عن روح بن عبادة، به .
وقال: حسن. وهكذا روى أيوب وورقاء ، وزياد - يعني ابن سعد.
وإسماعيل بن مسلم ، ومحمد بن جحادة ، عن عمرو ، ورواه حماد
ابن زيد ، وابن عيينة ، عن عمرو ، ولم يرفعاه ، والمرفوع أصح .
وابن ماجه فيه، عن أبي بشر بكر بن خلف ، عن روح بن عبادة،
به، وعن محمود بن غيلان، عن يزيد بن هارون، به ، ولم يذكر الزيادة.
وعن محمود بن غيلان ، عن أزهر بن القاسم ، عن زكريا بن إسحاق،
به. وأخرجه أحمد جـ٢ ص ٣٥٢، ٤٥٥. وابن خزيمة رقم ١١٢٣ .
والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان مذاهب أهل العلم في حكم النافلة عند
إقامة الصلاة :
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى : حديث الباب يدل على أنه
لا يجوز الشروع في النافلة عند إقامة الصلاة ، من غير فرق بين ركعتي
الفجر وغيرهما .
وقد اختلف الصحابة والتابعون ، ومن بعدهم في ذلك على تسعة
أقوال :
أحدها : الكراهة ، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه
عبد الله بن عمر ، على خلاف في ذلك ، وأبو هريرة . ومن التابعين

- ٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
عروة بن الزبير ، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي ، وعطاء بن
أبي رباح ، وطاوس، ومسلم بن عقيل ، وسعيد بن جبير . ومن الأئمة:
سفيان الثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق
وأبو ثور، ومحمد بن جرير ، هكذا أطلق الترمذي الرواية عن الثوري .
وروى عنه ابن عبد البر ، والنووي تفصيلاً ، وهو أنه إذا خشي فوت
ركعة من صلاة الفجر، دخل معهم ، وترك سنة الفجر ، وإلا صلاها ،
وسيأتي .
القول الثاني: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت
المكتوبة قد قامت، من غير فرق بين ركعتي الفجر ، وغيرهما . قاله ابن
عبد البر في التمهيد .
القول الثالث: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح ، والإمام في
الفريضة ، حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود ، ومسروق ، والحسن
البصري ، ومجاهد، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان ، وهو قول
الحسن بن حي ، ففرّق هؤلاء بين سنة الفجر وغيرها. واستدلوا بما رواه
البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لَّه قال:
((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح)).
وأجيب عن ذلك بأن البيهقي قال : هذه الزيادة لا أصل لها، وفي
إسنادها حجاج بن نُصَير ، وعباد بن كثير ، وهما ضعيفان ، على أنه قد
روى البيهقي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّهُ: ((إذا أقيمت

٣٥ _
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٥
الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة)). قيل: يا سول الله، ولا ركعتي
الفجر؟ قال: (( ولاركعتي الفجر)) . وفي إسناده مسلم بن خالد
الزنجي ، وهو متكلم فيه ، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به في
صحيحه .
القول الرابع: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه ، وبين
أن يخاف فوت الركعة الأولى مع الإمام، أولا. وهو قول مالك ،
فقال: إذا كان قد دخل المسجد ، فليدخل مع الإمام ، ولا يركعهما.
يعني ركعتي الفجر - وإن لم يدخل المسجد ، فإن لم يخف أن يفوته
الإمام بركعة، فليركع خارج المسجد ، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى
مع الإمام ، فليدخل وليصلّ معه .
القول الخامس : أنه إن خشي فوت الركعتين معًا ، وأنه لا يدرك
الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه ، وإلا فليركعهما - يعني
ركعتي الفجر - خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام. وهو قول أبي حنيفة،
وأصحابه ، كما حكاه ابن عبد البر ، وحكي عنه أيضًا نحو قول مالك،
وهو الذي حكاه الخطابي ، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه . وحكى
النووي عنه مثل قول الأوزاعي الآتي ذكره .
القول السادس : أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت
الركعة الأخيرة ، فأما الركعة الأولى فليركع ، وإن فاتته ، وهو قول
الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز ، وحكاه النووي عن أبي حنيفة ،

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٣٦
وأصحابه .
القول السابع: يركعهما في المسجد وغيره ، إلا أن يخاف فوت
الركعة الأولى، وهو قول سفيان الثوري، حکی ذلك عنه ابن عبد البر،
وهو مخالف لما رواه الترمذي عنه .
القول الثامن: أن يصليهما ، وإن فاتته صلاة الإمام ، إذا كان
الوقت واسعًا . قاله ابن الجلاب من المالكية.
القول التاسع : أنه إذا سمع الإقامة لم يحل له الدخول في ركعتي
الفجر ، ولا في غيرهما من النوافل ، سواء كان في المسجد أو خارجه ،
فإن فعل فقد عصى ، وهو قول أهل الظاهر ، ونقله ابن حزم عن
الشافعي، وعن جمهور السلف ، وكذا قال الخطابي . وحكي الكراهة
عن الشافعي، وأحمد . وحكى القرطبي في المفهم عن أبي هريرة
رضي الله عنه ، وأهل الظاهر أنها لا تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة
الفريضة .
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: وهذا القول هو الظاهر ، إن كان
المراد بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة ، وهو المعنى
المتعارف .
قال العراقي رحمه الله: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا
الحديث. والأحاديث المذكورة في شرح الحديث الذي بعد هذا - يعني
حديث عبد الله بن بحينة الآتي - تدل على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة

٣٧ -
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٥
الصلاة فعلها كما هو المعنى الحقيقي ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ وَيُقيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند
إقامة المؤذن قبل الشروع في الصلاة ، وإذا كان المراد المعنى الأول ، فهل
المراد به الفراغ من الإقامة ؛ لأنه حينئذ يشرع في فعل الصلاة، أو المراد
شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقي: يحتمل أن يراد كل من
الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون لإدراك
التحريم مع الإمام .
ومما يدل على ذلك، قوله في حديث أبي موسى رضي الله عنه عند
الطبراني: إن النبي ◌َُّ رأى رجلاً صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن
يقيم ، قال العراقي: وإسناده جيد . ومثله حديث ابن عباس رضي الله
عنهما عند أبي داود الطيالسي، قال : كنت أصلي ، وأخذ المؤذن في
الإقامة ، فجذبني نبي الله عَّه، وقال: ((أتصلي الصبح أربعًا؟))
ورواه أيضًا البيهقي ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن حبان في صحيحه ،
والحاكم في المستدرك ، وقال : إنه على شرط الشيخين ، والطبراني(١).
قال الجامع عفا الله عنه : أرجح الأقوال عندي قول من قال
بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة ، لظهور أدلته ، كما استظهرهُ
الشوكاني رحمه الله تعالى. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله
بعد ذكر المذاهب وأدلتها ، ما نصه : هذا القول - يعني القول بكراهة
(١) انظر نيل الأوطار جـ ٣ ص ٣٧٠ -٣٧٣ .

٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
صلاة ركعتي الفجر - أصح ؛ لأن فيه حديثًا مسنداً يجب الوقوف
عنده، والردّ إليه فيما يتنازع العلماء فيه ، إذ لم يكن له في الكتاب
ذكر، ولا جاء عن النبي ◌َّه ما يعارضه. ثم أخرج بسنده حديث أبي
هريرة رضي الله عنه: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة))
المذكور في الباب . والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٦٦ - أخْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
بَشَّارِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَرْقَاءَ بْنِ
عُمَرَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّنَّهُ قَالَ: ((إِذَا أقيمَت الصَّلاةُ
فَلَا صَلاةَ إلاَّ المَكْتُوبَةُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فروة الهاشمي ،
يعرف بابن الكردي ، أبو الحسين البصري ، ثقة ، مات سنة ٢٤٧، من
[١٠]، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي. تقدم في ٥٨٣/٣٩.
٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر البصري، المعروف ببندار ، ثقة
حافظ، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة. تقدم في

٣٩ -
٦٠ - ما يكره من الصلاة عند الإقامة - حديث رقم ٨٦٦
٢٤/ ٢٧ .
٣ - (محمد) بن جعفر ، البصري المعروف بغُندر، ثقة صحيح
الكتاب ، مات سنة ١٩٣ ، من [٩]، أخرج له الجماعة. تقدم في
٢٢/٢١ .
٤ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦٠،
من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/٢٤ .
٥ - (ورقاء بن عمر ) بن كليب ، اليشكري ، ويقال: الشيباني ،
أبو بشر الكوفي ، نزيل المدائن ، يقال : أصله من مرو ، صدوق ، في
حديثه عن منصور لين ، من [٧](١).
قال أبو داود الطيالسي : قال لي شعبة : عليك بورقاء ، إنك لا
تلقی بعده مثله حتى يرجع . قال محمود بن غيلان : قلت لأبي داود :
أيّ شيء عَنَى بذلك ؟ قال : أفضل، وأورع ، وخير منه . وقال أبوداود
السجستاني عن أحمد : ثقة ، صاحب سنة ، قيل له : كان مرجئًا ؟
قال: لا أدري . وقال حنبل عن أحمد : ورقاء من أهل خراسان ،
قال: وقال حجاج : كان يقول لي : كيف هذا الحرف عندك ؟ فأقول
له: كذا وكذا ، قال : أبو عبد الله : وهو يصحف في غير حرف ، وكأنه
ضعفه في التفسير . وقال حرب : قلت لأحمد : ورقاء أحب إليك في
(١) ((ت)) ص٣٦٩ بزيادة.

- ٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
تفسير ابن أبي نجيح ، أو شبل؟(١) قال: كلاهما ثقة، وورقاء أوثقهما،
إلا أنهم يقولون : لم يسمع التفسير كله ، يقولون : بعضه عرض .
وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد : قال معاذ: قال
ورقاء: كتاب التفسير قرأت نصفه على ابن أبي نجيح ، وقرأ عليّ
نصفه. وقال الدوري : قلت لابن معين : أيما أحب إليك ، تفسير
ورقاء ، أو تفسير شيبان ، وسعيد عن قتادة ؟ قال : تفسير ورقاء ؛ لأنه
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قلت : فأيما أحب إليك، تفسير
ورقاء، أو ابن جريج ؟ قال : ورقاء ؛ لأن ابن جريج لم يسمع عن
مجاهد إلا حرفًا واحدًا .
وقال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين : ورقاء ثقة . وقال إسحاق
ابن منصور ، عن ابن معين: صالح . وقال الغَلاَبي عن ابن معين :
ورقاء وشيبان ثقتان ، قال : وسمعت معاذ بن معاذ يقول ليحيى
القطان: سمعتَ حديث منصور ؟ قال : نعم ، فقال : ممن ؟ قال : من
ورقاء ، قال : لا يساوي شيئًا . وقال إبراهيم الحربي: لما قرأ وكيع
التفسير قال للناس : خذوه ، فليس فيه عن الكلبي، ولا عن ورقاء
شيء . وقال شبابة : قال لي شعبة : اكتب أحاديث ورقاء ، عن أبي
الزناد . وقال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ ذكر ورقاء ،
فأحسن الثناء ، ورضيه ، وحدثنا عنه .
(١) هكذا في ((تك))، وفي ((تت)): أو شيبان . فليحرر .