النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١ -
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٥
وقالت طائفة: كل من خالفت نيته نية الإمام في شيء من الصلاة
لم يعتد بما صلى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، وروي
معنى ذلك عن الحسن البصري، وأبي قلابة، وبه قال الزهري،
وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحكى أبو ثور عن الكوفي(١) أنه قال: إن
كان الإمام متطوعًا لم يجز من خلفه الفريضة ، وإن كان الإمام
مفترضًا، وكان من خلفه متطوعًا ، كانت صلاتهم جائزة .
وكان عطاء ، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في
قيام رمضان، ولم يكن صلى المكتوبة، قالا : يصلي معهم ركعتين
فيبني عليهما ركعتين ، ويعتد به من العتمة، وأبى ذلك سعيد بن
المسيب، والزهري ، وقالا: يصلي معهم، ثم يصلي العشاء وحده .
ورجح ابن المنذر رحمه الله تعالى : قول من قال بالجواز ، عملاً
بحديث الباب (٢)، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)) في شرح حديث الباب ما نصه: واستُدلّ بهذا
الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، بناء على أن معاذاً
رضي الله عنه كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدل عليه
ما رواه عبد الرزاق، والشافعي، والطحاوي ، والدارقطني، وغيرهم
من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه في
(١) هكذا عبارة ابن المنذر، والظاهر أنه أراد بالكوفي الإمام أبا حنيفة رحمه الله.
(٢) راجع كلامه في «الأوسط)) جـ ٤ ص ٢١٨ _٢٢٠.

- ٤٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
حديث الباب، زاد: (( هي له تطوع، ولهم فريضة)) . وهو حديث
صحيح ، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية
عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه .
فقول ابن الجوزي : إنه لا يصح ، مردود، وتعلیل الطحاوي له بأن
ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه
الزيادة ليس بقادح في صحته، لأن ابن جريج أسن، وأجلّ من ابن
عيينة ، وأقدم أخذًا عن عمرو منه ، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من
ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددًا، فلا
معنى للتوقف في الحكم بصحتها .
وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة ، فجوابه أن
الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل ، فمهما كان مضمومًا إلى
الحديث فهو منه ، ولا سيما إذا روي من وجهين ، والأمر هنا كذلك ،
فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار ،
عنه .
وقول الطحاوي : هو ظن من جابر - مردود ؛ لأن جابرًا کان ممن
يصلي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه ، ولا يظن بجابر
أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد ، إلا بأن يكون ذلك الشخص
أطلعه عليه .
وأما احتجاج أصحابنا - يعني الشافعية - لذلك بقوله عمليّة: ((إذا

٤٦٣ -
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٥
أقيمت الصلاة ، فلا صلاة إلا المكتوبة)) ، فليس بجيد؛ لأن حاصله
النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو
نفل ، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه،
لأنها ليست حينئذ فرضًا له .
وكذلك قول بعض أصحابنا : لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض
خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن
كان فيه نوع ترجيح ، لكن للمخالف أن يقول : إذا كان ذلك بأمر
النبي ◌َّةٍ لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع.
وكذلك قول الخطابي: إن العشاء في قوله: (( كان يصلي مع
النبي ◌َّهِ العشاء)) حقيقة في المفروضة، فلا يقال : كان ينوي بها
التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول : هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل .
وأما قول ابن حزم : إن المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا
أقيم أن يصليه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم ؟
فهذا إن كان كما قال، نقض قوي . وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة
المتقدمة .
وأما قول الطحاوي: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبي تعمّ.
ولا تقريره، فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابي إذا لم يخالفه
غيره حجة ، والواقع هنا كذلك ، فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم
صحابة ، وفيهم ثلاثون عَقَبيًا ، وأربعون بدريًا. قاله ابن حزم. قال:
ہے

:
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤٦٤
ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز:
عمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم ..
وأما قول الطحاوي: لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة؛
لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تصلی مرتین،
أي فيكون منسوخًا. فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ
بالاحتمال، وهو لا يسوغ ، وبأنه ألزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من
إعادة الفريضة . انتهى.
قال الحافظ : وكأنه لم يقف علی کتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك،
وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما، رفعه: (( لا تصلوا الصلاة في
اليوم مرتين)). ومن وجه آخر مرسل: ((إن أهل العالية كانوا يصلون
في بيوتهم، ثم يصلون مع النبي تَّ، بلغه ذلك ، فنهاهم)) .
ففي صحة الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر، لاحتمال أن
يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم
البيهقي جمعًا بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث
معاذ لم يكن بعيداً ، ولا يقال : القصة قديمة ؛ لأن صاحبها استشهد
بأحد ، لأنا نقول : كانت في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في
الأولى، والإذن في الثالثة مثلاً. وقد قال ◌َّ للرجلين اللذين لم
يصليا معه: (( إذا صليتما في رحالكما ، ثم أتيتما مسجد جماعة ،
فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)) . أخرجه أصحاب السنن من حديث

٤٦٥ -
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٥
يزيد بن الأسود العامري(١)، وصححه ابن خزيمة، وغيره ، وكان
ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة النبي ثمّه، ويدل على الجواز
أيضًا أمره عمّ لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده ، ويؤخرون الصلاة
عن ميقاتها أن (( صلوها في بيوتكم في الوقت ، ثم اجعلوها معهم
نافلة)) .
وأما استدلال الطحاوي أنه تمَّهُ نهى معاذاً عن ذلك بقوله في
حديث سليم بن الحارث: (( إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف
بقومك)»، ودعواه أن معناه : إما أن تصلي معي، ولا تصل بقومك،
وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي، ففيه نظر؛ لأن لمخالفه أن
يقول: بل التقدير: إما أن تصلي معي فقط، إذا لم تخفف، وإما أن
تخفف بقومك ، فتصلي معي، وهو أولى من تقديره، لما فيه من مقابلة
التخفيف بترك التخفيف ؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه .
وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًاً
على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو
جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلى النبي ◌َّه بهم مرتين على
وجه لا تقع فيه منافاة ، فلما لم يفعل دلّ ذلك على المنع - فجوابه أنه
ثبت أنه تَّ صلى بهم صلاة الخوف مرتين ، كما أخرجه أبو داود عن
أبي بكرة صريحًا ، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع
(١) سيأتي للمصنف برقم ٨٥٨/٥٤.
:

- ٤٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
من المخالفة ، فلبيان الجواز.
وأما قول بعضهم : كان فعل معاذ للضرورة ، لقلة القراء في ذلك
الوقت، فهو ضعيف ، كما قال ابن دقيق العيد، لأن القدر المجزئ من
القراءة في الصلاة كان حافظوه كثيرًا، وما زاد لا يكون سببًا لارتكاب
أمر ممنوع منه شرعًا في الصلاة. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه : إذا تأملت ما تقدم تبين لك أن الأصح
قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وبالعكس، لحديث
الباب، والذين منعوا عن ذلك لم يأتوا بحجة مقنعة . ولذا قال العلامة
السندي رحمه الله ما نصه : فدلالة هذا الحديث على جواز اقتداء
المفترض بالمتنفل واضحة ، والجواب عنه مشكل جدًّا، وأجابوا بما لا
يتم، وقد بسطتُ الكلامَ فيه في حاشية ابن الهمام . انتهى(٢) . والله
سبحانه وتعالى أعلم ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
٨٣٦ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ
أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َه،
أَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الْخَوْف، فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ،
(١) جـ ٢ ص ٤٢٨ - ٤٣٠ .
(٢) شرح السندي جـ ٢ ص ١٠٢ - ١٠٣.

٤٦٧ _
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٦
وَ بَالَّذِينَ جَاؤُوا رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ◌َهُ أَرْبَعًا،
وَلِهَؤُلاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي ، أبو حفص البصري ،
ثقة حافظ ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة ، تقدم في
٤/ ٤.
تنبيه: هكذا وقع في بعض نسخ ((المجتبى)): أخبرنا عمرو بن
علي، ووقع في بعضها : أخبرنا بشر بن هلال ، بدل عمرو ، وهو الذي
في ((الكبرى))، وهكذا ذكر النسختين الحافظ المزي رحمه الله في ((تحفة
الأشراف ) جـ ٩ ص٤١ .
و (بشر بن هلال) هو الصواف، أبو محمد النَّمَيري البصري ،
ثقة ، مات سنة ٢٤٧ ، من [١٠]، أخرج له مسلم ، والأربعة، تقدم
في ١١٧ / ١٦٢ .
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ، ثقة ثبت حجة ، مات
سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/٢ .
٣ - (أشعث) بن عبد الملك الحمراني، مولی حُمْران، أبو هانئ
البصري، ثقة فقيه ، من [٦] .

- ٤٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قال ابن معين ، والنسائي : ثقة . وقال أبو زرعة : صالح . وقال
أبو حاتم : لا بأس به ، وهو أوثق من الحداني ، وأصلح من ابن سوّار.
وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه ، ويحتج
به، وهو في جملة أهل الصدق، وهو خير من أشعث بن سوار بكثير .
وقال أبو يعلى ، ومسلم عن بندار: ثقة . وكذا قال البزار. وقال ابن
حبان في ((الثقات)): كان فقيهًا متقنًا . وحكى ابن شاهين ، عن عثمان
ابن أبي شيبة توثيقه . علق عنه البخاري ، وأخرج له الأربعة .
فائدة : قال البرقاني : قلت للدار قطني : أشعث عن الحسن؟ قال:
هم ثلاثة يحدثون جميعًا عن الحسن : الحمراني ، وهو عبد الملك،
أبوهانئ، ثقة ، وابن عبد الله بن جابر الحداني ، يعتبر به ، وابن سوار ،
يعتبر به ، وهو أضعفهم . انتهى .
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري ، فقيه فاضل،
يرسل ويدلس، مات سنة ١١٠ وقد قارب ٩٠، رأس [٤]، تقدم في
٣٦/٣٢.
٥ - (أبو بكرة) نفيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عَمْرو بن علاج بن
أبي سلمة ، واسمه عبد العزى بن غيرة - بكسر المعجمة - بن عوف بن
قيس، وهو ثقيف، الثقفي، صاحب رسول الله تَّ . وقيل : اسمه
مسروح . وقيل : كان أبوه عبدًا للحارث بن كَلَدَة ، يقال له :
مسروح، فاستلحق الحارث أبا بكرة ، وهو أخو زياد بن سمية لأمه ،

٤٦٩ _
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٦
وكانت سمية أمة للحارث بن كلدة ، وإنما قيل له : أبو بكرة ؛ لأنه تدلَّى
إلى النبي ◌َ ◌ّهُ ببكرة من حصن الطائف، فأعتقه يومئذ، وكان نادى
منادي رسول الله مة يومئذ أن من نزل إليه من عبيد الطائف، فهو
حر. روى عن النبي ◌َّةٍ. وعنه أولاده: عبيد الله ، وعبد الرحمن ،
وعبد العزيز ، ومسلم ، وكبشة ، وأبو عثمان النهدي ، وربعي بن
حراش ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري ، وعبد الرحمن بن جوشن
الغطفاني ، والأحنف بن قيس ، والحسن ، وابن سيرين، وإبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف ، وأشعث بن ثُرْمُلة ، وغيرهم .
قال العجلي: كان من خيار الصحابة . وقال محمد بن إسحاق ،
عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب : جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة ،
ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد ، ثم استتاب نافعًا ، وشبلاً ، فتابا،
فقبل شهادتهما ، واستتاب أبا بكرة ، فأبى ، وأقام ، فلم يقبل
شهادته، وكان أفضل القوم .
وقال يعقوب بن سفيان : نفيع ، ونافع، وزياد ، هم إخوة لأم،
أمهم سمية ، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا هوذة بن خليفة ، ثنا
هشام بن حسان ، عن الحسن ، قال : مرّبي أنس بن مالك، وقد بعثه
زياد إلى أبي بكرة يعاتبه ، فانطلقت معه ، فدخلنا على الشيخ ، وهو
مريض ، فأبلغه عنه ، فقال : إنه يقول : ألم أستعمل عبيد الله على
فارس ، ورَوّادًا على دار الرزق ، وعبد الرحمن على الديوان ؟ فقال

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤٧٠
أبوبكرة : هل زاد على أن أدخلهم النار ؟ فقال له أنس : إني لا أعلمه إلا
مجتهداً ، فقال الشيخ: أقعدوني ، إني لا أعلمه إلا مجتهداً، وأهل
حروراء قد اجتهدوا ، فأصابوا ، أم أخطأوا ؟ قال أنس : فرجعنا
مخصومین .
قال ابن سعد : مات بالبصرة في ولاية زياد . وقال المدائني : مات
سنة خمسين . وقال البخاري : قال مسدد : مات أبو بكرة ، والحسن
ابن علي في سنة واحدة ، قال : وقال غيره : مات بعد الحسن سنة
٥١، وقال خليفة: مات سنة ٥٢ ، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي، زاد
غيره : وكان أوصى بذلك . وقال غيره : بلغ ثلاثاً وستين سنة . وقال
أبو نعيم: آخى النبي ◌َّ بينهما . وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم
يقاتل مع واحد من الفريقين . أخرج له الجماعة، له ١٣٢ حديثًا ، اتفقا
على ٨، وانفرد البخاري بخمسة ، ومسلم بحديث (١). والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف ، وأن رجاله كلهم ثقات .
:
منها : أنه مسلسل بالبصريين .
منها : أن صحابيه مشهور بأبي بكرة ، وهو لقب، وليس بكنية ،
(١) ((تك)) ج ٣٠ ص ٥ - ٩. ((تت)) جـ ١٠ ص ٤٦٩ - ٤٧٠. ((صة)) ص ٤٠٤.

٤٧١ -
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٦
وقد تقدم آنفًا سبب تلقيبه به ، وأنه روى من الأحاديث ١٣٢ حديثًا ،
وفيه الإخبار، والتحديث ، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي بكرة) رضي الله عنه (عن النبي تَّم أنه صلى صلاة
الخوف ، فصلى بالذين خلفه ركعتين) أي ثم سلم ، كما هو مصرح
به في الرواية الآتية ١٨/ ١٥٥١ من طريق خالد بن الحارث ، عن
أشعث، ولفظه: ((عن أبي بكرة، أن رسول الله عَّه صلى بالقوم في
الخوف ركعتين ، ثم سلم ، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين ، ثم
سلم، فصلى النبي ◌َّ أربعًا)).
فهذه الرواية صريحة في كونه سلم من الركعتين (وبالذين جاءوا
ركعتين) أي وصلى ركعتين أخريين بالطائفة الذين جعلهم بإزاء العدو،
فجاءوا بعد أن قام الذين صلوا معه الركعتين مقامهم (فكانت ) الصلاة
(للنبي ◌َّ أربعًا) حيث صلى مع كل طائفة ركعتين (و) كانت
( لهؤلاء ركعتين ، ركعتين) أي كانت لكل طائفة ركعتان .
وفيه دليل على أن من صفات صلاة الخوف أن يصلي الإمام الصلاة
مرتين ، بكل طائفة مرة ، فتكون إحدى الصلاتين له فريضة ، والأخرى
نافلة، فیکون فيه دليل واضح لما بوّب له المصنف رحمه الله، وهو جواز
اقتداء المفترض بالمتنفل .
İ

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤٧٢
قال في ((المنهل)): وأجاب من لم يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل بأن
الحديث محمول على صلاة الحضر ، وأن كل طائفة أتموا لأنفسهم
ركعتين بعد سلام الإمام، وأن تسليمه ◌َّ بعد الركعتين الأوليين من
خصوصیاته .
قال : ولا يخفى بعد هذا ، إذ الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ، ولا
دليل عليها ، وليس في الحديث ما يفيد أن الطائفتين أتموا لأنفسهم
ركعتين بعد سلام الإمام ، وأجابوا بأجوبة غير ما ذكر لا تقوى على رد
ظاهر الحديث . قال محمد بن عبد الهادي الحنفي : ولا يخفى أنه يلزم
فيه اقتداء المفترض بالمتنفل قطعًا ، ولم أر لهم عنه جوابًا شافيًا .
(١)
انتھی(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن هذا الحديث صريح في
جواز اقتداء المفترض بالمتنفل ، وكل ما ذكروه من الأجوبة غير مقبول.
و ﴿الْحَقُّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ [يونس: ٣٥]. نسأل الله تعالى أن يهدينا
لاتباع الحق ، ويميتنا عليه ، إنه بعباده رؤوف رحيم . وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي بكرة رضي الله عنه هذا صحيح .
(١) المنهل جـ ٧ ص ١٢٧ .

٤٧٣ -
٤١ - اختلاف نية الإمام والمأموم - حديث رقم ٨٣٦
تنبيه : أعل ابن القطان حديث أبي بكرة هذا بأنه إنما أسلم بعد
وقوع صلاة الخوف بمدة . أي فيكون مرسلاً .
قال الحافظ رحمه الله : وهذه ليست بعلة ، فإنه يكون مرسل
صحابي(١) . أي ومرسل الصحابي في حكم الموصول عند المحدثين
وجمهور العلماء ، وإن خالف بعض أهل الأصول، قال الحافظ
السيوطي رحمه الله في ((ألفيته)) :
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وصلٌ فِي الأَصَحّ
٠٠
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٤١ /٨٣٦ عن عمرو بن علي ، وفي نسخة عن بشر بدل
عمرو ، عن يحيى القطان، عن أشعث ، عن الحسن ، عنه . وفي
((الكبرى)) ٩١٠/٤١ عن بشر بن هلال، عن يحيي، به. وفي ١٥٥١
عن محمد بن عبد الأعلى ، وإسماعيل بن مسعود ، كلاهما عن خالد
ابن الحارث ، عن أشعث ، به . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) ، عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ،
عن أشْعَثَ ، به . وأحمد جـ ٥ ص٣٩، ٤٩، وابن حبان ، والحاكم،
والدار قطني .
(١) راجع ((التلخيص الحبير )) جـ ٢ ص٧٥ .

- ٤٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قال الجامع عفا الله عنه : سيأتي ما يتعلق بصلاة الخوف في بابه
إن شاء الله تعالى .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .
٠٠
1

٤٢ - فضل الجماعة - حديث رقم ٨٣٧
٤٧٥ -
٤٢ - فَضْلُ الْجَمَاعَة
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بيان فضل صلاة الجماعة .
٨٣٧ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أنَّ
رَسُولَ اللَّهِعَلَّهِ قَالَ: ((صَلاةُ الْجَمَاعَة تَفْضُلُ عَلَى صَلاة
الْفَدِّبِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً )).
رجال هذا الإسناد : أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت ، مات سنة ٢٤٠، من
[١٠]. أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١.
٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الثبت ، مات سنة ١٧٩، من
[٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه ، مات سنة
١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢ / ١٢ .
٤ - ( ابن عمر) عبد الله رضي الله عنهما، تقدم في ١٢/ ١٢.
ولطائف هذا الإسناد قد ذكرت غير مرة ، وهو (٥٩) من رباعيات
الكتاب . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما (أن رسول الله عَّةٍ، قال:

- ٤٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
صلاة الجماعة) الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة،
أو بحذف مضاف، أي صلاة آحاد الجماعات ، فليس المراد تفضيل
صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاة
الواحد باعتبار حالين . أفاده السندي رحمه الله تعالى(١).
(تفضل على صلاة الفذّ) أي تزيد على صلاة المنفرد.
قال ابن الأثير في ((شرح المسند)): لما كانت ((تَفْضُلُ)) بمعنى ((تزيد))،
وهي تتعدى بـ ((على)) أعطاها معناها، فعداها بها ، وإلا فهي متعدية
بنفسها ، قال: وأما الذي في مسلم: ((أفضل من صلاة الفذ)) فجاء
بها بلفظ ((أفعل)) التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك ، وهي
أبلغ من ((تَفْضُل)) على ما لا يخفى . انتهى (٢)
والفذّـ بالمعجمة -: المنفردُ، يقالُ: فذَّ الرجلُ من أصحابه : إذا بقي
منفردًا وحده .
وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر ، عن نافع، وسياقه
أوضح، ولفظه : (( صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته
وحده))(٣).
(بسبع وعشرين درجة) قال الترمذي رحمه الله : عامة من رواه
(١) شرح السندي جـ ١ ص ٢٤١ .
(٢) انظر عمدة القاري جـ ٥ ص ١٦٦.
(٣) انظر الفتح جـ ٢ ص ٣٤٦ .
:
!
:
--

٤٧٧ -
٤٢ - فضل الجماعة - حديث رقم ٨٣٧
قالوا : خمسًا وعشرين ، إلا ابن عمر ، فإنه قال : سبعًا وعشرين .
انتھی .
قال الحافظ رحمه الله : لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند
عبد الرزاق عن عبد الله العمري، عن نافع، فقال : خمسًا وعشرين ،
لكن العمري ضعيف ، ووقع عند أبي عوانة في ((مستخرجه)) من طريق
أبي أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، فإنه قال فيه : بخمس
وعشرين ، وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله،
وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة .
وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان ، عن نافع
بلفظ: ((بضع وعشرين)) فليست مغايرة لرواية الحفاظ، لصدق البضع
على السبع ، وأما غير ابن عمر ، فصح عن أبي سعيد ، وأبي هريرة ،
كما في هذا الباب ، وعن ابن مسعود عند أحمد ، وابن خزيمة ، وعن
أبي بن كعب عند ابن ماجه ، والحاكم ، وعن عائشة ، وأنس عند
السراج ، وورد أيضًا من طرق ضعيفة عن معاذ ، وصهيب ، وعبد الله
ابن زيد بن ثابت ، وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس
وعشرين سوى رواية أُبَيٌّ، فَقال: ((أربع))، أو ((خمس)) على الشك،
وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد، قال فيها: ((سبع وعشرون)) وفي
إسنادها شريك القاضي ، وفي حفظه ضعف.
وفي رواية لأبي عوانة: ((بضعًا وعشرين))، وليست مغايرة أيضًا ،

1
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٤٧٨
الصدق البضع على الخمس ، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس،
والسبع ؛ إذ لا أثر للشك .
واختلف في أيهما أرجح ، فقيل : رواية الخمس ، لكثرة رواتها ،
وقيل : رواية السبع، لأن فيها زيادة من عدل حافظ .
ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث ، وهو مميز العدد
المذكور ، ففي الروايات كلها التعبير بقوله: ((درجة))، أو حذف
المميز، إلا طريق حديث أبي هريرة ، ففي بعضها: ((ضعفًا))، وفي
بعضها: ((جزءًا)، وفي بعضها: ((درجة))، وفي بعضها: ((صلاة)).
ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس ، والظاهر أن ذلك من
تصرف الرواة ، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة .
وأما قول ابن الأثير: إنما قال: ((درجة))، ولم يقل : جزءًا،
ولانصيبًا، ولا حظًا ، ولا نحو ذلك ؛ لأنه أراد الثواب من جهة
العلو والارتفاع ، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة ؛ لأن
الدرجات إلى جهة فوق ، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ ((درجة))، وما
عدا ذلك من تصرف الرواة ، لكن نفيه ورود الجزء مردود ، فإنه
ثابت، وكذلك الضعف. وسيأتي ما ذكره العلماء في الجمع بين روايتي
الخمس والسبع، في المسائل، إن شاء الله . وبالله التوفيق، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
1

٤٢ - فضل الجماعة - حديث رقم ٨٣٧
٤٧٩ سـ
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٨٣٧/٤٢، وفي ((الكبرى)) ٩١١/٤٢ بالسند المذكور.
والله أعلم.
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف . ومسلم عن
یحیی بن یحیی کلاهما عن مالك . وعن زهیر بن حرب ، ومحمد بن
المثنى ، عن يحيى القطان ، عن عبيد الله بن عمر ، وعن أبي بكر بن
أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، وابن نمير ، وعن محمد بن عبد الله بن
نمير، عن أبيه ، كلاهما عن عبيد الله ، وعن محمد بن رافع، عن ابن
أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان . وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن
ابن عمر رُسْتَهْ ، عن يحيى القطان به . والترمذي فيه عن هناد، عن
عبدة ، عن عبيد الله، ثلاثتهم عن نافع عنه. ومالك في ((الموطأ)) رقم
١٠٠ . وأحمد جـ٢ ص١٧ و٦٥ و١٠٢ و١١٢ و١٥٦ . والدارمي رقم
١٢٨٠ . وابن خزيمة ١٤٧١ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: ذكر العلماء في الجمع بين روايتي الخمس
والعشرين، والسبع والعشرين وجوهًا ، كما قال الحافظ في ((الفتح)):

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
-
٤٨٠
أحدها : أن ذكر القليل لا ينفي الكثير ، وهذا قول من لا يعتبر
مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحكي
عن نصه ، وعلى هذا ، فقيل : وهو :
الوجه الثاني: لعله ◌َّ أخبر بالخمس، ثم أعلمه الله بزيادة
الفضل، فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول
النسخ في الفضائل مختلف فيه ، لكن إذا فرّعنا على المنع تعين
تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا
النقص .
ثالثها : أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما، وعلى هذا ،
فقيل : الدرجة أصغر من الجزء . وتعقب بأن الذي روي عنه الجزء روي
عنه الدرجة . وقال بعضهم : الجزء في الدنيا، والدرجة في الآخرة ،
وهو مبني على التغاير .
رابعها : الفرق بقرب المسجد وبعده .
خامسها : الفرق بحال المصلي، كأن يكون أعلم، أو أخشع .
سادسها : الفرق بإيقاعها في المسجد ، أو في غيره .
سابعها : الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره .
ثامنها : الفرق بإدراك كلها أو بعضها .
تاسعها : الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم .
: