النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ - ٤٠ - الائتمام بالإمام، يصلي قائداً - حديث رقم ٨٣٣ و(يسمع)) في بعض النسخ ، وفي بعضها بجزمهما ، وهو الذي في الكبرى ، وهو الأظهر، لكون ((متى)) من أدوات الشرط الجازمة للمضارع ، قال السندي رحمه الله: ووجه الرفع أنها أهملت حملاً على ((إذا))، كما تعمل ((إذا)) حملاً على (( متى)) . وقوله: (( لا يسمع)) - بضم حرف المضارعة - من الإسماع . وقال السندي : من الإسماع ، أو من السماع ، والأول أظهر وأشهر . اهـ. (فلو أمرت عمر) ((لو)) للتمني ، فلا تحتاج إلى جواب ، أو للشرط، فيقدر جوابها، أي لكان أولى (فقال: مروا أبا بكر ، فليصل بالناس) ، قالت عائشة: (فقلت لحفصة) بنت عمر بن الخطاب ، أم المؤمنين رضي الله عنهما، تزوجها رسول الله عَّه بعد خُنَيس بن حُذافة، سنة ثلاث ، وماتت سنة - ٤٥ -، وتقدمت ترجمتها في ٥٨٣/٣٩. (قولي له) أي ما قالت هي له ، من أن أبا بكر رجل أسيف إلخ، (فقالت) حفصة ذلك (له، فقال : إِنكن لأنتن صواحبات يوسف) عليه الصلاة والسلام، و((الصواحبات)) جمع صاحبة ، قال الفيومي : الصاحبة تأنيث الصاحب ، وجمعها صواحب، وربما أنث الجمع ، فقيل: صواحبات . انتهى (١). وقال ابن منظور: وقالوا في النساء : هن صواحب يوسف . (١) المصباح ج١ ص ٣٣٣. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٤٢٢ وحكى الفارسي عن أبي الحسن : هن صواحبات يوسف ، جمعوا صواحب جمعَ السلامة . انتهى(١) . قال الحافظ رحمه الله : والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن. ثم إن هذا الخطاب ، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة، وهي عائشة فقط، كما أن ((صواحب)) صيغة جمع ، والمراد زَليخا فقط . ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة ، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ، ومرادها زيادة على ذلك ، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف عليه السلام ، ويعذرنها في محبته ، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك ، وهو أن لا يتشاءم الناس به ، وقد صرحت هي فيما بعد ذلك ، فقالت - كما أخرجه الشيخان -: ((لقد راجعته ، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا)) ... الحديث. وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال : إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن . ووقع في مرسل الحسن عند ابن أبي خيثمة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم النبي مي أن يصرف ذلك عنه ، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق ، فلم يتم . (١) ((لسان العرب)) جـ٤ ص ٢٤٠٠ -٢٤٠١. ٤٢٣ - ٤٠ - الانتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣ ووقع في أمالي ابن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز ، يظهرن تعنيفها، ومقصودهن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن . كذا قال، وليس في الآية ما يساعد ما قال. انتهى فتح بتصرف يسير(١). وقال العلامة العيني رحمه الله: قوله: (( صواحب يوسف)) أي مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة الإلحاح فيما يملن إليه، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في كونه أسيفًا ، لا يستطيع ذلك . وقيل : يراد بها امرأة العزيز وحدها ، وإنما جمعها ، كما يقال : فلان يميل إلى النساء ، وإن كان مال إلى واحدة ، وعن هذا قيل : المراد بهذا الخطاب عائشة وحدها ، كما أن المراد زليخا وحدها في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام . انتهى عمدة القاري باختصار (٢) . [فائدة] : زاد حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله تَّه بأن يأمر عمر بالصلاة . أخرجه الدورقي في مسنده ، وزاد مالك في روايته : ((فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً))، ومثله للإسماعيلي في حديث الباب ، وإنما قالت حفصة ذلك ؛ لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة، وكان النبي ◌َّهُ لا يراجع بعد ثلاث ، (١) جـ٢ ص ٣٧٤ . (٢) جـ ٥ ص١٨٩ . - ٤٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من کونهن صواحب یوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك ، لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضًا في قصة المغافير ، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قاله في ((الفتح))(١). (مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فأمروا أبا بكر) أي أمره بلال رضي الله عنه ؛ لأنه هو الذي أعلم النبي ◌َّ بحضور الصلاة ، فأجيب بذلك ، ففي الرواية التي بعد هذا: ((فأرسل رسول الله عَّه إلى أبي بكر أن صل بالناس ، فجاءه الرسول ، فقال: إن رسول الله تَمّ يأمرك أن تصلي بالناس ، وكان أبو بكر رجلاً رقيقًا، فقال : يا عمر، صل بالناس، فقال: أنت أحق بذلك)) ... الحديث . وقال في ((الفتح)) : وقول أبي بكر رضي الله عنه هذا لم يرد به ما أرادت عائشة رضي الله عنها . قال النووي رحمه الله : تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعًا ، وليس كذلك ، بل قاله للعذر المذكور ، وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء ، فخشي أن لا يسمع الناس . انتهى (٢). ويحتمل أنه رضي الله عنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر ، وعلم قوة عمر رضي الله عنه على ذلك، فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه ، أو (١) جـ٢ ص ٣٧٤ . (٢) شرح صحيح مسلم جـ ٤ ص ١٣٧ . ٤٢٥ _ ٤٠ - الانتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣ يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم . والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة ، وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك ، سواء باشر بنفسه ، أو استخلف . قال القرطبي رحمه الله : ويستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف ، ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك. انتهى(١). (فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله تَّ من نفسه خفة) قال السندي رحمه الله : أي فلما دخل في أن يصلي بالناس ، أي في منصب الإمامة ، وتقرر إمامًا لهم ، واستمر على ذلك أيامًا، وجد النبي ◌َّ من نفسه خفة في بعض تلك الأيام ، أو لما دخل في الصلاة في بعض تلك الأيام وجد ◌َّ من نفسه خفة . وليس المراد أنه حين دخل في تلك الصلاة التي جرى في شأنها الكلام وجد في أثنائها خفة من نفسه ، فلا تنافي هذه الرواية الروايات الأُخَر لهذا الحديث . انتهى (٢). وقال في ((الفتح)): ظاهره أنه ميّ وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك ، وأن يكون فيه حذف ، وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة: (( فصلى أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن رسول الله تَّ﴾ وجد من نفسه خفة)). وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء . انتهى . (١) فتح جـ٢ ص ٣٦٤ _٣٧٥ . (٢) شرح السندي جـ ٢ ص ١٠٠ . 1 ٠ : شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٤٢٦ (فقالت : فقام يُهادى) بضم أوله ، وفتح الدال ، بالبناء للمجهول ، من المفاعلة ، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين: إذا كان يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه ، متمايلاً إليهما في مشيته ، من شدة الضعف . قاله البدر العيني(١) . وقال ابن منظور: والتهادي: مشي النساء والإبل الثقال، وهو مشى في تمايل وسكون . اهـ . باختصار(٢). وجملة (( يهادى)) في محل نصب على الحال من فاعل ((قام)) . (بين رجلين) متعلق بـ (( يهادى)) والرجلان هما: العباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، كما سيأتي في الحديث التالي. ووقع عند ابن حبان: ((فخرج بين بريرة ونوبة)). ويجمع كما قال النووي رحمه الله بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين ، ومن ثَمَّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي، أو يحمل على التعدد . ويدل عليه ما في رواية الدار قطني، أنه خرج بين أسامة بن زيد والفضل بن العباس. وأما ما في مسلم، أنه خرج بين الفضل بن العباس وعلي ، فذاك في حال مجيئه إلى بيت عائشة رضي الله عنها . [فائدة]: نُوبة - بضم النون وبالموحدة - ذكره بعضهم في النساء الصحابيات ، فوهم ، وإنما هو عبد أسود ، كما وقع عند سيف في (١) عمدة القاري جـ٥ ص١٨٩ . (٢) لسان جـ٦ ص٤٦٤٢ . ٤٢٧ _ ٤٠ - الانتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣ كتاب الردة ، ويؤيده حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة بلفظ: ((خرج بين بريرة، ورجل آخر)). قاله في ((الفتح))(١). (ورجلاه تخطان في الأرض) أي لكونه لا يقدر على تمكينهما من الأرض، وعند ابن حبان: ((إني لأنظر إلى بطون قدميه)). والجملة الاسمية في محل نصب عطف على الجملة الحالية . (فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه) قال المجد : والحس - بالكسر -: الحركة ، وأن يمر بك قريبًا ، فتسمعه ، ولا تراه ، كالحسيس. اهـ (٢). وعند ابن ماجه بإسناد حسن: (( فلما أحس الناس به سبحوا)) . (فذهب ليتأخر) أي أراد ، وقصد أبو بكر أن يتأخر عن الإمامة ، ظنًا منه أنه تَُّ يؤم الناس (فأومأ إليه رسول الله عَّه) أي أشار ◌َّ. إلى أبي بكر ( أن قم كما أنت) أي كن قائمًا مثل قيامك ، والمراد ابقَ على ما أنت عليه من القيام . و(( أن)) تفسيرية لما في الإيماء من معنى القول . قاله السندي . ويحتمل أن تكون مصدرية ، أي أومأ إليه بالقيام . والكاف للتشبيه ، ويحتمل أن تكون بمعنى ((على)) ، أي دُمْ على الحال الذي أنت عليه، من الإمامة. وعند البخاري: (( فأومأ إليه النبي ◌َّ أن مكانك)). (١) جـ ٢ ص ٣٧٥ . (٢) ((ق)) ص ٦٩٣. - ٤٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة (قالت: فجاء رسول الله عَ ◌ّه حتى قام عن يسار أبي بكر جالسًا) ومعنى ((قام)) أي ثبت ، وليس من القيام ضد القعود ، ولذا وقع بعده (( جالسًا)) منصوبًا على الحال من فاعله . وفي رواية البخاري: (( ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه)). وفي رواية: (( فقال : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه)). وتفيد رواية المصنف أنه مَ ◌ّ كان إمامًا ، حيث قال : عن يسار أبي بكر جالسًا ، إذ اليسار مقام الإمام . قال في ((الفتح)): وأغرب القرطبي شارح مسلم لَمَّا حكى الخلاف ، هل كان أبو بكر إمامًا ، أو مأمومًا ؟ فقال : لم يقع في الصحيح بيان جلوسه عمّ، هل كان عن يمين أبي بكر ، أو عن يساره . انتهى . ورواية معاوية هذه عند مسلم أيضًا - يعني كما هي عند البخاري . فالعجب منه کیف یغفل عن ذلك في حال شرحه له . انتھی(١) . (فكان رسول الله ◌ّ يصلي بالناس) أي إمامًا لهم ، حال كونه (جالسًا) هذا صريح في كونه عَّه إمامًا (و) يصلي (أبو بكر قائمًا، يقتدي برسول الله عَّ) وهذا صريح في كون أبي بكر مأمومًاً به عَّ ( والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه ) من حيث إنه كان يُسمعهم تكبيره ◌ِمْ﴾. واستدل به الجمهور على نسخ حديث: ((وإذا صلى جالسًا ، (١) فتح جـ٢ ص٣٧٦. ١ ٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣ ٤٢٩ - فصلوا جلوسًا)). لكن قد جاء عن عائشة ، وأنس رضي الله عنهما: ((أن النبي ◌َّ صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه)). وتقدم للمصنف ٨/ ٨٧٥ و٧٨٦، ورواه الترمذي ، وصححه . وروى ابن خزيمة في ((صحيحه)) ، وابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: من الناس من يقول: کان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله څ﴾. في الصف ، ومنهم من يقول : كان رسول الله تَّة المقدم ، وهذا يفيد الاضطراب في هذه الواقعة ، ولعل سبب ذلك عظم المصيبة ، فعلى هذا فالحكم بنسخ الحكم الثابت بهذه الواقعة المضطربة لا يخلو عن خفاء. والله تعالى أعلم . قاله السندي رحمه الله. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك ، في المسائل الآتية ، إن شاء الله تعالى . وبالله تعالى التوفيق ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٤٠/ ٨٣٣ ، وفي ((الكبرى)) ٩٠٦/٤٠ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عمر بن حفص بن غياث ، عن شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٤٣٠ أبيه - وعن مسدد ، عن عبد الله بن داود - وعن قتيبة بن سعيد ، عن أبي معاوية . ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن أبي معاوية - وعن منجاب بن الحارث التميمي ، عن أبي مسهر ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن عیسی بن یونس . وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي معاوية ، وعن علي بن محمد ، عن وكيع ، خمستهم عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عنه . وأخرجه أحمد ج٦ ص١٦٩ و٢٢٤ . وابن خزيمة رقم ١٦١٦ و١٦١٨). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما بوب له المصنف رحمه الله ، وهو بيان حكم الاقتداء بالإمام إذا صلى قاعدًا لعلة ، وقد تقدم في أول الباب أن المصنف يرى صحة الاقتداء به قائمًا ، خلافًا للمالكية مطلقًا ، ولأحمد حيث أوجب القعود ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة من الحديث التالي ، إن شاء الله تعالى. ومنها : تأكيد أمر الجماعة ، والأخذ فيها بالأشد ، وإن كان المرض يرخص في تركها ، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ ٠ ٤٣١ - ٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣ بالأشد ، وإن كانت الرخصة أولى . وقال الطبري رحمه الله : إنما فعل ذلك لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر ، فيتخلف عن الإمامة ، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لأهليته لذلك ، حتى إنه صلى خلفه . ومنها : بيان فضل أبي بكر رضي الله عنه ، وتقديمه على جميع الصحابة رضي الله عنهم ، وفضل عمر بعده. ومنها : جواز مراجعة الصغير للكبير. ومنها : الأدب مع الكبير ، لهمّ أبي بكر بالتأخر عن الصف ، وإكرام الفاضل ؛ لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصف ، فلم يتركه النبي ◌َّه يتزحزح عن مقامه . ومنها : أن البكاء ، ولو كثر لا يبطل الصلاة ؛ لأنه ◌َّ بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب ، وكثرة البكاء لم يعدل عنه ، ولا نهاه عن البكاء . ومنها : أن الإيماء يقوم مقام النطق، واقتصار النبي ◌َّه على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته ، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق . ومنها : أنه استدل به على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة ، الصنيع أبي بكر رضي الله عنه ، وعلى جواز مخالفة موقف المأموم 1 شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٤٣٢ للضرورة ، كمن قصد أن يُبَلِّغَ عنه ، ويلتحق به من زُحم عن الصف. ومنها : أنه استدل به على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض ، وهو قول الشعبي ، واختيار الطبري ، وأومأ إليه البخاري . وتعقب بأن أبا بكر إنما كان مبلغًا، فمعنى الاقتداء به اقتداؤهم بصوته ، ويؤيده أنه تَ ﴾. كان جالسًا ، وكان أبو بكر قائمًا، فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين ، فمن ثم كان أبو بكر كالإمام في حقهم . والله أعلم . ومنها : جواز اتباع صوت المكبر ، وصحة صلاة المستمع والسامع، وشَرَطَ بعضهم في صحته تقدم الإذن من الإمام ، ويرد عليه هذا الحديث ؛ لأن أبا بكر لم يأمره النبي لمّ بالتبليغ . ومنها : أنه استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به ، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة . ومنها : جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة . ومنها : جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام، بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ، ثم قطع القدوة ، وائتم برسول الله عَلٍّ ، وهو ظاهر الحديث ، ويؤيده أن في رواية أرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((فابتدأ النبي ◌ُّ القراءة من حيث انتهى أبو بكر)) . ومنها : أن فيه تقديم الأفقه الأقرإ، وقد جمع الصديق رضي الله ٠٠ ٤٣٣ - ٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٣ عنه بين الفقه والقرآن في حياة النبي تمّة ، كما ذكره أبو بكر بن الطيب، وأبو عمرو الداني . قاله العيني(١) . ومنها : جواز تشبيه أحد بأحد في وصف مشهور بين الناس . ومنها : أن ابن المسيب استدل به على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام ؛ لأنه ◌َّ جلس عن يسار أبي بكر ، والجماعة على خلافه، ويتمشى قوله على أن الإمام هو أبو بكر ، وأما من قال : إن الإمام هو النبي تعمّ فلا يتمشى عليه قوله . وقد اختلفت الروايات ، هل كان النبي ◌َّه هو الإمام ، أو أبو بكر الصديق ؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها صريح في أن النبي ◌َّ كان الإمام ، إذ جلس عن يسار أبي بكر ، ولقوله: ((فكان رسول الله ◌َّه يصلي بالناس جالسًا ، وأبو بكر قائمًا يقتدي به)) ، وكان أبو بكر مبلغًا ؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان . وقال جماعة : كان أبو بكر هو الإمام ، لما رواه شعبة ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود: عن عائشة: ((أن النبي ◌ُّ صلى خلف أبي بكر))، وفي رواية مسروق عنها: ((أنه تَّ صلى خلف أبي بكر جالسًا في مرضه الذي توفي فيه)) . وروي حديث عائشة (١) عمدة القاري جـ٤ ص١٩١ . - ٤٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة رضي الله عنها بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما ، وفيه اضطراب غير قادح . وقال البيهقي رحمه الله : لا تعارض في أحاديثهما ، فإن الصلاة التي كان فيها النبي تَّ إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت ، أو يوم الأحد ، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها ◌َّه حتى خرج من الدنيا . وقال نعيم بن أبي هند رحمه الله : الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي ◌َّ صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إمامًا ، وفي الأخرى كان مأمومًا . وقال الضياء المقدسي ، وابن ناصر رحمهما الله : صح ، وثبت أنه ټګه صلى خلفه مقتديًا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل ، لا علم له بالرواية . وقيل : إن ذلك كان مرتين، جمعًا بين الأحاديث ، وبه جزم ابن حبان رحمه الله . وقال ابن عبد البر رحمه الله: الآثار الصحاح على أن النبي تمّ هو الإمام (١). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) راجع ((عمدة القاري)) جـ ٤ ص١٩١ . : ٤٠ - الانتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٤ ٤٣٥ - ٨٣٤ - أخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْد العَظيمِ العَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ مُوسَى ابْنِ أبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: ألا تُحَدِّثْيْنِي عَنْ مَرَضِ رَسُول اللَّه عَِّ، قَالَتْ: لَمَّ ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهَِِّ، فَقَالَ : ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) فَقُلْنَا: لا، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَال: ((ضَعُوا لِي مَاءَ فِي المِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَئُوءَ ، فَأَغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أفَاقَ، فَقَالَ: ((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قلنا: لا ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ »، فَفَعَلْنَا، فَاعْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ، ثُمَّ أَغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة مِثْلَ قَوْله، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِد، يَنْتَظرُونَ رَسُولَ اللَّهِ عَّه لِصَلاة العشاء، فَأَرْسَلَ رسول الله عَّهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ صَلِّ بِالنَّاسَ، فَجَاءَه الرَّسُولُ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَكَان أبُوبَكْرِ رَجُلاً رَقِيقًا، فَقَالَ: يَا - ٤٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ : أَنْتَ أحَقُّ بِذَلكَ، فَصَلَّى بهمْ أَبُو بَكْر تلْكَ الأيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َّهُ وَجَدَ ٠ مِنْ نَفْسه خفَّةً، فَجَاءَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ، لِصَلاة الظُّهْرِ، فَلَمَّا رَآه أَبُوبَكْر، ذَهَبَ لِيتَأْخَّرَ ، فَأَوْمَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ أَنْ لا يَتَأَخَّرَ ، وأمَرَهُمَا، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبه، فَجَعلَ أَبُو بَكْر يُصَلِّي قَائِمًا ، والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةٍ أَبِي بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ عَهُ يُصَلِّي قَاعِدًا. فَدَخلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاس ، فَقُلْتُ : ألا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَنْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُول اللَّه ◌َِّ، قَالَ: نَعَمْ، فَحَدَّثْتُهُ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي مَعَ الْعَبَّاس؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: هُوَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ . رجال هذا الإسناد : ستة ١ - ( العباس بن عبد العظيم العنبري)(١) أبو الفضل البصري، (١) لفظ ((العنبري)) لا يوجد في بعض النسخ، وهو نسبة إلى العنبر بن عمرو بن تميم. قاله في لب اللباب. جـ٢ ص ١٢٣ . ٠ ٤٣٧ _ ٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعداً - حديث رقم ٨٣٤ ثقة حافظ ، من كبار [١١]، مات سنة ٢٤٠ ، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٩٦/ ١١٩ . ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) العنبري أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حجة ، من [٩]، مات سنة ١٩٨ ، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٤٩/٤٢. ٣ - (زائدة) بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، مات سنة ١٦٠، وقيل بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٧٤/ ٩١ . ٤ - (موسى بن أبي عائشة) المخزومي الهَمْدَاني ، أبو الحسن الكوفي، مولى آل جعدة، ابن هبيرة ، ثقة عابد، وكان يرسل ، من [٥] . قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : كان سفيان الثوري يحسن الثناء عليه. وقال الحميدي، عن ابن عيينة: حدثنا موسى بن أبي عائشة ، وكان من الثقات . وقال إسحاق بن منصور ، عن ابن عيينة : ثقة . وقال محمد بن حميد، عن جرير : كنت إذا رأيت موسى بن أبي عائشة ذكرت الله تعالى لرؤيته . وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول : تريبني رواية موسى ابن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي عَ ◌ّه. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٤٣٨ - قال الحافظ : عَنَى أبو حاتم أنه اضطرب فيه، وهذا من تعنته، وإلا فهو حديث صحيح. وقال يعقوب بن سفيان : كوفي ثقة . أخرج له =(١) الجماعة(١) . ٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٤٥ / ٥٦ . ٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف ، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، وشيخه علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون ، وأنهم کوفیون، إلا شيخه، وشیخ شيخه، فبصریان . ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي ؛ موسى، عن عبيد الله. ومنها : أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة من التابعين، وقد تقدموا غير مرة. وبالله تعالى التوفيق. شرح الحديث (عن عبيد الله بن عبد الله) الهذلي، أنه (قال: دخلت على عائشة) رضي الله عنها (فقلت: ألا) بفتح الهمز، والتخفيف، أداة (١) ((ت)) ص٣٥١، ((تت)) جـ ١٠ ص٣٥٢ - ٣٥٣ . ٤٣٩ - ٤٠ - الائتمام بالإمام ، يصلي قاعدً - حديث رقم ٨٣٤ عرض وتحضيض (تحدثيني عن مرض رسول الله عم ◌ّ﴾) زاد في الكبرى: ((فقالت: بلى)) (لما ثقل رسول الله تَّ)، بفتح المثلثة، وضم القاف، أي اشتد مرضه، وفي الكبرى: (ثقل رسول الله تَّم)) بدون ((لما))، وهو الظاهر (فقال) الفاء زائدة، إذ لا تدخل على جواب ((لما)). قاله السندي رحمه الله (((أصلى الناس؟))) الهمزة للاستفهام والاستخبار (فقلنا: لا) أي لم يصلوا (وهم ينتظرونك يا رسول الله) وفي نسخة: ((هم)) بدون واو، والجملة في محل نصب على الحال، أي حال كونهم منتظرين لك للصلاة معك، (فقال: ((ضعوا لي) من الوضع، ووقع في شرح السندي: ((دعوا لي)) بالدال، قال: أي اتركوا لي. ولم أره في نسخ المجتبى، ولا في الكبرى . والله أعلم. (ماء في المخضب) بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضاد المعجمتين، آخره باء موحدة: هو المرْكَنُ، وهو الإجَّانَةِ(١) (ففعلنا) وفي نسخة: ((فَفُعل)) بالبناء للمفعول (فاغتسل، ثم ذهب لينوء) بضم النون ، بعدها همزة، أي أخذ لينهض بجهد، وقال الكرماني : ينوء، کیقوم وزناً ومعنى . اهـ. (فأغمي عليه) بالبناء للمفعول، من الإغماء، يقال أيضًا : غُمي، ثلاثيًا. قال الفيومي: وغُمي على المريض، ثلاثيًا، مبنيًا (١) المركز - بكسر، فسكون -: الإجَّانة، وهو - بكسر الهمزة، وتشديد الجيم -: إناء يُغسل فيه الثياب، جمعه أجاجين. قاله في المصباح. - ٤٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة للمفعول، فهو مَغْميّ عليه على مفعول، قاله ابن السكيت، وجماعة، وأغمي عليه إغماء ، بالبناء للمفعول أيضًا. قيل : الإغماء : امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ ، وقيل: الإغماء : سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة . انتهى(١). وفيه جواز الإغماء على الأنبياء ؛ لأنه شبيه بالنوم. وقال النووي رحمه الله: لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فإنه لم يجز عليهم ؛ لأنه نقص. قال العلامة العيني رحمه الله : العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون يكون مسلوبًا . انتهى(٢). (قالت: والناس عكوف في المسجد) ولفظة: ((قالت)) زائدة في بعض النسخ، و((العكوف)) - بالضم .: جمع عاكف، يقال : عَكَفَ على الشيء عُكُوفًا، وعَكْفًا، من باب قعد، وضرب: لازمه، وواظبه. وقرئ بهما في السبعة في قوله تعالى : ﴿ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨] الآية. وعكفت الشيء أعكُفه ، وأعكفه : حبسته ، ومنه الاعتكاف، وهو افتعال، لأنه حبس النفس عن التصرفات العادية، وعكفته عن حاجته: منعته. قاله في ((المصباح)) (٣). أي ملازمو المسجد لأداء الصلاة معه غيه، صَلىالله (١) المصباح جـ٢ ص ٤٤٨ - وص ٤٥٤. في مادة ((غمي))، ومادة (( غشي)). (٢) عمدة القاري جـ٤ ص٢١٦. (٣) جـ ٢ ص ٤٢٤.