النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ _ ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣ على الإمام من تخفيف الصلاة . ومنها : بيان سماحة الشريعة ، وسهولة الدين ، حيث أمر النبي ◌َّ بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ، وهي الصلاة ، فأوجب على الأئمة أن يخففوا إذا صلوا جماعة ، بحيث لا تحصل مشقة على المريض ، والكبير ، والصغير ، وذوي الحاجات. ومنها : أن الإنسان إذا صلى لنفسه ، فليطول ما شاء ، ما لم يخش خروج الوقت ، وإلا فلا يجوز له التطويل ، وإن قال به بعضهم مستدلاً بظاهر هذا الحديث ، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا ، إن شاء الله تعالى. ومنها : أنه يستفاد منه تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، خلافًا لمن خص التطويل بغيرهما. وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى . والله تعالى أعلم . المسألة الخامسة: في هذا الحديث أمر الأئمة بتخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في ((جامعه)): وهو قول أكثر أهل العلم ، اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف ، والكبير ، والمريض . انتهى . قال في ((طرح التثريب)): وهو يقتضي خلافًا في ذلك بين أهل العلم ، ولا أعلم فيه خلافًا . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٣٢٢ وقال ابن عبد البر : التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه . وقال أيضًا : لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أم قومًا على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يجزئ ، وساق الكلام على ذلك ، وكأن الترمذي توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) في التبويب: ((التخفيف في الصلاة))، ((من كان يخففها))، وليس ذلك صريحًا في وجود خلاف ، ولم يبوب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثم قائل به لبوب عليه ، وذكره . وقد روى ابن أبي شيبة في الباب المذكور عن ثابت البناني، قال : صليت مع أنس العتمة ، فتجوز ما شاء الله . وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال : كان أبي إذا صلى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجوز ، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟ فقال: إنا أئمة يقتدى بنا . وعن أبي رجاء ، وهو العطاري ، قال : رأيت الزبير بن العوام، صلى صلاة خفيفة، فقلت : أنتم أصحاب رسول الله بيئة أخف الناس صلاة ، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلاً ، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة ، ويتم الركوع والسجود . وعن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبيه ، قال : رأيت أبا هريرة -٣٢٣ - ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣ صلى صلاة تجوز فيها ، فقلت له : هكذا كانت صلاة النبي عٍَّ ؟ قال : نعم ، وأجوز. وعن عمرو بن ميمون: لما طُعنَ عمرُ ، وماج الناس، تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. [النصر: ١]. وعن إبراهيم النخعي أنه كان يخفف الصلاة ، ويتم الركوع والسجود. وعن أبي مجلز، قال: كانوا يتمون ، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة . وعن عمرو بن ميمون ، قال : ما رأيت الصلاة في موضع أخف منها فيما بين هاتين الحائطين - يعني مسجد الكوفة الأعظم .. وعن النعمان بن قيس ، قال : كُنَّ النساء إذا مررن على عَبِيدَة ، وهو يصلي، قلن: خففوا ، فإنها صلاة عبيدة ، يعني من خفتها ، رواها كلها ابن أبي شيبة . وحكى ابن حزم في ((المحلى)) عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلاً أخذ شاة عَزُوزًا لم يفرغ من لبنها حتى أصلي الصلوات الخمس ، أتمُّ ركوعها ، وسجودها . والعزوز - بالعين المهملة ، والزاي المعجمة المكررة -: الضيقة الإحليلين. وعن علقمة: لو أُمرَ بذبح شاة، فأخذ في سلخها ، لصليت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفرغ منها . ويحتمل أن ابن أبي شيبة إنما بوب على تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من کان يؤثر تخفيفها، - ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ولو مع هذه الحالة ، فنقله الترمذي إلى أئمة العامة ، وأولئك لا خلاف فيهم، كما تقدم(١) . والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى : هذا الأمر بالتخفيف صرح أصحابنا - (الشافعية) - وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب ، وذهب جماعة إلى الوجوب ، تمسكًا بظاهر الأمر . قال ابن حزم الظاهري: يجب على الإمام التخفيف إذا أم جماعة ، لا يدري کیف طاقتهم. وقال ابن عبد البر المالكي : في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة ، يلزمهم التخفيف ، لأمر رسول الله تعمي﴾ إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل ؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل. وكذا قال ابن بطال في شرح البخاري : فيه دليل على أن أئمة الجماعة ، يلزمهم التخفيف ، لأمر رسول الله عَّه بذلك. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه : الراجع عندي قولُ من قال بالوجوب ، عملاً بظاهر الأمر ، إذ ليس له صارف عن الوجوب، والله تعالى أعلم. المسألة السابعة : المراد بتخفيف الصلاة - كما قال أهل العلم - أن يكون بحيث لا يخلّ بسننها ، ومقاصدها . وفي ((الصحيحين)) عن أنس (١) راجع ((طرح التثريب في شرح التقريب)) جـ٢ ص ٣٤٦ -٣٤٨. (٢) المصدر السابق ج١ ص ٣٤٨. ٣٢٥ _ ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣ رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله ﴾ يأمرنا بالتخفيف ، ويؤمنا بالصافات ، وبوّب النسائي على حديث ابن عمر رضي الله عنهما: [الرخصة في التطويل)](١). ويحتمل أن هذا ليس تطويلاً، وإنما هو بیان للتخفيف المأمور به . وقال ابن حزم رحمه الله لما ذكر قوله تميّه في حديث عثمان بن أبي العاص: ((واقتد بأضعفهم)). هذا حد التخفيف، وهو أن ينظر ما يحتمل أضعف مَنْ خلفه، وأمسهم حاجة في الوقوف ، والركوع ، والسجود، فليصل على حسب ذلك . انتهى(٢) . قال الحافظ ولي الدين رحمه الله: وهو عندي حسن . وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله في ((شرح العمدة)): حديث الباب يدل على التخفيف في صلاة الإمام والحكم فيها مذكور مع علته ، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول ، وفيه بعد ذلك بحثان : (أحدهما): أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبعها الحكم ، فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف ، وحيث لا يشق ، أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل ، وعن هذا قال الفقهاء : إذا علم من المأمومين أنهم يؤثرون التطويل، كما إذا (١) وهو الباب الآتى بعد هذا الباب ٨٢٦/٣٦. (٢) ((المحلى)) جـ٤ ص٩٩. - ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة اجتمع قوم لقيام الليل ، فإن ذلك - وإن شق عليهم - فقد آثروه ، ودخلوا عليه . ( الثاني) أن التطويل ، والتخفيف من الأمور الإضافية ، فقد يكون الشيء طويلاً بالنسبة إلى عادة قوم ، وقد يكون خفيفًا بالنسبة إلى عادة آخرين . وقد قال بعض الفقهاء : إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع ، والسجود ، والمروي عن رسول الله تَّة أكثر من ذلك مع أمره بالتخفيف ، فكأن ذلك ؛ لأن عادة الصحابة - لأجل شدة رغبتهم في الخير - تقتضي أن لا يكون ذلك طويلاً ، هذا إذا كان فعل النبي ◌َّهِ عامًا في صلواته ، أو أكثرها ، وإن كان خاصًا ببعضها ، فيحتمل أن يكون؛ لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل ، وهو متردد بین أن لا یکون تطويلاً بسبب ما يقتضيه حال الصحابة ، وبین أن یکون تطويلاً ، لكن بسبب إيثار المأمومين ، وظاهر الحديث المروي لا يقتضي الخصوص ببعض صلاته ﴾ . انتهى . وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى - كما نقله عنه الصنعاني في عدّه(١) : إذا أمرهم بالتخفيف ، وأمرهم أن يصلوا كصلاته في قوله : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) عُلم بالضرورة أن الذي کان یفعله هو الذي أمَرَ به ، يوضح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى تخفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه ، ويسمى تطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخف (١) جـ٢ ص ٢٥٩ -٢٦٠. ٣٢٧ - ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣ منه ، فلا حد له في اللغة يُرجع إليه ، وليس من الأفعال المعروفة التي يرجع فيها إلى العرف ، كالحرز ، والقبض ، وإحياء الموات ، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها وصفاتها وهياتها ، كما يُرجع إليه في أصلها ، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس ، وعوائدهم في مسمى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ، ومقاديرها اختلافًا بينًا لا ينضبط . ولهذا لَمَّا فَهمَ بعضُ من نکس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يمكن من التخفيف اعتقد أن الصلاة كلما خففت ، وأخرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمر فيها مَرّ السهم، ولا يزيد على (( الله أكبر)) في الركوع والسجود بسرعة ، فيكاد سجوده يسبق ركوعه ، وركوعه يكاد يسبق قراءته ، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث . ويحكى عن بعض هؤلاء أنه رأى غلامًا له يطمئن في صلاته ، فضربه ، وقال : لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئًا عن شغله مثل هذا الإبطاء ؟ وهذا كله تلاعب بالصلاة ، وتعطيل لها ، وخداع من الشيطان . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي حققه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى هو الراجح عندي ، وإن اعترض عليه الصنعاني ، وطول الكلام في الرد عليه في كتابه ((العدة حاشية العمدة)) (١). (١) جـ ٢ ص ٢٦١ - ٢٦٤ . - ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة وحاصله أن ما ثبت عنه عَّ من كيفية الصلاة ، هو الذي أمر به ، وقد كان يخفف أحيانًا ، ويطول أحيانًا على حسب ما يراه من حال المأمومين . فقد ثبت أنه عمّ خفف صلاته تارة، فقرأ في صلاة العشاء بـ (( التين والزيتون)) وجاء في هذا أنه كان في سفر . وقد روي عنه أنه قرأ بها في المغرب ، ولم يذكر السفر، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقرأ بقصار المفصل ، ولا يعارضه حدیث زيد بن ثابت أنه أنکر علی مروان قراءته بقصار المفصل ؛ لأنه أنكر استمراره على ذلك ، وجاء في الصحيح أنه قرأ فيها بـ ((والليل إذا يغشى))، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر ، وكذلك صلى الصبح بـ ((الزلزلة)) في الركعتين ، وقرأ فيه أيضًا بـ ((المعوذتين))، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار . وثبت عنه أنه طول تارة، فقرأ في المغرب بـ ((المرسلات))، وبـ((الطور))، وبطولى الطوليين ، وظاهره أنه أتمها. وقول القاضي عياض: إن المراد ببعضها - خلاف الظاهر ، وكان يطول بالصبح ، فيقرأ في الركعتين ما بين الستين إلى مائة، وصلاها بـ ((المؤمنون)) حتى إذا وصل ذكر موسى وهارون ، فأخذته سَعْلَة ، فركع ، وقرأ فيها بـ ((ق))، وقرأ فيها بـ (الطور)). وعن أبي سعيد أنهم قدّروا قراءته عَّه في صلاة الظهر في الأوليين من الظهر بقدر ﴿المّ (١) تَنزِيلَ﴾: ((السجدة))، وفي الأخريين بقدر % ٣٢٩ _ ٣٥ - ما على الإسام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣ النصف من ذلك ، وجاء أنه كان يقرأ في الظهر والعصر بـ (( السماء ذات البروج))، و((السماء والطارق)). وصلى تارة الظهر بـ (( سورة لقمان))، و((الذاريات))، وقرأ فيها بـ ((سبح اسم ربك الأعلى))، و((الغاشية)). والأحاديث في هذا الباب كثيرة . وكذا ثبت عنه أنه كان سجوده وركوعه على حسب قراءته ، فإذا خفف خفف ، وإذا طول طول . فعلى الإمام أن يقتدي به في ذلك ؛ لأنه صح عنه قوله: ( صلوا كما رأيتموني أصلي)) . وبالجملة فعلى الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، كما كان ◌َ ◌ّ. يراعي ذلك ، فقد قال: (( إني لأقوم في الصلاة ، فأسمع بكاء الصبي، فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)). فإن خفي على الإمام حالهم فليخفف احتياطًا. والله تعالى أعلم . المسألة الثامنة : هذا الحكم ، وهو الأمر بالتخفيف مذكور مع علته ، وهو كون المأمومين فيهم السقيم ، والضعيف ، والكبير ، فإن انتفت هذه العلة ، فلم يكن في المأمومين أحد من هؤلاء ، وكانوا محصورين، ورضوا بالتطويل طوّل ، لانتفاء العلة ، قال ولي الدين رحمه الله : وبذلك صرح أصحابنا وغيرهم . وقال ابن عبد البر رحمه الله : قد بان في هذا الحديث العلة الموجبة - ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة للتخفيف ، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة ؛ لأنه وإن علم قوة من خلفه ، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: (( فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء))؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره ، وقد يحدث للظاهر القوة ، ومن يُعرَفُ منه الحرصُ على طول الصلاة حادثٌ من شغل، وعارضٌ من حاجة وآفةٌ ، من حدث بول أو غيره . انتهى . وتبعه على ذلك ابن بطال ، فذكر مثل هذا الكلام . قال الحافظ ولي الدين : وهو ضعيف ، فإن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم ، فإذا انحصر المأمومون ، ورضوا بالتطويل ، لا نأمر إمامهم بالتخفيف لاحتمال عارض لا دليل عليه ، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه يرد على ما ذكراه، فإنه عَّه قال : ((إني لأقوم في الصلاة ، وأنا أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز ، كراهية أن أشق على أمه)). فإرادته ثَّه أولاً التطويل يدلّ على جواز مثل ذلك ، وما تركه إلا لدليل قام على تضرر بعض المأمومين به، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه . والله أعلم . انتهى. قال الجامع عفا الله عنه : عندي هذا الذي قاله الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى حسن جدًّا. والله تعالى أعلم . المسألة التاسعة : قال الإمام ابن حزم رحمه الله : حد التطويل: ما لم يخرج وقت الصلاة التي تلي التي هو فيها ، ثم استدل على ذلك بأن رسول الله عَّ صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر ٣٣١ _ ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣ بالأمس. وقال عليه الصلاة والسلام: ((وقت الصبح ما لم تطلع الشمس، ووقت العصر ما لم تغرب الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق ، ووقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل)). قال : فصح يقينًا أن من دخل في صلاة في آخر وقتها ، فإنما يصلي باقيها في وقت الأخرى ، أو في وقت ليس له تأخير ابتداء الصلاة إليه أصلاً. وقد صح عن النبي ◌َّ أن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ، فصح أن له إذا دخل في الصلاة في وقتها أن يطول ما شاء ، إلا تطويلاً منع النص منه ، وليس له أن يطيل حتى تفوته الصلاة التالية لها فقط . انتهى كلامه(١). قال ولي الدين رحمه الله : وهو ضعيف ، والذي ينبغي أن يقال في حد التطويل المباح: إنه ما لم يخرج وقت الصلاة التي هو فيها ، ولو جوزنا له أن يخرج جزءًا منها عن وقتها لم يكن لتوقيتها فائدة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الوقت ما بين هذين)). وأما استدلاله على ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، فقد تقرر تأويله عند أكثر العلماء على معنى أنه فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر في اليوم الأول، فقوله: (( صلى الظهر)) أي ابتدأها . وقوله: ((صلى العصر)) أي فرغ منها، وفعل يصلح للابتداء والشروع(٢)، (١) ((المحلّى)) باختصار جـ٤ ص ٩٩ -١٠١. (٢) هكذا نسخة ((الطرح))، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة: وفعلُ الصلاة يصلح للابتداء والفراغ ، فحمل في كل موضع على اللائق به . فلیحرر. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٣٣٢ - فحملت في كل موضع على اللائق بها، ولا اشتراك بين الصلاتين في وقت . وعلى تقدير أن لا نؤله، ويجعل بين الصلاتين اشتراك في الوقت كما يقوله المالكية، فالاشتراك إنما هو في مقدار أربع ركعات خاصة، وهكذا يقول المالكية، وهل ذلك من وقت العصر أو الظهر؟ خلاف عندهم. وأما القول بالاشتراك في جميع الوقت ، فلا قائل به ، ولا دليل يعضده ، ولا يصح القياس في ذلك عند من يقول بالقياس ، فكيف عند من ينكره ؟ والعجب من استدلاله على مطلوبه بقوله عليه الصلاة والسلام : ((إنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى)) وهذا عليه لا له ، فإنه دالٌ على أن غاية التأخير المباح دخول الأخرى ، لا فراغه، ولا تضيقه ، وما ذكره ابن حزم مبني على أن هذه الأوقات للشروع في الصلاة ، لا للفراغ منها، وهذا مردود، بل هذه المواقيت لجملة الصلاة، أولها ، ووسطها ، وآخرها. وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنه يحرم تأخير الصلاة إلى حدّ يخرج بعضها عن الوقت، وهو موافق لما ذكرته ، لكنهم قالوا: إنه لو شرع في الصلاة ، وقد بقي من الوقت ما يسع جميعها ، فمد هذا بتطويل القراءة لم يأثم بذلك ، إلا في وجه حكاه القاضي حسين في ((تعليقه))، وقال: إن هذا الخلاف ينبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول والخروج ، أو للدخول فقط ، وهل يكره ذلك ؟ فيه وجهان : أصحهما عندهم لايكره، لكن قال النووي في ((شرح المهذب)): إنه خلاف الأولى. ٣٣٣ _ ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٤ قال ولي الدين : وعندي أن تجويزهم تطويل القراءة حتى يخرج الوقت مخالف لقوله: ((إن التفريط أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى)) ولقوله: ((الوقت ما بين هذين)). وقد تبين كلام القاضي حسين أنه مبني على أن هذه الأوقات وقت للدخول فقط ، والصحيح أنها وقت للدخول والخروج . انتهى ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي صححه الحافظ ولي الدين رحمه الله من كون الأوقات للدخول والخروج هو الراجح عندي ، فلا يجوز تطويل القراءة حتى يخرج وقت الصلاة المحدد لها بنص الحديث المتقدم ، وما ذكره ابن حزم من أن المراد خروج وقت الصلاة التي تليها خلاف الصواب . والله تعالى أعلم ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٢٤ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أنَس، أنَّ النَّبِيَّ ◌َّ كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاة فِي تَمَام)) . رجال هذا الإسناد : أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السند الماضي . (١) راجع الطرح جـ٢ ص ٣٥١ - ٣٥٢. - ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٢ - (أبو عوانة) الوَضَّاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، مات سنة ١٧٥ أو ١٧٦ ، من [٧]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٤٦/٤١. ٣ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسي البصري ، ثقة ثبت ، يدلس ، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/٣٠ . ٤ - (أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف ، وهو (٥٥) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله كلهم ثقات ، وكلهم من رجال الجماعة ، وفيه أنس، أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله ◌َ ﴾ كان أخف الناس صلاةً) منصوب على التمييز (في تمام) ، أي مع تمام ، فـ(في)) بمعنى (مع)). يعني أنه تَّ كانت صلاته أخف، فلا تثقل على المؤتمين به بسبب طولها ، مع أنه يتمها بمراعات أركانها، وواجباتها ، وسننها، وآدابها، فلا يؤدي تخفيفه إلى أن يخل ببعض ما ذُكر . ٣٣٥ - ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٤ وأورد المصنف رحمه الله تعالى حديث أنس رضي الله عنه بعد حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه أمر النبي ◌َّهُ مَن أم الناس أن يخفف ، بيانًا للمراد بالتخفيف المأمور به ، فحديث أنس رضي الله عنه يفسر حديث أبي هريرة رضي الله عنه . والحاصل : أن التخفيف المأمور به هو الذي يكون مع إتمام الصلاة بأركانها ، وواجباتها ، وسننها ، وآدابها ، فلا يجوز للإمام أن يخفف تخفيفًا مخلاً ببعض ذلك . والله تعالى أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨٢٤/٣٥، وفي ((الكبرى)) ٨٩٨/٣٥ بالسند المذكور ، وأخرجه فيه عن أحمد بن سليمان الرُّهَاوي، عن يزيد بن هارون ، عن شعبة ، عن قتادة ، به . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن يحيى بن يحيى ، وقتيبة ، كلاهما - ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة عن أبي عوانة، عن قتادة ، عنه . والترمذي فيه عن قتيبة ، به . وأحمد ١٧٠/٣، ١٧٣، ١٧٩، ٢٣١، ٢٣٤ . والدارمي رقم (١٢٦٣) . وابن خزيمة (١٦٠٤). المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى ، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف . ومنها : بيان هدي النبي ◌َّ في صلاته إمامًا، وهو أنه كان أخفّ الناس صلاة في تمام . ومنها : أن التخفيف المأمور به يكون مع الإتمام ، ولا يجوز فيه التفريط ، بحث يخل ببعض أجزاء الصلاة ، فإ ذلك ليس تخفيفًا ، بل هو استخفاف بحق الصلاة ، فيدخل تحت الوعيد الشديد فيمن ضيع حقوق الصلاة ، وبقية مباحث الحديث تقدمت في مسائل الحديث الماضي . والله تعالى أعلم ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٨٢٥ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأوْزَاعِي ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أبِي فَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النََِّّهُ، قَالَ: ((إِنَّي لأَقُومُ فِي الصَّلاةِ ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَوجِزُ فِي صَلاتِي كَرَاهيَةَ أنْ أَشُقَّ عَلَى أمه)). ٣٣٧ - ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٥ رجال هذا الإسناد : ستة ١، ٢ - تقدما في الباب الماضي. ٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو ، أبو عمرو الفقيه الدمشقي ، ثقة فاضل ، مات سنة ١٥٧ ، من [٧]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٤٥ / ٥٦. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليمامي ، ثقة ثبت، يدلس ، ويرسل ، مات سنة ١٣٢ ، من [٥]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٢٤/٢٣. ٥ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني ، ثقة، مات سنة ٩٥ ، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/٢٣. ٦ - (أبو قتادة) الحارث بن ربعي ، وقيل : غيره الأنصاري السَّلَمي المدني ، الصحابي المشهور، رضي الله عنه، تقدم في ٢٤/٢٣. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله ، وأن رجاله كلهم ثقات ، ومن رجال الجماعة إلا شيخه ، فانفرد هو به ، والترمذي ، وفيه رواية تابعي عن تابعي ؛ يحيى عن عبد الله ، ورواية الراوي عن أبيه . - ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة تنبيه : قد صرح الأوزاعي بالتحديث عند البخاري في رواية بشر بن بكر ، عنه فقال : حدثني يحيى . وصرح به أيضًا يحيى بن أبي كثير عند الإسماعيلي في رواية ابن سماعة عن الأوزاعي، فقال : حدثني عبد الله ابن أبي قتادة. قاله في (الفتح)) (١) . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه) رضي الله عنه (عن النبي ◌ُّ) أنه (قال: إِني لأقوم في الصلاة) ، اللام هي لام الابتداء، دخلت في خبر ((إن)) كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوَ إِنِّي لَوَزَرّ وفي رواية للبخاري: ((لأقوم في الصلاة ، أريد أن أطوّل فيها))، وفي رواية: ((لأقوم إلى الصلاة)) ... قال في ((الفتح)): فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبٌّ، لا يجب عليه الوفاء به ، خلافًا لأشهب، حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا . انتهى(٢). (فأسمع بكاء الصبي) قال الفيومي : البكاء - بالضم ، (١) فتح جـ٢ ص٤٣٦ . (٢) جـ٢ ص ٤٣٧ . ٣٣٩ - ٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٥ والقصر، والمد، وقيل: القصرُ مع خروج الدمع ، والمدُّ على إرادة الصوت ، وقد جمع الشاعر اللغتين ، فقال [من الوافر] : بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِيِ الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ وقال أيضًا : الصبي : الصغير ، والجمع صبيّة - بالكسر - وصبْيَان. انتهى(١) . (فأوجز في صلاتي) بضم الهمزة ، مضارع أوجز ، رباعيًا ، أي أسرع في أدائها، بتخفيف القراءة ، وغيرها (كراهية أن أشق على أمه)، ((كراهية)) منصوب على أنه مفعول لأجله ، و((أن)) مصدرية ، أي لأجل كراهيتي المشقة على أمه بسبب التطويل . وفي رواية للبخاري: ((فأتجوز، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه )). وروى ابن أبي شيبة عن وكيع ، عن سفيان ، عن أبي السوداء، عن عبد الرحمن بن سابط : أن رسول الله مَّه قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية ، فسمع بكاء صبي ، فقرأ في الثانية بثلاث آيات . وهذا مرسل . وأخرج مسلم عن ثابت البناني ، عن أنس رضي الله عنه، قال : كان رسول الله عَّه يسمع بكاء الصبي مع أمه ، وهو في الصلاة ، فيقرأ بالسورة الخفيفة ، أو بالسورة القصيرة . والله تعالى أعلم ، وبه المستعان ، وعليه التكلان . (١) المصباح جـ١ ص ٥٩، وص ٣٣٢. - ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨٢٥/٣٥، وفي ((الكبرى)) ٨٩٩/٣٥ بالسند المذكور . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن إبراهيم بن موسى ، عن الوليد بن مسلم ، وعن محمد بن مسكين ، عن بشر بن بكر . وأبو داود فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم ، عن عمر بن عبد الواحد ، وبشر بن بكر . وابن ماجه فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم ، عن عمر بن عبد الواحد - وبشر بن بكر - ثلاثتهم عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه رضي الله عنه. وأخرجه أحمد جـ ٥ ص ٣٠٥. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده: منها : ما ترجم له المصنف ، وهو بيان ما على الإمام من التخفيف . ومنها : أن من قصد التطويل في صلاته يطلب منه العدول عنه