النص المفهرس

صفحات 301-320

:
٣٣ - الصَّفُّ بَيْنَ السَّوَارِي - حديث رقم ٨٢١
٣٠١ _
رجال الجماعة ، وفيه رواية تابعي عن تابعي ؛ يحيى عن عبد الحميد .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الحميد بن محمود) المعْوَليّ، أنه (قال: كنا مع
أنس بن مالك رضي الله عنه (فصلينا مع أمير من الأمراء) لم يُسَمَّ
ذلك الأمير (فدفعونا) أي دفعنا الناس من الصف ، لشدة الزحام
(حتى قمنا ، وصلينا بين الساريتين) أي الأسطوانتين، والظرف
تنازعاه الفعلان قبله، وفي رواية الترمذي ، عن عبد الحميد ، قال :
صلينا خلف أمير من الأمراء ، فاضطرنا الناس ، فصلينا بين
الساريتين، فلما صلينا ، قال أنس بن مالك : كنا نتقي هذا على عهد
رسول الله عَط .
وفي رواية أبي داود ، قال: (( صليت مع أنس بن مالك يوم
الجمعة، فدُفعنا إلى السواري ، فتقدمنا ، وتأخرنا ، فقال أنس: كنا
نتقي هذا على عهد رسول الله عَ ليه ..
قال صاحب ((المنهل)) رحمه الله: فظاهر هاتين الروايتين - يعني
رواية النسائي ، ورواية الترمذي - أنهم صَلَّوْا بين السواري . ولا منافاة
بينهما وبين حديث الباب - يعني حديث أبي داود المذكور - لاحتمال
تعدد الواقعة ، فمرة لم يصلوا بينها ، فيكون قول أنس : كنا نتقي هذا .

- ٣٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
بيانا لسبب تقدمهم وتأخرهم ، ومرة صلوا بينها ، فيكون قوله: كنا
نتقي هذا ، تعليمًا لهم ، ليتباعدوا عن ذلك . انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أو يكون معنى قوله: (( فتقدمنا ،
وتأخرنا)) أي تقدم بعضنا إلى الصف، وتأخر بعضنا عنه ، حتى صلى
بين الساريتين ، فتكون الواقعة واحدة . والله أعلم .
(فجعل أنس يتأخر) ((جعل)) من أفعال الشروع ، كما قال ابن
مالك في «خلاصته)) :
كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلَقْ
كَأَنْشَأ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ
فـ ((أنس)) اسمها، وجملة ((يتأخر)) خبرها، أي شرع أنس رضي الله
عنه يتأخر عن الساريتين، لئلا يصف بينهما (وقال:) مبينًا سبب تأخره
لمن معه (كنا) معاشر الصحابة (نتقي هذا على عهد رسول الله عَليه)
أي كنا نحترز عن القيام للصلاة بين السواري ، ونجتنبه في زمن
رسول الله عَّه للنهي عنه، فقد أخرج ابن ماجه ، عن معاوية بن
قرة، عن أبيه، قال : كنا ننهى أن نصُفّ بين السواري على عهد
رسول الله تَّ، ونُطرَد عنها طردًا. وفي إسناده، هارون بن مسلم
البصري ، وهو مجهول ، كما قال أبو حاتم .
(١) ((المنهل)) جـ ٥ ص ٦٢ .

٣٠٣ _
٣٣ - الصَّفُّ بَيْنَ السَّوَارِي - حديث رقم ٨٢١
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث صحيح ، صححه
الحاكم، ووافقه الذهبي ، ويشهد له حديث الباب ، فإن قول أنس
رضي الله عنه : كنا نتقي هذا ... إلخ له حكم الرفع عند جمهور
المحدثين، ولا سيما ، وقد أضافه إلى عهده ثمّة ، قال الحافظ السيوطي
رحمه الله في ((ألفية المصطلح)) :
نَحْوُ منَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا أُمَرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي
وقال الشيخ الألباني في ((تمام المنة)) : إنما قال أبو حاتم في هارون
ابن مسلم : مجهول ؛ لأنه لم يعرف له راويًا غير عمر بن سنان
الصُّغْدي ، ولذا لم يذكر له غيره ، ولكن الواقع أنه روى عنه أيضًا ثلاثة
من الثقات، وكلهم رووا هذا الحديث عنه، وهم: أبو داود الطيالسي،
وأبو قتيبة سلم بن قتيبة ، ويحيى بن حماد . قال : فثبت بهذا أن
هارون بن مسلم هذا معروف، ليس بمجهول، وأن إسناده صحيح ، أو
حسن على الأقل ، وهو صحيح قطعًا بحديث أنس رضي الله عنه .
انتهى كلام الشيخ الألباني باختصار (١) . والله سبحانه ولي التوفيق ،
وعليه التكلان .
(١) راجع تمام المنة في التعليق على فقه السنة . ص ٢٩٦ - ٢٩٧.

- ٣٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا حديث صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٣٣ / ٨٢١، وفي ((الكبرى)) ٨٩٥/٣٣، عن عمرو بن
منصور عن أبي نعيم ، عن سفيان الثوري ، عن يحيى بن هانئ ، عن
عبد الحميد بن محمود المعولي، عنه . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه أبوداود في ((الصلاة)) عن محمد بن بشار ، عن ابن مهدي ،
عن سفيان الثوري ، به نحوه . وأخرجه الترمذي فيه عن هَنَّاد ، عن
وكيع ، عن الثوري به بمعناه .
وأخرجه عبد الرزاق رقم (٢٤٨٩). وابن خزيمة رقم (١٥٦٨)،
وابن حبان جـ٥ ص٥٩٦ - ٥٩٧ . والحاكم وصححه جـ ٢١٠/١
و٢١٨ . والبيهقي جـ٣/ ص ١٠٤.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بين السواري :
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله: وقد اختلف أهل العلم في
الصف بين السواري؛ فكرهت طائفة الصف بين السواري ، وممن كره
ذلك: ابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وروي ذلك عن ابن عباس ،

٣٠٥ -
٣٣ - الصَّفُّ بَيْنَ السَّواريبي - حديث رقم ٨٢١
وكره ذلك النخعي .
ورخصت طائفة فيه ، وممن رخص فيه : ابن سيرين ، ومالك ،
وأصحاب الرأي .
قال ابن المنذر رحمه الله : ليس في هذا الباب خبر يثبت عن
النبي ◌َُّ أنه نهى عنه ، وأعلى ما فيه قول أنس : كنا نتقيه ، ولو اتقى
متق كان حسنًا ، ولا مأثم عندي على فاعله . انتهى كلام ابن المنذر
رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه : في قوله : ليس في هذا الباب خبر
يثبت ... إلخ. نظر ، بل صح النهي عنه ، كما سبق بيانه ، فنقول
بالنهي عن الصف بين السواري . والله أعلم .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله ما حاصله : والعلة في الكراهة
ما قاله أبو بكر ابن العربي من أن ذلك ، إما لانقطاع الصف ، أو لأنه
موضع جمع النعال . قال ابن سيد الناس : والأول أشبه ؛ لأن الثاني
مُحْدَث . وقال القرطبي : وروي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن
المؤمنین .
وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم ، قال
الترمذي : وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري . وبه
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٨١ - ١٨٣.

__ ٣٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قال أحمد ، وإسحاق ، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك .
انتهى . وبالكراهة قال النخعي . وروى سعيد بن منصور في ((سننه))
النهي عن ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وحذيفة، قال ابن سيد
الناس : ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ، ورخص فيه أبو حنيفة،
ومالك ، والشافعي، وابن المنذر ، قياسًا على الإمام والمنفرد ، قالوا :
وقد ثبت أن النبي ◌َّ صلى في الكعبة بين ساريتين .
وقال ابن رسلانٍ : وأجازه الحسن ، وابن سيرين . وكان سعيد بن
جبير، وإبراهيم التيمي ، وسويد بن غَفَلَة يؤمون قومهم بين
الأساطين، وهو قول الكوفيين .
وقال ابن العربي : ولا خلاف في جوازه عند الضيق ، وأما عند
السعة ، فهو مكروه للجماعة ، فأما الواحد ، فلا بأس به ، وقد صلى
النبي ◌َّ في الكعبة بين سواريها. انتهى .
قال الشوكاني : وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في
حال الضيق ، لقوله : فاضطرّنا الناس ، ويمكن أن يقال : إن الضرورة
المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها .
وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري ، ولم
يقل: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ففيه دليل على التفرقة بين
الجماعة والمنفرد .
ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة ،
.

٣٠٧ _
٣٣ - الصَّفُّ بَيْنَ السَّوَارِي - حديث رقم ٨٢١
فيحمل المطلق على المقيد(١). ويدل على ذلك صلاته عَ ◌ّه بين
الساريتين، فيكون النهي على هذا مختصًا بصلاة المؤتمين بين السواري ،
دون الإمام والمنفرد ، وهذا أحسن ما يقال، وما تقدم من قياس المؤتمين
على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار ، لمصادمته لأحاديث الباب . انتهى
كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قال الشوكاني رحمه الله
تعالى هو المتجه عندي . وهو أن النهي الوارد في الصلاة بين السواري
محمول على المأمومين ، لا على الإمام والمنفرد ، جمعًا بين الأدلة ؛
لأن حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه: (( كنا ننهى أن نصف بين
السواري)). صريح في المأمومين ، وأما الإمام ، والمنفرد، فلا يدخلان
في النهي ، لصلاته تَّ في الكعبة بين السواري .
ثم ظاهر النهي للتحريم ، إلا إذا قلنا: إن صلاته عمّ بين السواري
(١) قال الجامع: حديث أنس الذي أشار إليه الشوكاني، وعزاه إلى الحاكم، لفظه كما
قال: ((كنا ننهى عن الصلاة بين السواري، ونطرد عنها))، وأنا أرى هذا خطأ، إذ
حديث أنس الذي أخرجه الحاكم، هو الذي أخرجه النسائي هنا، ولفظه: ((كنا نتقي
هذا على عهد رسول الله تٍَّ)). وأما بلفظ كنا ننهى ... إلخ، فهو حديث معاوية
ابن قرة ، عن أبيه ، وقد أخرجه الحاكم أيضًا . كما سبق بيانه ، فالظاهر أن اشتبه أحد
اللفظين بالآخر على الشوكاني ، أو على من نقل هو عنه ذلك ، فتأمل ، والله تعالى
أعلم .
(٢) ((نيل الأوطار)) جـ ٤ ص ١٠٣ - ١٠٤.

- ٣٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
يصرف النهي عن التحريم ، إلى التنزيه ، ولا بُعْدَ في ذلك . والله
تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٣٤ - المكان الذي يُستحب من الصف - حديث رقم ٨٢٢
٣٠٩ -
٣٤ - المَكَانُ الَّذِى يُنْتَحَبُّ مِنَ الصَّفَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على المكان الذي يستحب
للمأمومين أن يقفوا فيه من الصفّ ، وهو اليمين .
ومحل الاستدلال قول البراء رضي الله عنه: (( أحببت أن أكون عن
يمينه)) . وسيأتي توجيه ذلك قريبًا ، إن شاء الله تعالى.
٨٢٢ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْر، قَالَ: أنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّه، عَنْ مسْعَر،
عَنْ ثَابتِ بْنِ عُبيدٍ، عَنِ ابْنِ البَرَاءِ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا
ء
صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُول اللَّهِ عَّهِ، أَحْبَيْتُ أنْ أَكُونَ عَنْ يَمينه .
٠
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي ، لقبه شاه ، راوية ابن
المبارك، ثقة ، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الترمذي
والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥ .
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن
المروزي الإمام الثقة الثبت الحجة ، مات سنة ١٨١ ، من [٨]، أخرج
له الجماعة ، تقدم في ٣٦/٣٢ .
٣ - (مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة،
ثبت فاضل ، مات سنة ١٥٣، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨/٨.

- ٣١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٤ - (ثابت بن عبيد) الأنصاري ، مولى زيد بن ثابت ، كوفي ،
ثقة ، من [٣]، أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم،
والأربعة، تقدم في ١٧٣/ ٢٧١ .
٥ - (ابن البراء) هو إما :
(عبيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي ، ثقة ،
من [٤]. روى عن أبيه حديث الباب. وعنه ثابت بن عبيد ، ومحارب
ابن ديثار. وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة. أخرج له مسلم، وأبو داود،
والنسائي ، وابن ماجه حديث الباب فقط ، ولم يسمه منهم إلا
أبو داود(١) .
وإما : (يزيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الكوفي ، صدوق،
من [٣]، روى عن أبيه ، وعنه عدي بن ثابت ، وأبو جناب الكلبي ،
وسيف أبو عائذ السعدي، وقال : كان أميرًا علينا بعمان ، وكان كخير
الأمراء . وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال : كان أمير عمان .
وقال العجلي : كوفي تابعي ، ثقة . أخرج له أبو داود، والنسائي(٢).
٦ - (البراء) بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي ،
الصحابي ابن الصحابي، رضي الله عنهما ، نزل الكوفة ، مات سنة
٧٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/٨٦. والله تعالى أعلم.
(١) ((ت)) ص ٢٢٨. ((تت)) جـ ٧ ص ٦٠.
(٢) (ت)) ص ٣٨١. ((تت)) جـ ١١ ص ٣١٦.

i
١ ٣١ _
٣٤ - المكان الذي يُستحب من الصف - حديث رقم ٨٢٢
لطائف هذا الإسناد
(منها) أنه من سداسيات المصنف ، وأن رواته كلهم ثقات ،
وأنهم کوفیون ، إلا شيخه ، وشيخ شيخه ، فمروزيان ، وفيه رواية
تابعي عن تابعي ؛ ثابت عن ابن البراء ، ورواية الراوي عن أبيه. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن البراء) هو إما عبيد، وإما يزيد، كما سبقت الإشارة
إليه ، قريبًا ، وسيأتي تمام البحث في المسائل ، إن شاء الله تعالى (عن
البراء) بن عازب رضي الله عنهما، أنه (قال: كنا) يعني معاشر
الصحابة رضي الله عنهم (إِذا صلينا) أي إذا أردنا الصلاة (خلف
رسول الله ◌َّ أحببت أن أكون) هكذا رواية المصنف هنا، وفي
الكبرى: (( أحببت أن أكون)) بضمير المتكلم الواحد .
والذي عند مسلم، وأبي داود، وابن ماجه، وغيرهم: (( أحببنا أن
نكون )) بضمير الجمع (عن يمينه) أي جهة يمينه ، وذلك ليقبل
صَلىالله
عليهم بوجهه الشريف إذا سلم. ففي رواية مسلم وغيره: (( أحببنا أن
نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه ، قال : فسمعته يقول: ((رب قني
عذابك يوم تبعث)) أو ((تجمع عبادك)) . وفي رواية ابن خزيمة من رواية
يزيد بن البراء ، عن أبيه ، قال: (( كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين
رسول الله عمله؛ لأنه كان يبدأ بالسلام على يمينه)).

- ٣١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قال القاضي عياض رحمه الله: يحتمل أن يكون التيامن عند
التسليم، وهو الأظهر ؛ لأن عادته ◌َّة إذا انصرف أن يستقبل جميعهم
بوجهه ، قال: وإقباله مي يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة ، أو
یکون حین ینفتل. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه : يدلّ حديث الباب على ما ترجم له
المصنف رحمه الله تعالى ، وهو بيان المكان الذي يستحب أن يقف فيه
المأموم ، وهو يمين الإمام ، ووجه ذلك أن محبة الصحابة رضي الله
عنهم لذلك، ومسابقتهم إليه كان بعلم من النبي تعمّه ، فلو كان الفضل
في غير اليمين لبينه لهم، ولا سيما وقد ثبت قوله عمّة: ((إن الله
وملائكته يصلون على ميامن الصفوف )) . رواه أبو داود بإسناد حسن،
کما قاله الحافظ في ((الفتح)) جـ٢ ص ٤٥٠ .
وأما قول بعضهم باستحباب وسط الصف مُسْتَدلاً بحديث
((وَسِّطُوا الإمام)) رواه أبو داود، فغير صحيح ؛ إذ الحديث ضعيف،
لجهالة بعض رواته ، كما قدمناه ٨١٨/٣٠. وكذا ما أخرجه ابن ماجه
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قيل للنبي عَمّه: ((إن ميسرة
المسجد تعطلت ، فقال: (( من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من
الأجر)) فضعيف ؛ لأن في إسناده عمرو بن عثمان الكلابي ، وهو
ضعيف ، وليث بن أبي سليم ، وهو متروك . ويحمل على تقدير
صحته على ما إذا أدى إلى تعطيل الميسرة . والله تعالى أعلم .
(١) شرح النووي على صحيح مسلم . جـ ٥ ص٢٢١ .

-٣١٣ -
٣٤ - المكان الذي يُستحب من الصف - حديث رقم ٨٢٢
وسيأتي اختلاف أهل العلم في جهة الانصراف من الصلاة ، هل
هو عن اليمين ، أو مخير في كلا الجانبين . وترجيح الراجح في ذلك
بدليله في [باب الانصراف من الصلاة] ١٣٥٩/١٠٠ إن شاء الله
تعالى، والله تعالى أعلم ، ومنه التوفيق ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث البراء رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٣٤/ ٨٢٢، وفي ((الكبرى)) ٨٩٦/٣٤ بالسند المذكور .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي كريب ، عن يحيى بن زكريا بن
أبي زائدة ، وعن أبي كريب ، وزهير بن حرب ، كلاهما عن وكيع .
وأبو داود فيه عن محمد بن رافع ، عن أبي أحمد الزبيري - وابن ماجه
فيه عن علي بن محمد ، عن وكيع - ثلاثتهم عن مسعر ، عن ثابت بن
عبيد، عن ابن البراء، عنه. وأحمد ٢٩٠/٤، ٣٠٤. وابن خزيمة
رقم (١٥٦٣ و١٥٦٤، ١٥٦٥).
المسألة الرابعة : (اعلم) أنه وقع اختلاف بين الرواة في ذكر ابن

- ٣١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
البراء في إسناد هذا الحديث ، وإسقاطه ، وفي اسمه ، هل هو عبيد، أم
یزید .
فممن أثبته : وكيعٌ عند أحمد ، ومسلم ، وابن ماجه ، وأبو نعيم
عند أحمد ، ويحيى ابن أبي زائدة عند مسلم ، وأبو أحمد الزبيري عند
أبي داود ، وابن خزيمة، وعبد الله بن المبارك عند المصنف ، وسفيان
عند ابن خزيمة ، ستتهم عن مسعر ، عن ثابت بن عبيد ، عن ابن البراء
عن أبيه ، فأثبتوه .
فأما أبو نعيم ، عند أحمد ، ووكيع عند مسلم ، وابن ماجه ،
ويحيي ابن أبي زائدة عند مسلم ، وابن خزيمة ، وابن المبارك عند
المصنف، وأبو أحمد الزبيريّ عند ابن خزيمة ، فقالوا : عن مسعر ، عن
ثابت بن عبيد ، عن ابن البراء ، عن البراء بن عازب ، فأبهموه .
وأما أبو أحمد الزبيري من رواية محمد بن رافع عنه عند أبي داود ،
فقال : عن مسعر ، عن ثابت بن عبيد ، عن عبيد بن البراء ، عن أبيه ،
فسماه عبيداً .
وأما وكيع عند أحمد، وسفيانُ عند ابن خزيمة ، فقالا : عن مسعر،
عن ثابت بن عبيد ، عن يزيد بن البراء ، عن أبيه ، فسمياه (( يزيد)).
وممن أسقطه : أبو أحمد الزبيري في رواية محمد بن بشار عنه عند
ابن خزيمة ، ووكيع في رواية سَلْم بن جُنادة عنه ، عند ابن خزيمة أيضًا ،

٣١٥ -
٣٤ - المكان الذي يُستحب من الصف - حديث رقم ٨٢٢
كلاهما عن مسعر ، عن ثابت بن عبيد ، عن البراء بن عازب ،
فأسقطوه .
والحاصل أن الأكثرين على إثبات الواسطة ، ثم الأكثرون منهم على
إبهامه ، ومثل هذا الاختلاف لا يضر ؛ لإمكان حمله على أن ثابتًا سمعه
عن البراء نفسه ، وعن ابنه عنه ، وكذا لا يضر إبهام ابنه ؛ لأنه سمي في
الروايات الأخرى ، وكذا الاختلاف في تسميته عبيدًا ، ويزيد لا يضر
أيضًا ؛ لأن كلا منهما ثقة . والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٣١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٣٥ - مَ عَلَى الإِمَامِ مِنَ التَّحْفِيفِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الذي يجب على الإمام من
تخفيف الصلاة، لئلا يشق على المأمومين ، فقوله: (( من التخفيف ))
بیان لـ « ما)).
وظاهر تعبير المصنف بـ (( على)) التي تقتضي الوجوب، يدل على أن
المصنف يرى وجوب التخفيف ، وهو المذهب الراجح ، وإن قال
الجمهور بالاستحباب ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل إن شاء الله
تعالى .
٨٢٣ - أخبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِك، عَنْ أَبِي الزنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَِّهِ، قَالَ: ((إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ
بِالنَّاسِ ، فَلْيُخَفِّفْ ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ، وَالضَّعِيفَ،
وَالكَبِيرَ ، فَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي ، ثقة ثبت ، مات سنة ٢٤٠ ، من
[١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١.
٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الثبت الحجة المدني ، مات سنة
١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.

٣١٧ _
٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني ، ثقة فقيه ، مات سنة
١٣٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧ / ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني ، ثقة ثبت
عالم ، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧ / ٧ .
٥ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف ، وأن رواته كلهم ثقات ، وكلهم
من رجال الجماعة ، وأنه مسلسل بالمدنيين ، غير شيخه ، فبغلاني ،
وفيه رواية تابعي عن تابعي ، وفيه أن أبا الزناد لقب لعبد الله ، لقب به
لذكائه ، وكنيته أبو عبد الرحمن . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّه) أنه قال: (إِذا
صلى أحدكم بالناس) أي إمامًا لهم. وللبخاري : ((للناس)) باللام ،
وهي بمعنى الباء .
ثم إن عدم ذكر المفعول يدل على تناول الأمر الفرائض والنوافل
التي يشرع لها الجماعة ، كالعيد ، والتراويح ، ونحوهما ؛ لأن حذف
المفعول يدل على العموم ، بدليل صحة الاستثناء ، فإنه معيار العموم ،
نعم يستثنى من ذلك صلاة الكسوف، لمشروعية تطويل القراءة فيها ،
فلا يسن النقص عن المشروع في ذلك ، وكأنه لندورها ، والاهتمام

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٣١٨
بشأنها للأمر العارض . أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله
تعالى(١) (فليخفف) ، أي القراءة والأذكار ، بحيث لا يخل بأركان
الصلاة ، وسننها، وآدابها؛ لأن رسول الله عَّ قد نهى عن نقرة
الغراب، ولقوله للمسيء صلاته: ((لم تصل)) (فإِن فيهم) الفاء
تعليلية ، أي لأن في الناس المؤتمين به (السقيم) أي المريض
( والضعيف) جبلَّةً ، أو لقرب مرض. قاله السندي.
قال الحافظ ولي الدين رحمه الله : إن قلت : ما فائدة عطف
الضعيف على السقيم ، وهو بمعناه ؟ قلت : ليس بمعناه ، فقد ذكر
الجوهري ، وغيره أن الضعف خلاف القوة ، وأن السقم المرض ، فدلّ
على أن الضعف أعم من السقم ، فقد يكون الإنسان قليل القوة من
أصل الخلقة ، لا من سقم عرض له . انتهى (٢).
(والكبير) أي في السن، وفي رواية البخاري: (( فإن فيهم
الضعيف ، والسقيم ، والكبير)) . قال الحافظ : المراد بالضعيف هنا
ضعيف الخلقة ، وبالسقيم من به مرض .
وزاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: (( والصغير، والكبير)).
وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: (( والحامل،
والمرضع)). وله من حديث عدي بن حاتم: (( والعابر السبيل)). وقوله
في حديث أبي مسعود: (( وذا الحاجة)). هي أشمل الأوصاف
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) جـ٢ ص ٣٥٠.
(٢) ((طرح)) جـ٢ ص ٣٥١.

٣١٩ _
٣٥ - ما على الإمام من التخفيف - حديث رقم ٨٢٣
(١)
المذكورة. انتهى ((فتح))
٠
(فإذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء) ولمسلم: (( فليصل كيف
شاء)). أي مخففًا، أو مطولاً. وفي مسند السرّاج: ((إذا صلى وحده،
فلیطول إن شاء)) .
وهل هذا الأمر للاستحباب، أو للإباحة ، والترخيص؟ يترجح
الأول ، لكونه أمرًا في عبادة ، ويترجح الثاني لتعلقه بمشيئة المصلي،
ولو كان للاستحباب لم يعلقه بمشيئته، ولا يحتمل هنا أن يكون
للوجوب ، كالسابق(٢) .
قال الجامع: هكذا ذكر الاحتمالين ولي الدين رحمه الله بدون
ترجيح لأحدهما . والظاهر الاحتمال الثاني . والله أعلم .
ثم إن الإطالة المذكورة مشروطة بأن لا تؤدي إلى خروج الوقت ،
وإلا فلا . وجوز بعضهم الإطالة ولو خرج الوقت ، وهو المصحح
عند بعض الشافعية ، قال في ((الفتح)) : وفيه نظر ؛ لأنه يعارضه عموم
قوله تعميّه في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: (( إنما التفريط أن يؤخر
الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى)) . أخرجه مسلم . وإذا تعارضت
مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير
وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى . واستدلّ بعمومه أيضًا على
(١) جـ ٢ ص ٤٣٣ .
(٢) جـ٢ ص٣٥١.

i
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٣٢٠
جواز تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين. انتهى ((فتح))(١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
والله المستعان ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٨٢٣/٣٥، وفي ((الكبرى)) ٨٧٩/٣٥ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك
ومسلم فيه عن قتيبة بن سعيد ، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي .
وأبو داود فيه عن القعنبي عن مالك . والترمذي فيه عن قتيبة ، عن
المغيرة كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج، عنه .
و(الموطأ)) رقم ١٠٣، أحمد جـ٢ ص٤٨٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى ، وهو بيان ما يجب
(١) جـ ٢ ص ٤٣٣ .