النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١ _
٢٥ -كيف يقوم الإمام الصفوف - حديث رقم ٨١١
عز وجل الرحمة . وقد يقال: لا منافاة بين القولين . والله أعلم . وأما
الصلاة من الملائكة ، فبمعنى الدعاء والاستغفار . انتهى (١).
والمعنى هنا أن الله تعالى يثني على أهل الصفوف المتقدمة عند
ملائكته ، أو ينزل رحمته عليهم ، وتدعو لهم الملائكة ، وتستغفر
لهم.
وقال السندي رحمه الله في ((شرحه)): قوله: (على الصفوف
المتقدمة) أي على الصف المتقدم في كل مسجد ، أو في كل جماعة ،
فالجمع باعتبار تعدد المساجد ، أو تعدد الجماعة ، أو المراد الصفوف
المتقدمة على الصف الأخير ، فالصلاة من الله تعالى تشمل كل صف
على حسب تقدمه ، إلا الأخير ، فلاحظ له منها ، لفوات التقدم ،
والله أعلم . انتهى (٢) . وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث البراء بن عازب رضي الله عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٨١١/٢٥)، وفي ((الكبرى)) (٨٨٥/٢٥) بالسند المذكور.
(١) انظر تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠٣.
(٢) شرح السندي جـ٢ ص ٩٠.

- ٢٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
المسألة الثالثة : فیمن أخر جه معه :
وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن هناد، وأبي عاصم أحمد بن
جَوَّاس الحنفي ، كلاهما عن أبي الأحوص ، عن منصور ، عن طلحة
ابن مصرف ، عن عبد الرحمن بن عوسجة ، عنه.
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن بشار ، عن يحيى بن
سعيد ، ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة ، عن طلحة بن مصرف ،
به مختصراً ، بلفظ: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)).
وأحمد جـ٤/ ص ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، والدارمي رقم (١٢٦٧)،
وابن خزيمة رقم (١٥٥١، ١٥٥٦). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائد حديثي الباب:
منها: ما ترجم له المصنف ، وهو بيان كيفية تقويم الإمام
الصفوف، وتعديلها ، وهو أن يتعاهد ذلك بنفسه ، ويمسح صدور
المأمومين، ومناكبهم ، ويأمرهم بتعديلها، ويبين لهم ما يترتب على
عدمه من وقوع المخالفة بين وجوههم ، وقلوبهم.
ومنها : ما كان عليه النبي ◌َّ من العناية بأمر الصلاة ، وتعديل
الصفوف فيها بنفسه ، بحيث يدخل في خلال الصفوف من ناحية ،
وينتهي إلى ناحية أخرى.
ومنها : الوعيد الشديد على من لا يعتنون بإقامة الصفوف ، من

٢٥ - كيف يقوم الإمام الصفوف - حديث رقم ٨١١
٢٤٣ -
وقوع العداوة ، والبغضاء بينهم .
ومنها : بيان فضل الصفوف المتقدمة ، حيث إن الله تعالى ،
وملائكته يصلون على من يصلي فيها ، وهذا من أشرف المراتب العلية
المقيمي الصلاة على الوجه المطلوب ، جعلنا الله تعالى من عباده
المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ، والذين هم في صلاتهم خاشعون . إنه
بعباده رؤوف رحيم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب)) .
~

- ٢٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
43
٢٦ - مَ يَقُولُ الإِمَامُ إذَا تَقَدَّمَ فِي تَسْوِيَة الصَّغُوف
أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على ما يقوله الإمام للمأمومين
وقت تقدمه للإمامة في شأن تسوية الصفوف . ومحل الاستدلال
قوله: ((استووا)). والله تعالى أعلم.
٨١٢ - أخْبَرَنَا بشْرُ بْنُ خَالد الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ
شُعْبَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنَّ عُمَارَةَ بْن عُمَيْرِ ، عَنْ أبي
مَعْمَرَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُود، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَه
يَمْسَحُ عَوَاتقَنَا، وَيَقُولُ: ((اسْتَوُوا، وَلا تَخْتَلِفُوا
فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ، وَلَيَلِيَنِّي مِنْكُم أولُو الأحْلاَمِ ،
والنُّهَى، ثُمَّالَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ )).
رجال هذا الإسناد : سبعة
كلهم تقدموا ، إلا ثلاثة :
١ - (بشر بن خالد العسكري(١) ) أبو محمد الفرائضي ، نزيل
(١) والعسكري- بفتح أوله، والكاف، وراء، نسبة إلى عَسْكَر مُكْرَم ، مدينة بالأهواز ،
وإلى عسكر مصر ، وعسكر سُرَّمَن رأى، وعسكر المهدي . قاله في((اللب)) جـ٢
ص١١٤ . وقال في هامشه: هذه النسبة إلى مواضع، وأشياء ، فأشهرها المنسوب
إلى عسكر مُكرَم ، وهي بلدة من كور الأهواز ، يقال لها : بالعجمية: لشكر، ومكرم
الذي ينسب إليه البلد ، هو مكرم الباهلي، وهو أول من اختطها من العرب، فنسبت
البلدة إلیه. وإلى عسکر مصر . انتھی باختصار.

1
٢٦ - ما يقول الإمام إذا تقدم في تسوية الصفوف - حديث رقم ٨١٢
٢٤٥ _
البصرة، ثقة يغرب، مات سنة ٥٥٢ أو ٥٥٣، من [١٠].
قال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي : ثقة . وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: يُغْربُ عن شعبة، عن الأعمش بأشياء ، مات سنة
٢٥٥، أو ما بعدها بقليل ، أو قبلها بقليل ، وقال إبراهيم بن محمد
الكندي ، أحد الرواة عنه : مات سنة ٢٥٣ ، روى عنه البخاري،
ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
٢ - (غندر) محمد بن جعفر أبو عبد الله البصري ، ثقة صحيح
الكتاب ، مات سنة ١٩٣ ، من [٩]، أخرج له الجماعة ، تقدم في
٠٢٢/٢١
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الحجة الثبت ، مات سنة ١٦٠،
من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/٢٤ .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الحديث أخرجه مسلم ، وتقدم
للمصنف قريبًا ٨٠٧/٢٣، وتقدم الكلام عليه، وعلى المسائل المتعلقة به
هناك ، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادة ذلك .
وقوله: ((عواتقنا)): جمع عاتق ، وهو ما بين المنكب ، والعُنُق،
ويذكر ، ويؤنث . أفاده في ((المصباح)) . والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .
= قال الجامع عفا الله عنه: لم يتبين لي إلى أيها ينتسب بشر بن خالد هذا؟. والله تعالى
أعلم. وأما الفرائضي ، فهو نسبة إلى علم الفرائض، ويقال: أيضًا : فرضي،
وفارض. كما في ((اللباب)).

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٢٧ - كَمْ مَرَّةً يَقُولُ: ((اسْتَوُوا))
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالِّ على عدد قول الإمام عند تسوية
الصفوف: ((استووا)). ومحل الاستدلال قولُهُ: ((استووا)) ثلاث
مرات. والله تعالى أعلم.
٨١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَد ، قَالَ:
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َه
كَانَ يَقُولُ:((اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، فَوَ الَّذِي نَفْسِي
بَيَدَه إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ».
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (أبو بكر بن نافع) محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي
البصري ، مشهور بكنيته ، صدوق ، مات بعد ٢٤٠، من [١٠].
أخرج له مسلم ، والترمذي ، والنسائي . روى عنه مسلم،
والترمذي، والمصنف ، وغيرهم . روى عنه مسلم (٥٤) حديثًا .
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في ((الكاشف)) : محمد بن أحمد بن
نافع ، أبو بكر بن أبي نافع البصري ، عن غندر ، والقطان ، وعنه
مسلم، والترمذي، والنسائي، وزكريا الساجي ، ثقة . انتهى(١).
(١) انظر ((الكاشف)) جـ ٣ ص ١٧ .
:

٢٤٧ -
٢٧ - كم مرة يقول : استووا - حديث رقم ٨١٣
ولم يذكر في (تت)) ولا في ((تك)) ولا في ((ص)) فيه جرحًا ، ولا
تعديلاً ، إلا ما قدمته عن ((ت)) من قوله: صدوق . والله تعالى أعلم.
٢ - (بهز بن أسد) العمي ، أبو الأسود البصري ، ثقة ثبت، مات
بعد ٢٠٠، وقيل: قبلها، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/٢٤.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار ، أبو سلمة البصري ، ثقة عابد ،
أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره ، مات سنة ١٦٧ ، من كبار
[٨]، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٢٨٨/١٨١.
٤ - (ثابت) بن أسلم البناني ، أبو محمد البصري ، ثقة عابد ،
مات سنة بضع و١٢٠، من [٤] ، أخرج له الجماعة ، تقدم في
٤٥/ ٠٥٣
٥ - (أنس) بن مالك، الصحابي الشهير رضي الله عنه، أخرج له
الجماعة ، تقدم في ٦/ ٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله ، وأن رواته كلهم
ثقات ، وأنهم من رجال الجماعة ، إلا شيخه ، فانفرد هو به ، ومسلم،
والترمذي ، وأنه مسلسل بالبصريين ، وفيه أنس، أحد المكثرين
السبعة، روى ٢٢٨٦ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن النبي ◌َّهُ كان يقول:

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٢٤٨
استووا، استووا ، استووا) الخطاب للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة
معه تَّة، وإنما كرر الأمر ثلاث مرات تأكيدًا لشأن تسوية الصفوف
(فو الذي نفسي بيده، إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين
يدي) الفاء تعليلية ، وجملة ((إن)) جواب القسم ، وجملة القسم تعليل
للأمر ، أي إنما أمرتكم بذلك لما علمت من حالكم من التقصير في
ذلك، بسبب أني أراكم من خلفي ... إلخ.
ويحتمل أنه قال ذلك تحريضاً للضعفاء على التسوية ، بناء على
إخلالهم بها بسبب الغَيبة عن نظره ، إذ كثير من الضعفاء يهتمون في
الحضور ما لا يهتمون في الغيبة . ويحتمل أن بعض المنافقين كانوا لا
يهتمون بأمر الصفوف ، فقيل لهم ليهتموا ، ولا يُخلّوا بأمر الصفوف .
والله أعلم . أفاده السندي رحمه الله تعالى(١) .
وقد اختلف في معنى رؤيته تَّ من خلفه ، فقيل : المراد بها العلم،
إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم ، وإما أن يلهم . وفيه نظر ؛ لأن العلم
لو كان مرادًا لم يقيده بقوله: ((من وراء ظهري)). وقيل: المراد أنه يرى
مَنْ عن يمينه ، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه مع التفات يسير في
النادر، ويوصف من هو هناك بأنه من وراء ظهره، وهذا ظاهر
التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب .
قال في ((الفتح)) بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: والصواب المختار
أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به عَّ﴾ ،
(١) شرح السندي جـ٢ ص ٩١ - ٩٢ .

٢٤٩ -
٢٧ - كم مرة يقول: استووا - حديث رقم ٨١٣
انخرقت له فيه العادة. وعلى هذا ، عمل البخاري في ((صحيحه)) ،
حيث أخرج هذا الحديث في علامات النبوة. وكذا نقل عن الإمام
أحمد وغيره.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّرِ رحمه الله: لا حاجة إلى تأويله؛ لأنه في
معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة . وقال القرطبي رحمه الله :
حملُه على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة كرامة للنبي تَّه .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي صوبه في ((الفتح)) ، واختاره ،
وعزاه إلى المحققين ، كالإمام أحمد ، وغيره ، ومال إليه البخاري ،
وارتضاه ابن المنير ، والقرطبي ، من حمل الرؤية على حقيقتها بلا
تأويل ، هو المذهب الحق ، الحقيق بالقبول ، وما عداه رأي مبتذل ،
غير مقبول . والله تعالى أعلم .
وقال في ((الفتح)) أيضًا: ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية
عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا ، فكان يرى بها من غير مقابلة ؛ لأن
الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص ،
ولا مقابلة ، ولا قرب ، وإنما تلك الأمور عادية ، ويجوز حصول
الإدراك مع عدمها عقلاً ، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في
الدار الآخرة ، خلافاً لأهل البدع ، لوقوفهم مع العادة .
وقيل: کانت له عین خلف ظهره، یری بها من ورائه دائمًا . وقيل:
كانت بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، يبصر بهما ، ولا يحجبهما
ثوب، ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته ، كما
.

- ٢٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
تنطبع في المرآة ، فيرى أمثلتهم فيها ، فيشاهد أفعالهم . انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال - غير الأول - لا أثارة عليها
من علم ، بل هي تخمينات، وظنون، وقول بلا علم ، ومن واجب
المسلم العاقل أن لا يقول بغير علم ، ولا يحكم بغير بينة .
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فالواجب في
مثل هذا ، الوقوف على ما أثبته النص، من كونه ◌ّ يرى من خلفه ،
كما يرى من أمامه ، والكف عنه الخوض في كيفية الرؤية ؛ لأنه قول
بلا علم ، وتفويض حقيقة الأمر إلى الذي خصه بهذه المعجزة العظيمة ،
والمنة الجسيمة . والله المستعان وعليه التكلان .
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٨١٣/٢٧ ، وفي
((الكبرى)) ٢٧/ ٨٨٥ بالسند المذكور ، وأخرجه أحمد في مسنده جـ٣
ص٢٦٨، ٢٨٦. والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب.
(١) فتح جـ٢ ص٧٦ .

٢٥١ _
٢٨ - حَتَّ الإمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّغُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٤
حَتَّ الإِمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالْمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا
٢٨ -
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حث الإمام المأمومين على أن
يرصّوا صفوفهم ، ويقاربوا بينها .
و((الحث)) بالفتح: هو التحريض. يقال: حَثَثْتُ الإنسان على
الشيء ، حَثّا ، من باب قتل ، وحَرَّضته عليه بمعنى، وذهب حثيثًا ،
أي مسرعًا، وحثئت الفرس على العَدْو: صحْتُ به ، أو وَكْزْتُهُ برجل،
أو ضَرْب ، واستحثثته كذلك ، قاله الفيومي رحمه الله تعالى (١).
و((الرَّصّ) - بالفتح: الضم. يقال: رصصت البناء، رَصّاً ، من
باب قتل: ضممت بعضه إلى بعض . أفاده الفيومي أيضاً (٢). والله
تعالى أعلم.
٨١٤ - أخْبَرَنَا عَلَيّ بْنُ حُجْر، أنْبَأْنَا إِسْمَاعيلُ، عَنْ حُمَيْد ، عَنْ
أنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّه ◌َّ.
بَوَجْهه حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَبْلَ أنْ يُكَبِّرَ ، فَقَال:
٠٠
(أَقَيِمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ
ظھْري)).
(١) المصباح المنير ج١ ص ١٢١ .
(٢) المصباح ج١ ص٢٢٨.

٢٥٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
رجال هذا الإسناد : أربعة
١ - (علي بن حجر) المروزي ثقة حافظ ، من صغار التاسعة ،
مات سنة ٢٤٤، وقد قارب المائة ، أو جاوزها ، أخرج له البخاري،
ومسلم، والترمذي، والنسائي ، تقدم في ١٣/١٣ .
٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزَّرَقيّ ،
أبو إسحاق القارئ المدني ، نزيل بغداد ، ثقة ثبت ، مات سنة ١٨٠،
من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ١٧ .
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري ، ثقة
مدلس، مات سنة ١٤٢ ، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٨/٨٧.
٤ - (أنس) بن مالك رضي الله عنه ، أخرج له الجماعة ، تقدم في
٦/٦.
ولطائف هذا الإسناد تكررت غير مرة ، وهو ۔ ٥٤ ۔ من رباعيات
الكتاب . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: أقبل علينا رسول الله = له.
بوجهه حين قام إلى الصلاة)، أي وقت قيامه (قبل أن يكبر)، أي
للإحرام (فقال: أقيموا صفوفكم) أي عدلوها ، يقال : أقام العود:
إذا عدله ، وسواه . وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة،

٢٥٣ -
٢٨ - حَتُّ الإِعَامِ عَلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالْمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٤
(وتراصوا) بتشديد الصاد المهملة ، أي تلاصقوا بغير خلل. ويحتمل
أن يكون تأكيدًا لقوله: ((أقيموا)). قاله في ((الفتح))(١).
(فإني أراكم من وراء ظهري) الفاء للتعليل ، فالجملة تعليل للأمر
بإقامة الصفوف والتراص فيها . فكأنه يقول لهم : إنما أمرتكم بذلك ؛
لأني تحققت منكم خلافه ، وقد تقدم في الباب الماضي بيان المعنى المراد
بهذه الرؤية ، وأن المختار حملها على الحقيقة، خلافًا لمن زعم غير
ذلك. والله أعلم ، ومنه التوفيق ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٨١٤/٢٨، ٨٤٥/٤٧، وفي ((الكبرى)) ٨٨٨/٢٨،
عن علي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عنه .
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أحمد بن أبي رجاء ، عن معاوية
ابن عمرو، عن زائدة بن قدامة ، وعن عمرو بن خالد ، عن زهیر ،
كلاهما عن حميد ، عنه .
(١) فتح جـ٢ ص ٤٤٤.

- ٢٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
وأخرجه أحمد في ((المسند)) جـ٣ ص ١٠٣، ١٢٥، ١٨٢، ٢٢٩،
٢٨٦،٢٦٣.
وعبد بن حميد في ((مسنده)) رقم ١٤٠٦، والله تعالى أعلم، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٨١٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا
قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِلَّهُ قَالَ: ((رَاصُّوا
صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأعْنَاقِ، فَوَ الَّذي
نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيَده إِنِّي لأَرَى الشَّيَاطِينَ تَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ
الصَّفِّ كَأنَّهَا الْحَذَفُ)) .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي)(١) أبو جعفر
البغدادي، ثقة حافظ ، مات سنة بضع و٢٥٠، من [١١]، أخرج له
البخاري، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ٤٣/ ٥٠ .
(١) بضم الميم ، وفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المشددة: نسبة إلى محلة ببغداد ،
سميت بذلك ؛ لأن بعض ولد يزيد بن المُخَرِّم نزلها . أفاده في ((لب اللباب)) جـ٢
ص٢٤٤ .

٢٥٥ _
٢٨ - حَتَّ الإمَامِ عَلَى رَصِّ الصُّفُوفِ وَالْمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٥
٢ - (أبو هشام) المغيرة بن سَلَمَة القرشي المخزومي البصري ، ثقة
ثبت ، من صغار [٩].
قال ابن المديني : كان ثقة . وقال أيضًا: ما رأيت قرشيًّا أفضل
منه، ولا أشد تواضعًا ، وأخبرني بعض جيرانه أنه كان يصلي طول
الليل . وقال يعقوب بن شيبة : كان ثقة ثبتًا. وقال علي بن الحسين بن
الجنيد ، والنسائي : ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات .
وقال البخاري : مات سنة ٢٠٠ ، وفيها أرخه ابن قانع ، وقال :
ثقة . علق عنه البخاري ، وأخرج له مسلم، وأبو داود ، والنسائي ،
وابن ماجه(١) .
٣ - (أبان) بن يزيد العطار ، أبو يزيد البصري ، ثقة ، له أفراد،
مات في حدود سنة ١٦٠ ، من [٧]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو
داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٨/ ٧٨٧ .
٤ - (قتادة) بن دعَامة السَّدُوسي ، أبو الخطاب البصري، ثقة
ثبت ، مات سنة بضع و١١٠ ، رأس الطبقة الرابعة، أخرج له الجماعة ،
تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك رضي الله عنه، تقدم في ٦/ ٦ . والله تعالى
أعلم.
(١) (تت)) جـ ١٠ ص ٢٦١.

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
لطائف هذا الإسناد
(منها) أنه من خماسيات المصنف ، وأن رجاله كلهم ثقات ، وأنه
مسلسل بالبصريين ، غير شيخه ، فبغدادي، ومسلسل بالتحديث غیر
أوله، ففيه ((أخبرنا)). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) قتادة (حدثنا أنس) رضي الله عنه (أن نبي الله عَّه ،
قال: راصوا صفوفكم)، ولأبي داود ((رُصُوا)) بضم الراء ثلاثيًا . أي
ضموا بعضها إلى بعض، مثل ضم لَبنَات الجدار ، حتی لا یکون بینکم
فُرَج ، من رَصَّ البناء من باب نصر : إذا ضم بعضه إلى بعض ، كما
تقدم (وقاربوا بينها) أي اجعلوا ما بين كل صفين من الفصل قليلاً
بحيث يقرب بعض الصفوف إلى بعض ، ولا يسع بين الصفين صف
آخر.
قال الجامع عفا الله عنه : قدر بعضهم التقارب بين الصفوف بثلاثة
أذرع ، ولكن لم يذكر مستنده . والله أعلم .
وإنما أمر تَّ بالتقارب بينها ، ليكون تقارب الأشباح سببًا لتقارب
الأرواح ، وتآلفها، فلا يقدر الشيطان على أن يوسوس لهم(١) (وحاذوا
بالأعناق) قيل: الظاهر أن الباء زائدة، والمعنى: اجعلوا بعض الأعناق
(١) أفاده في المنهل جهص ٥٧ .
:

٢٥٧ -
٢٨ - حَتَّ الإِعَامِ عَلَى رَصِ الصُّفُوفِ وَالمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٥
في مقابلة بعض . قاله السندي.
وفي ((المنهل)) : أي اجعلوا الأعناق على سمت واحد ، فلا يكون
عنق أحدكم خارجاً عن محاذاة عنق الآخر. ويحتمل أن يكون المراد
بمحاذاة الأعناق أن لا يرتفع بعضهم على بعض بأن يقف في مكان أرفع
من الآخر . قاله القاضي عياض . انتهى(١).
(فوالذي نفسي بيده، إِني لأرى الشياطين تدخل من خَلَل
الصف) بفتحتين : أي فرجته ، أو كثرة تباعد بعضها عن بعض ( كأنها
الحذف) بحاء مهملة ، وذال معجمة مفتوحتين : الغنم الصغار
الحجازية ، واحدها حذَفَة بالتاء ، كقَصَب وقَصَبَة. وقيل: هي غنم
صغار سُود جُرْد، ليس لها آذان ، ولا أذناب، يُجاء بها من اليمن.
وفي رواية للحاكم ، وصححه على شرط الشيخين(٢)، عن البراء
ابن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّه: ((تراصّوا في
الصفّ ، لا يتخللكم أولاد الحَذَف))، قال: قلت : يا رسول الله،
وما أولاد الحذف؟ قال: ((ضأن جُرْدٌ تكون بأرض اليمن)). انتهى ((المستدرك))
ج١ ص٢١٧ . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) المنهل جـ ٥ ص ٥٩.
(٢) بل هو ضعيف ؛ لأن في سنده أبا هشام الرفاعي ، محمد بن يزيد ، وهو ضعيف،
وعده ابن عديّ في شيوخ البخاري ، وجزم الخطیب بأن البخاري روی عنه. لكن قد
قال البخاري : رأيتهم مجمعين على ضعفه .
:

-
٢٥٨
:
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٨١٥/٢٨، وفي (الكبرى)) ٨٨٩/٢٨، عن محمد بن
عبد الله بن المبارك المخَرِّميّ، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي ،
عن أبان بن يزيد العطار ، عن قتادة ، عنه .
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن مسلم بن إبراهيم الأزدي، عن
أبان، به .
وابن خزيمة برقم (١٥٤٥) عن محمد بن معمر القيسي ، عن مسلم
ابن إبراهيم ، به . وقال: قال مسلم: يعني النَّقَدَ (١) الصغار. النقد
الصغار أولاد الغنم .
وأخرجه البيهقي في (الكبرى)) من طريق أبي داود جـ٣
ص١٠٠ . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨١٦ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ
الأعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ تَمِيمٍ بْنِ طَرَفَةَ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ:((خَرَجَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهَِّهُ،
(١) قال المجد: النقّدُ- بالتحريك -: جنس من الغنم قبيح الشكل. ((ق)) ص٤١٢.

٢٥٩ -
٢٨ - حَتُّ الإِعَامِ عَلَى رَصِ الصُّغُوفِ وَالْمُقَارَبَةِ بَيْنَهَا - حديث رقم ٨١٦
فَقَالَ: (( ألا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عنْدَ رَبِّهِمْ )
قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: ((يُتُمُّونَ
الصَّفَّ الأوَّلَ، ثُمَّ يَتَرَاصُونَ فِي الصَّفِّ)).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي ، ثقة ثبت ، مات سنة ٢٤٠ ، من
[١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١.
٢ - (الفضيل بن عياض) التميمي الزاهد ، أبو علي الخراساني ،
نزيل مكة ، ثقة عابد إمام، مات سنة ١٨٧، من [٨]، أخرج له البخاري،
ومسلم، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، تقدم في ٣٨٨/٢١ .
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم ، أبو محمد
الكوفي ، ثقة ثبت ، حجة لكنه مدلس ، مات سنة ١٤٧، من [٥] ،
أخرج له الجماعة ، تقدم في ١٨/١٧ .
٤ - (المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي ، أبو العلاء الكوفي
الأعمى ، ثقة ، من [٤] .
قال الدوري ، عن ابن معين : لم يسمع من أحد من الصحابة ، إلاّ
من البراء ، وأبي إياس ، عامر بن عبدة . وقال العوام بن حوشب :
كان المسيب يختم القرآن في كل ثلاث . وقال أبو حاتم : سمعت أبي
يقول : المسيب عن ابن مسعود مرسل . وقال مرة : لم يلق ابن

- ٢٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
مسعود، ولم يلق عليًا ، إنما يروي عن مجاهد ونحوه .
وقال أبو زرعة : المسيب عن سعد بن أبي وقاص مرسل ، قلت :
سمع منه عبد الله؟ قال: لا برأسه . وقال أبو حاتم : روى عن جابر بن
سمرة قليلاً ، ولا أظنه سمع منه يدخل بينه وبينه تميم بن طرفة . وقال
العجلي : كوفي تابعي ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات . وقال ابن أبي
عاصم ، وغيره : مات سنة ١٠٥، أخرج له الجماعة .
٥ - (تميم بن طرفة) - بفتح الطاء والراء - الطائفي الْمُسْلِيّ - بضم
الميم ، وسكون المهملة - الكوفي، ثقة، من [٣] .
قال النسائي : ثقة . وقال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث .
وقال الشافعي : تميم بن طرفة مجهول . وقال الآجري ، عن أبي داود:
ثقة مأمون . وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة. وقال أبو حسان الزيادي،
وغيره : مات سنة ٩٤ ، وقال ابن أبي عاصم : مات سنة ٩٥، وقال
ابن قانع : توفي سنة ٩٣ ، وقال ابن حبان : مات سنة ثلاث ، أو أربع
وتسعين . أخرج له مسلم ، وأبوداود ، والنسائي ، وابن ماجه .
٦ - (جابر بن سمرة) بن جُنادة - بضم الجيم ، بعدها نون -
ويقال: ابن عمرو بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة -
بضم المهملة ، وتخفيف الواو - بن عامر بن صعصعة ، السَّوائي ،
أبو عبد الله ، ويقال: أبو خالد ، وضبط العسكري اسم جده باي ،
وبائين الأولى مشددة . وكذا قال ابن ماكولا . له ، ولأبيه صحبة ، نزل