النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١ -
١٣ - الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة - حديث رقم ٧٩١
٣ - (عبد العزيز) بن صهيب البُنَاني البصري، ثقة، مات سنة
١٣٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨/ ١٩ .
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم رضي الله عنه، تقدم في
٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من رباعيات المصنف، وهو (٤٩) من رباعيات
الكتاب .
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم بصريون، إلا شيخه،
فطوسي ۔ بالضم - نسبة إلى طوس، قریة من قری بُخَاری، نزیل بغداد.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة
من الصحابة رضي الله عنهم.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي رواية لمسلم ((سمع
أنساً)). أنه (قال: أقيمت الصلاة) أي صلاة العشاء، كما بينه مسلم
من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، ولفظه:
((أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ◌ّ يناجيه
حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلَّوا)).
(ورسول الله ﴾ نجي لرجل) جملة من مبتدأ وخبر في محل

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
-
- ٦٢
نصب على الحال من ((الصلاة)) والرابط الواو. و((النجي)): المناجي،
کنديم، بمعنى منادم، ووزير بمعنى موازر.
وقال السندي رحمه الله: ((النجي)): فعيل من المناجاة، أي مناج
له، ولعله كان أمراً ضرورياً، أو فعل ذلك لبيان الجواز، ويؤخذ منه أن
الفصل بين الإقامة والشروع لا يضر بالصلاة. انتهى(١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: ((وأما قوله: نجي لرجل)): فمعناه
مُسَارّ له، والمناجاة: التحديث سرّاً. و((النَّجي)) فَعِيلٌ بمعنى فاعل،
يقال: رجل نجي، ورجلان نجي، ورجال نجيّ بلفظ واحد. قال الله
a
تعالى: ﴿وَقَرَّبِنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجيًّا
[يوسف: ٨٠] والله أعلم. انتهى(٢).
قال الحافظ رحمه الله: ولم أقف على اسم هذا الرجل. وذكر
بعض الشراح أنه كان كبيراً في قومه، فأراد أن يتألفه على الإسلام. ولم
أقف على مستند ذلك. قيل: ويحتمل أن يكون مَلَكًا من الملائكة جاء
بوحي من الله عز وجل. ولا يخفى بعد هذا الاحتمال. اهـ(٣).
(فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم) زاد شعبة عن عبد العزيز:
((ثم قام، فصلى)) أخرجه مسلم، وهو عند البخاري في ((الاستئذان)).
(١) شرح السندي جـ ٢ ص ٨١ - ٨٢.
(٢) شرح مسلم جـ ٤ ص ٧٢ - ٧٣ .
(٣) فتح جـ ٢ ص ٣٣٧ .
٠
م

٦٣ _
١٣ - الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة - حديث رقم ٧٩١
ووقع عند إسحاق بن راهويه في مسنده، عن ابن علية، عن عبد العزيز
في هذا الحديث: ((حتى نعس بعض القوم)). وكذا هو عند ابن حبان من
وجه آخر عن أنس. وهو يدلّ على أن النوم المذكور لم يكن
مستغرقاً(١).
وقد تقدم تحقيق أقوال أهل العلم في انتقاض الوضوء بالنوم
وعدمه، وترجيح الراجح منها بدليله في باب الوضوء من النوم رقم
(١١٦/ ١٦١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه
معه :
أخرجه هنا (١٣ / ٧٩١)، وفي ((الكبرى)) (١٣ / ٨٦٦) بالسند
المذكور.
وأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي معمر، عن
عبد الوارث، عن عبد العزيز، عنه. وعن عياش بن الوليد، عن
عبد الأعلى، عن حميد، عن ثابت، عنه. وفي ((الاستئذان)) عن محمد
ابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد العزیز، عنه.
(١) راجع الفتح جـ ٢ ص ٣٣٧.

- ٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
ومسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به.
وعن زهير بن حرب، عن إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز به. وعن
أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، عن حَبّان، عن حماد بن سلمة، عن
ثابت به .
وأبو داود فيه عن مسدد، عن عبد الوارث به. وعن حسين بن
معاذ، عن عبد الأعلى، عن حميد به. وعن موسى بن إسماعيل، عن
حماد بن سلمة به .
والترمذي فيه عن الحسن بن علي الخلال، عن عبد الرزاق، عن
معمر، عن ثابت عنه.
وأحمد (٣/ ١٢٩، ١٠١، ١٦٠، ٢٦٨، ١١٤، ٢٣٨، ١٦١،
٢٣٢، ٢٠٥، ١٩٩). وعبد بن حميد رقم (١٣٢٤) و (١٢٤٩).
وابن خزيمة رقم (١٥٢٧). والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى؛ وهو جواز تشاغل
الإمام إذا عرضت له حاجة بعدما تقام الصلاة، ومثله غير الإمام، كما
تقدم قريباً.
ومنها : جواز مناجاة الاثنين بحضور الجماعة.
ومنها : جواز الفصل بين الأذان والإحرام للصلاة إذا كان لحاجة،
أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، قال الحافظ رحمه الله: واستدلّ به
i

٦٥ _
١٣ - الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة - حديث رقم ٧٩١
للردّ على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: ((قد قامت الصلاة))
وجب على الإمام التكبير. اهـ.
وقال صاحب ((التلويح)) رحمه الله: فيه جواز الكلام بعد الإقامة،
وإن كان إبراهيم، والزهري، وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال
بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة)) وجب
على الإمام التكبير، وقال مالك: إذا بعدت الإقامة رأيت أن تعاد
الإقامة استحباباً . اهـ.
قال العلامة العيني رحمه الله : إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة
والإحرام إذا كان لغير ضرورة، وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا
یکره(١) .
ومنها : أن النوم الخفيف الذي لا يستغرق لا ينقض الطهارة، وقد
مرّ تحقيقه في موضعه من كتاب الطهارة كما أشرت إليه قريباً.
ومنها : جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها للحاجة. والله تعالى
أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) انظر الفتح جـ ٢ ص ٣٣٧. وعمدة القاري ج ٥ ص ١٥٨.

-
٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
١٤ - الإِمَامُ يَذْكُرُ بَعْدَ قِيَامِهِ فِي مُصَلاَّهُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ
ء
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم الإمام الذي يتذكر كونه
على غير طهارة بعد قيامه في مصلاه.
٧٩٢ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعيد بْنِ كَثير، قَالَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيَ، عَنِ الَرُّهَرِي، وَالْوَلِيدُ،
عَنِ الأَوْزَاعِي،َ عَنِ الزُّهْرِيَ، عَنَّ أَبِي سَلَمَةَ، عَنَّ أَبِي
هُرَيََّةَ، قَالَ: أُقِيمَتَ الصَّلاَةُ ، فَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ،
وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِعَهُ، حَتَّى إِذَا قَامَ في مُصَلَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ
لَمْ يَغْتَسِلْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِه ،
فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطِفُ رَآسُهُ ، فَاغْتَسَلَ ، وَنَحْنُ صُفُوفٌ.
رجال هذا الإسناد : ثمانية
١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير) بن دينار القرشي
مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق، مات سنة ٢٥٠، من [١٠]،
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢١/ ٥٣٥ .
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبْرَش ، ثقة، مات

٦٧ _
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢ / ١٧٢.
٣ - (الزبيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهذيل الحمصي
القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، مات سنة ١٤٢، من
[٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥ / ٥٦.
٤ - (الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي،
ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، مات سنة ١٩٤ وقيل غير ذلك، من
[٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٥ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو
الفقيه، ثقة جليل، مات سنة ١٥٧، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم
في ٤٥ / ٥٦.
٦ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الحافظ الثبت، مات
سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ / ١.
٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة
فقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ / ١.
٨ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في
١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم

- ٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
ثقات، وکلهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود،
وابن ماجه، وأنه مسلسل بالشامیین إلى الزهري، ومنه مدنيون .
ومنها : أن قوله: ((والوليدُ)) عطف على قوله: ((محمد بن
حرب))، فعمرو بن عثمان يروي هذا الحديث عن محمد بن حرب، عن
الزبيدي، وعن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، وكل من الزبيدي
والأوزاعي يرويان عن الزهري، ولذا يقدر قبل قوله عن الزهري لفظ
((كلاهما)) كما تقدم غير مرة.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة
على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين
السبعة، كما تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه
التكلان .
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (قال: أقيمت الصلاة،
فصف الناس صفوفهم) وفي نسخة ((وصف)) بالواو بدل الفاء،
و((صف)) يستعمل لازماً، ومتعدياً، يقال: صففتُ القومَ، فاصطفوا،
وصففتهم، فصفواهم. والمراد هنا أنهم عَدَّلُوا صفوفَهم. وفي رواية
البخاري (فسوی الناس صفوفهم)).
(وخرج رسول الله ﴾ ) الرواية هنا بالواو، وفي رواية

٦٩ _
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
للبخاري: ((فسوّى الناس صفوفهم، فخرج)) بالفاء، وفي رواية له ((أن
رسول الله ﴾ خرج، وقد أقيمت الصلاة)). وفي مستخرج أبي نعيم:
((فصف الناس صفوفهم، ثم خرج علينا)) .
ولفظ المصنف في الرواية الآتية (٢٤ / ٨٠٩) من طريق يونس، عن
ابن شهاب: ((أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلت الصفوف قبل أن يخرج
إلينا رسول الله ثم﴾، فأتانا رسول الله ثميُ حتى إذا قام في مصلاه قبل
أن يكبر، فانصرف، فقال لنا: ((مكانكم))، فلم نزل قياماً ننتظره، حتى
خرج إلينا، قد اغتسل، ينطف رأسه ماء، فكبر، وصلى)). ونحوه
لمسلم في صحيحه.
قال النووي رحمه الله: فقوله: ((قبل أن يكبر)) صريح في أنه لم
يكن كبر، ودخل في الصلاة، ومثله في رواية البخاري: ((وانتظرنا
تكبيره)). وفي رواية أبي داود: أنه كان دخل في الصلاة. فتحمل هذه
الرواية على أن المراد بقوله: ((دخل في الصلاة)) أنه قام في مقامه
للصلاة، وتهيأ للإحرام بها. ويحتمل أنهما قضيتان، وهو الأظهر.
وظاهر هذه الأحاديث أنه لما اغتسل وخرج لم يجددوا إقامة
الصلاة. وهذا محمول على قرب الزمان، فإن طال فلابد من إعادة
الإقامة، ويدل على قرب الزمان في هذا الحديث قوله عملية :
(مكانكم)). وقوله: ((خرج إلينا، ورأسه ينطف ماء)). انتهى كلام

٧٠
:
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
النووي رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: في قوله: ((فإن طال، فلابد من إعادة
الإقامة)). نظر؛ إذ لا دليل على ذلك، ويرده أيضاً أنهم انتظروه طويلاً
حين كان يناجي رجلاً بعد الإقامة للصلاة، ثم صلى، ولم تُعَد الإقامة،
كما تقدم تحقيقه. والله أعلم.
وقال في ((الفتح)): (قوله: خرج، وقد أقيمت الصلاة)) يحتمل أن
يكون المعنى خرج في حال الإقامة. ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت
خروجه، وهو ظاهر قوله: ((فسوّى الناس صفوفهم، فخرج ... ))
لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية بخروجه بالفاء. ويحتمل
أن يجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالاً، أي خرج، والحال أن
الصلاة أقيمت، والصفوف عدلت.
وقال الكرماني: لفظ ((قد)) تقرب الماضي من الحال، وكأنه خرج في
حالة الإقامة، وفي حال التعديل. ويحتمل أن يكونوا إنما شرعوا في
ذلك بإذن منه، أو قرينة تدلّ عليه. اهـ (٢) .
قال الجامع : فإن قيل : إن حديث الباب يدلّ على أنهم انتظروه
قياماً، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم (١٢/ ٧٩٠): ((إذا
نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) وفي رواية: ((حتى تروني
(١) شرح مسلم جـ ٥ ص ٢٠٣.
(٢) جـ ٢ ص ٣٣٤.

٧١ _
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
خرجت)). يدلّ على النهي عن انتظاره قياماً، فكيف يوفق بينهما؟
فالجواب ما ذكره في الفتح، حيث قال: يجمع بينهما بأن حديث
أبي هريرة رضي الله عنه وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم هذا كان
سبب النهي عنه في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام
الصلاة، ولو لم يخرج النبي ثَّ، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له
شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره. انتهى خلاصة ما في
الفتح بتصرف(١) .
(حتى إِذا قام في مصلاه ذكر أنه لم يغتسل) وفي رواية
للبخاري من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب: ((حتى إذا قام في
مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف ... )) وفيه أنه تذكر قبل أن يدخل في
الصلاة، وأصرح منه ما تقدم في رواية يونس: ((حتى إذا قام في مصلاه
قبل أن يكبر، فانصرف)). ولفظ مسلم: ((حتى إذا قام في مصلاه قبل أن
یکبر ذکر، فانصرف)».
قال الجامع : فإن قيل: يعارض هذا ما أخرجه أبو داود وابن حبان
عن أبي بكرة رضي الله عنه: ((أن النبي ثم دخل في صلاة الفجر،
فكبر، فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم)).
وأخرج مالك عن عطاء بن يسار مرسلاً: ((أنه تمّ كبر في صلاة من
(١) جـ ٢ ص ٣٣٢.

- ٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب، ثم رجع، وعلى جلده
أثر الماء)) .
أجيب : - كما قال في الفتح - بإمكان الجمع بينهما بحمل قوله :
((كبر)) على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، كما أبداه عياض،
والقرطبي احتمالاً. وتقدم أن النووي قال: إنه الأظهر. وجزم به ابن
حبان كعادته، فإن ثبت، وإلا فما في الصحيح أصح.
ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير
المأموم قبل تكبير الإمام. قال: فناقض أصله، فاحتج بالمرسل، متعقبة
بأن الشافعي لا يرد المراسيل مطلقاً، بل يحتج منها بما يعتضد، والأمر
هنا كذلك، لحديث أبي بكرة المذكور. انتهى (١) .
(فقال للناس : مكانكم) هو اسم فعل، فسره النحويون
بـ ((اثبتوا)) فيتحمل ضميراً، ومنه قول الشاعر :
وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَت مَكَانَك تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
أي اثبتي، ويدلّ على ذلك جزم جوابه، وهو ((تحمدي)).
وفسره الزمخشري بـ «الزموا)). واعترض علیه أبو حيان بأنه ليس
بجید، إذ لو کان کذلك لتعدی کما یتعدی ما ناب هذا عنه، فإن اسم
الفعل يعامل معاملة مسماه. وقال الحوفي: ((مکانکم)) نصب بإضمار
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٣٤.

٧٣ _
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
فعل، أي الزموا مكانكم، أو اثبتوا. وقال السمين الحلبي: إن من فسر
بذلك قصد تفسير المعنى(١) .
ثم إن الظاهر أنه قال لهم ((مكانكم)) نطقاً، ويحتمل أنه أشار إليهم
بذلك، كما صرح به في حديث أبي بكرة رضي الله عنه المذكور، ففيه
إطلاق القول على الإشارة، ويحتمل أنه جمع بين القول والإشارة.
والله أعلم.
(ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا، ينطف رأسه) بكسر الطاء،
وضمها؛ لغتان مشهورتان: أي يقطر. وفي رواية للبخاري من طريق
محمد بن يوسف، عن الأوزاعي: ((ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى
بهم)). وعند الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه،
فقال: ((إني كنت جنباً، فنسيت أن أغتسل)).
تنبيه :
وقع في نسخة ((الكبرى)) هنا (ينظف رأسه)) بالظاء المعجمة بدل
الطاء المهملة، من التنظيف، والظاهر أنه تصحيف، وقد وقع على
الصواب برقم (٢٤ / ٨٨٣). والله تعالى أعلم.
(فاغتسل، ونحن صفوف) جملة في محل نصب على الحال من
فاعل ((اغتسل))، والرابط الواو.
(١) انظر تفسير السمين الحلبي المسمى ((الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)) جـ ٤
ص٢٦ - ٢٧ .

- ٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قال الجامع عفا الله عنه: فائدة قوله: ((فاغتسل ... )) إلخ بيان
أنهم لم يتركوا محل صفوفهم، ولم يغيروا هيئتهم. وفي رواية
البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري: ((فمكثنا على
هيئتنا)). يعني أنهم امتثلوا أمره في قوله: ((مكانكم)) فاستمروا على
الكيفية التي تركهم عليها، وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة. والله
تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (١٤ / ٧٩٢)، وفي ((الكبرى)) (١٤ / ٨٦٧) عن عمرو
بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن حرب، عن الزُّبَيْديّ - وعن
عمرو بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي-، وفي
(٨٠٩/٢٤)، و((الكبرى)) (٢٤/ ٨٨٣) عن محمد بن سلمة، عن ابن
وهب، عن يونس - ثلاثهم عن الزهري، عن أبي سلمة، عنه. والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة))
عن إسحاق الكوسج، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، به .
٠

٧٥ -
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
ومسلم فيه عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، به. وعن
إبراهيم بن موسى، عن الوليد بن مسلم به. مختصراً: ((أن الصلاة
كانت تقام لرسول اللـه م، فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم
النبي ﴾ مقامه)).
وأبو داود في الطهارة عن مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم
به. وفي الصلاة عن محمود بن خالد، وداود بن رشيد، كلاهما عن
الوليد بن مسلم نحو حديث إبراهيم بن موسى. وأحمد جـ ٢ ص ٢٣٧ ،
٢٣٨، ٢٥٩، ٢٨٣، ٥١٨، ٤٤٨، وابن خزيمة رقم (١٦٢٨). والله
تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف؛ وهو أن الإمام إذا تذكر بعد القيام
للصلاة أنه على غير طهارة يُنْتَظَر حتى يَتَطَهَّرَ، ويرَجعَ.
ومنها : جواز النسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمر
العبادة لأجل التشريع .
ومنها : طهارة الماء المستعمل.
ومنها : جواز الفصل بين الإقامة والصلاة؛ إذ قوله: ((فصلى))
ظاهر في أن الإقامة لم تُعَدْ.
ومنها : أنه لا حياء في أمر الدين.
ومنها : جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قياماً عند الضرورة،
وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة رضي الله عنه.

- ٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
ومنها : أنه لا يجب على من احتلم في المسجد، فأراد الخروج منه
أن يتيمم، خلافًا لمن قال ذلك.
ومنها : جواز الكلام بين الإقامة والصلاة.
ومنها : جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
ومنها : العناية بإقامة الصفوف.
ومنها : شدة عناية الصحابة رضي الله عنهم بامتثال أمره عليه ،
حيث انتظروه قياماً. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة : في اختلاف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس،
وهو جنب :
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم
في الإمام يصلي بالناس وهو جنب؛ فقالت طائفة: يعيد ولا يعيدون،
فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأعاد الصلاة، ولم يعد مَنْ خلفه
صلاتهم. وروي هذا القول عن عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب،
وعبد الله بن عمر .
فأخرج بسنده عن الشَّريد الثقفي: أن عمر بن الخطاب صلى بالناس
الصبح بالمدينة، ثم خرج إلى الجُرُف، فذهب يغتسل، فرأى في فخذيه
احتلاماً، فقال: ما أراني إلا قد صليت بالناس وأنا جنب، فاغتسل، ثم
أعاد الصلاة .
وأخرج أيضاً عن الأسود بن يزيد، قال: كنت مع عمر بن الخطاب

٧٧ _
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
بين مكة والمدينة، فصلى بنا، ثم انصرف، فرأى في ثوبه احتلاماً،
فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، وأعاد صلاته، ولم نعد صلاتنا.
وأخرج أيضاً عن محمد بن عمرو بن الحارث بن المصطلق أن عثمان
صلى بالناس صلاة الفجر، فلما تعالى النهار رأى أثر الجنابة على
فخذه، فقال: كبرت، والله كبرت، والله أجنبت، ولا أعلم،
فاغتسل، وأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن يعيدوا.
وأخرج أيضاً عن الحارث الأعور، عن علي، قال: إذا صلى الجنب
بالقوم، فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل، ويعيد، ولا آمرهم أن
يعيدوا .
وأخرج أيضاً عن سالم بن عبد الله : أن ابن عمر رضي الله عنهما
صلى بأصحابه صلاة العصر، وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يعد
أصحابه .
وهو قول النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وبه قال
مالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، وسلیمان بن حرب، وأبو ثور،
والمزني، وحكي ذلك عن عبيد الله بن الحسن.
وقالت طائفة : يعيد ويعيدون، وممن روي عنه هذا القول علي بن
أبي طالب خلاف الرواية الأولى، وبالروايتين جميعاً مقال (١). وهو
(١) قال الجامع: لأن الرواية الأولى في سندها الحارث الأعور متكلم فيه، وفي الرواية
الثانية في سندها عمرو بن خالد الواسطي، وهو متروك، رماه الحفاظ بالكذب. كما
قال البيهقي في السنن الکبری جـ ٢ ص ٤٠١ .

- ٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قول ابن سيرين، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والثوري: أحب
إلينا أن يعيد، ويعيدون. وقال النعمان، وأصحابه: يعيد ويعيدون.
وفيه قول ثالث، قاله عطاء: إن صلى إمام قوم غير متوضئ، فذكر
حين فرغ، قال: يعيد ويعيدون، فإن لم يذكر حتى فاتت الصلاة فإنه
يعيد هو، ولا يعيدون. قيل له: فصلى بهم جنباً، فلم يعلموا، ولم
يعلم حتى فاتت تلك الصلاة، قال: فليعيدوا، فليست الجنابة
كالوضوء.
واختلف على مالك، والشافعي في الإمام تعمد أن يصلي بهم،
وهو جنب، فكان مالك يقول: صلاة القوم فاسدة. وكان الشافعي
يقول: عمد الإمام ونسيانه سواء، ولا إعادة على القوم، إلا أن الإمام
یأثم بالعمد، ولا يأثم بالنسيان.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ومن حجة بعض من رأى أن لا
إعادة على من صلى خلف جنب خبر أبي هريرة، وخبر أبي بكرة
رضي الله تعالى عنهما، قال: وفي خبر أبي بكرة أن رسول الله عَّه
دخل في صلاة الفجر، وفي ذلك دليل على أن لا إعادة على المأموم؛
لأن حكم القليل من الصلاة كحكم الكثير فيمن صلى خلف جنب،
قال: ولو لم يكن في ذلك عن النبي تمّه حديث لكان فيما روي عن
الخلفاء الراشدين في هذا الباب كفاية، وقد ثبت عن ابن عمر مثل
قولهم، ولا نعلم عن أحد من أصحاب النبي تَّهِ خلاف قولهم.
:
1
1

٧٩ -
١٤ - الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة - حديث رقم ٧٩٢
فأما ما حُدِّثَ عن علي ففي الإسنادين جميعاً مقال، فكأن علياً لم
يأتنا عنه في هذا الباب شيء لضعف الروايتين، وتضادهما، واللازم
لمن يرى اتباع أصحاب رسول الله ﴾ أن لا يخالف ما رويناه عن
عمر، وعثمان، وابن عمر رضي الله عنهم في هذا الباب، والنظر مع
ذلك دالٌ على ذلك؛ لأن القوم لما صَلَّوْا كما أمروا، وأدوا فرضهم، ثم
اختلف في وجوب الإعادة عليهم لم يجز أن يُلْزَموا إعادة ما صلوا على
ظاهر ما أمروا به بغیر حجة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله ببعض
تصرف(١) .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن المنذر
رحمه الله تعالی من ترجیح مذهب من یقول: إن من صلی خلف جنب
أو نحوه لا إعادة عليه، هو الصواب عندي لقوة دلیله، كما حققه رحمه
الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقد رأيت للحافظ المحقق أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في
كتابه ((التمهيد)) بحثاً نفيساً يتعلق بحديث الباب من بيان أقوال العلماء
في هذه المسألة، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طول، لما فيه من
الفوائد الشريفة، والتحقيقات المنيفة :
قال رحمه الله تعالى بعد ذكره أحاديث الباب بطرقها المختلفة :
أما مالك رحمه الله، فإنه أدخل هذا الحديث في موطئه في باب
(١) الأوسط جـ ٤ ص ٢١١ -٢١٥.

- ٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
إعادة الجنب غسله إذا صلى، ولم يذكر، يعني حاله أنه كان جنباً حين
صلى، والذي يجيء عندي على مذهب مالك من القول في هذا
الحديث أنه لم يرد رحمه الله إلا الإعلام أن الجنب إذا صلى ناسياً قبل أن
يغتسل، ثم ذكر كان عليه أن يغتسل، ويعيد ما صلى وهو جنب، وأن
نسيانه لجنابته لا يسقط عنه الإعادة، وإن خرج الوقت؛ لأنه غير
متطهر، والله لا يقبل صلاة بغير طهور، لا من ناسٍ، ولا من متعمد،
وهذا أصل مجمع عليه في الصلاة أن النسيان لا يسقط فرضها الواجب
فيها، ثم أردف مالك حديثه المذكور في هذا الباب بفعل عمر بن
الخطاب أنه صلى بالناس وهو جنب ناسياً، ثم ذكر بعد أن صلى،
فاغتسل، وأعاد صلاته، ولم يعد أحد ممن خلفه، فمن فعل عمر
رضي الله عنه أخذ مالك مذهبه في القوم يصلون خلف الإمام الجنب،
لا من الحديث المذكور. والله أعلم.
وأما الشافعي فإنه احتج بهذا الحديث في جواز صلاة القوم خلف
الإمام الجنب، وجعله دليلاً على صحة ذلك، وأردفه بفعل عمر في
جماعة الصحابة من غير نكير، ومما جاء عن علي رضي الله عنه في
الإمام يصلي بالقوم، وهو على غير وضوء أنه يعيد، ولا يعيدون، ثم
قال الشافعي: وهذا هو المفهوم من مذاهب الإسلام والسنن، لأن
الناس إنما كلفوا في غيرهم الأغلب مما يظهر لهم أن مسلماً لا يصلي على
غير طهارة، ولم يكلفوا علم ما يغيب عنهم.