النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
١٠ - إمامة الأعمى - حديث رقم ٧٨٨
وعن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد به .
وابن ماجه في ((الصلاة)) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني،
عن إبراهيم بن سعد به .
و((الموطأ)) رقم (١٢٤)، وأحمد (٤٣/٤، ٤٤)، (٤٤٩/٥،
٤٥٠)، وابن خزيمة رقم (١٢٣٠، ١٦٥٣، ١٦٧٣، ١٦٥٤، ١٧٠٩).
والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده(١) :
منها : ما ترجم له المصنف وهو جواز إمامة الأعمى.
ومنها : جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون
ذلك من الشكوى .
ومنها : بيان أنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى
صل الله
مسجده غية .
ومنها : جواز التخلف عن الجماعة في الظلمة، والمطر، والسيل،
ونحوها من الأعذار .
ومنها : جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي الوارد عن
إيطان موضع معين من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو
محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه.
(١) ليس المراد فوائد المتن الذي ساقه المصنف هنا فقط، بل ما يشمل فوائد الروايات
الأخرى التي نبهت عليها في الشرح. فتنبه.

٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
-
ومنها : تسوية الصفوف.
ومنها : أن عموم النهي المتقدم في الباب الماضي عن إمامة الزائر
لمن زارهم، مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإمام الأعظم، فلا ينهى
عنه، ومثله من أذن له صاحب المنزل .
ومنها : ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من محبة
رسول الله مية، وتعظيمهم له، وتبركهم بآثاره، والصلاة في المواضع
التي صلى فيها .
ومنها : إجابة الفاضل دعوة المفضول.
ومنها: التبرك بذكر المشيئة، حيث قال النبي ◌َّه: ((سأفعل إن
شاء الله)) .
ومنها : الوفاء بالوعد.
ومنها : جواز استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن الداعي
لا يكره ذلك.
ومنها : مشروعية الاستئذان على الداعي في بيته، وإن تقدم منه
طلب الحضور .
ومنها : أن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يستلزم وقفيته، ولو
أطلق عليه اسم المسجد.
ومنها : جواز اجتماع أهل المحلة على الإمام، أو العالم إذا ورد

٤٣
١٠ - إمامة الأعمى - حديث رقم ٧٨٨
منزل بعضهم، ليستفيدوا منه .
ومنها : التنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإمام على
جهة النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة، وأن على الإمام أن يتثبت في
ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل.
ومنها : أن فيه افتقاد من غاب عن الجماعة بلا عذر.
ومنها : أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد.
ومنها : أنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد.
ومنها : مشروعية الجماعة في النوافل .
ومنها : أن المأموم يسلم حين يسلم الإمام.
ومنها : أن رد السلام على الإمام لا يجب.
ومنها : أن العمل الذي يُبْتَغَى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا
قبله الله تعالى.
ومنها : أن من نَسَبَ من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه، بقرينة
تقوم عنده، لا يُكَفَّر بذلك، ولا يُفَسَّق، بل يعذر بالتأويل. والله أعلم،
ومنه العون والتوفيق، وعليه التكلان.
المسألة الخامسة : في اختلاف أهل العلم في إمامة الأعمى :
قال الحافظ أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم

- ٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
في إمامة الأعمى، فقال كثير منهم: يؤم الأعمى. فممن كان يؤم وهو
أعمى ابنُ عباس، وعتبان بن مالك، وقتادة. ثم أخرج بسنده حديثًا
عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى.
وأخرج عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه أمهم في ثوب واحد،
وهو أعمى على بساط قد طبق البيت. وأخرج عن الزهري، أنه قال:
کان رجال من أهل بدر أصیب أبصارهم يؤمون.
وهو قول القاسم بن محمد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء
ابن أبي رباح، والحسن البصري. وهو قول مالك بن أنس، وسفيان
الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب
الرأي .
وقد روينا عن ابن عباس خلاف القول الأول، فأخرج عن سعيد بن
جبير، أنه قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كيف أؤمهم، وهم
يعدلوني إلى القبلة - حين عمي. وأخرج عن زياد النميري، أنه أتى أنس
ابن مالك قال: قلت: ما تقول في الرجل الضرير يؤم أصحابه؟ قال:
وما حاجتهم إلیه؟
قال ابن المنذر رحمه الله: إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق
بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي ◌َّه: ((يؤم القوم أقرؤهم
صلىالله
لكتاب الله)) فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة. وقد روینا عن النبي
بيـ
صَلى الله
فيه حديثاً. ثم أخرج بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي

٤٥
-
١٠ - إمامة الأعمى - حديث رقم ٧٨٨
استخلف ابن أم مكتوم على المدينة، يصلي بالناس .
قال: وإباحة إمامة الأعمى كالإجماع من أهل العلم، وقد روينا عن
ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمهم، وهو أعمى، وليس في قول أنس
ابن مالك: وما حاجتهم إليه؟ نهياً عن إمامة الأعمى، فيكونَ اختلافاً.
انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(١) .
ونقل العلامة الشوكاني رحمه الله أنه قد صرح أبو إسحاق
المروزي، والغزالي بأن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير؛ لأنه أكثر
خشوعاً من البصير، لما في البصير من شغل القلب بالمبصرات. ورجح
بعضهم كون إمامة البصير أولى؛ لأنه أشد توقياً للنجاسة، والذي فهمه
المارديني من نص الشافعي رحمه الله أن إمامة الأعمى والبصير سواء في
عدم الكراهة؛ لأن في كل منهما فضيلة، غير أن إمامة البصير أفضل؛
لأن أكثر مَن جعله النبي ◌َّه إماماً البصراءُ، وأما استنابته عَّه لابن أم
مكتوم رضي الله عنه في غزاته؛ فلأنه كان لا يتخلف عن الغزو من
المؤمنين إلا معذور، فلعله لم يكن في البصراء المتخلفين من يقوم
مقامه، أو لم يتفرغ لذلك، أو استخلفه لبيان الجواز. وأما إمامة عتبان
ابن مالك رضي الله عنه لقومه فلعله أيضاً لم يكن في قومه من هو في
مثل حاله من البصراء. انتهى (٢)
٠
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٥٢ - ١٥٤ .
(٢) انظر نيل الأوطار جـ ٤ ص ٥٨.

- ٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
وقال في ((المنهل)): وإلى أولوية البصير بالإمامة ذهبت الحنفية،
والحنابلة، والمالكية؛ قالوا: لأنه أقدر على اجتناب النجاسة، واستقبال
القبلة باجتهاده، وهذا هو الأرجح. أما استنابته ◌ّ لابن أم مكتوم،
فلعدم وجود من يصلح للإمامة بالمدينة غيره إذ ذاك. ولا يرد وجود
علي رضي الله عنه في المدينة حين استخلف النبي # ابن أم مكتوم؛
لأن علياً كان مشغولاً بالقيام بحفظ من جعله ◌َّ حافظاً لهم، من
الأهل، حذراً من أن ينالهم عدوّ بمكروه. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه : عندي الأرجح قول من قال: إنَّ إمامةَ
الأعمى والبصير سواء، وإنما يرجح أحدهما على الآخر بالمرجح الذي
تقدم في قول رسول الله ثمّ: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن
استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا
فأقدمهم سنّاً ... )) الحديث. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى
الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) المنهل جـ ٤ ص ٣١٨.

٤٧ -
١١ - إمامة الغلام قبل أن يحتلم - حديث رقم ٧٨٩
١١ - إِمَامَةُ الْغُلاَمِ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على حكم إمامة الغلام قبل البلوغ.
و ((الغلام)» - بضم المعجمة ـ الطارُّ الشارب، والكَهْلُ ضدٌّ، أو من
حين يولد إلى أن يَشبّ. جمعه: أغْلمَة، وغلْمَة، وغلْمَان، وهي
غُلامة. قاله المجد(١).
وقال الفيّومي: الغلام: الابن الصغير، وجمع القلة: غلْمَة .
بالكسر، وجمع الكثرة: غلْمَان، ويطلق الغلام على الرجل مجازاً
باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير : شيخ، مجازاً باسم ما يؤول إليه،
وجاء في الشعر: غلامة - بالهاء - للجارية؛ كقول أوس بن غَلْفَاء
الهُجَيمي، يصف فرساً (من الوافر) :
يُهَانُ لَهَا الْغُلاَمَةُ وَالْغُلاَمُ
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا
قال الأزهري : وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكراً:
غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش في كلامهم.
(٢)
انتهى (٢) .
قال الجامع عفا الله عنه : المراد به هنا المميز الذي يعقل أحكام
(١) ((ق)) ص ١٤٧٥.
(٢) المصباح ببعض زيادة جـ ٢ ص ٤٥٢ .

- ٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
الصلاة، لا الصغير الذي لا تمييز عنده، فلا خلاف في عدم صحة
الصلاة خلفه، فتنبه .
و((الاحتلام)) : البلوغ، يقال: حَلَمَ الصبي، يَحْلُم، من باب قتل،
واحتلم، يحتلم: إذا أدرك، وبَلَغَ مَبْلَغ الرجال، فهو حالم، ومحتلم.
أفاده في (المصباح))(١).
٧٨٩ - أخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ
ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، قَالَ :
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَلِمَةَ الْجَرْمِيُّ ، قَالَ : كَانَ يَمُرُّ عَلَيْنَا
الرُّكْبَانُ ، فَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ، فَأَتَى أَبِي النَّبِيَّ ◌َُّ ،
فَقَالَ : ((لَيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا، فَجَاءَ أَبِي ، فَقَالَ : إنَّ
رَسُولَ اللّهِ نَّهِ قَالَ: ((لَيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا))، فَنَظَرُوا،
فَكُنْتُ أكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ، وَأَنَا ابْنُ ثَمَان
سنینَ)).
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (موسى بن عبد الرحمن المسروقي) الكندي، أبو عيسى
(١) جـ ١ ص ١٤٨.

٤٩ -
١١ - إمامة الغلام قبل أن يحتلم - حديث رقم ٧٨٩
الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٥٨، من كبار [١١]، أخرج ه الترمذي،
والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٧٤ / ٩١ .
٢ - (حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة
عابد، مات سنة ٢٠٣ أو ٢٠٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٧٤ / ٩١ ٠
٣ - (زائدة) بن قُدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت
صاحب سُنَّةٍ، مات سنة ١٦٠ وقيل: بعدها، من [٧]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٧٤ / ٩١.
٤ - ( سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الكوفي، مات سنة
١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٥ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني، الإمام الفقيه الحجة الثبت،
مات سنة ١٣١، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢ / ٤٨ .
٦ - (عمرو بن سَلِمَة الجرمي)، أبو بُرَيد، ويقال: يزيد، صحابي
صغير نزل البصرة رضي الله عنه، أخرج له البخاري، وأبو داود،
والنسائي، تقدم في ٨/ ٦٣٦.
قال الجامع عفا الله عنه : حديث عمرو بن سَلَمَةَ رضي الله
عنهما أخرجه البخاري، وقد تقدم شرحه، وما يتعلق به من المسائل
برقم (٨/ ٦٣٦) و (١٦/ ٧٦٧) مُستَوفَّى، فلا حاجة إلى تطويل

٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
الكتاب بإعادته.
وإنما أذكر هنا ما لم يُذكَرْ هناك، وهو ما ترجم له المصنف، من
حكم إمامة الغلام قبل أن يحتلم، فأقول:
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف
الناس في إمامة غير البالغ؛ فقالت طائفة بظاهر حديث عمرو بن سلمة.
ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الأشعث قَدَّمَ
غلاماً، فقيل له؟، فقال: إنما أقدم القرآن، وأخرج أيضاً عن عكرمة،
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكُتَّاب،
فنقدمهم يصلون لنا شهر رمضان، ونعمل لهم القَليَّةَ (١) ،
والخَشْكُنَان(٢).
قال: وممن كان يرى ذلك جائزاً، الحسن البصري، وإسحاق، وأبو
ثور. وقال الزهري: إن اضطروا إليه أمهم.
وكرهت طائفة إمامة من لم يبلغ، كره ذلك عطاء، والشعبي،
ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي. وذكر لأحمد
حديث عمرو بن سَلَمَة؟ فقال: دعه، ليس هو شيء بَين، حيث أن نقول
(١) ((القلية)) كعطيّة: والجمع قَلآيَا: مرقة تتخذ من لحوم الجزور، وأكبادها. أفاده في
اللسان جـ ٥ ص ٣٧٣٢.
(٢) ((الخَشْكُنَان)): خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة، وتملأ بالسكر، واللوز، أو
الفستق، وتقلى. فارسي. قاله في المعجم الوسيط ١ / ٢٣٦.

٥١ -
١١ - إمامة الغلام قبل أن يحتلم - حديث رقم ٧٨٩
فيه شيئاً، وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى
يحتلم، إلا أن يكونوا قوماً ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم
الغلام المراهق. وقد روينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى
يحتلم .
وفيه قول ثالث، وهو أن لا تجزئ الجمعة خلف الإمام الذي لم
يحتلم، ويؤم في سائر الصلوات. هذا قول الشافعي آخر قوله، وكان
يقول إذ هو بالعراق: ومن أجزأت إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في
الجُمَع، والأعياد، غير أني أكره في الجُمَع والأعياد إمامةَ غير الوالي.
قال ابن المنذر رحمه الله: إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة،
وقام بها، لدخوله في جملة قول النبي تَّة: ((يؤم القوم أقرؤهم ... ))،
لم يذكر بالغاً، ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء
فيها إلا بحديث عن رسول الله عَّه، أو إجماع، لا أعلم شيئاً يوجب
بدفع حديث عمرو بن سَلمَة، ويدخل في قول النبي تَّهُ: ((يؤم القوم
أقرؤهم لكتاب الله ... )) تقديم الابن على الأب إذا كان أقرأ منه (١).
انتھی کلام ابن المنذر رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي اختاره ابن المنذر رحمه الله
من جواز إمامة الصبي المميز هو المختار، لقوة دليله. وإمامة عمرو بن
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٥٠ - ١٥٢.
٠

- ٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
ضلالِّ
سلمة أوضح دليل عليه، وأما ما قيل: إنه ليس فيه اطلاع النبي :
فأجيب بأن إمامته بهم كانت في حال نزول الوحي، ولا يقع حالَه
التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدل أبو سعيد الخدري،
وجابر رضي الله عنهما على جواز العزل بمثل ذلك، فقالا: ((كنا نعزل،
والقرآن ينزل)).
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: وقد قيل: إن حديث عمرو
المذكور كان في نافلة لا فريضة. ورد بأن قوله: ((صلوا صلاة كذا في
حين كذا)). يدل على أن ذلك كان في فريضة. وأيضاً قوله: ((فإذا
حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم)). لا يحتمل غير الفريضة؛ لأن
النافلة لا يشرع لها الأذان .
ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما روي عن أحمد
ابن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة، روى ذلك عنه الخطابي
في المعالم. ورد بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور، قال في
التقريب: صحابي صغير نزل البصرة. وقد روي ما يدل على أنه وفد
على النبي تي﴾ ، كما تقدم.
وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا
يجوز، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي
أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال
1
:

١١ - إمامة الفلام قبل أن يحتلم - حديث رقم ٧٨٩
٥٣ ٢
جلوساً. زاد أبو داود ((من ضيق الأزر)). انتهى(١).
والحاصل أن المذهب الراجح هو جواز إمامة الغلام المميز، لما ذكر.
والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.
(١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٦٥.

-
٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
١٢ - قِيَامُ النَّاسِ إِذَا رَأوا الإمَامَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية قيام الناس إذا رأوا
الإمام.
وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء في هذه المسألة،
لحديث الباب، وسيأتي تحقيقه قريباً، إن شاء الله تعالى.
٧٩٠ - أخْبَرَنَا عَلَيُّبْنُ حُجْرٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
أبِي عَبْدِ اللّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَبِ عُثْمَانَ، عَنْ يَحْمَى بْنِ
أبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أبِي فَتَادَةَ ، عَنْ أبيه ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهُ: ((إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ، فَلاَ تَقُومُوا
حَتَّى تَرَوْنِي)) .
رجال هذا الإسناد : سبعة
١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار
[٩]، تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (هُشَيم) بن بشير أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير
التدليس، مات سنة ١٨٣ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٧]، وتقدم في
٨٨/ ١٠٩.

-
١٢ - قيام الناس إذا رأوا الإمام - حديث رقم ٧٩٠
٣ - (هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر
البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، مات سنة ١٥٤ عن ٧٨ سنة، من
[٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٤ - (حجاج بن أبي عثمان) الصَّوَّاف، أبو الصَّلْت، ويقال: أبو
عثمان الكندي مولاهم البصري، واسم أبيه مَيْسَرة، وقيل: سالم، ثقة
حافظ، مات سنة ١٤٣ ، من [٦].
روَى عن حميد بن أبي حميد، والحسن البصري، ويحيى بن أبي
كثير، وغيرهم. وعنه الحمادان، والقطان، وهشيم، وغيرهم. قال
يحيى القطان: وهو فطن، صحیح، کیس. وقال أحمد، وابن معين،
وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي: ثقة، زاد أحمد: شيخ.
وزاد الترمذي: حافظ. وقال العجلي، وأبو بكر البزار: بصري ثقة .
وقال ابن حبان في الثقات: كان متقناً. وقال يزيد بن زريع: ليس
به بأس. وقال أبو حاتم: سألت علي بن المديني مَنْ أثبت أصحاب يحيى
ابن أبي كثير؟ فقال: هشام الدستوائي. قلت: ثم من؟ قال :
الأوزاعي، وحجاج بن أبي عثمان، وحسين المعلم. وقال ابن سعد:
كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال ابن خزيمة في صحيحه: سمعت
محمد بن يحيى الذهلي يقول: حجاج الصواف مَتين. قال ابن خزيمة :
يريد أنه ثقة حافظ. قال خليفة: مات سنة ١٤٣، أخرج له الجماعة(١).
(١) ((تك)) جـ ٥ ص ٤٤٣ - ٤٤٤، ((تت)) جـ ٢ ص ٢٠٣ - ٢٠٤، ((ت)) ص ٦٤.

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٥٦ -
٥ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي،
ثقة ثبت، يدلس ويرسل، مات سنة ١٣٢ على الصحيح، من. [٥]،
أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٦ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، مات سنة
٩٥، من [٢]، تقدم في ٢٣ / ٢٤.
٧ - (أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن ربْعيّ بن بُلْدُمَة، وقيل:
غيره، السَّلمي المدني الصحابي المشهور رضي الله عنه، مات سنة ٥٤
على الأصح، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤ .
قال الجامع عفا الله عنه : حديث أبي قتادة رضي الله عنه
هذا متفق عليه. وقد مضى شرحه، وما يتعلق به من المسائل برقم
(٦٨٧/٤٢) مستوفىّ، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن أردت الاستفادة
فارجع إلیه.
ولنذكر هنا ما لم يتقدم له ذكره هناك، وهو ما ترجم له المصنف
رحمه الله هنا بقوله: «قيام الناس إذا رأوا الإمام)»:
اعلم أنه قد اختلف أهل العلم في الوقت الذي يقوم فيه الناس حین
يقام للصلاة: فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ: لم أسمع
في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على
طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف.
وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم

٥٧ -
١٢ - قيام الناس إذا رأوا الإمام - حديث رقم ٧٩٠
يقوموا حتى تفرغ الإقامة .
وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة)). رواه
ابن المنذر، وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحاق،
عن أصحاب عبد الله.
وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: ((الله أكبر)) وجب
القيام، وإذا قال: ((حي على الصلاة)) عدلت الصفوف، وإذا قال: ((لا
إله إلا الله) كبر الإمام.
وعن أبي جحيفة: يقومون إذا قال: ((حي على الفلاح))، فإذا قال:
((قد قامت الصلاة)) كبر الإمام.
وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا
يقومون حتى يروه، وخالف من ذُكرَ على التفصيل المذكور، قال
الحافظ رحمه الله: وحديث الباب حجة عليهم. انتهى (١) .
وأخرج الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله عن أنس بن مالك
رضي الله عنه أنه كان إذا قيل: ((قد قامت الصلاة)) وثب فقام. ونحوه
عن حسین بن علي رضي الله عنه.
قال: وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظي، وسالم
ابن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعراك بن مالك، والزهري،
وسليمان بن حبيب المحاربي يقومون إلى الصلاة في أول بدء الإقامة .
(١) راجع الفتح جـ ٢ ص ٣٣٢.

- ٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
وبه قال عطاء. وهو مذهب أحمد، وإسحاق، إذا كان الإمام في
المسجد، وكان مالك لا يوقت به وقتاً، يقول: ذلك على قدر طاقة
الناس، فيهم القوي، والضعيف.
وقال النعمان، ومحمد: يجب أن يقوموا في الصف إذا قال
المؤذن: حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر
القوم معه، وأما إذا لم يكن الإمام معهم، فإني أكره لهم أن يقوموا في
الصفوف، والإمام غائب عنهم. وقال يعقوب: لا يكبر حتى يفرغ
المؤذن من الإقامة .
قال ابن المنذر رحمه الله: إذا كان الإمام معهم في المسجد قاموا إذا
قام، وإذا كانوا ينتظرون خروجه، ومجيئه قاموا إذا رأوه، ولا يقوموا
حتى يروه، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه: أن رسول الله عَّه قال:
((إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)). انتهى
ملخص كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي رجحه الحافظ ابن المنذر
رحمه الله هو الحق عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم، وهو
الهادي إلى الصراط الأقوم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) الأوسط جـ ٤ ص ١٦٦ -١٦٨.

١٣ - الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة - حديث رقم ٧٩١
٥٩ _
١٣ - الإمَامُ تَعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَة
أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على الإمام الذي تعرض له الحاجة
بعد الإقامة للصلاة، ولابد من التقدير، أي هل يباح له التشاغل
بالحاجة قبل الدخول في الصلاة أم لا؟ والجواب أنه يجوز له ذلك.
وقيد بقوله: ((بعد الإقامة)) لأنه قبل الإقامة يجوز بالطريق الأولى.
أفاده العيني(١) .
وقوله: ((تعرض)) - بكسر الراء - مضارع عَرَضَ، أي تظهر. يقال:
عَرَضَ له أمر، من باب ضرب: إذا ظهر (٢) . أفاده الفيومي.
تنبيه :
قال الزين بن المُنَيِّر رحمه الله عند قول البخاري رحمه الله تعالى:
(باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة): خص المصنفُ الإمامَ بالذكر
مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة
النبي لة، لقوله: ((والنبي ◌َُّ يناجي رجلاً)) ولو كانت لحاجة الرجل
لقال أنس: ورجل يناجي النبي ثمّ﴾ . انتهى.
قال الحافظ رحمه الله : وهذا ليس بلازم، وفيه غفلة منه عما في
صحيح مسلم بلفظ: ((أقيمت الصلاة، فقال رجل: لي حاجة. فقام
النبي ﴾﴾ يناجيه)).
(١) عمدة جـ ٥ ص ١٥٧ -١٥٨ .
(٢) المصباح جـ ٢ ص ٤٠٢ .

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٦٠
والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام؛ لأن المأموم إذا
عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام، ولما
كانت المسألة بين الإحرام والإقامة تشمل المأموم والإمام أطلق البخاري
الترجمة - يعني الترجمة التالية - ولم يقيدها بالإمام، فقال: (باب الكلام
إذا أقيمت الصلاة). وأشار بذلك الردّ على من كرهه مطلقاً. انتهى
كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١) . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٧٩١ - أخْبَرَنَازِيَادُ بْنُّ أَيُّوبَ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : أقيَمَت الصَّلاَةُ،
وَرَسُولُ اللّهِ ◌َ نَجِيٌّلِرَجُلٍ، فَمَا قَامَ إِلَّى الصَّلَةُ حَتَّى
0 ء
نَامَ الْقَوْمُ.
رجال هذا الإسناد : أربعة
١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغدادي طوسي الأصل، يلقب
دلُّويه، وكان يغضب منها، ثقة حافظ، مات سنة ٢٥٢ وله ٨٦ سنة،
من [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم
في ١٠١ / ١٣٢ .
٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم بن مقْسم، المعروف بابن عُلَيَّة،
أبو بشر البصري، ثقة حافظ، مات سنة ١٩٣ وله ٨٣ سنة، من [٨]،
أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨ / ١٩.
(١) فتح جـ ٢ ص ٣٣٧ -٣٣٨.