النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ - ١٦ - الصلاة في الإزار - حديث رقم ٧٦٦ قَالَ : كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ رَسُول اللّهِعَ لَه عَاقدي أزْرهمْ، كَهَيْئَة الصبْيَان ، فَقيلَ للَنِّسَاءَ : لاَ تَرْفَعْنَ رُؤُسَّكُنَّ حَتَّى يَسَّتَوِيَ الرجَّلُ جُلُّوسًا . رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري أبو قُدامة السرخسي، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنيّ، مات سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج ه البخاري، ومسلم، والنسائي، تقدم في ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، الثقة الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤ / ٤ . ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة عابد، مات في خلافة المنصور، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠ /٤٤. ٥ - (سهل بن سعد) بن مالك الساعدي الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٧٣٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله. - ٥٢٢ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة ومنها : أن رجاله كلهم ثقات، وهم من رجال الجماعة، إلا شيخه فمن رجال الشيخين والمصنف، وهم ما بين سرخسي؛ وهو شيخه، وبصري؛ وهو يحيى، وكوفي؛ وهو سفيان، ومدنيين؛ وهما أبو حازم، وسهل. ومنها : أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ؛ من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سهل بن سعد) رضي الله عنهما، أنه (قال: كان رجال) التنکیر فیه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضھم کان بخلاف ذلك، وهو كذلك، ووقع في رواية أبي داود: ((رأيت الرجال))، واللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة (يصلون) جملة في رفع خبر (كان)) (مع رسول الله ◌َ﴾) متعلق بـ ((يصلون)» (عاقدي أزرهم) أصله عاقدين أزرهم، فلما أضيف سقطت النون، وهي جملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابه على أنه خبر (كان))، ویکون قوله: ((يصلون)) في محل نصب على الحال. وفي رواية أبي داود: ((لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الإزار خلف رسول الله ◌َي في الصلاة ... )) الحديث ( كهيئة الصبيان) ((الهَيْئَة)): الحالة الظاهرة، يقال: هَاءَ يَهُوءُ، ويَهِيءُ هَيْئَةً حسنةً: إذا صار إليها. قاله الفيومي(١). (١) المصباح جـ ٢ ص ٦٤٥ . -٥٢٣ _ ١٦ - الصلاة في الإزار - حديث رقم ٧٦٦ و ((الصبيان)) - بكسر الصاد المهملة، وضمها - جمع صبي، وهو من لم يُقْطَم بَعدُ. أفاده المجد (١). والمعنى أنهم يعقدون أزرهم على أعناقهم من ضيقها، كما يعقد الصبيان أزرهم على قفاهم. (فقيل) وفي رواية للبخاري: ((وقال للنساء)). قال في الفتح: قال الكرماني: فاعل ((قال)) هو النبي ◌َّه، كذا جزم به، وقد وقع في رواية الکشمیھنی: ((ویقال للنساء»، وفي رواية و کیع «فقال قائل: يا معشر النساء)) فكأن النبي تَّى أمر من يقول لهن ذلك، ويغلب على الظن أنه بلال. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه : لم يذكر الحافظ مستنداً لكونه بلالاً غير الظن، ويؤيد ما قاله الكرماني ما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: سمعت رسول الله ﴾. يقول: ((من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم. كراهية أن يَرَيْن من عورات الرجال)). (للنساء) أي اللاتي یصلین وراء الرجال مع رسول الله ﴾ (لا ترفعن رؤوسكن) أي من السجود (حتى يستوي الرجال) يقال: استوى جالساً، واستوى على الفرس: استقر. قاله الفيومي(٢): (جلوساً) إما جمع جالس، کالركوع جمع راكع، وإما مصدر بمعنی (١) القاموس المحيط ص ١٦٧٩ . (٢) المصباح جـ١ ص ٢٩٨. - ٥٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة جالسين، وعلى كل حال انتصابه على الحال(١). وإنما نهي النساء عن ذلك لئلا يلمحن عند رفع رؤوسهن من السجود شيئاً من عورات الرجال عند نهوضهم، لضيق الأزُر. وقد تقدم في حديث أسماء رضي الله عنها عند أحمد وأبي داود التصريح بذلك. وفي رواية لابن خزيمة رقم (١٦٩٥): ((كن النساء يؤمرن في الصلاة على عهد رسول الله ◌َ﴾ أن لا يرفعن رؤوسهن، حتى يأخذ الرجال مقاعدهم من قباحة الثياب)). ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حدیث سهل بن سعد رضي الله عنهما متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ١٦/ ٧٦٦، وفي «الکبری» (٤/ ٨٤٢) عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن الثوري، عن أبي حازم، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : (١) عمدة القاري جـ ٤ ص ٦٩. ٥٢٥ _ ١٦ - الصلاة في الإزار - حديث رقم ٧٦٦ أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في (الصلاة)) عن محمد بن کثیر، وعن مسدد، عن يحيى ، ومسلم فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع - ثلاثتهم عن الثوري، به. وأبو داود فیه عن محمد بن سليمان الأنباري، عن وكيع به. وأحمد في ((مسنده)) (٣/ ٤٣٣)، (٥/ ٣٣١). وابن خزيمة رقم (٧٦٣، ١٦٩٥). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو حكم الصلاة في الإزار وحده، وهو الجواز، لكن بشرط أن يكون شيء منه على عاتقه. ومنها : عدم وجوب ستر أسفل البدن في الصلاة. ومنها : ما كان عليه أصحاب رسول الله عَّ من ضيق المعيشة، واكتفائهم بالقليل. ومنها : جواز صلاة النساء في المسجد جماعة، وإن كان الأفضل أن يصلين في بيوتهن، للحديث الصحيح، ((وبيوتهن خير لهن)). ومنها : جواز نظر النساء إلى أعالي البدن من الرجال، لكن بشرط أن لا يترتب عليه فتنة لهن، وإلا حَرُّمَ. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٦٧ - أخبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ : أَنْبَنَا عَاصِمٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَّةَ ، قَالَ: لَمَّا - ٥٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْدِ النَّبِّ ◌َهِ، قَالُوا: إِنَّهُ قَالَ: ((ليَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكُمْ قِرَاءَةً لِلْقُرْآن، قَالَ: فَدَعَوْنِي، فَعَلَّمُونِيِ الرُُّوعَ وَالسُّجُودِ، فَكُنْتُ أَصَلِّي بِهِمْ، وكَانَتْ عَلَيِّ بُرْدَةٌ مَفْتُوقَةٌ، فَكَانُوا يَقُولُونَ لأبي : ألاَ تُغَطِّي عَنَّا اسْتَ ابْنِكَ)). رجال هذا الإسناد : أربعة ١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة صاحب حديث، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢ / ٤٩. ٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، مات سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، مات سنة ١٤٠، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩ . ٤ - (عمرو بن سلمة)(١) بن قيس، وقيل ابن نُفَيع، وقيل غير ذلك، الجَرْمي، أبو بُرَيد - بالموحدة، والراء - ويقال: أبو يزيد. بالتحتانية، والزاي - البصري. روى عن أبيه. وعنه أبو قلابة الجَرْمي، وعاصم الأحول، وعَيّاش ابن عبد الله الهمداني، وأبو الزبير المكي، ومسعر بن حبيب الجرمي، وغيرهم. (١) (سَلَمَة)) - بفتح السين المهملة، وكسر اللام، الجَرْمي - بفتح الجيم، وسكون الراء. ٥٢٧ _ ١٦ - الصلاة في الإزار - حديث رقم ٧٦٧ وکان یصلي بقومه على عهد النبي ټٹ ، ولم يثبت له سماع ولا رؤية من النبي ◌َّ، ووفد أبوه على النبي ◌ٍَّ، وقد روي من وجه غريب أن عمرًاً أيضاً وفد على النبي ◌َّي، وليس بثابت. هكذا قال الحافظ المزي رحمه الله(١). لكن قال الحافظ رحمه الله: روى ابن منده في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنْهَال، عن حماد ابن سَلَمَة، عن أيوب، عن عمرو بن سَلمَة، قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله څ﴾ . وهذا تصریح بوفادته. وقد روى أبو نعيم في الصحابة أيضاً من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حبان: له صحبة (٢). وفي ((ت): صحابي صغير(٣) ، أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه [٤٥] من رباعيات المصنف رحمه الله في هذا الكتاب، وأن رجاله ثقات، وأنهم ما بين نسائي؛ وهو شيخه، وواسطي؛ وهو يزيد، وبصريين؛ وهما عاصم، وعمرو بن سلمة. وأن شيخه من أفراده، لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم. (١) (تك)) جـ ٢٢ ص ٥٠ - ٥١. (٢) ((تت)) ج٨ ص ٤٢. (٣) ص٢٦٠ . - ٥٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة شرح الحديث (عن عمرو بن سلمة) تقدم الخلاف في صحبته، والراجح أن له صحبة؛ لما تقدم : ((أنه قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﴿ )). أخرجه ابن منده، وأخرجه الطبراني، كما قال في الفتح(١). أنه (قال: لَمَّا رجع قومي من عند النبي ◌َّهِ قالوا: إِنه قال) وفي الرواية المتقدمة للمصنف (٨/ ٦٣٦) من طريق أيوب، ((فقال: لما كان وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فذهب أبي بإسلام أهل حوائنا(٢)، فلما قدم استقبلناه، فقال: قد جئتكم - والله - من عند رسول الله ﴾ حقّاً، فقال: ((صَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثر کم قرآناً». وقد ساقه البخاري بطوله في ((كتاب المغازي)) في غزوة الفتح من «صحیحه))، فقال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلمَة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه، فتسأله، فقال: فلقيته، فسألته. فقال: كنا بماء ممرَّ الناس، وكان يمرّ بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أو أوحى إليه، أو أوحَى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُغْرَى في (١) فتح ج٨ ص٣٣٨. (٢) الحواء - بالكسر، والمد: بيوت مجتمعة من الناس على ماء. ٥٢٩ _ ١٦ - الصلاة في الإزار - حديث رقم ٧٦٧ صدري، وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر علیھم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قَدمَ قال: جئتكم والله من عند النبي ◌َُّ حقّاً، فقال: ((صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثر كم قرآناً». فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فَرَحْتُ بشيءٍ فَرَحِي بذلك القميص(١) . (ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن) وفي رواية أبي داود من رواية مسْعَر بن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمة قالوا: يا رسول الله، من يؤمنا؟ قال: ((أكثركم جمعاً للقرآن))، أو («أخذاً للقرآن)). (قال) عمرو (فدعوني) أي نادوني (فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم) يعني أنه كان يؤمهم؛ لكونه أكثرهم قرآناً، ففي رواية البخاري المتقدمة، ((فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتَلَقَّى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، (١) صحيح البخاري جـ ٥ ص ١٩١ - ١٩٢ . شرح سنن النسائي - كتاب القبلة - ٥٣٠ أو سبع سنين ... )). وفي رواية أبي داود: ((قال: كنا بحاضر(١) ، يمر بنا الناس إذا أتوا النبي ◌َّه، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا، فأخبرونا أن رسول الله عَ لَّه قال: كذا وكذا، وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً ... )) الحدیث . وفي رواية له: ((قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت، قال: فقدموني، وأنا غلام، وعليّ شَمْلة لي، قال: فما شهدت مَجْمعاً من جَرْم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا)). (وكانت عليَّ بردة) - بضم، فسكون - كساء صغير مربع، ويقال: كساء أسود صغير. قاله في المصباح (٣) (مفتوقة) يقال: فتقتُ الثوب فَتْقًا، من باب قَتَلَ : نَقَضتُ خياطته حتى فَصَلْتُ بعضه من بعض. قاله الفيّومي. وأراد هنا أنها مشقوقة، تظهر منها العورة. ففي رواية لأبي داود: ((وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت تكشفت عني))، وفي رواية له: «فكنت أؤمهم في بردة مُوصَلَة فيها فتق، فكنت إذا سجدت خرجت استي)) . (فكانوا يقولون لأبي) هو سَلَمَة بن قيس، وقيل: ابن نُفيع، وقيل: ابن لائم، وقيل: ابن لاي، أبو قدامة البصري الجَرمي، صحابي (١) ((الحاضر)) في الأصل: القوم النزول على ماء يقيمون به، ولا يرحلون عنه، والمراد به المکان المحضور الذي یقیمون به. اهـ. المنهل جـ ٤ ص ٣٠١. (٢) جـ ١ ص ٤٣. ٤ ٥٣١ - ١٦ - الصلاة في الإزار - حديث رقم ٧٦٧ وفد على النبي ◌َّ﴾ ، وروى عنه. وعنه ابنه عمرو بن سلمة. وقد قيل فيه سلَمَة - بفتح اللام - والصواب كسرها(١). (ألا) أداة استفتاح وتنبيه (تغطي عنا) أي تستر عن أعيننا (است ابنك) أي عَجُزَه. يعني أن بعض الناس كان يقول لأبيه: استر عنا عورة ابنك. وقال السندي رحمه الله في شرحه: أي خذ من كل منّا شيئاً، واشتر به ثوباً يستر عورته. اهـ (٢) . وفي رواية أبي داود: ((فقالت امرأة من النساء: وَارُوا عنّا عورة قارئكم، فاشْتَرَوْا لي قميصاً عُمَانيّا، فما فَرَحْتُ بشيء بعد الإسلام فَرَحي به ... )) الحديث. و((الاست)) - كما قال الفيومي رحمه الله -: العَجُزُ، ويراد به حَلْقَة الدبر، والأصل: سَتَهٌ - بالتحريك - ولهذا يجمع على أسْتاه، مثل سبب وأسباب، ويصغر على سُتَيْه، وقد يقال: سَهُ بالهاء، وسَتٌ بالتاء، فيعرب إعراب يَد وَدَم، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء، علی قیاس هاء التأنيث. قال الأزهري: قال النحويون: الأصل سَتْهُ - بالسكون-، فاستثقلوا الهاء لسكون التاء قبلها، فحذفوا الهاء، وسكنت السين، ثم اجتلبت همزة الوصل. وما نقله الأزهري، في توجيهه نظر لأنهم قالوا: سَتَهَ سَتَهًا، من (١) (تت)) جـ ٤ ص ١٦٣. (٢) شرح السندي جـ ٢ ص ٧١ . - ٥٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة باب تعب: إذا كبرت عَجيزته، ثم سمي بالمصدر، ودخله النقص بعد ثبوت الاسم، ودعوى السكون لا يشهد له أصل، وقد نسبوا إليه سَتَهيَّ- بالتحريك - وقالوا في الجمع: أستاه، والتصغير وجمع التكسير يردان الأسماء إلى أصولها. انتهى كلام الفيومي (١). وهي من الأسماء العشرة التي سُمعَ في أولها همزة الوصل، وهي المجموعة في قول ابن مالك رحمه الله في («خلاصته)): وَأَثْنَيْنٍ وَامْرِئٍ وَتَأْنِيثٌ تَبِعْ وَفِي اسْمٍ اسْتِ ابْنِ ابْنِمِ سُمِعْ مَدّاً فِيِ الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ وَأَيْمُنُ هَمْزُ أَلْ كَذَا وَيُبْدَلُ. تنبيه : هذا الحديث أخرجه البخاري كما تقدم قريباً، ومحل مطابقة الحديث للترجمة قوله: ((وكانت عليّ بُرْدة))؛ حيث إن الصلاة في بردة واحدة کالصلاة في إزار واحد. وقد تقدم تخريجه، وما يتعلق به من المسائل (٨/ ٦٣٦)، وسيأتي ما تبقّى من مسائله في (١١ / ٧٨٩) إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. (١) المصباح جـ ١ ص ٢٦٦. -٥٣٣ - ١٧ - صلاة الرجل في ثوب بعضه على امراته - حديث رقم ٧٦٨ ١٧ - صَلََّةُ الرَّجُلِ فِي تَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَى امْرَأته أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز صلاة الرجل في ثوب؛ بعضه على امرأته الحائض. والمراد جواز الصلاة في ثوب متصل بغير المصلي، سواء كان رجلاً أو امرأة، كما يأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى. ٧٦٨ - (أَخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ((أنْبَأْنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدَ اللهِ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بَاللَّيْلِ، وَأَنَا إِلَى جَنْه، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ بَعْضُهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه الثقة الحافظ المجتهد، مات سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم ٢/ ٢ . ٢ - (وكيع) بن الجرّاح الحافظ الحجة، مات سنة ١٩٧، من [٩]، أخرج له الأربعة، تقدم في ٢٥/٢٣. ٣ - (طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل الكوفة، صدوق يخطئ، مات سنة ١٤٨، من [٦]، أخرج له مسلم، - ٥٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة والأربعة، تقدم في ٣٦/ ٥٨٠ . ٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة الهذلي الثقة الثبت الفقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الأربعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في ٥/٥. لطائف هذا الإسناد مرّ في ٣٦/ ٥٨٠. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) رضي الله عنها، أنها (قالت: كان رسول الله عَ لّم. يصلي بالليل) جملة في محل نصب خبر لـ ((كان)) (وأنا إِلى جنبه) جملة في محل نصب على الحال من فاعل ((يصلي)) (وأنا حائض) عطف على جملة الحال (وعليّ مِرْطٌ) - بكسر الميم، وسكون الراء المهملة -: كساء من صوف، أو خَزّ، يُؤْتَزَر به، وتَتَلَفَّع المرأة به، والجمع مرُوط، مثل حِمْلِ وحُمُول(١) . وموضع الجملة كالتي قبله (بعضه على رسول الله عَّه) تعني أن رسولَ الله ◌َّ لبس بعضَ ذلك المرط، ولبست هي بعضه. وهذا يدل على أن المرط ثوب واسع يمكن أن يكون بعضه على المصلي، وبعضه علی من کان جنبه . وفيه دلالة على ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة في ثوب (١) المصباح جـ ٢ ص ٥٦٩. ٥٣٥ _ بعضه على امرأته، ومثله كونه على غيرها، ولذا ترجم أبو داود بأعم؛ فقال: (باب الرجل يصلي في ثوب بعضه على غيره). وقال النووي رحمه الله : وفيه دليل على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة رضي الله عنه. وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض طاهرة إلا موضعاً ترى عليه دماً أو نجاسة أخرى. وفيه الصلاة في ثوب بعضه على المصلي، وبعضه على حائض، أو غيرها، وأما استقبال المصلي وجه غيره فمذهبنا ومذهب الجمهور كراهته، ونقله القاضي عياض عن عامة العلماء رحمهم الله تعالى. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (١٧ / ٧٦٨)، وفي ((الکبری)) (٥/ ٨٤٤) عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، عنها. والله أعلم. (١) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٣٠. - ٥٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو داود في ((الطهارة) عن عثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه في ((الطهارة)) عن أبي بكر ابن أبي شيبة - ثلاثتهم عن وكيع به. وأحمد (٦/ ٦٧)، (٦ / ٩٩، ١٩٩)، (١٣٧/٦، ٢٠٤). والله تعالى أعلم. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». ٥٣٧ - ١٨ - صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء - حديث رقم ٧٦٩ ١٨ - صَلاَةُ الرَّجُل في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقْهِ مِنْهُ شَيْء أي هذا باب، في ذكر الحديث الدال على حكم صلاة الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه شيء من ذلك الثوب. وجملة ((ليس ... )) إلخ في محل نصب على الحال من ((الثوب)). و((العاتق)): ما بين المنکب والعنق، مذکر، وقد أنٹ، ولیس بثَبَت، وزَعَمُوا أن هذا البيت مصنوع، وهو : لاَ نَسَبَ الْيَوْمَ وَلاَ خُلَّةٌ اتَّسَعَ الْفِتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي لاَ صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ وَلاَ قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِ بِالشَّاهِقِ سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا قال ابن بَرّيّ : والعاتق مؤنثة، واستشهد بهذه الأبيات، ونسبها لأبي عامر جَدّ العباس بن مرْداس، وقال: ومن روى البيت الأول: اتَّسَعَ الْخَرقُ عَلَى الرَّاقِعِ فهو لأنس بن العباس بن مرداس؛ وقال اللحياني: هو مذكر لاغير، وهما عاتقان، والجمع عُثْق، وعُتَّقٌ، وعَوَاتقُ. انتهى ((لسان العرب))(١) . وقال العلامة العيني رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدم ما نصه: وفي ((الموعب)): صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعاً يقال له (١) جـ ٤ ص ٢٨٠٠. - ٥٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة العاتق. وقال أبو حاتم: روی من لا أثق به التأنيث، وسألت بعض الفصحاء، فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتاً، لیس بمعروف، ولا عن ثقة: ((ولا صلح بيني)) إلى آخره. وقال ابن التباني : قال أبو عبيدة: قال الأحمر: العاتق يذكر ويؤنث، وأنشدنا: ((لا صلح بيني)) إلخ. وقال ابن الأنباري عن الفراء مثله. وفي ((الجامع)): هو مذكر، وبعض العرب يؤنث. وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يعرف. وأما يعقوب بن السكيت فذكره مذكراً ومؤنثاً من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة، منهم أبو نصر الجوهري. وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ (من الطويل): يُؤَنَّثُ أَحْيَانَا وَحِيناً يُذَكَّرُ وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاءِ مَا قَدْ عَدَدتُهُ وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكَرُ لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَا وَعَجْزُ الْفَتَى تَمَّالْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ كَذَا كُلُّ نَحْوِيٌّ حَكَى فِي كِتَابِهِ سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمْ مُكَبَّرُ يَرَى أَنَّ تَأْنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي أَتَى وَهْوَ لِلَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مَنْكِرُ (١) ٧٦٩ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُو الزَّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللّهِنَّهِ: ((لاَ يُصَلَيَنَّ أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ (١) عمدة القارئ ج ٤ ص ٦٥ . ٥٣٩ - ١٨ - صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء - حديث رقم ٧٦٩ الْوَاحِد، لَيْسَ عَلَى عَاتقه منْهُ شَيْءٌ)). ٠ رجال هذا الإسناد : خمسة ١- (محمد بن منصور) بن ثابت الجوّاز المكي، ثقة، مات سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في (٢٠/ ٢١). ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد، الإمام الثبت الحجة، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في (١/١). ٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٣٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٧/ ٧). ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرمُز المدني، ثقة ثبت، مات سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في (٧/ ٧). ٥ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في (١/١). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله. ومنها : أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شیخه، فمن أفراده، وأنهم مدنیون، إلا شيخه وسفيان، فمكیان. ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أبو الزناد عن الأعرج، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والقول. والله تعالى أعلم. ٥ ٥٤٠ - شرح سنن النسائي - كتاب القبلة شرح الحديث (عن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله عَلّه : ((لا يصلينّ أحدكم) بنون التأكيد، وفي رواية الشيخين: ((لا يصلي أحدكم)). قال ابن الأثير: كذا في الصحيحين بإثبات الياء، ووجهه أن (لا) نافية، وهو خبر بمعنی النهي. وقال الحافظ: ورواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق الشافعي، عن مالك بلفظ: ((لا يصل)) بغير ياء، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري، عن أبي الزناد بلفظ: ((لا يصل)) بغير ياء، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري، عن أبي الزناد بلفظ: ((نهى رسول الله تُپے)). (في الثوب الواحد) متعلق بـ((يصلي)) (ليس على عاتقه منه شيء) وفي رواية مسلم ((على عاتقيه)) بالتثنية، وعند أبي داود: ((ليس علی منکبيه منه شيء)). و((شيء)): اسم ((ليس)) مؤخراً، وخبرها الجار والمجرور الأول، والثاني صفة لـ ((شيء)) قدم عليه، فيعرب حالاً؛ لأن نعت النكرة إذا قدم عليها يعرب نعتاً، كما في قول الشاعر : لمَيَّةَ مُوحِشًّا طَلَلُ يَلُوحُ كَأنَّهُ خِلَلُ فـ ((موحشاً)) صفة لـ ((طلل)) فلما قدم نصب على الحال. وجملة 1