النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ - ١٣ - المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة -حديث رقم ٧٦٢ ومنها : أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة . ومنها : أن فيه عائشة رضي الله عنها من المكثرين السبعة، كما تقدم في السند الماضي. ومنها : أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة؛ من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: كان لرسول الله عَ ليه حصيرة) هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى: ((حصيره)) بالهاء، والذي في كتب اللغة بدونها، وصرح في ((المصباح)) أن تأنيثها بالهاء عامي. وهي - بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة أيضاً -: البساط الصغير من النبات. وقيل: سَفيفَة(١) تُصنع من بَرْدِيّ، وأسَل، ثم تفرش، سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض. وقيل: الحصير المنسوج، سمي حصيراً لأنه حُصرت طاقاته بعضُها مع بعض. أفاده في ((اللسان))(٢). (١) السَّفيفة - بفاءين -: النسيجة، يقال: سفَفتُ الخُوص اسُفّه - بالضم - سَفّاً، وأسففته إسفافاً: أي نسجته بعضه في بعض، وكل شيء ينسج بالأصابع فهو الإسفافِ. اهـ لسان. والبَرْديُّ- بالفتح .: نبت معروف، واحدته بردية. اهـ. لسان. و((الأَسَل - بفتحتين . : عيدَانٌ تنبت طوالاً دقاقاً مستوية، لا ورق لها، يعمل منها الحُصُر. اهـ. لسان. (٢) لسان جـ ٢ ص ٨٩٧. - ٤٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة وقال الفيومي: والحصير البَارِيَّةُ(١) . وجمعه حُصُرُ، مثل بَرِيد وبُرُهُ(٢). (يبسطها بالنهار) جملة في محل رفع على أنها صفة لحصيرة. أي يجعلها بساطاً يجلس عليها، والباء في قوله: ((بالنهار)) بمعنى ((في))، وكذا في قوله: ((بالليل)). (ويحتجرها بالليل) - بالراء المهملة - أي يتخذها كالحُجْرة، لئلا يمر عليه مارّ، ويتوفر خشوعه. وفي نسخة: ((ويحتجز بها)) بالزاي بدل الراء: أي يستتر بها عن غيره. وفي حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن ذلك كان في رمضان، فعند البخاري من حديثه ((أن رسول الله تَّ. اتخذ حُجرة - قال: حسبت أنه قال: من حصير - في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ... )) الحديث. (فيصلي فيها) أي يصلي صلاة الليل في داخل تلك الحجرة التي اتخذها من الحصير (ففطن له الناس) أي تَنَبَّهُوا له. يقال: فَطن، يَفْطَنُ فَطَنًا، وفطنة، وفَطانة: صار ذا فطنة، وللأمر، وبه، وإليه: تنبه له(٣). وقال المجد رحمه الله: الفطْنَة - بالكسر -: الحذْق، فَطن به، وإليه، وله، كفَرِح، ونَصَرَ، وكَرُّمَ، فطْناً، مثلثة، وبالتحريك، وبضمتين، وفُطُونَةً، وفَطانَة، وفَطانية، مفتوحتين، فهو فَاطن، وفَطين، (١) ((الباريَّة)): الحصير المعمول من القصب. قاله في اللسان. (٢) المصباح جـ ١ ص ١٣٨ - ١٣٩. (٣) المعجم الوسيط جـ ٢ ص ٦٩٥ . ٤٨٣ - ١٣ - المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة - حديث رقم ٧٦٢ وفَطُون، وفَطن، وفَطُن، كنَدُس، وفَطْن، كَعَدْل، جمعه فُطُن، بالضم، وهي فاطنة. اهـ(١) . وفي رواية البخاري: ((فثاب إليه ناس)) بالثاء المثلثة، ثم موحدة: أي اجتمعوا، ووقع عند الخطابي ((أَبُوا)) أي رجعوا، وفي رواية الكشميهني والسرخسي ((فثاروا)) بالمثلثة، والراء: أي قاموا (٢). (فصلوا بصلاته) أي بسبب صلاته، أو مع صلاته، فالباء سببية، أو بمعنى ((مع)) (وبينه وبينهم الحصيرة) فيه جواز الاقتداء، وإن كان بينهما حاجز، وسيأتي أقوال أهل العلم في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالی. (فقال) ◌َّ﴾ (اكلَفُوا) - بفتح اللام - أي احملُوا على مشقة. قال الفَيُّومي رحمه الله: وكَلفْتُ الأمرَ، من باب تَعب: حَمَلتُه على مشقة، ويتعدى إلى مفعول ثان بالتضعيف، فيقال: كَلَّفته الأمرَ، فتكلفه، مثل حمَّتُه، فتحمله وزناً ومعنى على مشقة أيضاً. وكلفت به، كَلَفاً، فأنا كَلف، من باب تَعبَ: أحببته، وأولعْتُ به، والاسم الكَلَافَةَ . بالفتح. اهـ(٣). وقال ابن منظور رحمه الله: ويقال: كَلفْتُ بهذا الأمر: أي أولعتُ به. وفي الحديث: ((اكلَفُوا من العمل ما تطيقون)). هو من (١) القاموس المحيط. (٢) فتح ج ٢ ص ٤٥٣. (٣) المصباح جـ ٢ ص ٥٣٧ - ٥٣٨. بتقديم وتأخير. : شرح سنن النسائي - كتاب القبلة - ٤٨٤ كَلفْتُ بالأمر: إذا أولعتَ به، وأحببته. اهـ(١) . (من العمل) بيان مقدم لـ «ما تطيقون)) فهو متعلق بحال محذوف من ((ما)) أي حال كون «ما تطيقونه كائناً من العمل (ما تطيقونه)؛ ((ما)) اسم موصول في محل نصب مفعول ((اكلفوا»، أي اكلَفوا العمل الذي تستطيعون المداومة عليه، ثم علَّلَ ذلك بقوله: (فإِن الله عز وجل لا يمل حتى تملوا) فال الفَيُّومي رحمه الله: مَلْتُه، ومللتُ منه، مَلَلاً، من باب تَعبَ، ومَلالةً: سَئمتُ، وضَجرت، والفاعل مَلُول، ويتعدى بالهمز، فیقال: أمللته. اهـ (٢) . قال النووي رحمه الله : قال العلماء: المَلَل، والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى، فيجب تأويل الحديث. قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المالِ، فيقطع عنكم ثوابه، وجزاءه، وبسط فضله ورحمته حتی تقطعوا عملکم. وقيل: معناه لا يملّ إذا مَللْتم. قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابي وغيره، وأنشدوا فيه شعراً، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى يقطع خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولو کان معناه ینقطع إذا انقطع خصومه لم یکن له فضل (١) لسان جـ ٥ ص ٣٩١٦ -٣٩١٧. (٢) المصباح جـ ٢ ص ٥٨٠. ٤٨٥ - ١٣ - المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة -حديث رقم ٧٦٢ على غيره. اهـ (١) . وقال السيوطي رحمه الله في شرحه لهذا الكتاب ما نصه: والْمَلالَ: استثقال الشيء والنفور عنه بعد محبته، وهو محال على الله تعالى باتفاق. قال الإسماعيلي، وجماعة من المحققين: إنما أطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازاً، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال القرطبي: وجه مجازه أنه تعالى لمّا قطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالاً عبّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه . وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه. وهذا كله بناء على أن ((حتى)) على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم. وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه لا يمل الله إذا مَللْتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا يفعل كذا حتى يَبْيَضَّ القارُ، أو حتى يَشيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية. وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛ لأن شيب الغراب ليس ممكناً عادة بخلاف الملال من العابد. (١) شرح مسلم جـ ٦ ص ٧١. ٤٨٦ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة وقال المازري: قيل: ((حتى)) هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يملّ، وتملون، فنفى عنه الْمَلال، وأثبته لهم، قال: وقد قيل: ((حتى)) بمعنى ((حين))، والأول أليق، وأحرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية. وقال ابن حبان في صحيحه: هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها. وهذا رأيه في جميع المتشابه. اهـ كلام السيوطي(١). قال الجامع : ليس في هذا الحديث إثبات الملل لله عز وجل صريحاً، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه فنفي الملل عنه، فلا ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن ((حتى)) هنا بمعنى الواو، وليست للغاية، فيكون المعنى إن الله لا يمل، وأنتم تملون، أو يكون المعنى لا يمل إذا مللتم. والمراد به تشجيعهم على المداومة على الأعمال القليلة التي لا تنقطع، ولا تؤدي إلى الملل، حيث إن الله تعالى لا يلحقه ملل، فلا ينبغي للعبد أن يمل عن الإقبال عليه، إذ يؤدي ملله إلى إعراض الله عنه، فإن من أعرض عن الله أعرض الله عنه؛ فقد أخرج الشيخان عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه، عن النبي ◌َّه، أنه قال: ((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، فأما أحدهم فأوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر فاستحیا، فاستحیا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه)). (١) زهر الربى جـ ٢ ص ٦٨ -٦٩. ٤٨٧ _ ١٣ - المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة -حديث رقم ٧٦٢ متفق عليه . ثم عطف عَلَى العلة المذكورة علة أخرى، فقال (وإِن أحب الأعمال إلى الله - عز وجل - أدومه، وإِن قلّ) أي ولأن الأحب من الأعمال إلى الله عز وجل أکثره دواماً. قال ابن العربي: معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب، أي أكثر الأعمال ثواباً أدومها، وإن قل. قال الجامع : هذا تأويل لمعنى المحبة بلازمها، وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى نفي صفة المحبة عن الله تعالى بمعناها الحقيقي اللائق به سبحانه وتعالى، فالصواب إثباتها له، كما أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة على المعنى اللائق به سبحانه وتعالى، كسائر صفاته العلية، من الرضا، والإرادة، والقدرة، والعلم، وغيرها من غير فرق. ولا يلزم في ذلك تشبيهه بالمخلوقين؛ إذ صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذواتهم، ولا فرقَ. وإنما يلزم التشبيه لو أثبتناها على المعنى الذي تفسر به إذا كانت للمخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فتبصر، ولا تتحير، واسلك سبيل السلف، تسلم من الضلال والتلف. وقال النووي رحمه الله : وفيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيراً من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، 1 شرح سنن النسائي - كتاب القبلة - ٤٨٨ والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق سبحانه وتعالى، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة (١). وقال ابن الجوزي رحمه الله: إنما أحب العمل الدائم؛ لمعنيين: أحدهما : أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمُعرض بعد الوصول، فهو متعرض لهذا، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها (٢)، وإن كان قبل حفظها لا تتعين عليه . والثاني : أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتاً مّا كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع(٣) . ( ثم ترك) قَّ (مصلآه ذلك حتى قبضه الله عز وجل) أي خوفاً من حرصهم على ذلك أوّلاً، ثم عجزهم عنه آخراً (وكان)عَّه (إذا عمل عملاً أثبته) أي داوم عليه . وفي رواية لمسلم: ((وكان آل محمد عَّه إذا عملوا عملاً أثبتوه)). قال النووي رحمه الله: أي لازموه، وداوموا عليه. والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته، وخواصه لَّه من أزواجه، وقرابته، ونحوهم(٤). (١) شرح مسلم جـ ٦ ص ٧١. (٢) الحديث الوارد في هذا أخرجه الترمذي، وهو ضعيف. (٣) نقله في زهر الربى جـ ٢ ص ٦٩ - ٧٢. (٤) شرح مسلم ج ٦ ص ٧٢ . ٤٨٩ - ١٣ - المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة -حديث رقم ٧٦٢ وأخرج مسلم أيضاً عن علقمة، قال: سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال: قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل رسول الله ◌َ﴾؟، هل كان يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: لا، کان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان عليه رسول الله عَّه يستطيع؟. وأخرج أيضاً عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله عَّة: «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قلّ. قال: وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (١٢ / ٧٦٢)، وفي ((الكبرى)) (١٢ / ٨٣٨) عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن إبراهيم بن المنذر، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، وفي اللباس عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر - كلاهما عن سعيد المقبري به. ٤٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة - ومسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر به. وأبو داود فيه عن قتيبة، عن الليث، ببعضه: ((اكلفوا من الأعمال ما تطیقون)) . وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، عن عبيد الله بن عمر - بقصة الحصير مختصرة. وأخرجه الحميدي رقم (١٨٣)، وأحمد جـ ٦ ص ٤٠، ٦١، ٨٤، ٢٤١، ٢٦٧. وابن خزيمة رقم (١٦٢٦). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما ترجم له المصنف، وهو جواز الاقتداء بمن كان بينه وبينه حاجز، وهذا إذا لم يشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا . ومنها: بيان ما كان عليه النبي تَّى من الاجتهاد في العبادة، وقيام الليل. ومنها : بيان ما كان عليه من الزهد في الدنيا، والتقلل منها، حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهاراً، ويتخذه حجرة ليلاً. ومنها : مشروعية الجماعة في النافلة . ومنها : ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الحرص في تتبع أفعال النبي ◌َّه ، للاقتداء به. : ٤٩١ - ١٣ - المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة - حديث رقم ٧٦٢ ومنها : کمال شفقته څێ ، ورأفته بأمته، حیث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحاً، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطی من الأعمال ما یشق علیه، فإنه بصدد أن یترکه أو بعضه، أو يفعله بكلفة، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم الله سبحانه وتعالى من اعتاد عبادة، ثم أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةُ ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية. وقد نَدمَ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما على تركه قبول رخصة رسول الله عَئٍ(١). المسألة الخامسة : في بيان اختلاف أهل العلم في جواز الاقتداء مع وجود الحائل بين الإمام والمأموم. قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: (باب إذا كان بین الإمام وبين القوم حائط، أو سترة): وقال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر. وقال أبو مجْلَز: يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار، إذا سمع تكبير الإمام. انتهى(٢) . قال العلامة العيني رحمه الله: وجواب ((إذا)) محذوف، تقديره: لا يضر ذلك. والمسألة فيها خلاف، ولكن ما في الباب يدل على أن ذلك (١) أفاده في شرح مسلم ج ٦ ص ٧١. (٢) صحيح البخاري جـ ١ ص ١٨٥ - ١٨٦ . - ٤٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة جائز، وهو مذهب المالكية أيضاً، وهو المنقول عن أنس، وأبي هريرة، وابن سيرين، وسالم، وكان عروة يصلي بصلاة الإمام، وهو في دار بينها وبين المسجد طريق. وقال مالك: لا بأس أن يصلي، وبينه وبين الإمام نهر صغير، أو طريق، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداها تجزيهم الصلاة معه. وكره ذلك طائفة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا کان بینه وبین الإمام طریق أو حائط أو نهر فليس هو معه. وكره الشعبي، وإبراهيم أن يكون بينهما طريق. وقال أبو حنيفة: لا تجزيه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق. وبه قال الليث، والأوزاعي، وأشهب(١) . قال الجامع عفا الله عنه : الذي يترجح عندي هو القول بجواز الاقتداء بمن کان بينه وبينه جدار، أو طريق، أو نهر، أو غير ذلك من الفاصل بينهما إذا كان يعلم بانتقالات الإمام، بسماع تكبيره، أو برؤيته، أو رؤية بعض الصفوف، أو نحو ذلك. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. (١) عمدة القاري جـ ٥ ص ٢٦٢. : ١٤ - الصلاة في الثوب الواحد - حديث رقم ٧٦٣ ٤٩٣ - ١٤ - الصَّلاَةُ في الثَّوْبِ الْوَاحِد ٠٠ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حكم الصلاة في الثوب الواحد. ٧٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، عَنْ مَالِكِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أنَّ سَائِلاً سَألَ ١ رَسُولَ اللَّهِ عَهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِد ؟ فَقَالَ: وبسو ه ((أوَلَكُلُّكُمْ ثَوْبَان؟)) رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة بن سعيد) المتقدم في الباب السابق. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني، مات سنة ١٧٩ ، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧ / ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم أبو بكر الزهري، الحافظ الثبت الحجة، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/١. ٤ - (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزومي، المدني الثبت الحجة الفقيه، مات سنة ٩٤، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩ / ٩. - ٤٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة ٥ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بَغْلانيا إلا أنه دخل المدينة . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي : ابن شهاب عن ابن المسيب. ومنها : أنه أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه، كما ذكره أبو عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى(١). ومنها : أن فيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة . ومنها : أن فيه أبا هريرة من المكثرين السبعة، روى ٥٣٧٤ حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن سائلاً)، قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه ((المبسوط)) أن السائل ثوبان(٢) (سأل رسول الله ﴾ ﴾. (١) انظر تدريب الراوي جـ ١ ص ٨٣. (٢) فتح جـ ٢ ص ١٩. ٤٩٥ - ١٤ - الصلاة في الثوب الواحد - حديث رقم ٧٦٣ عن الصلاة في الثوب الواحد) أي عن حكم الصلاة في الثوب الواحد. وفي رواية لمسلم: ((نادى رجل النبي ◌َّيه، فقال: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: أوكلكم يجد ثوبين)). وفي رواية أبي داود: ((أن رسول الله ﴾ سئل عن الصلاة في ثوب واحد)). (فقال) تَ﴾: (أ ولكلكم ثوبان؟) استفهام بمعنى النفي، أي ليس لكل واحد منكم ثوبان، فهو ◌َّي يشير به إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد، فكأنه قال: يكفي أحدكم في الصلاة الثوب الواحد؛ لأن الثوبین لا یقدر عليهما کل أحد. وقال الخطابي رحمه الله في ((معالمه)): لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإخبار عما كان يعلمه من حالهم في العدم، وضيق الثياب، يقول: وإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكل واحد منكم ثوبان - والصلاة واجبة عليكم - فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. وقال في شرح البخاري: وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصار فهمهم، واستزادة علمهم، كأنه قال: إذا كان ستر العورة واجباً، والصلاة لازمة، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ انتهى(١) . وقوله: ((أَولكلكم)): بواو مفتوحة بعد الهمزة، وهي واو العطف، (١) فتح جـ ٢ ص ١٩ . - ٤٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة وأصل الكلام: وألكلكم، لكن قدم الاستفهام؛ لأن له صدر الكلام. ومذهب الزمخشري في مثل هذا أن العطف على محذوف بعد الهمزة، دل عليه المعطوف، ولا تقديم، ولا تأخير، فالتقدير هنا أكلكم أغنياء، ولکلکم ثوبان. ومذهب الجمهور أولى، كما حققه ابن هشام الأنصاري في ((مغني اللبيب))(١) . وقال الكرماني رحمه الله: فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: مقدر، أي أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر، ومعناه لا سؤال عن أمثاله، ولا ثوبين لكلكم، إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة المقام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل. انتهى. وقال النووي رحمه الله: ومعنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد، فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾(٢) [الحج: ٧٨]. وقال الطحاوي رحمه الله : معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوباً واحداً. انتهى. قال الحافظ رحمه الله: وهذه الملازمة في مقام المنع، للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه، لا عن الكراهة. انتهى (٣). (١) مغني اللبيب جـ ١ ص ١٤ - ١٥ . (٢) شرح مسلم جـ ٤ ص ٢٣١. (٣) فتح جـ ٢ ص ١٩ . ٤٩٧ - ١٤ - الصلاة في الثوب الواحد - حديث رقم ٧٦٣ فائدة : قال في ((الفتح)): روى ابن حبان رحمه الله هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، لكن قال في الجواب: ((ليتوشح به، ثم ليصل فيه)). فيحتمل أن يكونا حديثين، أو حديثاً واحداً، فرقه الرواة، وهو الأظهر. وكأن البخاري رحمه الله أشار إلى هذا لذكره التوشح في الترجمة، حيث قال (باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به) قال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى (١) . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه : أخرجه هنا (١٤ / ٧٦٣)، وفي ((الكبرى)) (١/ ٨٣٩) عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عنه. وأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف. ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي - ثلاثتهم (١) فتح جـ ٢ ص ١٩ بتصرف. شرح سنن النسائي - كتاب القبلة - ٤٩٨ عن مالك، به. ومالك في الموطأ رقم ١٠٦ . والحميدي رقم (٩٣٧). وأحمد (٢/ ٢٣٨، ٢٦٥، ٢٨٥، ٣٤٥، ٥٠١). وابن خزيمة رقم ٧٥٨. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : قال ولي الدين العراقي رحمه الله في ((طرح التثريب)): استُدلّ بهذا الحديث على وجوب الصلاة في الثياب، لما دل عليه من أن جواز الاقتصار على ثوب واحد رخصة لضيق الحال، فدل على أنه لا يجوز ترك ذلك. والمعتبر في ذلك الثوب أن يكون ساتراً للعورة بحسب اختلاف العلماء في العورة، وذلك أيضاً يختلف بالذكورة والأنوثة، وحرية المرأة ورقها، وإذا ثبت وجوب الستر في الصلاة كان دليلاً على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطاً فيها، وبهذا قال الجمهور. وعند المالكية أربعة أقوال: الاشتراط مطلقاً، وهو المشهور، والاشتراط مع الذكر، دون النسيان، والوجوب خاصة(١)، والاستحباب. وحكى القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في كون ستر العورة (١) أي دون الاشتراط. ٤٩٩ - ١٤ - الصلاة في الثوب الواحد - حديث رقم ٧٦٣ من فروض الصلاة أربعة أقوال، بعد أن صدّر كلامه بأن ستر العورة فرض إسلامي، لا خلاف فيه بين الأمة، قال: واختلف العلماء؛ هل هو من فروض الصلاة على أربعة أقوال: الأول : أنه يجب ستر جميع الجسد، حكاه أبو الفرج. الثاني : يكون متزر وسطه، كما فعل جابر. قاله ابن القاسم، كأنه غطى العورة، وحماها، وستر ما اتصل بها. الثالث : يصلي مستور العورة خاصة، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأكثر علماء الأمصار. الرابع : أن لا يجب ستر عورة، ولا غيرها. قال بعض شيوخنا: إذا كان في بيته، ولا يراه أحد. وحكاه القاضي أبو محمد، وغيره عن القاضي إسماعيل، والأبهري، وابن بكير، وجاء نحوه عن أشهب، لأنه قال: من صلى عرياناً أعاد في الوقت، قال: والصحيح وجوب ستر العورة في الصلاة، فإنها إذا وجبت خارج الصلاة تأكدت بالصلاة. انتهى. قال الحافظ العراقي رحمه الله في شرح الترمذي: وفيه نظر؛ فإنه ذكر أن الأقوال الأربعة في أن ستر العورة من فروض الصلاة أوّلاً، ثم حكى القول الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، ولا قائل فيما نعلم بأن جميع جسد الرجل عورة، فكان حقه أن يفرض الخلاف فيما يجب ستره في الصلاة، لا بقيد كونه عورة، على أن الذي حكاه ابن عبد البر - ٥٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب القبلة في ((الاستذكار)) عن أبي الفرج وجوب ستر العورة في الصلاة، لا ستر جمیع البدن. انتهى . قال ولي الدين رحمه الله: وحكى القاضي عياض عن أبي الفرج وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة، كما حكاه ابن العربي. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه : قول الجمهور بأن ستر العورة واجب في الصلاة هو الحق، وأما القول بعدم الوجوب، أو بوجوب ستر جميع الجسد فمن الأقوال الساقطة التي لا تستند إلى دليل. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في أقوال أهل العلم في الصلاة في الثوب الواحد : ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد. قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: وممن رأى من أصحاب رسول الله تَّه الصلاة في ثوب واحد: عمر بن الخطاب، وأُبَي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة. وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم. (١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٢٣٩ -٢٤٠.