النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
الكلب)). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الأشياء التي تقطع الصلاة
عند عدم السترة، وهي المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وسيأتي تحقيق
أقوال العلماء في معنى القطع في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى.
ومنها: تأكيد الأمر باتخاذ السترة محافظة على الصلاة.
ومنها: الحث على ابتعاد المصلي عما يخل بالخشوع في حال
صلاته .
ومنها: التنفير عن الكلب الأسود؛ لكونه شيطاناً. والله أعلم.
المسألة الخامسة: وردت أحاديث بمعنى حديث أبي ذر رضي الله
عنه :
فمنها: ما أخرجه مسلم، وأحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: ((يقطع الصلاة المرأة، والكلب،
والحمار)). زاد مسلم في روايته: ((ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)).
ومنها: ما أخرجه أحمد، بإسناد صحيح، وابن ماجه عن عبد الله
ابن مغفل رضي الله عنه عن النبي ◌َّه، قال: ((يقطع الصلاة: المرأة،
والكلب، والحمار)).
ومنها: ما أخرجه البزار عن أنس رضي الله عنه بإسناد رجاله ثقات
- ٣٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
- كما قال العراقي - ولفظه: ((يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة)).
ومنها : ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعاً ((يقطع الصلاة الكلب، والمرأة الحائض)). وفي رواية ابن
ماجه: ((والكلب الأسود)). ورواه الأكثرون موقوفاً على ابن عباس.
وذكر أبو داود أن شعبة رفعه، وأوقفه سعيد - يعني ابن أبي عروبة .
وهشام الدستوائي، وهمام بن يحيى على ابن عباس رضي الله عنهما .
ومنها: ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً
قال: أحسبه عن رسول الله عَّه، قال: ((إذا صلى أحدكم إلى غير
سترة، فإنه يقطع صلاته الكلب، والحمار، والخنزير، واليهودي،
والمجوسي، والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قَذْفَة بحجر)).
وصرح أبو داود بأن زيادة الخنزير، والمجوسي، والقَذْفَة بالحجر
وَهَمٌ من شيخه محمد بن إسماعيل بن أبي سَمينَةَ، لتفرده بذلك.
لكن في نسبة الوهم إليه نظر؛ لأنه ثقة، ومع ذلك لم يتفرد به، فقد
تابعه المُقَدَّمي عند الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، ولفظه: ((يقطع
الصلاة: المرأة الحائض، والكلب، والحمار، واليهودي، والنصراني،
والخنزير، يكفيك إذا كانوا منك قدر رمية لم يقطعوا عليك
صلاتك)) .
وتابعه أيضاً علي بن بحر القطان عند البيهقي، ولفظه: ((يقطع
٣٦٣ _
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة الحائض، واليهودي، والنصراني،
والمجوسي، والخنزير)). قال: ((ويكفيك إذا كانوا منك على قدر رمية
بحجر لم يقطعوا صلاتك)). والله أعلم.
ومنها: ما أخرجه أحمد في «مسنده»، بإسناد رجاله ثقات، عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن مع رسول الله تَ﴾
ببعض أعلى الوادي، يريد أن يصلي قد قام، وقمنا، إذ خرج علينا
حمار من شعْب أبي دُبُّ؛ شعب أبي موسى، فأمسك النبي ◌َّه، فلم
يكبر، وأجرى إليه يعقوب بنَ زَمْعَةً حتى رده)) .
ومنها: ما أخرجه أحمد عن عائشة رضي الله عنها بإسناد رجاله
ثقات - كما قال العراقي - قالت: قال رسول الله عَلى: ((لا يقطع صلاة
المسلم شيء، إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، لقد قرنا بدواب
السوء)). والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: في مذاهب العلماء في حكم مرور هذه الأشياء
بين يدي المصلي، إذا لم تكن له سترة:
ذهب جماعة من الصحابة، والتابعين إلى بطلان الصلاة بمرور
المرأة، والحمار والكلب الأسود. وممن قال بهذا: أبو هريرة، وأنس،
وابن عباس في رواية عنه. وحكي أيضاً عن أبي ذر، وابن عمر، رضي
الله عنهم. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب. وقال به الحكم بن
عمرو الغفاري في الحمار.
- ٣٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة: الحسنُ البصري، وأبو
الأحوص صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل، فيما
حکاه عنه ابن حزم الظاهري. وحکی الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب
الأسود، ويتوقف في الحمار، والمرأة. قال ابن دقيق العيد: وهو أجود
مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع: المرأة،
والحمار.
وذهب أهل الظاهر أيضاً إلى قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة، إذا
كان الكلب، والحمار بين يديه، سواء كان الكلب، والحمار ماراً، أم
غير مارّ، وصغيراً، أم كبيراً، حيّاً، أم ميتاً، وكون المرأة بين يدي الرجل
مارة، أم غير مارة، صغيرة، أم كبيرة، إلا أن تكون مضطجعة
معترضة .
وذهب إلى أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض: ابن
عباس، وعطاء بن أبي رباح. واستدلا بالحديث السابق عند أبي داود،
وابن ماجه بلفظ: ((يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض)).
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: ولا عذر لمن يحمل المطلق على
المقيد من ذلك؛ وهم الجمهور. وأما من يعمل بالمطلق، وهم الحنفية،
وأهل الظاهر، فلا يلزمهم ذلك.
وقال ابن العربي: إنه لا حجة لمن قيد بالحائض؛ لأن الحديث
ضعيف. وقال: وليست حيضة المرأة في يدها، ولا بطنها، ولا
٣٦٥ _
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
رجلها. قال العراقي : إن أراد بضعفه ضعف رواته، فلیس کذلك، فإن
جمیعهم ثقات. وإن أراد به کون الأكثرین وقفوه علی ابن عباس، فقد
رفعه شعبة، ورفع الثقة مقدم على وقف من وقفه، وإن كانوا أکثر على
القول الصحيح في الأصول، وعلوم الحديث. انتهى.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها ذهبت إلى أنه يقطعها الكلب،
والحمار، والسنور، دون المرأة. ولعل دليلها على ذلك ما روته من
اعتراضها بين يدي النبي تمّ. وفيه أن الاعتراض غير المرور، كما
سيأتي، إن شاء الله تعالى.
قال الشوكاني رحمه الله: وقد تقدم عنها أنها روت عن النبي عملي :
((أن المرأة تقطع الصلاة)) فهي محجوجة بما روت. ويمكن الاستدلال بما
أخرجه أحمد، وابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها: ((أن النبي ◌َّ﴾.
کان يصلي في حجرتها، فمر بین یدیه عبد الله، أو عمر، فقال بيده
هكذا، فرجع، فمرت ابنة أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما
صلى رسول الله تَّ، قال: ((هن أغلب)).
لكن الحديث لا يصح؛ لأن في سنده قيساً المدني، وهو مجهول.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنه يقطعها الكلب الأسود فقط.
وحكاه ابن المنذر عن عائشة.
ودليل هذا القول أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما الآتي أخرج
الحمار، وحديث أم سلمة رضي الله عنها المذكور، وحديث عائشة
- ٣٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
رضي الله عنها الآتي أخرجا المرأة، والتقييد بالأسود أخرج ما عداه من
الكلاب .
وذهب مالك، والشافعي، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من
السلف والخلف أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء. قال النووي رحمه الله
تعالى: وتأول هؤلاء حديث أبي ذر رضي الله عنه على أن المراد بالقطع
نقص الصلاة، لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها. ومنهم
من يدعي النسخ بالحديث الآخر: ((لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما
استطعتم)). قال: وهذا غير مرضي؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا
تعذر الجمع بين الأحاديث، وتأويلها، وعلمنا التاريخ، وليس هنا
تاريخ، ولا تعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرناه، مع أن
حديث: ((لا يقطع صلاة المرء شيء)). ضعيف. والله أعلم. اهـ. شرح
مسلم ج ٤ ص ٢٢٧ .
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: وروي القول بالنسخ عن
الطحاوي، وابن عبد البر، واستدل على تأخير تاریخ حديث ابن عباس
رضي الله عنهما بأنه في حجة الوداع، وهي في سنة عشر، وفي آخر
حياة النبي تَّه، وعلى تأخير حديث عائشة، وحديث أم سلمة، بأن ما
حکاه زوجاته عنه يعلم تأخره لكون صلاته بالليل عندهن، ولم يزل
علی ذلك حتى مات، خصوصاً مع عائشة، مع تكرار قيامه في کل
ليلة، فلو حدث شيء مما يخالف ذلك لعلمن به .
٣٦٧ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
قال الشوكاني رحمه الله: وعلى تسليم صحة هذا الاستدلال على
التأخر لا يتم به المطلوب من النسخ. أما أوَّلاً، فقد عرفت أن حديث
عائشة، وميمونة خارجان عن محل النزاع. وحديث أم سلمة أخص من
المتنازع فيه؛ لأن الذي فيه مرور الصغيرة بين يديه ق﴾ . وحديث ابن
عباس ليس فيه إلا مرور الأتان، فهو أخص من الدعوى.
وأما ثانياً فالخاص بهذه الأمور لا يصلح لنسخ ما اشتمل عليه زيادة
عليها، لما تقرر من وجوب بناء الخاص على العام مطلقاً.
وأما ثالثاً فقد أمكن الجمع بما تقدم.
وأما رابعاً فيمكن الجمع أيضاً بأن يحمل حديث عائشة، وميمونة،
وأم سلمة، على صلاة النفل، وهي يغتفر فيها ما لا يغتفر في الفرض،
على أنه لم ينقل أنه اجتزأ بتلك الصلاة. أو يحمل على أن ذلك وقع في
غير حالة الحيض، والحكم بقطع المرأة للصلاة إنما هو إذا كانت حائضاً،
كما تقدم. وأيضاً قد عرفت أن وقوع ثوبه مع على ميمونة لا يستلزم
أنها بين يديه، فضلاً عن أن يستلزم المرور، وكذلك اعتراض عائشة لا
يستلزم المرور.
ويحمل حديث ابن عباس رضي الله عنهما على أن صلاته عم ليه
كانت إلى سترة، ومع وجود السترة لا يضر مرور شيء من الأشياء
المتقدمة، کما يدل على ذلك قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
((ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)).
٣٦٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
وقوله في حديث أبي ذر رضي الله عنه: ((ويستره إذا كان بين يديه
مثل آخرة الرحل)). ولا يلزم من نفي الجدار نفي سترة أخرى من حربة،
أو غيرها، كما ذكره العراقي. ويدل على هذا أن البخاري بوب على
هذا الحديث ((بابٌ سترةُ الإمام سترة لمن خلفه))، فاقتضى ذلك أنه {لا}
كان يصلي إلى سترة، لا يقال: قد ثبت في بعض طرقه عند البزار
بإسناد صحيح، بلفظ: ((ليس شيء يستره، يحول بيننا وبينه))؛ لأنا
نقول: لم ينف السترة مطلقاً، إنما السترة التي تحول بينهم وبينه،
كالجدار المرتفع الذي يمنع الرؤية بينهما، وقد صرح بمثل ذلك العراقي.
ولو سلم أن هذا يدل على نفي السترة مطلقاً لأمكن الجمع بوجه
آخر، ذكره ابن دقيق العيد، وهو أن قول ابن عباس: ((ولم ينكر ذلك
عَلَيَّ أحد))، ولم يقل: ولم ينكر النبي ◌َّ ذلك، يدل على أن المرور
كان بين يدي بعض الصف، ولا يلزم من ذلك اطلاع النبي ◌َّه ؛ لجواز
أن يكون الصف ممتداً، ولا يطلع عليه.
لا يقال: إن قوله ((أحد)) يشمل النبي ◌َّه؛ لأنه لا معنى للاستدلال
بعدم الإنكار من غير النبي ◌َّه مع حضرته، ولو سلم اطلاعه عَمّيه على
ذلك، كما ورد في بعض روايات الصحيح بلفظ: ((فلم ينكر ذلك
عليّ)، بالبناء للمجهول، لم يكن ذلك دليلاً على الجواز؛ لأن ترك
الإنكار إنما جعل أن الإمام سترة للمؤتمين، ولا قطع مع السترة، لما
عرفت، ولو سلم صحة الاستدلال بهذا الحديث على الجواز، وخلوصه
٣٦٩ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
من شوائب هذه الاحتمالات لكان غايته أن الحمار لا يقطع الصلاة،
ويبقى ما عداه .
وأما الاستدلال بحديث: ((لا يقطع الصلاة شيء)»، فلا يتم، لعدم
انتهاضه للاحتجاج به، ولو سلم انتهاضه، فهو عام مخصص بهذه
الأحاديث. أما عند من يقول: إنه يبنى العام على الخاص مطلقاً
فظاهر، وأما عند من يقول: إن العام المتأخر ناسخ، فلا تأخر لعدم
العلم بالتاريخ، ومع عدم العلم يبنى العام على الخاص، عند الجمهور.
وقد ادعى أبو الحسين الإجماع على ذلك. وأما على القول بالتعارض
بين العام والخاص مع جهل التاريخ، كما هو مذهب جمهور الزيدية،
والحنفية، والقاضي عبد الجبار، والباقلاني، فلا شك أن الأحاديث
الخاصة فيما نحن بصدده أرجح من هذا الحديث العام.
إذا تقرر لك ما أسلفنا عرفت أن الكلب الأسود، والمرأة الحائض
يقطعان الصلاة، ولم يعارض الأدلة القاضية بذلك معارض، إلا ذلك
العموم على المذهب الثاني، وقد عرفت أنه مرجوح. وكذلك يقطع
الصلاة الخنزير، والمجوسي، واليهودي، إن صح الحديث الوارد
بذلك، وقد تقدم ما يؤيده، ويبقى النزاع في الحمار، وقد أسلفنا لك ما
فيه الكفاية. وأما المرأة غير الحائض، والكلب الذي ليس بأسود، فقد
عرفت الكلام فيهما. أفاده في ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٢٦٣ - ٢٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي رجحه العلامة الشوكاني
- ٣٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
رحمه الله تعالی هو الذي لا يتجه عندي غيره.
والحاصل أن بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، والمرأة الحائض،
والحمار، هو الراجح لصحة دليله، وما ذكروه من المعارض ليس مقنعاً
حتى نترك به النص الصريح. وأما الخنزير، والمجوسي، واليهودي فلو
صح الحديث قلنا به، وقد تقدم ما يدل على صحته، فينبغي القول به .
والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم بعد كتابتي ما تقدم رأيت الحافظ أبا بكر بن خزيمة رحمه الله
تعالى حقق هذا الموضوع في ((صحيحه)) جـ ٢ ص٢٢ -٢٨، وقريب منه
ما ذكره تلميذه ابن حبان رحمه الله تعالی في ((صحیحه)) جـ ٦ ص ١٤١ .
١٥٤، مما يؤيد ما سبق تقريره. فدونك خلاصة ما قاله ابن خزيمة
رحمه الله تعالی :
(باب) ذكر البيان أن النبي ◌َّه إنما أراد بالمرأة التي قرنها إلى
الكلب الأسود والحمار، وأعلم أنها تقطع الصلاة الحائضُ دون
الطاهر، وهذا من ألفاظ المفسر، كما فسر خبر أبي هريرة، وعبد الله
ابن مغفل في ذكر الكلب في خبر أبي ذر، فأجمل ذكر الكلب في خبر
أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، فقال: ((يقطع الصلاة الكلب،
والحمار، والمرأة)) وبَيَّنَ في خبر أبي ذر أن الكلب الذي يقطع الصلاة هو
الأسود دون غيره، وكذلك بين في خبر ابن عباس أن المرأة الحائض هي
التي تقطع الصلاة، دون غيرها. ثم قال:
٣٧١ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
(باب) ذكر خبر روي في مرور الحمار بين يدي النبي ◌َّ، قد
يحسب بعض أهل العلم أنه خلاف خبر النبي عمله : ((يقطع الصلاة
الحمار، والكلب، والمرأة)).
ثم أخرج بسنده حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور هنا، ثم
قال :
قال أبو بكر: وليس في هذا الخبر أن النبي ◌َّ رأى الأتان تمرّ،
وترتع بين يدي الصفوف، ولا أن النبي ◌َّ أعلم بذلك، فلم يأمر من
مرت الأتان بين يديه بإعادة الصلاة، والخبر ثابت صحيح عن النبي تَّله.
أن الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار يقطع الصلاة، وما لم
يثبت خبر عن النبي ◌َّ بضد ذلك لم يجز القول والفتيا بخلاف ما
ثبت عن النبي تَّ﴾ .
وقد روى شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجَزّار، عن صهيب،
عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((جئت أنا، وغلام من بني هاشم على
حمار، أو حمارين، فمررت بين يدي رسول الله قمه، وهو يصلي،
فلم ينصرف، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتي
رسول الله ◌َّهِ، فَفَرَعَ- أو فرق- بينهما، ولم ينصرف)).
قال أبو بكر: وليس في هذا الخبر أن الحمار مرّ بين يدي رسول الله
وَ لّ، وإنما قال: فمررت بين يدي رسول الله عَّه، وهذه اللفظة تدلّ أن
ابن عباس رضي الله عنهما مر بين يدي رسول الله تَّه، وهو يصلي.
!
1
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
- ٣٧٢
إلا أن عبيد الله بن موسى رواه عن شعبة، قال: فمررنا بين يديه،
ثم نزلنا، فدخلنا معه في الصلاة.
قال: والحکم لعبيد الله بن موسی علی محمد بن جعفر محال،
لاسيما في حديث شعبة، ولو خالف محمد بن جعفر عدد مثل
عبيد الله في حديث شعبة لكان الحكم لمحمد بن جعفر عليهم.
وقد روى هذا الخبر منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن يحيى بن
الجزار، عن أبي الصهباء - وهو صھیبـ قال: كنا عند ابن عباس، فذكرنا
ما يقطع الصلاة، فقالوا: الحمار، والمرأة. فقال ابن عباس: لقد جئت أنا
وغلام من بني عبد المطلب مرتدفين على حمار، ورسول الله ◌َّ﴾ يصلي
بالناس في أرض خلاء، فتركنا الحمار بین أیدیھم، ثم جئنا حتی دخلنا
بين أيديهم، فما بالَى ذلك، ولقد كان رسول الله عَّ يصلي، فجاءت
جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما رسول الله عمله ، فنزع
إحداهما من الأخرى، فما بالی ذلك.
قال أبو بكر : وهذا الخبر ظاهره کخبر عبيد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس أن الحمار إنما مر بين يدي أصحاب النبي عمّ ، لا بين يدي
النبي ◌َّه، وليس فيه أن النبي ◌َّيه علم بذلك، فإن كان في الخبر أن
النبي ◌َّه علم بمرور الحمار بين يدي بعض من كان خلفه، فجائز أن
تکون سترة النبي څے کانت سترة لمن خلفه؛ إذ النبي ټ۵ قد كان يستتر
بالحربة إذا صلى بالمصلىَّ، ولو كانت سترته لا تكون سترة لمن خلفه
1
٣٧٣ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
لاحتاج كل مأموم أن يستتر بحربة، كاستتار النبي ◌َّه بها، فحمل
العنزة للنبي ثمّة يستتر بها دون أن يأمر المأمومين بالاستتار خلفه،
كالدال على أن سترة الإمام تكون سترة لمن خلفه.
وقد روى ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم أن مجاهدًا أخبره
عن ابن عباس، قال: جئت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي
رسول الله ◌ّ بعرفة، وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول
بيننا وبينه .
قال أبو بكر: وغير جائز أن يحتج بعبد الكريم عن مجاهد، على
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله. وهذه اللفظة قد رويت عن ابن
عباس خلاف هذا المعنى، ثم أخرج بسنده عن الحكم بن أبان، عن
عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((ركزت العنزة بين يدي
رسول الله تَّ بعرفات، فصلى إليها، والحمار من وراء العنزة)).
قال أبو بكر: فهذا الخبر مضاد خبر عبد الكريم (يعني ابن مالك
الجزري) عن مجاهد؛ لأن في هذا الخبر أن الحمار إنما كان وراء العنزة،
وقد ركز النبي ◌َ﴾ العنزة بين يديه بعرفة، فصلى إليها. وفي خبر
عبد الكريم، عن مجاهد، قال: ((وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء
يستره، يحول بيننا وبينه)).
وخبر عبد الكريم، وخبر الحَكَم بن أَباَنَ قريب من جهة النقل؛ لأن
- ٣٧٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
عبد الكريم قد تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره، وكذلك
خبر الحكم بن أبان، غير أن خبر الحكم بن أبان تؤيده أخبار عن
النبي ◌َّه صحاح من جهة النقل، وخبر عبد الكريم، عن مجاهد يدفعه
أخبار صحاح من جهة النقل عن النبي ◌َّه .
وهذا الفعل الذي ذكره عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس قد
ثبت عن النبي ◌َّ أنه قد زجر عن مثل هذا الفعل في خبر سهل بن أبي
حَثْمة أن النبي ◌َّة، قال: ((إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن
منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)).
وفي خبر عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: ((أن النبي ◌َ ◌ّه ركز عنّزَة،
فجعل يصلي إليها، يمر من ورائها الكلب، والمرأة، والحمار)). وفي خبر
الرَّبيع بن سَبْرَة الجهني، عن النبي ◌َّهُ: ((استتروا في صلاتكم، ولو
بسهم)). وفي خبر أبي سعيد الخدري، عن النبي تَّه: ((إذا صلى
أحدكم، فليصل إلى سترة، وليدن منها)).
قال أبو بكر: فهذه الأخبار كلها صحاح، قد أمر النبي تمّيه المصلي
أن يستتر في صلاته. وزعم عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس أن
النبي ◌َّ صلى إلى غير سترة، وهو في فضاء؛ لأن عرفات لم يكن بها
بناء على عهد رسول الله عَليه يستتربه النبي ◌َّه، وقد زجر ◌َّه أن
يصلى المصلي إلا إلى سترة.
وفي خبر صدقة بن يسار، سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول
٣٧٥ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥٠
قال رسول الله عَّهُ: ((لا تصلوا إلا إلى سترة)). وقد زجر عَّه أن يصلي
المصلي إلا إلى سترة، فكيف يفعل ما يزجر عنه قَّه .
وفي(١) خبر موسى بن طلحة، عن أبيه، كالدال على أن الحمار إذا
مر بين يدي المصلي، ولا سترة بين يديه، ضره مرور الحمار بين يديه.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهید، حدثنا عمر
ابن عبيد الطنافسي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن
أبيه، قال: كنا نصلي، والدواب تمر بين أيدينا، فسألنا النبي ◌َّه؟
فقال: ((مثل آخرة الرحل يكون بين يدي أحدكم، فلا يضره ما مر بين
یدیه)) .
حدثنا أبو موسى، حدثنا عبد الرحمن، ثنا إسرائيل، عن سماك،
عن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن النبي ◌َّيه، قال: ((ليجعل أحدكم
بین یدیه مثل مؤخرة الرحل، ثم لا یضره ما مر بین یدیه)).
قال أبو بكر: ففي قوله :َ#: «مثل مؤخرة الرحل يكون بين يدي
أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه)) دلالة واضحة، إذا لم يكن بين
یدیه مثل مؤخرة الرحل ضره مرور الدواب بین یدیه.
والدواب التي تضر مرورها بين يديه هي الدواب التي أعلم
النبي ◌َّه أنها تقطع الصلاة، وهو الحمار، والكلب الأسود على ما
(١) هكذا نسخة ((صحيح ابن خزيمة))، ولعل الصواب: ((وخبر موسى)) بحذف لفظة
(في)).
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
- ٣٧٦
أعلم المصطفى ﴾، لا غيرهما من الدواب التي لا تقطع الصلاة. اهـ
كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالی في ((صحیحه)).
قال الجامع عفا الله عنه : قد تحصل من مجموع ما ذكرناه من
الأدلة، ومن كلام هؤلاء الأعلام أن اتخاذ السترة واجب، وأن من
صلى بدون سترة يفسد صلاته مرور المرأة الحائض، والكلب الأسود،
والحمار، وأن ما ورد من مرور بعض هذه الأشياء بين يديه ثمّ ، وهو
يصلي محمول على ما وراء السترة، وأن رواية ((ليس شيء يستره)) لا
تصح، لمخالفتها للأحاديث الصحاح الكثيرة، كما أشار إليه ابن خزيمة
رحمه الله تعالى، أو تحمل على نفي سترة طويلة كالجدار ونحوه كما
أشار إليه غيره، ويؤيد هذا ما في الرواية الأخرى: ((يصلي إلى غير
جدار)). هذا ما ظهر لي. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥١ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيد،
قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، وهِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : قُلْتُ
لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ؟ قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاس
يَقُولُ: ((المرْأةُ الخَائضُ، وَالكَلْبُ)) قَالَ يَحْيَى: رَفَعَهُ
شعبه .
-٣٧٧ -
٧- ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥١
رجال الإسناد : خمسة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس المتقدم في السند الماضي.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري ثقة حجة، من [٩]، تقدم
في ٤ / ٤ .
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في
٢٦/٢٤.
٤ - (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، ثقة حجة من
كبار [٧]، تقدم في ٣٤/٣٠ .
٥ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة حجة مدلس من
كبار [٤]، تقدم في ٣٤/٣٠.
٦ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء الأزدي البصري، ثقة فقيه، من
[٣]، تقدم في ٤٤ / ٥٨٩.
٧ - (ابن عباس رضي الله عنهما، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله، وأنه مسلسل
بالبصريين، وفيه عمرو بن علي ممن اتفق الجماعة بالرواية عنه بلا
واسطة، كما تقدم غير مرة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن
- ٣٧٨ .
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
عباس رضي الله عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة،
وأحد المفتين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، أنه (قال: قلت جابر بن زيد)
أبي الشعثاء البصري (ما يقطع الصلاة؟) ((ما)) استفهامية، أيْ أيُّ شيء
يقطع صلاة الرجل؟
(قال) جابر بن زيد: (كان ابن عباس) رضي الله عنهما
(يقول:) يقطع الصلاة (المرأة الحائض، والكلب) وهو مذهب ابن
عباس رضي الله عنهما، وعطاء؛ قالا: لا يقطع الصلاة إلا مرور المرأة
الحائض، والكلب، أي الأسود، کما صرح به في رواية ابن ماجه.
(قال يحيى) بن سعيد القطان الراوي عن شعبة، وهشام (رفعه
شعبة) أي رفع شعبة في روايته هذا الحديث إلى النبي عمّه ، ولم يرفعه
هشام الدستوائي .
وحاصل المعنى أن هذا الحديث اختلف الرواة عن قتادة في رفعه،
ووقفه؛ فرفعه شعبة، ووقفه غيره على ابن عباس، منهم هشام، كما
قال المصنف، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى العوذي، كما
قال أبو داود.
ونصه في سننه: ((حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، ثنا قتادة،
٣٧٩ -
٧ - ذكر ما يقطع الصلاة - حديث رقم ٧٥١
قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، رفعه شعبة، قال:
يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب.
قال أبو داود: أوقفه سعید، وهشام، وهمام عن قتادة، عن جابر
ابن زید علی ابن عباس. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه : الراجح عندي - كما تقدم عن الحافظ
العراقي - صحة الرفع؛ لأنه زيادة ثقة حافظ، فإن شعبة إمام حجة ثبت،
فلا يضر مخالفة غيره له، وأيضاً فلا تخالف بين الرفع، والوقف؛ لأن
من رفع نقل الحديث، ومن وقف نقل الفتوى، فابن عباس رضي الله
عنهما روى الحديث، وأفتى بموافقة ما رواه. والله أعلم.
والحديث أخرجه المصنف أيضاً في ((الكبرى)) (٦/ ٨٢٧) بالسند
المذكور .
وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى، عن
شعبة، به .
قال الحافظ المزي رحمه الله في ((تحفته)) جـ ٤ ص ٣٧٢: رواه بهز،
وعفان، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن جابر بن
زید، عن ابن عباس. اهـ.
وأخرجه البيهقي في ((سننه الكبرى)) جـ ٢ ص ٢٧٤، من طريق ابن
المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت
- ٣٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب القبلة
جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي ◌ُّه، قال: ((يقطع
الصلاة المرأة الحائض، والكلب)).
قال يحيى - هو القطان -: لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غيرُ
شعبة. قال يحيى: وأنا أَفْرَقُهُ، قال: ورواه ابن أبي عروبة، وهشام،
عن قتادة - يعني موقوفاً .. قال يحيى: وبلغني أن همام يدخل بين قتادة
وبين جابر بن زيد أبا الخليل، قال علي: ولم يرفع همام الحديث.
قال البيهقي رحمه الله: والثابت عن ابن عباس أن شيئاً من ذلك لا
يفسد الصلاة، ولكن يكره، وذلك يدل مع قوله: ((يقطع)) على أن
المراد بالقطع غير الإفساد. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم بیان ما يتعلق بالحدیث من بیان
مذاهب أهل العلم، وذكر أدلته، وترجيح الراجح بدلیله، وغير ذلك،
مستوفى في الحديث السابق فلا حاجة إلى إعادته. وبالله التوفيق، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٥٢ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الزُّهْرِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنِ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ،
قَالَ: ((جْتُ أَنَا، وَالْفَضْلُ، عَلَى أَتَانِ لَنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ
◌َُّ يُصَلِّ بِالنَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّذَكَرَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا فَمَرَرْنَا