النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
عالمًا فاضلاً. مات سنة ١٢١ وقال ابن سعد: کان عابدًا فاضلاً، وكان
ثقة مأموناً، وله أحاديث يسيرة. وقال الخليلي: أحاديثه كلها يحتج
بها. قال الواقدي: مات قبل هشام، أو بعده بقليل، ومات هشام سنة
١٢٤ قال الحافظ: بل سنة ١٢٥ . اهـ. أخرج له الجماعة .
٤ - (عمرو بن سليم)(١) بن خَلْدَةَ بن مُخَلَّد بن عامر بن زُرَيْق
الأنصاري الزَّرقي - ثقة، من كبار التابعين، توفي سنة ١٠٤ .
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وقال
ابن خراش: ثقة، في حديثه اختلاط. وقال العجلي: مدني ثقة. وذكره
ابن حبان في الثقات. وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات
عمر. وقال الفلاس: مات سنة ١٠٤، أخرج له الجماعة .
٥ - (أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن ربعي، وقيل: غيره،
الصحابي المشهور رضي الله عنه، توفي سنة ٥٤ على الأصح، تقدم في
٢٤/٢٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وكلهم
من رجال الجماعة .
(١) سُلَيْم: بصيغة التصغير. و((خَلْدَة)): بفتح المعجمة، وسكون اللام، وقيل بفتحها،
وإهمال دال. و((مُخَلَّد)): بميم مضمومة، وفتح معجمة، وشد لام. و ((الزُّرْقِي)):
بضم الزاي، وفتح الراء، بعدها قاف. اهـمن هامش تت جـ ٨ ص ٤٤.

- ١٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبغلاني، قرية من قرى
بَلْخَ.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ عامر بن عبد الله، عن
عمرو بن سلیم.
ومنها : أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة.
والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قتادة) رضي الله عنه، قال في الفتح: هكذا اتفق عليه
الرواة عن مالك، ورواه سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن
الزبير، فقال: ((عن جابر)) بدل أبي قتادة، وخطَّأَه الترمذي،
والدار قطني، وغيرهما. اهـ. أن رسول الله عَّه قال: (إِذا دخل
أحدكم المسجد، فليركع) أي فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل
(ركعتين) هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله،
والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين. قاله في
الفتح.
ويتأدى ذلك بصلاة الفرض، فإذا دخل والناس في الصلاة فدخل
معهم فيها، سقط عنه الطلب، فلا حاجة - كما قال السندي - إلى
تخصيص الحديث بما إذا لم تُقَم المكتوبة. والله أعلم.
:
١

١٦٣ -
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
وقال في الفتح: واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب،
ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم
عدمه .
ومن أدلة عدم الوجوب قوله ◌َّ للذي رآه يتخطى: ((اجلس، فقد
آذيت)) ولم يأمره بصلاة. كذا استدل به الطحاوي، وغيره. قال
الحافظ : وفيه نظر .
قال الجامع: ومن أدلته أيضاً ما يأتي للمصنف في الباب التالي.
وقال الطحاوي أيضاً: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا
الأمر بداخل فيها .
قال الحافظ: هما عمومان تعارضا؛ الأمر بالصلاة لكل داخل من
غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلابد من
تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي، وتعميم
الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلی عکسه، وهو قول
الحنفية، والمالکیة. اهـ (فتح)) جـ ٢ ص ١٠٦ .
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعية
رحمهم الله تعالى، لما سنحققه، في المسائل إن شاء الله تعالى.
(قبل أن يجلس) صرح جماعة بأنه إذا خالف، وجلس لا يشرع له
التدارك، وفيه نظر ، لما رواه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي ذر

- ١٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
رضي الله عنه، أنه دخل المسجد، فقال له النبي ◌َّه: ((أركعت
ركعتين؟)) قال: لا، قال: ((قم فاركعهما)). ترجم عليه ابن حبان أن تحية
المسجد لا تفوت بالجلوس. ولحديث جابر رضي الله عنه، جاء سُلَيْك
الغَطَفَاني يوم الجمعة، ورسول الله تَّه قائم على المنبر، فقعد سليك
قبل أن يصلي، فقال له: ((أصليت ركعتين؟)) فقال: لا، فقال: ((قم
فاركعهما)). متفق عليه. وسيأتي للمصنف برقم: ١٣٩٥، ١٤٠٠.
وقال المحب الطبري: يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت
فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداء، وبعده قضاء،
ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل
الفصل .
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره المحب الطبري فیه نظر، بل
يشرع لمن لم يصل قبل الجلوس نسياناً، أو جهلاً أن يصلي بعده مطلقاً،
على ظاهر النصوص المذكورة، فإنه قمّه أمر بالصلاة قبل الجلوس،
وأمر من لم يصل قبله أن يقوم فيصلي، ولم يبين التفصيل الذي ذكره
المحب فتنبه. والله أعلم.
فائدة :
حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا ورد على سبب، وهو أن
أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي تمّه جالساً بين أصحابه، فجلس
معهم، فقال له: ((ما منعك أن تركع؟)) قال: رأيتك جالساً، والناس

١٦٥ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
جلوس، قال: ((فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع
رکیتین)). أخرجه مسلم.
وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة: ((أعطوا المساجد
حقها)) قيل له: وما حقها؟ قال: (رکعتين قبل أن تجلس). اهـ فتح جـ ٢
ص١٠٦ - ١٠٧. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنف له :
أخرجه هنا (٧٣٠/٣٧)، و((الكبرى)) (٨٠٩/٣٠) عن قتيبة، عن
مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،
عنه. والله تعالى أعلم.
الثالثة: فیمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف، عن
مالك، به- وعن مکي بن إبراهيم، عن عبد الله بن سعید بن أبي هند-
كلاهما عن عامر بن عبد الله، به.

--- 94
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ١٦٦
وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، والقعنبي، وقتيبة،
ثلاثتهم عن مالك، به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي،
عن زائدة، عن عمرو بن يحيى بن عُمَارة، عن محمد بن يحيى بن
حبَّان، عن عمرو بن سُلَیْم، به، وفيه قصة، وقد تقدم ذكرها.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، به. وعن مسدد، عن
عبد الواحد بن زياد، عن أبي العُمَيس عُتْبَة بن عبد الله، عن عامر بن
عبد الله بن الزبير، عن رجل من بني زُرَيَق، به - ولم يسمه.
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، به. وقال: حسن صحيح. وقد
روی ابن عجلان، وغير واحد هذا الحديث عن عامر نحو رواية مالك.
وروى سهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله، عن
عمرو بن سليم، عن جابر - وهو غير محفوظ. قال ابن المديني: حديث
سهیل خطأ .
وأخرجه ابن ماجه فيه عن العباس بن عثمان، عن الوليد بن مسلم،
عن مالك نحوه. رواه الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عامر بن
عبد الله، عن أبي قتادة - ولم يذكر ((عمرو بن سليم))، وهو وَهَم. قاله
الحافظ المزي رحمه الله في تحفته ج ٩ ص ٢٦٢ - ٢٦٣.
وأخرجه الحميدي في مسنده رقم ٤٢١، وأحمد ٢٩٥/٥، ٢٩٦،
٣٠٣، ٣٠٥، ٣١١، والدارمي ١٤٠٠، وابن خزيمة في صحيحه
١٨٢٥، ١٨٢٦، ١٨٢٧، ١٨٢٩، وابن حبان في صحيحه جـ ٦
٠٠

١٦٧ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
٢٤٥. بتحقيق الأرنؤوط. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان مذاهب العلماء في حكم ركعتي تحية
المسجد :
ذهب الجمهور إلى أنهما سنتان، قائلين: إن الأمر في ذلك للندب،
لا للوجوب.
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه جـ ١ ص ١٩٨ .
١٩٩ في حديث أبي قتادة رضي الله عنه المذكور في الباب: والعمل
على هذا الحديث عند أصحابنا ، استحبوا إذا دخل الرجل المسجد أن لا
يجلس حتی یصلي الرکعتین، إلا أن یکون له عذر. اهـ.
وذهب بعضهم إلى وجوبهما، ونسب إلى الظاهرية ما عدا ابن
حزم، واستدلوا بحديث أبي قتادة المذكور في الباب، فإنه بصيغة
الأمر، والأمر للوجوب. وسيأتي الجواب عنه، إن شاء الله تعالى.
قال الجامع عفا الله عنه: نسبة الوجوب إلى الظاهرية، وإن حكاه
القاضي عياض، وابن بطال، محل نظر، فإن ابن حزم رحمه الله قال
في ((المحلى)) في الرد على القائلين بوجوب شيء من الصلوات غير
الخمس: مانصه: وأما كون ما عدا ذلك تطوعاً فإجماع من الحاضرين
من المخالفين، إلا في الوتر، فإن أبا حنيفة قال: واجب، وقد روي عن
بعض المتقدمين: أنها فرض. اهـ.
فقد بَيَّنَ ابنُ حزم وهو أعلم الناس بالظاهرية أن القول بعدم وجوب

١٦٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ما عدا الخمس إجماع، إلا ما ذكر في الوتر. فتنبه . والله أعلم.
واستدل الأولون بحديث ضمام بن ثعلبة عند الشيخين،
والمصنف، وأبي داود، وفيه: فقال رسول الله لَمّه: ((خمس صلوات
في اليوم والليلة))، قال: هل علي غيرهن؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع))
.... الحديث.
قال الحافظ أبو بكر بن خزيمة رحمه الله في صحیحہ جـ ٢ ص١٦٤ :
باب الدليل على أن الأمر بركعتين عند دخول المسجد أمر ندب،
وإرشاد، وفضيلة. والدليل على أن الزجر عن الجلوس قبل صلاة
ركعتين عند دخول المسجد نھي تأديب، لا نهي تحريم، بل حض على
الخير، والفضيلة.
قال أبو بكر: خبر طلحة بن عبيد الله جاء أعرابي إلى النبي تمّه ،
فقال: ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: ((الصلوات الخمس إلا أن
تطوع شيئاً)، فأعلم النبي & أن لا فرض من الصلاة إلا خمس
صلوات، وأن ما سوى الخمس فتطوع، لا فرض في شيء من
ذلك. اهـ. «صحیح ابن خزيمة)) جـ٣ ص ١٦٤ .
واستدلوا أيضاً بالحديث الآتي للمصنف في الباب التالي، فإن
كعب بن مالك رضي الله عنه جلس عند النبي ◌َّ﴾ ، فلم يأمره
بالصلاة، كما يأتي استدلال المصنف به على عدم الوجوب.
واستدلوا أيضاً بما تقدم من أن سبب حديث أبي قتادة رضي الله عنه

١٦٩ -
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
المذكور في الباب أنه دخل المسجد فوجد النبي ◌َّه وأصحابه جالسين.
فجلس من غير أن يصلي ركعتين، فقال له النبي ◌َّه: ((ما منعك أن
تركع؟)) قال: رأيتك جالساً، والناس جلوس. قال: ((فإذا دخل أحدكم
المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين)). أخرجه مسلم. ففيه أنه لم
يأمره بالقيام لأداء الركعتين. فيدل على عدم وجوبهما أيضاً.
واستدلوا أيضاً بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه
ابن خزيمة عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه، قال: جاء رجل
يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة، والنبي ◌َّهُ يخطب، فقال له
رسول الله ◌َّه: ((اجلس فقد آذيت))، وزاد أحمد ((وآنيت)) . - يعني
تأخرت - فقد أمره بالجلوس، ولم يأمره بالصلاة. لكن فيه أنه يحتمل
أنه صلى في جانب المسجد قبل التخطي. والله أعلم.
وقال العلامة العيني رحمه الله: لو قلنا بوجوبهما لحرم على
المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا
جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أنه لا يجب عليه سجودهما
عند دخوله. اهـ.
وقال الإمام العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وجمهور
العلماء على عدم الوجوب لهما. ثم اختلفوا، فظاهر مذهب مالك
أنهما من النوافل. وقيل: إنهما من السنن. وهذا على اصطلاح المالكية
في الفرق بين النوافل والسنن والفضائل. ونقل عن بعض الناس أنهما

- ١٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
واجبتان، تمسكاً بالنهي عن الجلوس قبل الركوع. وعلى الرواية
الأخرى - التي وردت بصيغة الأمر - يكون التمسك بصيغة الأمر.
ولاشك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم، ومن
أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى دليل. ولعلهم يفعلون في هذا ما
فعلوا في مسألة الوتر، حيث استدلوا على عدم الوجوب فيه بقوله عمله :
((خمس صلوات كتبهن الله على العباد))، وقول السائل: هل علي
غيرهن؟ قال: ((لا إلا أن تطوع))، فحملوا لذلك صيغة الأمر على
الندب، لدلالة هذا الحديث على عدم وجوب غير الخمس، إلا أن هذا
يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على الميت، تمسكاً بصيغة الأمر. اهـ
((إحكام الأحكام)) جـ٢ ص٤٦٧ -٤٦٨.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فهو محتاج إلى الدليل. أقوى
الدلیل للجمهور هو الحدیث الذي ذكره هو، فدلالته على عدم وجوب
ما سوی الخمس واضحة.
وأما جواب من أجاب بأن ذلك قبل أن يجب غيرها من
الصلوات - كما ذكره الصنعاني، والشوكاني - فيرد عليه بحديث معاذ
رضي الله عنه حين بعثه النبي ◌َّه إلى اليمن، فقال له: إنك ستأتي قوماً
أهل كتاب ... الحديث)). وفیه «فأعْلمْهُم أن الله افترض عليهم خمس
صلوات في كل يوم وليلة)) وبَعْثُ معاذ كان سنة عشر قبل حجة
النبي ◌َّه ، كما ذكره البخاري رحمه الله في أواخر المغازي. ويقال:

١٧١ -
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
إنه ما قدم إلا بعد موته تقمله .
فهذا واضح في عدم افتراض شيء من الصلوات غير الخمس، لأن
هذا الحدیث متأخر بیقین.
وأما قوله: يشكل عليهم إيجابهم الصلاة على الميت. فجوابه أن
الصلاة على الميت ليست فرض عين، لأن السائل سأله عما يجب عليه،
ولا يسقط بفعل غيره عنه، بدليل اقتصاره تَّه في جوابه على فرائض
الأعيان.
وقد طول العلامة الشوكاني في انتصار القول بالوجوب في نيله
جـ ٣ ص ٣٤٧ - ٣٤٩ - ومثله الصنعاني في ((عدته)) جـ٢ ص٤٦٨.
وأقوى مستندهما في ذلك دعوى أن حديث ((هل علي غيرهن؟
قال: ((لا .... )) كان أوّلا، ثم تزايدت التشريعات بعد ذلك. وهذا
مردود عليهما بحديث معاذ المذكور المتأخر يقيناً. فتبصر. والله أعلم.
فالحاصل أن قول الجمهور بعدم الوجوب هو الحق، لظهور دليله.
والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: ظاهر الحديث يدل على مشروعية هاتين الركعتين
في جميع الأوقات حتى في أوقات الكراهة، ووقت الخطبة. وبه قالت
الشافعية، وجماعة، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله. وكره ذلك أبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، محتجين
بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة.

- ١٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
صَّ اللّه
وأجاب الأولون بأن النهي إنما هو عما لا سبب له؛ لأن النبي
صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر. رواه الشيخان.
وبحديث ((أن رجلاً صلى مع النبي لمّيه الصبح. ولم يكن ركع
ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله تَّي قام يركع ركعتي الفجر.
ورسول الله تَّه ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه)). رواه ابن حبان في
صحيحه .
وبحديث ((أن النبي ◌َّ صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما
انصرف إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: ((عليّ بهما))، فجيء بهما
ترعد فرائصهما، فقال: ((ما منعكما أن تصليا معنا؟)) قالا: صلينا في
رحالنا، قال: ((فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد
جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)). رواه أبو داود والنسائي،
وصححه الترمذي.
وبحديث («أنه تمّ أمر بركعتي تحية المسجد لمن جاء يوم الجمعة،
والإمام يخطب))، مع أن الوقت وقت سماع الخطبة. ففي رواية
الشيخين من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم يوم
الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصل ركعتين)). وفي رواية لمسلم: ((إذا
جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز
فیھما)) .

١٧٣ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
قال الجامع عفا الله عنه: فترجح بما ذكر أن الراجح قول من قال
بمشروعية ركعتي تحية المسجد مطلقاً في أوقات الكراهة وغيرها. والله
أعلم.
تنبيه:
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف المتقدم
ما نصه: وهذا الخلاف في هذه المسألة ينبني على مسألة أصولية
مُشْكلَة، وهو ما إذا تعارض نصان كل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر
عام من وجه، خاص من وجه. ولست أعني بالنصين هاهنا ما لا
يحتمل التأويل.
وتحقيق ذلك أوَّلاً يتوقف على تصوير المسألة. فنقول: مدلول أحد
النصین إن لم يتناول مدلول الآخر، ولا شيئاً منه، فهما متباينان،
كلفظة ((المشركين)) و ((المؤمنين)) مثلاً، وإن كان مدلول أحدهما يتناول
كل مدلول الآخر، فهما متساويان، كلفظة ((الإنسان)) و((البشر)) مثلاً،
وإن کان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ويتناول غیرہ،
فالمتناول له ولغيره عام من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والآخر خاص
من كل وجه، وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كل واحد
منهما بصورة، أو صُور، فكل واحد منهما عام من وجه خاص من
وجه .

١٧٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
فإذا تقرر هذا، فقوله عمله: ((إذا دخل أحدكم المسجد)) إلخ مع
قوله: ((لا صلاة بعد الصبح)) من هذا القبيل، فإنهما يجتمعان في
صورة، وهو ما إذا دخل المسجد بعد الصبح، أو العصر، وينفردان
أيضاً، بأن توجد الصلاة في هذا الوقت من غير دخول المسجد،
ودخول المسجد في غير ذلك الوقت، فإذا وقع مثل هذا فالإشكال
قائم، لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد
في هذه الأوقات، لأن هذا الحديث دل على جوازها عند دخول
المسجد، وهو خاص بالنسبة إلى الحديث الأول المانع من الصلاة بعد
الصبح، فأخص قوله: ((لا صلاة بعد الصبح)) بقوله: ((إذا دخل أحدكم
المسجد))؛ فلخصمه أن يقول: قوله: ((إذا دخل أحدكم المسجد)) عام
بالنسبة إلى الأوقات، فأخصه بقوله: ((لا صلاة بعد الصبح)) فإن هذا
الوقت أخص من عموم الأوقات.
فالحاصل أن قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا دخل أحدكم المسجد))
خاص بالنسبة إلى هذه الصلاة - أعني الصلاة عند دخول المسجد - عام
بالنسبة إلى هذه الأوقات. وقوله: ((لا صلاة بعد الصبح)) خاص
بالنسبة إلى هذا الوقت، عام بالنسبة إلى الصلوات. فوقع الإشكال من
هاهنا .
وذهب بعض المحققين إلى التوقف حتى يأتي ترجيح خارج بقرينة،

١٧٥ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
أو غيرها. فمن ادعى أحد هذين الحكمين - أعني الجواز، أو المنع - فعليه
إبداء أمر زائد على مجرد الحديث. اهـ إحكام الأحكام جـ٢ ص ٤٧٠.
٤٧٢. بنسخة العدة.
قال الجامع عفا الله عنه: الأمر الزائد المرجح موجود.
والحمد لله - وهو ما تقدم من النصوص الدالة على جواز الصلوات التي
لها أسباب.
والمراد بذوات الأسباب هي التي لها سبب متقدم عليها. فاندفع
بهذا ما قاله الصنعاني من أن الحكم على بعض الصلوات بأنها من ذوات
الأسباب دون بعض تفريق بين المتماثلات؛ إذ ما من صلاة إلا ولها
سبب باعث عليها أقله الندب إليها، فإن أرادوا ما نص عليه بخصوصه
من النوافل، فهو من التنصيص على بعض أفراد العام الشامل له
ولغيره، وهو قوله ثمّه : «الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر
منها، فليستكثر)). حديث حسن أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ:
(فمن استطاع أن يستكثر)).
والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، وأنه مع
ذلك يلزم أن لا يبقى لأحاديث النهي محل يتوجه - إليه ـ اهـ. ((العدّة))
جـ٢ ص ٤٦٩. بزيادة يسيرة.
قال الجامع: هذا الذي قاله الصنعاني رحمه الله بعيد كل البعد عما
تقدم، فإن المراد بالأسباب هنا هي الأسباب التي قدمها الشخص على

- ١٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
فعل الصلاة، فاقتضت فعلَها. وذلك كأن تفوته صلاة، فيتذكرها في
ذلك الوقت، فيصليها، أو يدخل المسجد فيصلي ركعتين، أو يتوضأ
فيصلي ركعتي الوضوء، أويأتي المسجد، وقد صلى العصر، أو الصبح
في رحله، فأدرك الجماعة، فصلى معهم، أو فاتته ركعتا الفجر،
فصلاهما بعد أداء الفرض جماعة، أو نحو ذلك، فمثل هذه الأشياء هي
التي لها أسباب تقدمت على فعلها، وأما البواعث المقتضية للفعل من
جهة الشرع، كالحديث الذي ذكره، فليست مرادة هاهنا. فتنبه والله
أعلم.
وأما ما قاله الشوكاني رحمه الله - بعد ذكره التعارض المتقدم، وأنه
لا يمكن الترجيح .: والمقام عندي من المضائق، والأوْلى للمتورع ترك
دخول المساجد في أوقات الكراهة. فعجيب من مثله! فكيف يمنع
المسلم، من دخول المساجد؟ وأي نص في ذلك حتی نعتمد عليه؟ بل
الصواب أن المساجد مأذون في دخولها في جميع الأوقات، إلا فيمن
ورد النص بتحريم الدخول في حقه كمن أكل ثوماً، أو نحو ذلك. والله
أعلم.
والحاصل أن أدلة تخصيص عموم النهي بذوات الأسباب واضحة،
لا لبس فيها، فيشرع أداء ركعتي تحية المسجد في جميع الأوقات. وقد
تقدم تمام البحث في المسألة في ٥٥٩/٣١ فارجع إليه تزدد علماً. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

-١٧٧ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
المسألة السادسة :
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: إذا دخل المسجد بعد أن
صلى ركعتي الفجر في بيته فهل يركعهما في المسجد؟ .
اختلف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع.
وقيل: إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث
الذي رووه من قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاة بعد الفجر، إلا
ركعتي الفجر)). وهذا أضعف من المسألة السابقة، لأنه يحتاج في هذا
إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين
في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن هذه المطالبة، وتقدير
تسليم صحته يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين، يصير كل
واحد منهما عاماً من وجه، خاصاً من وجه، وقد ذكرناه. اهـ إحكام
جـ٢ ص٤٧٢ _ ٤٧٣ .
قال الجامع عفا الله عنه: أما الحديث فصحیح بمجموع طرقه- كما
تقدم البحث عنه في ٥٨٣/٣٩ وأما التعارض المذكور، فتقدم الجواب
عنه في الذي قبله.
والحاصل أن النهي المذكور في هذا الحديث لا يتناول من دخل
المسجد بعد أداء ركعتي الفجر، فيشرع له أن يصلي ركعتي التحية،
لكونهما من ذوات الأسباب. فتفطن. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.

- ١٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
المسألة السابعة :
إذا دخل مجتازاً، فهل يؤمر بالركعتين؟.
خفف في ذلك مالك رحمه الله. قال ابن دقيق العيد رحمه الله :
وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة؛ فإنا إن نظرنا إلى
صيغة النهي، فالنهي يتناول جلوساً قبل الركعتين، فإذا لم يحصل
الجلوس أصلاً لم يفعل المنهي. وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه
بر کوع قبل الجلوس، فإذا انتفيا معًا لم يخالف الأمر. اهـ إحكام. جـ٢
ص ٤٧٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد رحمه الله
هو الظاهر، فمن دخل المسجد مجتازاً لیس علیه أن یرکع الركعتين،
لظاهر النص. والله أعلم.
المسألة الثامنة :
لفظة ((المسجد)) تتناول كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجد
الحرام، وجعلوا تحيته الطواف.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله: فإن كان في ذلك خلاف،
فلمخالفهم أن يستدل بهذا الحديث، وإن لم يكن فالسبب في ذلك
النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح الدخول في محل العبادة
بعبادة، وعبادة الطواف تُحَصِّل هذا المقصود، مع أن غير هذا المسجد لا
يشاركه فيها ، فاجتمع في ذلك تحصيل المقصود مع الاختصاص.
وأيضاً فقد يؤخذ ذلك من فعل النبي ځ﴾ في حجته حین دخل

١٧٩ _
٣٧ - الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه - حديث رقم ٧٣٠
المسجد، فابتدأ بالطواف على ما يقتضيه ظاهر الحديث، واستمر عليه
العمل، وذلك أخص من هذا العموم. وأيضاً فإذا اتفق أن طاف،
ومَشَى على السنة في تعقيب الطواف بركعتيه، وجرينا على ظاهر اللفظ
في الحديث، فقد وفينا بمقتضاه. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا معنى لإخراج المسجد
الحرام من هذا الحديث - كما يشير إليه آخر كلام ابن دقيق العيد.
رحمه الله - فإن من دخله، إما أن يكون محرماً بأحد النسكين، أوْ لا،
فإن كان محرماً بأحدهما؛ فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف، ثم يصلي
ركعتين - كما ثبت عن النبي ◌َّ - فمن فعل بالسنة فقد عمل بحديث
الباب؛ لأن المطلوب منه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وقد وجد ،
وإن لم يكن محرماً، فإن أراد الطواف فكذلك، وإلا فليركع ركعتين
قبل أن يجلس.
والحاصل أن المسجد الحرام کسائر المساجد في طلب الركعتين قبل
الجلوس، تقدمهما طواف، أم لا . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة التاسعة :
إذا صلى العيد في المسجد، فهل يصلي التحية عند الدخول فيه؟
اختلف فيه؛ قال ابن دقيق العيد رحمه الله: والظاهر من لفظ
الحديث أنه يصلي. ولكن جاء في الحديث ((أن النبي ثمّه لم يصل قبلها

- ١٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ولا بعدها))، أعني صلاة العيد. والنبي ◌َُّ لم يصل العيد في المسجد،
ولا نقل عنه ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل، ويفهم
فاهم أن ترك الصلاة قبل العيد، وبعدها من سنة صلاة العيد، من
حيث هي هي، وليس لكونها واقعة في الصحراء أثر في ذلك الحكم،
فحينئذ يقع التعارض، غير أن ذلك يتوقف على أمر زائد، وقرائن
تشعر بذلك، فإن لم يوجد فالاتباع أولى استحباباً، أعني في ترك
الركوع في الصحراء، وفعله في المسجد للمسجد، لا للعيد. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لم يصل العيد في المسجد، ولا
نقل عنه ذلك. هو كما قال، وأما ما رواه أبو داود، وابن ماجه من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أنه أصابهم مطر يوماً، فصلى بهم
النبي ◌َ﴾ العيد في المسجد)). فضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن
عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة مجهول.
وقوله: فإن لم يوجد ذلك فالاتباع أولى، أي إن لم توجد القرائن
الدالة على ما ذكره، فالاتباع بترك الركعتين في الصحراء، وفعلهما في
المسجد له، لا للعيد، هو الأولى.
قال العلامة الصنعاني رحمه الله: وهذا هو النهج الواضح،
وصلاته في المسجد لأجله، لا للعيد، وتركها في الصحراء، أعني ترك
صلاة التحية في مصلى الصحراء، لا للمنع عن الصلاة، فإن الترك لا
ظاهر له يقتضي المنع عن الصلاة مطلقاً، ولا يوجد منه ما يعارض
حديث ((الصلاة خير موضوع)).