النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١ _
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣
(فطَفِقَ) هكذا نسخ المجتبى التي بين يدي بالفاء ، ونسخة الكبرى
((طفق)) بدونها، وهو الذي في الصحيحين، وهو ظاهر، لأن ((طفق))
عليه جواب ((لَمَّا))، والأول أيضاً له وجه صحيح، لأن ((طفق)) عطف
على ((نزل))، وجواب ((لما)) قوله: ((قال)) من قوله: ((قال - وهو
كذلك -: لعنة الله على اليهود)) إلخ.
و((طفق) من أفعال الشروع التي تعمل عمل ((كان))، كما أشار إليها
في الخلاصة حيث قال :
كَذَا جَعَلْتُ ، وَأَخذْتُ ، وَعَلِقْ
كَأَنْشَأ السَّائِقُ يَحْدُو ، وَطَفِقْ
حكى الأخفش طَفَقَ ، يَطْفَقُ ، مثل ضرب يضرب ، وطَفقَ يَطْفَقُ،
مثل عَلَمَ یعلَمُ ، ولم يستعمل له اسم فاعل ، واستعمل له مصدر ،
حكى الأخفش طُفُوقاً، عمن قال : طفَقَ - بالفتح، وطَفَقًا عمن قال:
طَفقَ - بالكسر . ومعناه هنا : جعل. أفاده العيني .
(يطرح) جملة في محل نصب خبر ((طفق)) (خميصة) بالنصب
مفعول ((يطرح)) . وهي - بفتح المعجمة، وكسر الميم ، بعدها ياء ساكنة،
ثم صاد مهملة -: كساء أسود مربع ، له علمان ، فإن لم يكن معْلَماً ،
فليس بخميصة ، وهي ثوب خَزّ ، أو صوف مُعلَم .
وقيل : لا تسمى خَميصَة ، إلا أن تكون سوداء معلمة ، وكانت من
لباس الناس قديماً ، وجمعها الخمائص.
وقيل : الخمائص : ثياب من خَزَّ ثخَانٌ سُودٌ، وحُمْرٌ ، ولها

- ٦٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
أعلام ثخَان أيضاً . أفاده في اللسان.
(له) متعلق بمحذوف صفة لخميصة أي كائنة له (على وجهه)
متعلق بيطرح (فإذا اغتم) بالغين المعجمة - أي احتبس نفسه عن الخروج،
وقيل : سخن بالخميصة، وأخذ بنفسه من شدة الحر . قاله السندي
( كشفها عن وجهه) أي أزال تلك الخميصة عن وجهه ليزول اغتمامه.
(قال) وللبخاري ((فقال)» بالفاء (- وهو كذلك -) جملة في محل
نصب على الحال ، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي والحال أنه في
تلك الحال، من الطرح والكشف (لعنة الله على اليهود والنصارى)
مقول القول ، واللعنة : الطرد والإبعاد عن الرحمة ، أي أبعدهم الله
عن رحمته .
وكأنه ◌َُّ علم أنه لا يقوم من مرضه ذلك ، فخاف أن يعظم قبره
كما فعل من مضى ، فلعن اليهود والنصارى ، إشارة إلى ذم من فعل
مثل فعلهم .
( اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة ، استئنافاً بيانياً ،
وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدر ، فكأن سائلاً سأله ، فقال : (( ما
سبب لعنهم؟)) فأجابه بقوله: ((اتخذوا)) ...
وزاد في الكبرى ، في الوفاة: (( يُحذِّرُ مثل ما صنعوا)). ونحوه
عند الشيخين ، وهو مستأنف من كلام الراوي ، كأنه سئل عن حكمة
ذكر ذلك في ذلك الوقت ، فأجاب بذلك .

٦٢٣ -
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣
وقد استشكل ذكر النصارى فيه ، لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف
النصارى، فليس بين عيسى، وبين نبينا ◌َّ نبي غيره ، وهو في
السماء لم يمت ، فليس له قبر :
والجواب: أنه كان فيهم أنبياء أيضاً ، لكنهم غير مرسلين ،
كالحواريين، ومريم في قول، أو الجمع في قوله: ((أنبيائهم)) بإزاء
المجموع من اليهود والنصارى ، والمراد الأنبياء ، وكبار أتباعهم ،
فاكتفى بذكر الأنبياء ، ويؤيده - كما قال الحافظ رحمه الله - : قوله في
رواية مسلم من طريق جندب (( كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم
مساجد))، ولهذا لما أفرد النصارى في حديث عائشة الآتي (٧٠٤) قال:
((إذا مات فيهم الرجل الصالح)) ، ولما أفرد اليهود في حديث أبي هريرة
المتفق عليه، قال: (( قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ،
أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعاً ، أو اتباعاً ، فاليهود
ابتدعت، والنصارى اتبعت ، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير
من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود . قاله في ((الفتح)). جـ١ ص٦٣٤ .
تنبيه :
نقل السيوطي عن البيضاوي أنه قال : لما كانت اليهود والنصارى
يسجدون لقبور أنبيائهم ، تعظيماً لشأنهم ، ويجعلونها قبلة يتوجهون
في الصلاة نحوها ، واتخذوها أوثاناً ؛ لعنهم ، ومنع المسلمين من مثل
ذلك ، فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح ، وقصد التبرك بالقرب

- ٦٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
منه ، لا التعظيم له ، ولا التوجه نحوه ، فلا يدخل في ذلك الوعيد .
انتهى . وذكر في الفتح نحوه ، وذكر نحوه أيضاً السندي .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا عجيب من هؤلاء الأكابر ، كيف
جاز لهم مثل هذا الكلام المنابذ للسنة ، والمناقض للنص الصريح ،
وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب ،
فأول بداية ضلالهم هذا هو التبرك بقبور أنبيائهم وصالحيهم ، فآل بهم
الأمر إلى أن عبدوهم ، ومن يرى حال أكثر الناس اليوم ، فيما يفعلونه
عند قبور الصالحين من أنواع الشرك والضلال ، يتبين له أن ما فعله
اليهود والنصارى بأنبيائهم وصالحيهم هو عين ما فعله هؤلاء .
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك ، بل
بعضهم يشاركهم ، ويزين لهم ذلك ، فإلى الله المشتكى ، ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث عائشة ، وابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له .
أخرجه هنا (٧٠٣/١٣)، و((الكبرى)) (٧٨٢/١٣)، وفي ((الوفاة))
منه (٧٠٨٩/٧) ، عن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، عن معمر ،
ويونس، كلاهما عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ،

٦٢٥ _
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣
عنهما ، و(٧٠٩٠) عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم ، عن عمه يعقوب
ابن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن
ابن شهاب به . قال : وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد ، عن
محمد بن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري .
أنبأنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمر ، قال : حدثنا أبي ،
عن أبي إسحاق ، قال : حدثني صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عائشة ، وابن عباس ، حدثاه أنه: لما
نزل برسول الله عَ طفق يطرح خميصة على وجهه ، فإذا اغتم كشفها
عن وجهه ، فقال - وهو يفعل ذلك -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، حَذَراً على أمته ما صنعوا.
وقد روى هذا الحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
أنبأنا عمرو بن سَوَّاد بن الأسود بن عمرو ، عن ابن وهب ، قال :
أنبيائهم مالك عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : أن
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد)) .
قال أبو عبد الرحمن: خالفه قتادة ، فرواه عن سعيد بن المسيب ،
عن عائشة .
أنبأنا عمرو بن علي، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا
سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة عن النبي ◌َ له،

- ٦٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
قال: ((لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). انظر الكبرى جـ٤
ص٢٥٦ - ٢٥٧ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم .
فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وفي
اللباس عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، وفي ذكر بني
إسرائيل ، عن بشر بن محمد ، عن ابن المبارك، عن معمر ، ويونس ،
أربعتهم عن الزهري ، به .
ومسلم في ((الصلاة)) عن هارون بن سعيد الأيلي ، وحرملة بن
يحيى، كلاهما عن ابن وهب ، عن يونس، به . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف ، وهو النهي عن اتخاذ القبور
مساجد، لما يترتب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدي إلى عبادتها .
ومنها : بيان ما كان عليه النبي ◌َّه من شدة العناية في تحذير أمته
من الوقوع في الشرك ، حتى في آخر لحظة من حياته .
ومنها: بيان اشتداد مرضه تميّ ، وذلك لتضعيف درجاته ، فعن
عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ((ما رأيت الوجع على أحد أشد
منه على رسول الله ◌َّهُ))، أخرجه الشيخان .
ومنها : مشروعية لعن اليهود والنصارى، لانحرافهم عن دینھم،
وما أنزل الله على أنبيائهم، حتى عبدوا الأنبياء، والصالحین من دون الله،

٦٢٧ -
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤
كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لَيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] الآية.
ومنها : أن من فعل مثل ما فعله اليهود والنصارى يستحق اللعن .
والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٠٤ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهيمَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أنَّ
أمَّ حَبِيبَةَ ، وأمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنيسَةٌ رَآتَاهَا بالحَبَشَة ، فيهَا
تَصَاوِيرُ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِلَّهِ: ((إنَّ أولَئِكَ إِذَا كَانَ
فِيهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجداً ،
وصَوَّرُوا تيكَ الصَّوَرَ ، أولَئِكَ شرَارُ الخَلْقِ عنْدَ اللَّه
يَوْمَ القِيَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدورقي البغدادي ، ثقة حافظ ، من
[١٠]، تقدم في ٢٢/٢١.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ، ثقة حجة ، من [٩]،
تقدم في ٤ / ٤.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ، ثقة فقيه ، من [٥]،

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٦٢٨
تقدم في ٤٩ / ٦١ .
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني ، الفقيه ، ثقة ، من [٣]،
تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) رضي الله عنها ، تقدمت في ٥/٥ .
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ) أم المؤمنين رضي الله عنها ( أن أم حبيبة) رملة
بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبي عمّ ،
أسلمت قديماً ، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ، وهاجرت إلى
الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ومات هناك ، فتزوجها
رسول اللـه عَمّد، وهي هناك سنة ست ، وقيل : سنة سبع .
روت عن النبي عمّ ، وعن زينب بنت جحش ، وعنها ابنتها
حبيبة، وأخواها معاوية وعنبسة ، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي
سفيان ، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن
شَريق، ومولاها سالم بن سوَّار، ومولاها الآخر أبو الجراح ،
وأبوصالح السمان ، وعروة بن الزبير ، وزينب بنت أم سلمة ، وصفية
بنت شيبة، وشهر بن حوشب ، وآخرون .
قال أبو عبيد : توفيت سنة (٤٤)، وقال ابن أبي خيثمة : توفيت

٦٢٩ -
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤
قبل معاوية بسنة ، يعني سنة ٥٩ ، وقال ابن حبان ، وابن قانع : ماتت
سنة (٤٢)، وقال ابن عبد البر: قيل : إن اسمها هبيرة . أخرج لها
الجماعة . انتهى . تت جـ١٢ ص٤١٩.
(وأم سلمة) هند بنت أبي أمية ، حذيفة ، ويقال : سهيل بن
المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزومية ، أم المؤمنين
رضي الله عنها، تقدمت ترجمتها في ١٢٣ / ١٨٣ .
(ذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي ، والضمير فيه يرجع
إلى أم حبيبة ، وأم سلمة .
(كنيسة) - بفتح الكاف ، وكسر النون : مُتَعَبِّدُ اليهود ، وتطلق
على متعبد النصارى، وهو المراد هنا، وهو مُعَرَّب، كما قال الفيومي.
وفي رواية للبخاري، في ((بابُ الصلاة في البيعَة)) من طريق
عبدة، عن هشام : أن تلك الكنيسة ، كان تسمى مارية بكسر الراء ،
وتخفيف الياء التحتانية ، وله في الجنائز من طريق مالك ، عن هشام
نحوه، وزاد في أوله ((لَمَّ اشتكى النبي ◌َ﴾))، ومن طريق هلال،
عن عروة ، بلفظ ((قال في مرضه الذي مات فيه)) .
ولمسلم من حديث جندب أنه ټ﴾ قال نحو ذلك قبل موته بخمس
ليال، وزاد فيه: (( فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك».
قال الحافظ رحمه الله : وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة
إلى أنه الُحكَم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته ◌َّىه . انتهى.

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٦٣٠
فتح ج١ ص٦٢٥ .
(رأتاها) - بضمير التثنية للمؤنث - على الأصل ، وهكذا عند
البخاري في رواية الأصيلي ، والكشميهني ، ووقع في رواية
غيرهما، وهي رواية المصنف في الكبرى (( رأينها)) بصيغة جمع المؤنث
الماضي ، ووجه الجمع فيها باعتبار من كان مع أم حبيبة ، وأم سلمة
رضي الله عنهما .
(فيها تصاوير) جملة اسمية ، في محل نصب على الحال من
كنيسة ، لكونها موصوفة بجملة (( رأتاها)» ، أو في محل نصب صفة بعد
صفة لها ، والتصاويرُ : التماثيلُ .
(فقال رسول الله ◌َمة: إِن أولئك) - بكسر الكاف ، ويجوز
فتحها . قاله في الفتح ، والعمدة . وقال السندي : قيل بكسر الكاف،
لأن الخطاب لمؤنث ، وقد تفتح .
قلت : كأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له، لا لتوجيهه
إليهما ، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال:
أولئكما ، لا أولئك - بالكسر - وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب
إلی کل ما يصلح له . فليتأمل . انتهى.
(إِذَا كان فيهم الرجل الصالح ، فمات) عطف على قوله :
((كان)) (بنوا) جواب ((إذا)) (على قبره مسجداً) أي محل عبادة

٦٣١ -
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤
(وصوروا تيك الصور) - بكسر التاء المثناة ، وسكون الياء بدل اللام ،
من ((تلك))، وهي لغة فيه ، وهي نسخة الكبرى.
(أولئك) - بكسر الكاف ، وفتحها - كما مر آنفاً (شرَارُ الخلق)
بكسر الشين المعجمة ، جمع شَرٌّ ، كالخيار ، جمع خَيْر ، والبحار ،
جمع بحر، وأما الأشرار ، فقال يونس : واحدها شَرّ أيضاً . وقال
الأخفش : شَريرٌ ، مثل يَتيم ، وأيتام . أفاده العيني.
وإنما كانوا شرار الخلق لأنهم ضموا إلى كفرهم الأعمال القبيحة ،
فهم أقبح الناس عقيدة وعملاً . قاله السندي .
(عند الله يوم القيامة) متعلقان بشرار . وإنما خص يوم القيامة،
لأن الأمور تشتد فیه ، بخلاف الدنیا ، فمن کان أشر الناس فیه كان
أشدهم عذاباً ، ولأن من كان في الدنيا ربما يوفق للتوبة ، وأما الآخرة
فليست إلا دار الجزاء . والله أعلم .
تنبيه :
قال القرطبي رحمه الله تعالى: إنما صَوَّر أوائلُهم الصورَ ، ليتأنسوا
برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة ، فيجتهدوا کاجتهادهم،
ویعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلف من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم،
ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ،
ويعظمونها ، فعبدوها، فحذر النبي ◌َّ﴾ عن مثل ذلك سداً للذريعة
المؤدية إلى ذلك ، وسداً للذرائع في قبره ټ﴾، وكان ذلك في مرض

- ٦٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
موته ؛ إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده .
ولما احتاجت الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون إلى زيادة في
مسجده مية بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله ، لئلا تَصلَ
إليه العوام ، فيؤدي إلى ذلك المحذور ، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر
الشمالي ، حرَّفُوهما حتى التقيا ، حتى لا يمكن أحدا أن يستقبل القبر .
أفاده في عمدة القاري جـ٤ ص١٧٤ . والله تعالى أعلم، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٧٠٤/١٣)، والكبرى (٧٨٣/١٣) عن يعقوب بن
إبراهيم عن يحيى القطان ، عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عنها.
والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم .
فأخرجه البخاري في ((الصلاة))، وفي هجرة الحبشة ، من المناقب
عن محمد بن المثنى.
ومسلم في ((الصلاة)) عن زهير بن حرب، كلاهما عن یحیی بن
سعيد القطان، به .
وأخرجه أحمد جـ ٦٣/٦، وابن خزيمة رقم ٧٩٠.

٦٣٣ -
١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : منع بناء المساجد على القبور ، ومنع الصلاة في المقابر ،
سواء كانت بجنب القبر ، أو عليه ، أو إليه ، كما قال في الفتح جـ١
ص٦٢٦ .
وقال العيني رحمه الله : ومقتضاه التحريم ، كيف ، وقد ثبت
اللعن عليه ، وأما الشافعي ، وأصحابه فصرحوا بالكراهة . وقال
البندنيجي : والمراد أن يسوى القبر مسجداً ، فيصلى فيه فوقه ، وقال :
إنه يكره أن يبنى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر ، وأما المقبرة الدائرة
إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه ، فلم أر فيه بأساً ، لأن المقابر وقف ،
وكذا المسجد ، فمعناهما واحد . انتهى. عمدة جـ٤ ص١٧٤ .
قال الجامع : ما نقله عن البندنيجي أخيراً من قوله : فلم أر به
بأساً ... إلخ؛ نظر، إذ النص يشمله ، فكيف يجوز . فتبصر . والله
أعلم .
ومنها : أن فيه تحريم تصوير الحيوان ، ولا سيما الرجل الصالح ،
وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان ، لقرب العهد
بعبادة الأوثان ، وأما الآن فلا ، وقد أطنب ابن دقيق العيد رحمه الله
في رد ذلك . كما قال في الفتح .
قال الجامع : هو حقيق بالرد لمنابذته النص الصريح المطلق . والله
أعلم .

- ٦٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومنها : جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب ، ووجوبُ بیان
حكم ذلك على العالم به .
ومنها : أن فيه ذَمَّ فاعل المحرمات .
ومنها : أن فيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل . انظر
الفتح جـ١ ص ٦٢٦. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٦٣٥ -
١٤ - الفضل في إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٥
١٤ - الفَصْلُ فِي إِثْيَانِ المَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الفضل الموعود في إتيان
المساجد للصلاة .
ثم إن استدلال المصنف على ما ترجم له ظاهر على نسخة المجتبى
في قوله: ((مسجده)) بضمير الغائب ، وأما على نسخة الكبرى :
(مسجدي)) بضمير المتكلم فغير واضح ؛ لأن المراد المسجد النبوي ، لا
جميع المساجد. اللهم إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد بمسجده عملاقة ،
ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم
الأشجعي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَليه :
(( من تطهر في بيته ، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ، ليقضي فريضة
من فرائض الله ، كانت خطوتاه ، إحداهما تحط خطيئة ، والأخرى
ترفع درجة)) . والله أعلم .
٧٠٥ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ : حَدَّثَنَايَحْيَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ العَلَاءِ بْنِ
جَارِيَّةَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنَ
عَنَّأْبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَُّ، قَالَ: ((حِينَ يَخْرَجُ
الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَرِجْلٌ، تُكْتَبُ حَسَنَةً ،
وَرَجْلٌ تَمْحُوْ سَيْئَةً».

٦٣٦
=
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس، ثقة، ثبت ، من [١٠]، تقدم
في ٤/ ٤ .
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ، ثقة ثبت حجة ، من
[٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث
ابن أبي ذئب القرشي العامري ، أبو الحارث المدني ، ثقة فقيه فاضل ،
توفي سنة ١٨٥، من [٧]، تقدم في ٦٨١ .
٤ - (الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي) ويقال له : سوید ،
ثقة ، من [٦].
قال أبو زرعة : شيخ ليس بالمشهور . وقال النسائي في التمييز :
ثقة . وكذا قال العجلي . وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : من
قال: العلاء بن الأسود بن جارية ، فقد وهم ، يشير إلى أن بعضهم
قلبه، وأشار البخاري في التاريخ إلى أنه يقال له أيضاً : سويد. أخرج
له مسلم ، والمصنف.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ، ثقة
فقيه ، من [٣]، تقدم في ١/ ١ .
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في ١/ ١ .
والله تعالى أعلم.

٦٣٧ _
١٤ - الفضل في إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٥
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم ، إلا الأسود ،
فانفرد به هو ومسلم .
ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، إلا شيخه ، ويحيى، فبصريان .
ومنها : أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق عليهم أصحاب الأصول
بالرواية عنهم بلا واسطة .
ومنها : أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال .
ومنها : أن أبا هريرة أكثر الصحابة رواية، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
( عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّهِ) أنه (قال:
حين يخرج الرجل من بيته إِلى مسجده) هكذا نسخ المجتبى
((مسجده)) بضمير الغائب، وكذا في مسند أحمد جـ٢ ص٣١٩،
والاستدلال عليها للترجمة واضح .
ووقع في ((الكبرى)) ((إلى مسجدي)) بضمير المتكلم ، وهو الذي في
(تحفة الأشراف)) جـ١٠ ص٤٥٨ ، وكذا في ((مسند أحمد)) جـ٢
ص٤٣٢، وص٤٧٨ . وعلى هذا فيكون المراد المسجد النبوي ، وهو

- ٦٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
لا يناسب ترجمة المصنف ، لأنها أعم ، وهو أخص . إلا أن يريد إلحاق
سائر المساجد به ، كما تقدم البحث عنه في أول الباب . والله أعلم .
والظرف متعلق بمحذوف ، تقديره : يثاب ، وفي رواية أحمد (( من
حين يخرج الرجل)) بزيادة ((من))، ثم فصل ذلك الثواب بقوله
(فرجل) - بكسر الراء ، وسكون الجيم - أي قدم ، والمراد الخطوة، وهو
مبتدأ سوغه التفصيل ، كقول الشاعر [من المتقارب] :
فَتَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ
فَأَقْبَلْتُ زَحْفاً عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ
والخبر جملة قوله (تكتب حسنة) ببناء الفعل للفاعل ، والفاعل
ضمير الرجل، و((حسنة)) بالنصب مفعوله، وإسناد الكتابة للرجل
مجاز ، لكونها سبباً ، وإلا فالكاتب حقيقة هو الله تعالى .
ويحتمل - كما قال السندي - كونه مبنياً للمفعول ، والضمير للرجل
أيضاً ، و((حسنة)) بالنصب مفعول ثان لتكتب ، على تضمينه ، معنى
((تجعل)). والأول أولى ليوافق ما بعده . والله أعلم.
(ورجل تمحو سيئة) أي إن كانت له سيئة ، وإلا فكل الخطوات
تكتب حسنات . والله أعلم .
تنبيه :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح . وهو من أفراد
المصنف ، أخرجه هنا (٧٠٥/١٤)، وفي ((الكبرى)) (١٤ / ٧٨٥) عن
عمرو بن علي ، عن يحيى القطان ، عن ابن أبي ذئب ، عن الأسود
ابن العلاء الثقفي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عنه .

٦٣٩ -
١٤ - الفضل في إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٥
وأخرجه أحمد في مسنده جـ٢ ص٣١٩ و٤٣١ و٤٧٨ ، وعبد بن
حميد في مسنده رقم (١٤٥٩) . والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٦٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
١٥ - النَّفْيُ عَنْ مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ إِثْيَانِ المَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي الرجال عن منع نسائهم
من إتيان المساجد للصلاة ، ونحوها ، إذا طلبن منهم ذلك .
ثم إن المصنف رحمه الله تعالی یری إطلاق النهي ، سواء كان ذلك
ليلاً أو نهاراً ، لإطلاق الحديث الذي أورده في الباب ، وهذا مخالف
لرأي البخاري رحمه الله تعالى حيث قال: (باب خروج النساء إلى
المساجد بالليل ، والغلس) فإنه يرى تقييد ذلك بالليل ، لورود التقييد
في بعض الروايات بالليل . وسيأتي تحقيق ذلك قريباً، إن شاء الله
تعالی.
٧٠٦ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َّ :
((إِذَا استأذَنَتِ امْرَأَةُ أحدكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَلا يَمْنَعْهَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي بن راهويه ، ثقة حافظ حجة،
من [١٠]، تقدم في ٢/٢ .
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة إمام حجة، من [٨]، تقدم
في ١/ ١ .