النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ _ ٩ - باب فضل مسجد قباء ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٨ رجال هذا الإسناد : أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في السابق. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني المذكور قبل الباب الماضي . ٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر ، أبو عبد الرحمن المدني ، ثقة ، من [٤]، توفي سنة ١٢٧ ، تقدم في ٢٦٠/١٦٧. ٤ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي رضي الله عنه ، تقدم في ١٢ /١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله ، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد ، وهو الرابع والثلاثون من رباعيات الكتاب . ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، وقتيبة ، وإن كان بغلانياً ، فقد دخل المدينة . ومنها : أن فيه ابن عمر رضي الله عنهما، أحد المكثرين السبعة ، روى (٢٢٦٣) حديثاً ، وأحد المفتين من الصحابة رضي الله عنهم ، وأحد العبادلة الأربعة منهم . وقد تقدم هذا غير مرة ، وإنما أعدته تذكيراً. والله تعالى أعلم. ٥٦٢ - شرح سنن النسائي - كتاب المساجد شرح الحديث (عن ابن عمر) رضي الله عنهما، أنه (كان رسول الله عَ ليه يأتي قباء) وعند البخاري: (( كان يزوره)» (راكباً وماشياً) أي راكباً أحياناً ، وماشياً أحياناً. والمراد أنه یأتیه بحسب ما تيسر له ، والواو بمعنى ((أو)). زاد مسلم من رواية نافع «فيصلي فيه ركعتين)» . وعلقه البخاري. وادعى الطحاوي أن هذه الزيادة مدرجة ، وأن أحد الرواة قاله من عنده، لعلمه أن النبي ◌َّي كان من عادته أن لا يجلس حتى يصلي. قال الجامع : هذا الذي قاله الطحاوي دعوى بلا حجة ، بل هي زيادة صحيحة مسندة ، فتبصر ، والله أعلم . وللشیخین من رواية عبد الله بن دینار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((كان النبي ◌َّ﴾. يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراکباً، وکان عبد الله بن عمر یفعله )). ودل حديث الباب على اختلاف طرقه على استحباب إتيان مسجد قباء ، وصلاة ركعتين فيه ، وأن ذلك ليس من باب شد الرحل المنهي عنه في الباب الآتي ، لأن ذلك كناية عن السفر ، وهذا ليس سفراً . وفيه - كما قال في الفتح - جواز تخصيص بعض الأيام ببعض الأعمال الصالحة ، والمداومة على ذلك . ٥٦٣ - ٩ - باب فضل مسجد قباء ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٨ قال الجامع : يعني إلا ما ورد النهي عنه ، كالنهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم ، وليله بالقيام . والله أعلم . وقال النووي رحمه الله : فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة، وهذا هو الصواب ، وقول الجمهور ، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك ، قالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث . والله أعلم . والسر في كونه ◌َّة يخص السبت بالإتيان فيه ، كونه أمكن لمواصلة الأنصار، وتفقد أحوالهم ، وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه ◌َّي. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته: حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٦٩٨/٩)، و((الكبرى)) (٧٧٧/٩) عن قتيبة ، عن مالك، عن عبد الله بن دينار ، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود. فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) في مسجد مكة والمدينة عن مسدد. ومسلم في ((الحج)) عن محمد بن المثنى . - ٥٦٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وأبو داود فيه عن مسدد ، كلاهما عن يحيى القطان ، عن عبيد الله ابن عمر ، عن نافع ، عنه . ومسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير - وأبي بكر بن أبي شيبة. وأبو داود عن عثمان بن أبي شيبة ، ثلاثتهم عن عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله، به . والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وُ ر ◌ٌ و 0 و رهو ٦٩٩ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكِرْمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ : قَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّى : (مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَ الَسْجِدَ ، مَسْجِدَ ثُبَاءِ ، فَصَلَّى فيه ، كَانَ لَهُ عدْلَ عُمْرَةَ)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد المتقدم قريباً . ٢ - (مُجَمَّع بن يعقوب) بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري القبائي المدني ، صدوق ، من [٨]. قال عثمان الدارمي ، عن ابن معين : ليس به بأس ، وكذا قال النسائي . وقال أبو حاتم : لا بأس به . وقال ابن سعد : كان ثقة . مات ٥٦٥ - ٩ - باب فضل مسجد قباء ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٩ سنة ١٦٠ بالمدينة ، وذكره ابن حبان في الثقات . قال الحافظ : قرأت بخط الذهبي : هذا وهم في تاريخ وفاته ، فإن رحلة قتيبة كانت بعد السبعين ومائة. انتهى. وقد أرخه في سنة ستين أيضاً خليفة بن خياط، وابن قانع ، فينظر في رواية قتيبة. انتهى تت. أخرج له أبوداود ، والنسائي . ٣ - (محمد بن سليمان الكرماني) المدني القُبَائي ، نزيل کرمان، مقبول ، من [٦] . روى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيَف ، عن أبيه في فضل مسجد قباء . وعنه سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وعاصم بن سويد القبائي ، وعبد العزيز الدراوردي ، وعيسى ابن يونس ، ومجمع بن يعقوب الأنصاري ، وحاتم بن إسماعيل . ذكره ابن حبان في الثقات . أخرج له النسائي ، وابن ماجه . فائدة : الكرماني - بكسر ، فسكون - نسبة إلى كرْمَان ولاية كبير ، وإلى مُرَبَّعَة الكرمانية ، محلة بنيسابور . قاله في ((اللب)) جـ٢ ص٢٠٦ . ٤ - ( أبو أمامة بن سهل بن حنیف) اسمه أسعد معروف بکنیته ، وله رؤية ، من [٢]، تقدم في ٥٠٩ . ٥ - (سهل بن حَنَيف) بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة ٥٦٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ابن الحارث الأوسي الأنصاري ، أبو ثابت ، ويقال: أبو سعيد ، ويقال: أبو سعد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو الوليد المدني. روى عن النبي ◌َّه، وعن زيد بن ثابت . وعنه ابناه أبو أمامة أسعد ، وعبد الله ، ويقال : عبد الرحمن ، وأبو وائل، وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، وعبيد بن السباق ، ويسير بن عمرو ، والرباب جدة عثمان حكيم بن عباد بن حنيف ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وغيرهم. قال ابن عبد البر: شهد بدراً ، والمشاهد كلها ، وثبت مع رسول الله # يوم أحد ، وكان بايعه على الموت ، ثم صحب علياً من حين بويع ، فاستخلفه على البصرة ، ثم شهد معه صفين ، وولاه فارس، ومات سنة ٣٨، وصلى عليه علي رضي الله عنهما، وكبر ستاً . وقال ابن سعد: آخى رسول اللـه ◌َ﴾ بينه وبين علي، وشهد بدراً، وكان عمر يقول : سهل غير حزن ، ولما توفي كبر علي خمساً، ثم التفت إليهم ، فقال : إنه بدري . انتهى تت ، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف . ومنها : أن رجاله موثقون . ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، إلا شيخه ، فبغلاني ، وقد دخلها . ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه . والله أعلم. ٥٦٧ - ٩ - باب فضل مسجد قباء، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٩ شرح الحديث (عن سهل بن حنيف) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله ◌َّ: من خرج) أي من بيته ، ففي رواية ابن ماجه (( من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء)) ... (حتى يأتي هذا المسجد ، مسجد قباء) بدل من المسجد ، أو مفعول لفعل مقدر ، أعني مسجد قباء . (فصلی فیه) زاد في رواية ابن ماجه ( صلاة)) ( کان له عدل عمرة) أي مثل أجر عمرة . فعَدْلُ يحتمل الرفع على أنه اسم كان وخبرها الجار والمجرور قبله ، ويحتمل النصب على الخبرية ، واسم كان محذوف ، أي كان عمَلُهُ المذكور عمرة ، أي مثل عمرة في الأجر . قال ابن الأثير : العدل بالفتح : ما عادله من جنسه ، وبالكسر ما ليس من جنسه ، وقيل : بالعكس . وقال الزجاج : العدل - بالفتح والكسر: بمعنى المثل من الجنس ، أو من غير الجنس . أفاده في اللسان جـ٤ ص ٢٨٤٠. وقال السندي رحمه الله : والأقرب أن الفتح في المساوي حساً ، والكسر في المساوي عقلاً ، إذ الحسي يدرك بفتح العين ، والعقلي بالفكر المحتاج إلى خفض العين ، وغمضها، وهذا مثل العوج ، والعلاقة ، فهما بالفتح في المبصرات ، وبالكسر في المعقولات ، وهذا مبني على ما قالوا : إن الواضع الحكيم لم يهمل مناسبة الألفاظ بالمعاني قضاء لحق الحكمة . وعلى هذا فالأقرب في الحديث كسر - ٥٦٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد العين، وبه ضبط في بعض النسخ المصححة . والله أعلم . انتهى المراد من كلام السندي رحمه الله تعالى . ومما ورد في فضل مسجد قباء ما رواه عمر بن شبة في ((أخبار بيت المقدس )) بإسناد صح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال : ((لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين ، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)). قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذا له حكم الرفع ، إذ لا يقال من قبل الرأي . والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث سهل بن حُنَيْف رضي الله عنه هذا حديث صحيح . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٦٩٩/٩)، و((الكبرى)) (٩/ ٧٧٧) عن قتيبة ، عن مجمع بن يعقوب ، عن محمد بن سليمان الكرماني ، عن أبي أمامة بن سهل ، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) عن هشام بن عمار ، عن حاتم بن إسماعيل ، وعیسی بن یونس ، كلاهما عن محمد بن سليمان، به . ٥٦٩ - ٩ - باب فضل مسجد قباء ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٩ قال الحافظ المزي رحمه الله : تابعه موسى بن عبيدة ، عن يوسف ابن طهمان، عن أبي أمامة. وقال: ((عدل رقبة)). انتهى. (تحفة)) جـ١ ص٩٨. قال الجامع عفا الله عنه: ذَكَرَ في ((المسند الجامع)) جـ٧ص ٢٤٤، نقلاً عن مسند عبد بن حميد ما نصه: روايةُ يوسف بن طهمان: ((من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم جاء مسجد قباء ، فركع أربع ركعات ، كان ذلك کعدل عمرة)». انتهى. فليس فيه ذكر رقبة . بل هو موافق الرواية غيره في ذكر العمرة . فليحرر . والله أعلم . وأخرجه أحمد في «مسنده)) جـ ٣ ص٤٨٧ ، وعبد بن حميد رقم ٤٦٩. والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . - ٥٧٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ١٠ - ما تُقَدُّ الرَّحَالُ إليه مِنَ المَسَاجِدِ ٠ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المحل الذي تشد إليه الرحال من المساجد . والرِّحَال - بالكسر -: جمع رَحْل - بفتح ، فسكون - مثل سهم ، وسهام ، ويجمع على أرْحُل ، مثل أسْهُم ، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع ، ومركب للبعير ، وحلْس ، ورَسَن . أفاده الفيومي. وشد الرحال : كناية عن السفر . والله تعالى أعلم. ٧٠٠- أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهَعَُّ، قَالَ: ((لا تُشَدُّالرَّحَالُ إِلاَ إِلَى ثَلاثَة مَسَاجدَ: مَسْجد الحَرام، وَمَسْجِدي هَذَا، وَمَسْجِد الأقْصَى)). ٠٠ رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (محمد بن منصور) الخُزَاعي الجَوَّاز المكي ، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٢١/٢٠. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي المكي الإمام الحجة الثبت ، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٥٧١ - ١٠ - باب ما تشد الرحال إليه من المساجد - حديث رقم ٧٠٠ ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الحجة الثبت الإمام ، من [٤]، تقدم في ١ / ١ . ٤ - (سعيد) بن المسيب المدني الإمام الفقيه ، الحجة ، من [٢]، تقدم ٩/ ٠٩ ٥ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/ ١ . ولطائف الإسناد تقدم غير مرة . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن رسول الله لَّه، أنه قال: لا تشد الرحال) بضم أوله ، بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها . قال الطيبي : هو أبلغ من صريح النهي ، كأنه قال : لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع ، لاختصاصها بما اختصت به . والرِّحال: جمع رَحْل، وهو للبعير كالسرج للفرس ، وكنى بشد الرحال عن السفر ، لأنه لازمه ، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر ، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل ، والخيل ، والبغال، والحمير ، والمشي، في المعنى المذكور ، ويدل عليه قوله في بعض طرقه ((إنما يسافر)) أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أنس ، عن سلمان الأغر، عن أبي هريرة. قاله في ((الفتح)). (إلا إلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ ، والتقدير : لا تشد - ٥٧٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد الرحال إلى موضع ، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها ، لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام . قال الحافظ : لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص ، وهو المسجد ، كما سيأتي . انتهى . قال الجامع : والأول أولى . (مسجد الحرام) بالجر على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، أي أحدها المسجد الحرام ، كما في رواية أخرى ، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، وهو مذهب الكوفيين ، والبصريون يمنعونه ، ويتأولون ما ورد من ذلك بإضمار مضاف ، كما تقدم الكلام عليه . وفي الفتح : قوله : المسجد الحرام، أي المحرم ، وهو كقولهم الكتاب ، بمعنى المكتوب ، والمراد به جميع الحرم ، وقيل : يختص بالموضع الذي يصلى فيه ، دون البيوت ، وغيرها من أجزاء الحرم. وقال الطبري: ويتأيد بقوله: ((مسجدي هذا)) لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة ، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك . وقيل : المراد به الكعبة . حكاه المحب الطبري ، وذكر أنه يتأيد بما رواه النسائي بلفظ ((إلا الكعبة))، وفيه نظر، لأن الذي عند النسائي ((إلا مسجد الكعبة)) حتى ولو سقطت لفظة مسجد لكانت مرادة ، ويؤيد الأول ما رواه الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له : هذا الفضل في المسجد وحده ، أو في الحرم ؟ قال : بل في الحرم ، لأنه كله مسجد . انتهى ما في ((الفتح)) جـ ٣ ص ٧٧ -٧٨. ٥٧٣ - ١٠ - باب ما تشد الرحال إليه من المساجد - حديث رقم ٧٠٠ (ومسجدي هذا ) - وإعرابه كسابقه ـ المراد به مسجد الصلاة خاصة، لا كل الحرم . قاله في الزهر. (ومسجد الأقصى) هو أيضاً من إضافة الموصوف إلى الصفة ، والمراد به بيت المقدس . قال في ((الزهر)) : قال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد فلا تشد الرحال إليها لذاتها بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك . انتهى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٧٠٠/١٠)، و ((الكبرى)) (٧٧٩/١٠) عن محمد بن منصور الجوّاز ، عن ابن عيينة ، عن الزهري، عن ابن المسيب ، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه . فأخرجه البخاري في أواخر ((الصلاة)) عن علي بن عبد الله ، عن ابن عيينة به . - ٥٧٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ومسلم في ((الحج)) عن عمرو الناقد ، وزهير بن حرب كلاهما عن ابن عيينة به . وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى ، عن معمر، عن الزهري به . وأبوداود فيه عن مسدد ، عن ابن عيينة به . وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به . وأخرجه أحمد (٢٣٤/٢، ٢٣٨، ٢٧٨)، والحميدي رقم (٩٤٣). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده: منها: بيان فضيلة هذه المساجد ، ومزيتها على غيرها ، لكونها مساجد الأنبياء ، ولأن الأول قبلة الناس جميعاً ، وإليه حجهم ، والثاني كان قبلة الأمم السالفة ، والثالث أسس على التقوى . ومنها: أن من نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها يلزمه الوفاء به ، لأنه طاعة ، والطاعة تلزم بالنذر . وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى . ومنها: أن من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة لا يلزمه الوفاء به ، لأنها لا فضل لبعضها على بعض ، فتكفي صلاته في أي مسجد كان ، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة السابعة . المسألة الخامسة : اختلف أهل العلم في حكم شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتاً ، وإلى المواضع الفاضلة ، لقصد التعبد فيها بالصلاة ، أو غيرها ، فقال ٥٧٥ - ١٠ - باب ما تشد الرحال إليه من المساجد - حديث رقم ٧٠٠ الشيخ أبو محمد الجويني : يحرم شد الرحال إلى غيرها ، عملاً بظاهر هذا الحديث ، وأشار القاضي حسين من الشافعية إلى اختياره ، وبه قال عياض وطائفة . ويدل عليه ما يأتي للمصنف في الجمعة (١٤٣٠/٤٥) من إنكار بصرة بن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه على أبي هريرة رضي الله عنه، حين لقيه راجعاً من الطور ، وكان قد أتى إليه ليصلي فيه ، فقال له: لو لقيتك من قبل أن تأتيه لم تأته ، قال أبو هريرة : ولم ؟ قال : إني سمعت رسول الله ◌َُّ يقول: ((لا تُعْمَلُ المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد بيت المقدس)) ... الحديث . فاستدل به بصرة على إنكاره إتيانه الطور ، فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ، ووافقه أبو هريرة . قال في ((الفتح)): والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم ، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة : منها أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد ، بخلاف غيرها، فإنه جائز ، وقد وقع في رواية لأحمد بلفظ (( لا ينبغي للمطي أن تعمل))، وهو لفظ ظاهر في غير التحريم . قال الجامع عفا الله عنه: فيه نظر ، إذ هو ظاهر في المنع والتحريم ، فقد كثر استعمال الشرع له في ذلك ، قال الله تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وكما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عندالبخاري ((شتمني ابن آدم ، وما ينبغي له أن - ٥٧٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد يشتمني)) ... وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]، وقال: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وبالجملة فهذه اللفظة في استعمال الشرع عظيمة الشأن . فالقول بأنها ظاهر في غير التحريم غير صحيح . والله أعلم . ومنها : أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة ، فإنه لا يجب الوفاء به . قاله ابن بطال. وقال الخطابي : اللفظ لفظ الخبر ، ومعناه الإيجاب فيما ينذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها ، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه المساجد الثلاثة . قال الجامع : هذا التخصيص لا دليل عليه ، بل الظاهر إجراء عموم النص على ظاهره ، فيعم النذر وغيره . والله أعلم . ومنها : أن المراد حكم المساجد فقط ، وأنه لا تشد الرجال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه المساجد الثلاثة ، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح ، أو قريب ، أو صاحب ، أو طلب علم ، أو تجارة ، أو نزهة ، فلايدخل في النهي . قال الحافظ : ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب ، قال : سمعت أبا سعيد ، وذكرت عنده الصلاة في الطور ، فقال : قال رسول الله ◌َّ: ((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا)). -٥٧٧ - ١٠ - باب ما تشد الرحال إليه من المساجد - حديث رقم ٧٠٠ وشهر حسن الحديث ، وإن كان فيه بعض الضعف. ومنها : أن المراد قصدها بالاعتكاف ، فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال : لا يعتكف في غيرها ، وهو أخص من الذي قبله. قال الحافظ : ولم أر علیه دليلاً. قال الجامع عفا الله عنه : الراجح عندي مذهب الأولین ، وهو أن النهي للتحريم عموماً ، فيحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ، إلا ما خُصَّ بالدليل ، كالسفر للجهاد ، والتجارة ، وطلب العلم ، ونحو ذلك . والله أعلم . المسألة السادسة : اختلف أهل العلم فيمن نذر إتيان هذه المساجد الثلاثة : فقال بوجوب الوفاء : مالك ، وأحمد ، والشافعي ، والبويطي رحمهم الله ، واختاره أبو إسحاق المروزي رحمه الله . وقال أبو حنيفة : لا يجب مطلقاً . وقال الشافعي رحمه الله في الأم : يجب في المسجد الحرام ، لتعلق النسك به ، بخلاف المسجدين الآخرين ، قال الحافظ : وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي . قال ابن التين : والحجة على الشافعي أن إعمال المطي إلى مسجد المدينة ، والمسجد الأقصى ، والصلاة فيهما قربة ، فوجب أن يلزم - ٥٧٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد بالنذر ، كالمسجد الحرام. وقال ابن المنذر رحمه الله : يجب إلى الحرمين ، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر رضي الله عنه: ((أن رجلاً قال للنبي ◌َّ: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: ((صل ههنا)) . قال الجامع عفا الله عنه : الأرجح عندي قول الأولين ، لحديث الباب ؛ إذ شد الرحل إلى هذه المساجد مشروع ، ومن نذر أن يطيع الله في المشروع لزمه الوفاء به ؛ لما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ◌َّ، قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن یعصیه فلا یعصه)). والحاصل : أن من نذر السفر إلى أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به . والله أعلم . المسألة السابعة : من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة لصلاة أو لغيرها لا يلزمه الوفاء به ، لأنه لا فضل لبعضها على بعض ، فتكفي صلاته في أي مسجد كان . قال النووي رحمه الله : لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن اللیث أنه قال : يجب الوفاء به . وعن الحنابلة رواية يلزمه كفارة يمين ، ولا ينعقد نذره ، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة تختص به ، کرباط لزم ، وإلا فلا ، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في مسجد ٥٧٩ - ١٠ - باب ما تشد الرحال إليه من المساجد - حديث رقم ٧٠٠ قباء ؛ لأن النبي تم﴾ (( کان یأتیه كل سبت)). قال الجامع عفا الله عنه : عندي أن ما کان من غیر شد رحل يلزم الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوْفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وقوله :َلّهِ : ((أوْف بنذرك)). فالوفاء بالنذر واجب بالنص ، إلا أن يكون في أحد ٠٠ المساجد الثلاثة ، فيكفيه أن يصلي ما نذره في غيرها ، لكونها أفضل ، وقد تقدم أنه مع أمر من نذر أن يصلي في بيت المقدس بالصلاة في مسجده ، لكونه أفضل . والله أعلم . المسألة الثامنة : أنه قد وقع نزاع في شد الرحال لزيارة قبر النبي تَّى ، فقال بتحريمه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، واحتج على ذلك بحديث الباب، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله ، وألف في ذلك كتاباً ، وانتصر الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي رحمه الله لابن تيمية ، ورد على السبكي ، وألف في ذلك كتاباً. وخلاصة القول: أن شيخ الإسلام لا يقول بتحريم الزيارة مطلقاً ، بل يقول باستحبابها ، وإنما يقول بتحريم شد الرحال إليها ، لحديث الباب . وقد يتوهم بعض الجهالة أنه يقول بتحريم الزيارة مطلقاً ، وهذا خطأ عليه. فتنبه . قال الجامع عفا الله عنه : عندي أن الأولى أن ينوي المسجد عند شد الرحل ، فإذا وصل هناك توجه للزيارة لأنها مشروعة في أصلها إجماعاً ، فهذا أسلم ، استبراء لدينه ، وقد أخرج الشيخان عن النعمان - ٥٨٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ابن بشير رضي الله عنهما عن رسول الله عَّيه، أنه قال: ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)). والله أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب .