النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١ _
٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣
والأرض ؛ فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم تنافس في المحل
عنده، فکل یحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده ،
ولهذا لما أخذ النبي عملي العفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته ،
وأمكنه الله منه ، أراد ربطه، ثم تذكر قول أخيه سليمان: ﴿رَبّ اغْفِرْ
لِي وھَبْ لِي ملكا لاً ینبغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي ﴾ [ص: ٣٥]، فرده خاسئا.
فلو أعطي أحد بعده مثله ذهبت الخصوصية ، فكأنه كره مل أن
يزاحمه في تلك الخصوصية، بعد أن علم أنه شيء هو الذي خص به من
تسخير الشياطين (١)، وأنه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده . أفاده
القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره . جـ١٥ ص٢٠٤ - ٢٠٥.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: والصحیح أنه سأل من الله تعالى
ملكاً لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله ، وهذا هو ظاهر السياق
من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله عَليه .
ثم أورد حديث العفريت في الصحيحين وغيرهما .
ولفظ البخاري في التفسير : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن
النبي ◌َ﴾، قال: ((إن عفريتاً من الجن تَفَلَّتَ عليَّ البارحة -أو كلمة
نحوها - ليقطع عليَّ الصلاة ، فأمكنني الله تبارك وتعالى منه ، وأردت
أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا ، وتنظروا إليه
كلكم ، فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام : ﴿رَبِّ اغْفِرْ
لِي وَهَبْ لِي مُلْكَا لَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]،، قال رَوْحٌ:
(١) هكذا عبارة القرطبي، وفيها ركاكة ولعل الصواب: ((بعد أن علم أنه هو الذي عُصَّ
بتسخير الشياطين له))، أو نحو ذلك والله تعالى أعلم.

- ٥٢٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
فرده خاسئاً)). انتهى. تفسير ابن کثیر باختصار جـ٤ ص٤١ .
(فأوتيه) أي أعطي ذلك الملك ، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله :
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءَ حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ
بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَأَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ
أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَّهُ عِندَنَا لَزْلْفَىْ وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ [ص: ٤٠.٣٦].
فسخر الله تعالى له الريح تحمله بعسكره وجنوده إلى حيث
أصاب، أي أراد ، وسخر له الشياطين يبنون له ما يشاء من محاريب
وتماثيل وجفان كالجواب ، وقدور راسيات ، وسخر له آخرين
متمردين ، يقرنهم في السلاسل ، وقيود الحديد تعذيباً لهم حتى
يرجعوا عن تمردهم .
ثم امتن الله تعالى عليه، حيث قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْتُنْ أَوْ أَمْسِكْ
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]، أي هذا الملك عطاؤنا ، فأعط من شئت ،
وامنع من شئت ، فلا حساب عليك .
قال الحسن رحمه الله : ما أنعم الله على أحد نعمة ، إلا عليه فيه
تبعة ، إلا سليمان عليه السلام ؛ فإن الله تعالى قال له: ﴿فَامْنُنْ أَوْ
أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩].
قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى : يقال : كيف أقدم سليمان
على طلب الدنيا ، مع ذمها من الله تعالى وبغضه لها ، وحقارتها؟

٥٢٣ _
٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣
فالجواب أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله تعالى
وسياسة ملكه ، وترتيب منازل خلقه ، وإقامة حدوده ، والمحافظة على
رسومه ، وتعظيم شعائره ، وظهور عبادته ، ولزوم طاعته ، ونظم
قانون الحكم النافذ عليهم منه، وتحقيق الوعد في أنه يعلم ما لا يعلم
أحد من خلقه ، حسب ما صرح بذلك لملائكته، فقال : ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ
مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وحوشي سليمان عليه السلام أن يكون سؤاله طلباً لنفس الدنيا ؛
لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها ، وإنما سأل مملكتها لله ، كما سأل
نوح دمارها وهلاکها لله ؛ فکانا محمودین مجابین إلی ذلك ، فأجيب
نوح ، فأهلك من عليها ، وأعطي سليمان المملكة .
وقد قيل : إن ذلك كان بأمر من الله عز وجل على الصفة التي
علم الله أنه لا يضبطه إلا هو وحده ، دون سائر عباده، أو أراد أن يكون
ملكاً عظيماً ، فقال: ﴿لَّ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، وهذا
فيه نظر ، والأول أصح .
ثم قال له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْتُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]،
وهذا يرد ما روي في الخبر : إن آخر الأنبياء دخولاً الجنة سليمان بن
داود عليهما السلام لمكان ملكه في الدنيا ، وفي بعض الأخبار : ((يدخل
الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً)) ، ذكره صاحب القوت ، وهو
حدیث لا أصل له ، لأنه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه ، لأنه من

- ٥٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولاً الجنة ، وهو سبحانه
يقول: ﴿وَإِنَّ لَّهُ عِندَنَا لَزُلْفَىْ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠]، وفي الصحيح
(( لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته)) ... وقد تقدم ،
فجعل له من قبل السؤال حاجة مقضية ، فلذا لم تكن عليه تبعة .
(وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد) الأقصى، ظاهر
رواية المصنف يدل على أن السؤال الثالث كان عند فراغه من البناء ،
بخلاف الأولين ، لكن تقدم في رواية ابن ماجه أن الثلاثة كانت عند
الفراغ ، ولفظ ابن ماجه (( لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس،
سأل الله ثلاثاً)) ... الحديث.
فيحتمل أن يكون الدعاء الثالث مقارناً لفراغه ، بخلاف الأولين ،
فهما بعد الفراغ من دون مقارنة ، ويحتمل أن الثلاث وقعت معاً ،
ويكون قوله هنا : (( حين فرغ)) ذكر تأكيداً .
(أن لا يأتيه) أي لا يجيء المسجد ، ولا يدخله (أحد ، لا ينهزه)
أي لا يحركه ، يقال: نَهَزَ ، نَهْزاً، من باب نَفَع: نَهَضَ ليتناول
الشيء، قال الأزهري : وأصل النَّهْزِ: الدفع ، وانتهز الفرصة :
انتهض إليها مبادراً . أفاده في المصباح .
( إِلا الصلاة فيه) أي أداؤها فيه ، والمراد أنه ما أخرجه من بيته، إلا
أداء الصلاة فيه .

٥٢٥ _
٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣
(أن يخرجه من خطيئته) هكذا رواية المصنف هنا ، وفي الكبرى
« أن يخرجه من خطيئته)).
فلابد في الكلام من استثناء يدل عليه السياق ، تقديره : لا يأتيه
أحد، لا ينهزه إلا الصلاة فيه ، إلا أكرمه الله تعالى. وقوله : أن
يخرجه ... إلخ خبر لمحذوف ، أي ذلك أن يخرجه من خطيئته ،
كيوم ولدته أمه ، فتكون الجملة بياناً لذلك المقدر.
وقال السندي رحمه الله : (أن يخرجه) من الإخراج ، أو
الخروج، والظاهر أن في الكلام اختصاراً، والتقدير: (( لا يأتيه أحد ،
إلا يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقوله : « أن يخرجه من
خطيئته كيوم ولدته أمه)) بدل من تمام هذا الكلام المشتمل على
الاستثناء، إلا أنه حذف الاستثناء لدلالة البدل عليه ، فليتأمل . والله
تعالى أعلم .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله (( أو الخروج)): غير صحيح ، بل
هو من الإخراج فقط . ثم إن التقدير الذي ذكره فيه رکاکة ، فالأولى ما
ذكرته . والله أعلم .
ولفظ ابن ماجه ((وألا يأتي هذا المسجد أحد ، لا يريد إلا الصلاة
فيه إلاخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)). ولفظ أحمد (( أيما رجل خرج
من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
__ ٥٢٦
ولدته أمه )).
(كيوم ولدته أمه) كناية عن تكفير جميع ذنوبه ، لأن المولود حين
يولد ليس عليه شيء من الذنوب.
وقوله : (( کیوم))يجوز جره بالكسرة ، ويجوز بناؤه على الفتح ،
وهو المختار ، لإضافته إلى جملة فعلية ، فعلها ماض ، كما قال في
«الخلاصة)) :
وَخْتَرِ بِنَا مَتْلُوٌ فِعْلٍ بُنِيَا
وابْنِ أُو اعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِیا
أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلِ مُعْرَبٍ أو مُبْتَدَاً
تنبيه :
روایة المصنف رحمه الله فیھا اختصار ، إذ ليس فيها بيان حال
المسألة الثالثة، لأنه قال في كل من الأوليين: ((فأوتيه))، ولم يذكر في
الثالثة شيئاً ، وقد بين في رواية غيره ، فعند ابن ماجه، فقال النبي ◌َّه :
(( أما اثنتان، فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة)). ولفظ
أحمد: (( إن سليمان بن داود عليه السلام سأل الله ثلاثاً، فأعطاه
اثنتين، ونحن نرجو أن تكون له الثالثة)) ، فذكر الحديث.
ولما كان رجاؤه ملي في مثل هذا يفيد التحقيق ، استدل به
المصنف، رحمه الله، على فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه ، وكذا
فعل ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه . والله أعلم.

٥٢٧ -
٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما هذا صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٩٣/٦)، و((الكبرى)) (٧٧٢/٦) عن عمرو بن
منصور، عن أبي مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن
يزيد، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عبد الله بن الديلمي ، عنه .
والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه ابن ماجه في الصلاة رقم (١٤٠٨) عن عبيد الله بن الجهم
الأنماطي ، عن أيوب بن سويد الرملي ، عن أبي زرعة ، يحيى بن أبي
عمرو السيباني ، عن ابن الديلمي ، عنه، نحوه .
وأخرجه أحمد (١٧٦/٢)، وابن خزيمة رقم (١٣٣٤).
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما بوب له المصنف ، وهو بيان فضل المسجد الأقصى ،
وبيان فضل الصلاة فيه .
ومنها : فضل سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، حيث
فضله الله تعالى بهذه الخصال .

- ٥٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومنها : بيان أن الله تعالى يفضل بعض أنبيائه على بعضهم ببعض
الخصال ، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرَّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
الآية [البقرة: ٢٥٣].
ومنها : إثبات الاجتهاد للأنبياء ، حيث إن سليمان عليه السلام
طلب من الله تعالى أن يوافق حکمه حكمه ، وهذا معنى الاجتهاد ، إذ
لو کان مراده نزول الوحي إلیه بحكم الله تعالی ، لما كان بينه وبين غيره
من الأنبياء فرق، وهذه المسألة فيها اختلاف بين أهل العلم ، ومحلها
أصول الفقه ، وسنعود إلى تحقيقها في المحل المناسب لها ، إن شاء الله
تعالى .
ومنها : مشروعية الدعاء لمن عمل عملاً صالحاً عند الفراغ منه ،
لأنه يكون وسيلة لقبول دعائه ، فإن التوسل بالعمل الصالح من أسباب
الإجابة ، كما ثبت في الصحيح توسل الثلاثة الذي أطبقت على فم
غارهم صخرة، بأعمالهم الصالحة ، فأزالها الله تعالى ، فخرجوا
يمشون، وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما .
ومنها : أن من أتى المسجد الأقصى ينبغي له تجريد نيته لأداء
الصلاة ، ومثله في ذلك سائر المساجد ، ففي الصحيحين من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((صلاة الرجل في الجماعة تضعف
على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين درجة، وذلك أنه إذا
توضأ، فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا

٥٢٩ _
٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣
الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة))
الحديث . والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٥٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٧ - فَصْلُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ◌َُّ والصَّلاةِ فِيهِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان فضل مسجد
النبي ◌َ ﴾، وبيان فضل أداء الصلاة فيه.
٦٩٤ - أخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيد ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب ،
عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِ عَبْدِ اللَّهِ الأغَرِّ، مَوْلَى الْجُهَنِينَ،
وَكَانَا مِنْ أصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَاهُرَيْرَةَ
يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ لَّهُ أَفْضَلُ مِنْ
أَلْف صَلاة فيمَا سوَاهُ منَ الْمَسَاجد، إلا المَسْجدَ الحَرَامَ،
فَإَِّ رَسُولَ اللَّهِ وَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدُهُ آخرُ
المساجد.
٠٠
قَالَ أَبُو سَلَمَة، وأبُو عَبْد اللَّه: لَمْ نَشُكَّ أنَّ أَبَاهُرَيْرَةَ كَانَ
يَقُولُ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ثَّهُ، فَمُنْعْنَا أنْ نَسْتَثْبتَ
أَبَاهُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ الحديث، حَتَّى إِذَا تُوُفِيَ أَبُوهُرَيْرَةَ
ذَكَرْنَا ذَلِكَ، وَتَلاوَمْنَا أنْ لا نَكُونَ كَلَّمْنَا أَبَاهُرَيْرَةَ فِي

٥٣١ -
٧ - باب فضل مسجد النبي ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٤
ذَلِكَ، حَتَّى يُسْندَهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ لَّهُ إِنْ كَانَ سَمعَهُ
مِنَّهُ ، فَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ جَالَسْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِمَ
ابْنِ قَارِظِ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ
نَصِّ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : أَشْهَدُ
أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاهُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه عَلَى :
(فَإِنِّي آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّهُ آخرُ المَسَاجد)).
رجال هذا الإسناد : ثمانية
١ - (كثير بن عبيد) بن نمير الَّذْحجي ، أبو الحسن الحمصي
الحذاء المقرئ، ثقة، توفي في حدود سنة ٢٥٠، من [١٠]، أخرج له
أبو داود والنسائي وابن ماجه ، تقدم في ٤٨٦/٥.
٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبرش ، ثقة ، من
[٩]، توفي سنة ١٩٤، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢ .
٣ - (الزَّبَيدي) محمد بن الوليد بن عامر ، أبو الهذيل الحمصي
القاضي ، ثقة ثبت ، من كبار أصحاب الزهري ، من [٧] ، تقدم
في ٥٦/٤٥.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم ، أبو بكر المدني الإمام الحافظ
الحجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١ .

- ٥٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ، اسمه
كنيته على الصحيح، ثقة مكثر ، توفي سنة بضع وعشرين ومائة ، من
[٣]، تقدم في ١/١.
٦ - (أبو عبد الله الأغر) سلمان المدني ، أصله من أصبهان ، ثقة
من كبار [٣].
قال حجاج عن شعبة : كان الأغر قاصاً من أهل المدينة ، وكان
رضى . وقال الواقدي : سمعت ولده يقولون : لقي عمر بن
الخطاب، ولا أثبت ذلك عن أحد غيرهم ، وكان ثقة ، قليل الحديث .
وقال عبد الغني بن سعيد في الإيضاح : سلمان الأغر مولى
جهينة، هو أبو عبد الله الأغر الذي روى عنه الزهري ، وهو أبو عبد الله
المدني مولى جهينة ، وهو أبو عبد الله الأصبهاني الأغر ، وهو أبو
مسلم المديني الذي يحدث عنه الشعبي . وقال قوم : هو الأغر أبو
مسلم الذي يروي عنه أهل الكوفة . وقال ابن أبجر : هو الأغر بن
سليك . ولا يصح ذلك ، الأغر بن سليك آخر. انتهى .
وأبو مسلم الذي يروي عنه الشعبي آخر ، وكذا الأغر أبو مسلم
الذي يروي عنه أهل الكوفة ، وأن حديثه عند أهلها دون أهل المدينة ،
وهو مولى أبي هريرة ، وأبي سعيد ، وهذا مولى جهينة . والله أعلم.
قال الحافظ : وممن فرق بينهما البخاري ، ومسلم ، وابن المديني ،
والنسائي ، وأبو أحمد الحاكم ، وغيرهم ، والأغر أبو عبد الله هذا ذكره

٥٣٣ -
٧ - باب فضل مسجد النبي مى ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٤
ابن حبان في الثقات . وقال ابن عبد البر : هو من ثقات تابعي أهل
الكوفة . وقال ابن خلفون : وثقه الذهلي . أخرج له الجماعة .
٧ - (عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) وقيل : إبراهيم بن عبد الله
ابن قارظ ، ووهم من زعم أنهما اثنان ، صدوق ، من [٣] ، أخرج له
مسلم ، وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ١٢٢ / ١٧١ .
٨ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ . والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم ، إلا شيخه ، فلم
يخرج له الشيخان ، والترمذي ، وعبد الله بن إبراهيم، فما أخرج له
البخاري ، وابن ماجه .
ومنها : أنهم ما بين حمصيين ومدنيين ، فإلى الزبيدي حمصيون ،
والباقون مدنيون .
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعيين ، الزهري عن أبي سلمة
والأغر .
ومنها : أن فيه رواية الأقران، فأبو سلمة والأغر وابن قارظ
أقران.

- ٥٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومنها : أن صحابيه أكثر الصحابة رواية ، روى ٥٣٧٤ حديثاً.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري ( وأبي
عبد الله الأغر، مولى الجهنيين) - بضم الجيم، وفتح الهاء - نسبة
إلى جهينة قبيلة من قُضَاعة . قاله في اللب . (وكانا) أي أبو سلمة ،
وأبو عبد الله الأغر (من أصحاب أبي هريرة) رضي الله عنه (أنهما
سمعا أبا هريرة يقول: صلاة في مسجد رسول الله ◌َّه أفضل)
ثواباً (من) ثواب (ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد
الحرام) فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجده عملي ، وقيل :
التقدير : إلا المسجد الحرام ، فإنه يفضله بدون الألف ، والأول هو
الراجح ، وتقدم تحقيقه في شرح الحديث (٤/ ٦٩١)، فراجعه تستفد.
ثم علل هذا التفضيل بقوله (فإِن رسول الله ◌َّه آخر الأنبياء)
قال الله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وأخرج الشيخان
وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله عليه:
(«مثلي ومثل الأنبياء ، كمثل رجل بنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع
لبنة ، فكان من دخلها ، فنظر إليها ، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه
اللبنة ، فأنا موضع اللبنة، خُتِمَ بِي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)) .
(ومسجده آخر المساجد) قال الحافظ أبو حاتم بن حبان رحمه الله

٥٣٥ _
٧ - باب فضل مسجد النبي مع، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٤
في صحيحه جـ ٤ ص ٥٠٢: يريد به آخر المساجد للأنبياء ، لا أن مسجد
المدينة آخر مسجد بني في هذه الدنيا . انتهى .
وقال السندي رحمه الله : أي آخر المساجد الثلاثة المشهود لها
بالفضل ، أو آخر مساجد الأنبياء ، أو أنه يبقى آخر المساجد ، ويتأخر
عن المساجد الأُخَر في الفناء ، أي فكما أنه تعالى شرف آخر الأنبياء ،
شرف كذلك مسجده الذي هو آخر المساجد ، بأن جعل الصلاة فيه
كألف صلاة فيما سواه ، إلا المسجد الحرام . والله أعلم . انتهى .
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (وأبو عبد الله) الأغر (لم
نشك أن أبا هريرة ، كان يقول عن حديث رسول الله تَّهُ ) أي
يخبر بهذا الحديث ، آخذاً عن حديث رسول الله عملي ، والمراد أنهما
كانا لا يشكان في كون أبي هريرة رضي الله عنه يخبر بهذا الحديث
عنه عَُّ لا من عنده، ولجزمهما بذلك لم يسألاه من أين أخذه ، كما
بَيَنَا ذلك بقولهما: فَمُنْعْنَا أن نستثبت ... إلخ.
فائدة :
يجوز في قوله: ((لم نشك)) تحريك كافه بالحركات الثلاث : الفتح
تخفيفاً ، والكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين ، والضم ،
وهو الأكثر في كلامهم، اتباعًا لحركة الفاء ، وكذا كل فعل مضعف
مجزوم ، إذا كان مضموم الفاء ، كلم يرد ، أو مكسورها ، كلم يَفْرّ ،
وأما مفتوحها ، فليس فيه الضم ، كلم يَعَضّ ، ومثله الأمر في هذا

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٥٣٦
كله، كرُدّ ، وفرّ ، وعَضّ.
(فمنعنا) ببناء الفعل للمفعول ، و((نا)) نائب فاعله ، يقال : منعته
الأمر، ومنعته من الأمر، منعاً ، فهو ممنوع : أي محروم . يتعدى إلى
مفعولين تارة بنفسه ، وتارة بحرف الجر إلى الثاني ، كما في المصباح.
(أن نستثبت أبا هريرة في ذلك الحديث) أي نطلب منه ثبوت كون
الحديث عنه ◌َّ﴾ . قال في اللسان : واستثبت في أمره : إذا شاور ،
وفحص عنه .
فقوله : أن نستثبت إلخ في تأويل المصدر مفعول ثان لُنعْنَا على
الأول ، وعلى الثاني يكون مجروراً بمن محذوفة قياساً ، كما قال في
الخلاصة :
وَعَدِّ لازِماً بِحَرْفٍ جَرِّ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرُ
نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ مَعَ أَمْنٍ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أنْ يَدُوا
والتقدير : مُنْعْنَا من استثباته في ذلك الحديث.
(حتى إذا توفي أبو هريرة ذكرنا ذلك) الحديث (وتلاومنا) أي
لام بعضنا بعضاً ، أي عذله ( أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك
الحديث) والمصدر المؤول مجرور بعلى مقدرة أيضاً ، أي عذل بعضنا
بعضاً على عدم تكليمنا إياه في شأن هذا الحديث (حتى يسنده إِلى
رسول الله ◌َّه، إِن كان سمعه منه) ﴾. وفي الكبرى (( حتى

٥٣٧ -
٧ - باب فضل مسجد النبي #، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٤
نسنده)) بالنون بدل الياء، أي حتى نرويه مسنداً إليه عَ﴾ (فبينا نحن
على ذلك) أي على ذكر شأن ذلك الحديث ، وتلاومهم على
تقصيرهم في عدم الاستثبات .
وأصل بينا : بين ، فأشبعت فتحتها ، فصارت ألفاً ، ويقال :
بينما، وبينا ، وهما ظرفا زمان ، بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى الجملة؛
فعلية كانت أو اسمية ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، وقد يقترن
بإذ وإذا ، والأفصح عدمه ، كما بينه ابن منظور في لسان العرب .
فبينا هنا مضافة إلى جملة نحن على ذلك ، وجوابها قوله :
(جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) المدني (فذكرنا ذلك
الحديث، و) ذكرنا الأمر (الذي فرطنا فيه ) أي قصرنا فيه . يقال:
فرط في الأمر ، تفريطاً : قصر فيه، وضيعه ، وأفرط إفراطاً ، أسرف ،
وجاوز الحد . قاله الفيومي .
وقوله : (من نص أبي هريرة) بيان للموصول ، أي من رفعه
الحديث إلى النبي ◌َّ ، يقال: نَصَصْت الحديثَ نَصّاً، من باب قتل:
رفعته إلى من أحْدَثَه، ونص النساء العروس، نصاً، رفعنها على المنَصَّة .
بكسر الميم، وهي الكرسي الذي تقف عليه في جلائها . قاله الفيومي.
يعني أنهما ذكرا لعبد الله بن إبراهيم تفريطهما في شأن هذا
الحديث، حيث إنهما لم يسألاه هل سمعه من النبي ◌َّ ، أو لا ؟

- ٥٣٨
سن
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
قال الجامع عفا الله عنه: إنما تلاوما على هذا، وإن كان الأمر لا
يحتاج إلى ذلك ، إذ الحديث ليس مما يقال من قبل الرأي ، فهو مرفوع
حكماً لكونهما تركا الأولى في ذلك ، وهو الرفع اللفظي ، فإنه أرفع
منزلة من الرفع الحكمي.
والحاصل أنهما تأسفا على عدم تلقيهما الحديث مرفوعاً لفظاً ، وإن
كان مرفوعاً حكماً . والله أعلم .
(فقال لنا عبد الله بن إبراهيم: أشهد أني سمعت أبا هريرة
يقول: قال رسول الله ◌َّه: فإني آخر الأنبياء ، وإِنه آخر
المساجد) الظاهر أن الحديث فيه اختصار من أوله، وهو قوله : ((صلاة
في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا
المسجد الحرام))، فتكون الفاء في قوله: ((فإني)) للتعليل ، كما سبق.
ويدل على أن عبد الله بن إبراهيم سمع أول الحديث المذكور من أبي
هريرة رضي الله عنه ما يأتي للمصنف في المناسك ، من طريق سعد بن
إبراهيم : أن أبا سلمة قال : سألت الأغر عن هذا الحديث ، فحدث
الأغر، أنه سمع أباهريرة، يحدث أن رسول الله عم ليه قال: ((صلاة في
مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا الكعبة )).
يعني أن عبد الله بن إبراهيم أفادهما كون أبي هريرة أثبت سماعه من
رسول الله ◌َّهُ ، فصار الحديث مرفوعاً لفظاً أيضاً .

٥٣٩ -
٧ - باب فضل مسجد النبي ﴾، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٤
والحاصل أن أبا هريرة رضي الله عنه حدث بهذا الحديث أبا سلمة ،
وأبا عبد الله الأغر ، وهو بصورة الموقوف ، وحدث به عبد الله بن
إبراهيم مصرحاً فيه بالسماع من رسول الله تعميم، والله تعالى أعلم،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا من رواية أبي سلمة ، وأبي
عبد الله الأغر كلاهما عنه متفق عليه ، ومن روايتهما عن عبد الله بن
إبراهيم بن قارظ ، عنه أخرجه مسلم .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٧/ ٦٩٤)، و «الکبری» (٧/ ٧٧٣) عن کثیر بن عبيد،
عن محمد بن حرب ، عن محمد بن الوليد الزبيدي ، عن الزهري ،
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وأبي عبد الله الأغر ، كلاهما عنه، وفي
((المناسك)) (٢٨٩٩/١٢٤)، و((الكبرى)) (٣٨٨٢/١٢٤) عن عمرو بن
علي، عن محمد بن جعفر ، غندر ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ،
عن أبي سلمة ، عن الأغر ، عنه . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه .
..

- ٥٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف ، عن
مالك، عن زيد بن رباح ، وعبيد الله بن أبي عبد الله الأغر ، كلاهما
عن أبي عبد الله الأغر ، عن أبي هريرة .
ومسلم في ((الحج)) عن إسحاق بن منصور ، عن عيسى بن المنذر ،
عن محمد بن حرب ، بسند المصنف وسياقه .
والترمذي في ((الصلاة)) عن إسحاق الأنصاري ، عن معن ، عن
مالك، به . وعن قتيبة ، عن مالك ، عن زيد بن رباح وحده به .
وابن ماجه في ((الصلاة)) عن أبي مصعب ، عن مالك به عنهما .
وأخرجه أحمد ، وابن أبي شيبة ، والطحاوي في مشكل الآثار ،
والدارمي، وابن حبان. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٩٥ - أخْبَرَنَا قُتَيَِّةُ ، عَنْ مَالِك ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ،
عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ عَُّ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِیَاضِ
الجنَّة)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت ، من [١٠]، تقدم في
١/١.