النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ _ ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ بأنه مظنة التخفيف في الشروط . انتهى. طرح ببعض اختصار جـ٥ ص١٣٨ . قال الجامع عفا الله عنه : ما صححه الحافظ ابن عبد البر من تصحيح الصلاة مطلقاً ، كما هو رأي الجمهور هو الراجح عندي لحديث الباب ، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها ، فلا يلتفت إليها ، فتبصر . وبالله التوفيق. المسألة السابعة : في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة ، وقد روى ابن خزيمة ، والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً ((من دخل البيت دخل في حسنة ، وخرج مغفوراً له)). قال البيهقي : تفرد به عبد الله بن المؤمل ، وهو ضعيف . ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحداً بدخوله . وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس : إن دخول البيت ليس من الحج في شيء . وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج . ورده بأن النبي ◌َُّ إنما دخله عام الفتح ، ولم يكن محرماً . وأما ما رواه أبو داود ، والترمذي ، وصححه هو ، وابن خزيمة ، والحاكم عن عائشة (( أنه تمّ خرج من عندها وهو قرير العين ، ثم رجع وهو كئيب، فقال : دخلت الكعبة ، فأخاف أن أكون شققت على أمتي)). فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكي ؛ لكن عائشة لم تكن معه في الفتح ، ولا في عمرته ، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة - ٥٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد في عمرته ، فتعين أن القصة كانت في حجته ، وهو المطلوب ، وبذلك جزم البيهقي ، وإنما لم يدخل في الكعبة في عمرته لما كان في البيت من الأصنام ، والصور ، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها ، بخلاف عام الفتح . ويحتمل أن يكون عملى قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونقل عن جماعة من أهل العلم أنه لم يدخل الكعبة في حجته . أفاده في الفتح جـ ٣ص٥٤٤ _ ٥٤٥ . قال الجامع عفا الله عنه : الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة ، وأنه ليس في السیاق ما يمنعه ، عندي بعید ، بل السياق يأباه ، إلا بتكلف ، فإن قوله: (( خرج من عندها ، وهو قریر العين ، ثم رجع وهو كئيب)) ظاهر في كون ذلك في مكة . والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه ، فالظاهر ما جزم به البيهقي ، من أنه دخل في حجته . والله أعلم . المسألة الثامنة: في هذه الرواية إثبات صلاته ◌َّ في الكعبة . وفي صحيح البخاري، وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن رسول الله ◌َّ دخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه)). ورواه مسلم بلفظ ((ودعا، ولم يصل)). وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد ، ففي صحيح مسلم عنه: أخبرني أسامة بن زيد: ((أن النبي ◌َّ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ، ولم يصل فيه ، حتى خرج ، فلما خرج ركع في قُبُل ٥٠٣ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ البيت ركعتين ، وقال: هذه القبلة)). والعمل على الإثبات، فإنه مقدم على النفي . قال ابن بطال : الآثار أنه صلى أكثر ، ولو تساوت في الكثرة ، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي ، فقد رَوَى أنه عليه الصلاة والسلام صلى في البيت - غير بلال - جماعة ؛ منهم أسامة بن زيد ، وعمر بن الخطاب ، وجابر ، وشيبة بن عثمان ، وعثمان بن طلحة ، من طرق حسان ، ذكرها الطحاوي كلها في شرح معاني الآثار . وقال ابن عبد البر : رواية أنه صلى أولی من رواية أنه لم يصل ، لأنها زيادة مقبولة ، وليس قول من قال : لم يفعل بشهادة . وقال النووي في شرح مسلم : أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال ؛ لأنه مثبت ، فمعه زيادة علم ، فوجب ترجيحه . وكذا حكى ابن العربي عن العلماء ، ثم قال : وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين ، فأما وقد اختلف قول ابن عمر ، فأثبت مرة ، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس ، فلا أدري ما هذا . انتهى . قال ولي الدين رحمه الله : وفيه نظر من وجهين : أحدهما : أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد ، أو اثنین ، فالإثبات مقدم ولو کان الاختلاف علی واحد . الثاني : أن ذكر ابن عمر سهو ، فإنه لم يرد عنه النفي ، ولعله أراد - ٥٠٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد أسامة ، فسبق قلمه إلى ابن عمر . فأما نفي أسامة ، فقد سبق ، وأما إثباته ، فروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي الشعثاء ، قال : ((خرجت حاجاً ، فجئت حتى دخلت البيت ، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط ، فجاء ابن عمر ، فصلی أربعًا ، فلما صلی، قلت له : أین صلی رسول الله قبل﴾ من البيت ؟ فقال : أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ههنا ، فقلت : كم صلى ؟ فقال : على هذا أجدني ألوم نفسي ، إني مكثت معه عمراً ، فلم أسأله ، كم صلى؟)). ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، فإن فيها بعد ذكر أسامة ، وبلال ، وعثمان ، ((فقلت: أين صلى النبي ◌َّ؟ قالوا: ههنا، قال: ونسيت أن أسألهم، كم صلى؟)) ومقتضاها نسبة ذلك إلى جميعهم ، والمشهور عن أسامة النفي ، كما تقدم . وقال القاضي عياض رحمه الله : إن أهل الحديث وهنوا هذه الرواية ، فقال الدارقطني : وهم ابن عون هنا ، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده . قال القاضي : وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق ، إلا أن في رواية حرملة ، عن ابن وهب (( فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة)) هكذا هو عند عامة شيوخنا ، وفي بعض النسخ «وعثمان)) ، قال : وهذا يعضد رواية ابن عون ، والمشهور انفراد بلال ٥٠٥ _ ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ برواية ذلك . (فإِن قلت) : كيف الجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة مع دخولهما مع النبي ◌َّي في مرة واحدة ؟ قلت: أجيب عنه بأوجه : أحدها : قال النووي في شرح مسلم : وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب ، واشتغلوا بالدعاء ، فرأى أسامة النبي ◌َّ يدعو ، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي ◌َّى في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي تَ﴾ ، فرآه بلال لقربه ، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله ، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة ، لإغلاق الباب مع بعده واشتغاله بالدعاء ، وجاز له نفيها عملاً بظنه ، وأما بلال فتحققها ، فأخبر بها . الثاني : أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة ، فلم يشهد صلاته ، أجاب به الشيخ محب الدين الطبري . أفاده في الطرح . جـ٥ص١٣٥ . قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ، عن ابن أبي ذئب ، عن عبد الرحمن بن مهران ، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: ((دخلت على رسول الله عَمّي في الكعبة، فرأى صوراً، فدعا بدلو من ماء ، فأتيته به ، فضرب به الصور)) ، فهذا إسناد جيد. قال القرطبي: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده . انتهى. - ٥٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وهو مفرع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح ، فإن لم يكن ، فقد روى عمر بن شبة في كتاب مكة ، من طريق علي بن بَذِيمَةَ ، وهو تابعي ، وأبوه - بفتح الموحدة ، ثم معجمة ، بوزن عظيمة - قال: ((دخل النبي ◌َّ الكعبة ، ودخل معه بلال ، وجلس أسامة على الباب ، فلما خرج وجد أسامة ، قد احتبى ، فأخذ بحبوته ، فحلها)) ... الحديث ، فلعله احتبى ، فاستراح ، فنعس ، فلم يشاهد صلاته ، فلما سئل عنها نفاها ، مستصحباً للنفي ، لقصر زمن احتبائه ، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته ، لا ما في نفس الأمر . هذا جمع بطريقة الترجيح . ومنهم من جمع بينهما بغير ترجيح أحدهما على الآخر . وذلك من أوجه : أحدها : حمل الصلاة المثبتة على اللغوية ، والمنفية على الشرعية ، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضاً ونفلاً ، وقد تقدم البحث فيه . ويرد هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه ، من تعيين قدر الصلاة ، فظهر أن المراد بها الشرعية ، لا مجرد الدعاء . ثانيها : قال القرطبي : يمكن حمل الإثبات على التطوع ، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك ، وقد تقدم البحث فيها . ثالثها: قال المهلب شارح البخاري : يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين ، صلى في إحداهما ، ولم يصل في الأخرى . ٥٠٧ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ وقال ابن حبان : الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين ، فيقال : لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها ، على ما رواه ابن عمر ، عن بلال ، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها ؛ لأن ابن عباس نفاها ، وأسنده إلى أسامة ، وابن عمر أثبتها ، وأسند إثباته إلى بلال ، وإلى أسامة أيضاً ، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ : وهذا جمع حسن . لكن تعقبه النووي بأنه لاخلاف أنه ګ دخل في يوم الفتح ، لا في حجة الوداع ، ویشهد له ما روی الأزرقي في كتاب مكة ، عن سفيان ، عن غير واحد من أهل العلم أنه عَّ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ، ثم حج ، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين ، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفر ، لا الدخول، وقد وقع عند الدار قطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع . والله أعلم . ويؤيد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في (( كتاب مكة)) من طريق حماد، عن أبي حمزة ، عن ابن عباس، قال: (( قلت له : كيف أصلي في الكعبة ؟ قال : كما تصلي في الجنازة ، تسبح ، وتكبر ، ولا ترکع ، ولا تسجد)) ، وسنده صحيح . انتھی. (فتح) جـ ٣ص ٥٤٧ ۔ ٥٤٨. - ٥٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد قال الجامع عفا الله عنه : أحسن الأجوبة عندي جواب من حمل نفي أسامة على نفي علمه ، فلا ینافي إثبات بلال ، وأما ابن عباس ، فنفيه مستند إلى غيره ، فجوابه جواب مستنده ، وأما ما نقل من إثبات أسامة ، فإن صح ، فجوابه ما أجاب به ابن حبان ، من تعدد الواقعة . والله أعلم . المسألة التاسعة: لم يبين في رواية المصنف هنا ، ولا في أكثر الروايات عدد ركعات صلاته ، بل في الصحيحين عن ابن عمر ، أنه قال : ونسيت أن أسأله-يعني بلالاً - كم صلى ؟ لكن في أوائل الصلاة من صحيح البخاري عن مسدد ، عن يحيى، عن سيف ، عن مجاهد، قال: (( أتي ابن عمر رضي الله عنهما ، فقيل له : هذا رسول الله عَّ دخل الكعبة ، قال ابن عمر : فأقبلت ، والنبي ◌َّ قد خرج، وأجد بلالاً قائماً بين البابين ، فسألت بلالاً ، فقلت : صلى رسول اللـه ◌ّي في الكعبة؟ قال : نعم؛ ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت ، ثم خرج ، فصلى في وجه الكعبة ركعتين)) . وقد أعادها البخاري في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى ، رواها عن أبي نعيم ، عن سيف ، وليس فيها هذه الزيادة ، وهي أن صلاته في الكعبة کانت ركعتين ، نعم رواها النسائي (٢٩٠٨) من رواية أبي نعيم، وفيها ذكر الركعتين ، وروى النسائي أيضاً (٢٩٠٧) عن ٥٠٩ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ ابن أبي مليكة أن ابن عمر، قال: ((دخل رسول الله عَمّي الكعبة)) ... الحديث، وفيه (فسألت بلالاً ، هل صلى رسول الله عَّه في الكعبة؟ قال : نعم ركعتين بين الساريتين)). قال ولي الدين العراقي رحمه الله : ولم يستحضر النووي رحمه الله في شرح مسلم رواية البخاري ، فاقتصر على ذكر ما في سنن أبي داود بإسناد فيه ضعف ، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: ((قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : کیف صنع رسول الله ټ﴾﴾ حين دخل الكعبة؟ قال : صلى ركعتين )) . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من هذا الوجه، عن صفوان، أو ابن صفوان: ((أن النبي ◌َّ صلى في البيت ركعتين حين دخله )) . قال ولي الدين : ولم أتوقف في رواية البخاري لاستغراب كونه عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين ، فإن هذا هو المعروف من عادته ، إنما توقفت فيها لقول ابن عمر : ونسيت أن أسأله ، كم صلى ؟ وهو في الصحيحين . وقال والدي : يحتمل أنه لم يسأله عن ذلك ، وإنما أخبره به بلال بغير سؤال ، وفيه بعد؛ لأنه لم يكن حينئذ يلوم نفسه على ترك السؤال، لحصول مقصوده بدونه ، ويحتمل أن ابن عمر حدث به من قبل أن يسأل بلالاً ، ثم سأل بلالاً بعد ذلك ، أو حدث به بلال بعد ذلك، فذکر فیه أنه صلی رکعتین ، وفيه بعد أيضاً؛ لأن بعض من حدثه عنه بكونه لم - ٥١٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد يسأل بلالاً عن ذلك إنما سمع منه بعد وفاة بلال . ويحتمل أن ابن عمر ، وإن سمع من بلال أنه صلى ركعتين ، لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما ، لأن من صلى أربعاً أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة ، كما هو المرجح في الأصول ، فیکون الذي نسي أن يسأله عنه ، هل زاد على الركعتين شيئاً، أم لا. انتهى. ((طرح التثريب)) جـ٥ ص١٣٨-١٣٩. قال الجامع عفا الله عنه: ولا يخفى بعد الاحتمال الأخير أيضاً . والله أعلم . وقال الحافظ رحمه الله : وقد استشكل الإسماعيلي ، وغيره هذا۔ يعني قوله : صلى ركعتين - مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع ، وغيره ، عنه، أنه قال: (( ونسيت أن أسأله كم صلى )) ، فدل على أنه أخبره بالكيفية ، وهي تعيين الموقف في الكعبة ، ولم يخبره بالكمية ، ونسي هو أن يسأله عنها . والجواب عن ذلك أن يقال : يحتمل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين على القدر المتحقق له ، وذلك أن بلالاً أثبت له أنه صلى، ولم ينقل أن النبي ◌َ﴾﴾ تنفل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققاً وقوعهما ، لما عرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا، فقوله : ((ركعتين)) من كلام ابن عمر ، لا من كلام بلال . وقد وجدت ما يؤيد هذا ، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين ، وهو ٥١١ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ ما أخرجه عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، في هذا الحديث (( فاستقبلني بلال، فقلت : ما صنع رسول الله تم﴾ ههنا؟ فأشار بيده ، أي صلى ركعتين بالسبابة والوسطى)) . فعلى هذا فيحمل قوله: ((نسيت أن أسأله كم صلى)) على أنه لم يسأله لفظاً ، ولم يجبه لفظاً ، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه. وأما قوله في الرواية الأخرى: ((نسيت أن أسأله كم صلى))، فيحتمل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين ، أو لا؟ وأما قول بعض المتأخرين : يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالاً ، ثم لقيه مرة أخرى ، فسأله ، ففيه نظر ، من وجهين : أحدهما : أن الذي يظهر أن القصة - وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة ـ لم تتعدد ، لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معاً ، فقال في هذه، فأقبلت ، ثم قال : فسألت بلالاً ، وقال في الأخرى : فبدرت ، فسألت بلالاً، فدل على أن السؤال عن ذلك کان واحداً في وقت واحد. ثانيهما : أن راوي قول ابن عمر ( ونسیت )» هو نافع مولاه، ویبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكاية النسيان ، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلاً . والله أعلم . وأما ما نقله عیاض أن قوله : ( رکعتین» غلط من یحیی بن سعيد - ٥١٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد القطان، لأن ابن عمر قد قال: ((نسيت أن أسأله كم صلى)) قال: وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعدُ . فهو كلام مردود ، والمغلط هو الغالط ، فإنه ذكر الركعتين قبلُ ، وبعدُ، فلم يَهمْ من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يُغَلَّطَ ، فقَدْ تابعهُ أبو نعيم ، عند البخاري ، والنسائي ، وأبو عاصم عند ابن خزيمة ، وعمر ابن علي عند الإسماعيلي ، وعبد الله بن نمير عند أحمد ، كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضاً ، فقد تابعه عليه خُصَيْف ، عن مجاهد، عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر ، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد والنسائي ، وعمرو بن دينار ، عند أحمد أيضاً باختصار ، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة ، عند أحمد ، والطبراني بإسناد قوي . ومن حديث أبي هريرة عند البزار ، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان ، قال: (( فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلى ركعتين عندالسارية الوسطى )) أخرجه الطبراني بإسناد صحيح . ومن حديث شيبة بن عثمان، قال: ((لقد صلى ركعتين عند العمودين)). أخرجه الطبراني بإسناد جيد . فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين ، فقال بغير علم ، ولو سكت لسلم. انتھی. (فتح)) جـ ٣ ص٥٩٦ - ٥٩٧. قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي ذكره الحافظ في وجه الجمع ٥١٣ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ بين الحديثين أقرب مما تقدم ، وحاصله أن ابن عمر رضي الله عنه فهم من إشارة بلال رضي الله عنه أنه صلى ركعتين ، ثم ندم على عدم تثبته بالسؤال اللفظي عن عدد الركعات ، فبهذا تجتمع الروايتان . والله أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . - ٥١٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ٦ - فَضْلُ المَسْجِدُ الأَقْصَى، والصَّلاةُ فيه ٠ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان فضل المسجد الأقصى ، وفضل الصلاة فيه . يقال لبيت المقدس : المسجد الأقصى على الصفة ، ومسجد الأقصى على إضافة الموصوف إلى الصفة ، وقد جوزه الكوفيون ، واستشهدوا له بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرَّبِيِ﴾ [القصص: ٤٤]، والبصريون يؤولونه بإضمار المكان، أي المكان الذي بجانب المكان الغربي، ومسجد المكان الأقصى ، ونحو ذلك ، و إلى مذهب البصريين أشار ابن مالك في الخلاصة حيث قال : وَلاَ يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ معنَى وَأَوِّلْ مُوهماً إِذَا وَرَدْ وإنما قيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة ، وقيل : لبعد الزمان ، وفيه نظر ، لقوله في الحديث السابق (٦٩٠/٣): بينهما أربعون سنة . وقال الزمخشري : سمي الأقصى ، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ، وقيل : لبعده عن الأقذار والخبث . وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة ، لأنه بعيد من مكة ، وبيت المقدس أبعد منه . قال الجامع : وفيه نظر، لأنه كان يسمى بهذا الاسم قبل المدينة . ولبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين : منها : إيلياء ، ٥١٥ _ ٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣ بالمد، والقصر ، وبحذف الياء الأولى . وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا الثالث . وبيت المقدس بسكون القاف ، وبفتحها مع التشديد - والقدس - بغير ميم ، مع ضم القاف ، وسكون الدال ، وضمها أيضاً - وشلم - بالمعجمة ، وتشديد اللام ، وبالمهملة - وشلام بمعجمة ، وسَلم - بفتح المهملة ، وكسر اللام الخفيفة - وأرْوي سَلم. بسكون الواو ، وبكسر الراء ، بعدها تحتانية ساكنة ، قال الأعشى [من المتقارب]: وَقَدْ طُفْتُ للْمَالِ آفَاقَهُ دَمَشْقَ فَحِمْصَ فَأَرْوِي سَلِمْ ومن أسمائه كورة ، وبيت إيل ، وصهيون ، ومصروث ، آخره مثلثة ، وكورشيلا ، وبابوش - بموحدتين ، ومعجمة - وقد تتبع أكثر هذه الأسماء الحسين بن خالويه اللغوي في كتاب (( ليس)). أفاده في الفتح ج٣ص٧٨. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات : القدس - بضم القاف . هو بيت المقدس - زاده الله تعالى شرفاً - يقال: بفتح الميم ، وإسكان القاف ، وكسر الدال ، ويقال: بضم الميم، وفتح القاف ، وفتح الدال المشددة ، لغتان مشهورتان . قال الجوهري في صحاحه : بيت المقدس، يشدد ، ويخفف ، والنسبة إليه مقدسي ، مثال مَجْلسي ، ومُقَدَّسي . قال امرؤ القيس [ من الطويل]: فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا كَمَا شَبْرَقَ الوِلْدَانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِي - ٥١٦ ــ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد والهاء في أدركنه ضمير الثور الوحشي ، والنون في أدركنه ضمير الكلاب. أي أدركت الكلاب الثور ، فأخذن بساقه ونساه ، وشَبْرَقَتْ جلده ، كما شبرق ولدان النصارى ثوب الراهب المُقَدَّسي ، وهو الذي جاء بيت المقدس ، فقطعوا ثيابه تبركًا بها ، والشَّبْرَقَة : تقطيع الثوب ، وغيره . والقُدْس والقُدُّس : الطهر ، اسم ومصدر ، ومنه قيل للجنة : حظيرةَ القدس . والتقديس : التطهير ، والأرض المقدسة : المطهرة . وقال الواحدي في أول سورة البقرة : البيت المقدس - يعني بالتخفيف .: المطهر، قال : وقال أبو علي : وأما بيت المقدس - يعني بالتخفيف - فلا يخلو ، إما أن يكون مصدراً ، أو مكاناً ، فإن كان مصدراً كان كقوله تعالى : ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٤]، ونحوه من المصادر ، وإن كان مكاناً ، فالمعنى : بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة. وتطهيره على معنى إخلائه من الأصنام، وإبعاده منها . وقال الزجاج : البيت المقدس ، أي المكان المطهر ، وبيت المقدس ، أي المكان الذي يطهر فيه من الذنوب . هذا ما ذكره الواحدي . وقال غيره : البيت المقدس ، وبيت المقدس ؛ لغتان: الأولى على الصفة ، والثانية على إضافة الموصوف إلى صفته ، كصلاة الأولى ، ومسجد الجامع. انتهى. كلام النووي جـ٤ص١٠٩، بزيادة من ((لسان العرب)). والله تعالى أعلم. ٥١٧ _ ٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣ ٦٩٣ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا أبُومُسْهر، قَالَ: حَدَثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ رَبِعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللّه ابْنِ عَمْرٍو ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِلَهُ: ((أنَّسُلَيْمَانَ ابْنَ دَاوُدَ عَهُ لَمَّا بَنَى بَيْتَ المَقْدسِ، سَألَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، خلالاً ثَلاثَةً : سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْماً يُصَادفُ حَكْمَهُ فَأُوتِيَهُ، وَسَألَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكاً لايَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ، وَسَأَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ المَسْجِد أنْ لا يَأْتِيَهُ أحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إلا الصَّلاةُ فيه أنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيَتِهِ، كَيَوْمَ وَدَتْهُ أُمُّهُ». رجال هذا الإسناد : سبعة ١ - (عمرو بن منصور) النسائي ، أبو سعيد ، ثقة ثبت ، من [١١]، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧، أخرج ه النسائي. ٢ - (أبو مُسهر) عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي ، ثقة فاضل، توفي سنة ٢١٨، وله ٧٨ سنة، من كبار [١٠]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٥/ ٤٦٠ . - ٥١٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التنوخي الدمشقي ، ثقة إمام ، اختلط في آخره ، من [٧]، تقدم في ٤٦٠ . ٤ - (ربيعة بن يزيد) الإيادي القصير ، أبو شعيب الدمشقي ، ثقة عابد ، من [٤]، تقدم في ١٤٨ . ٥ - (أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله ، الدمشقي ، ثقة عالم ، من [٢]، تقدم في ٨٨/٧٢. ٦ - (ابن الديلمي) عبد الله بن فيروز ، أبو بشر ، ويقال : أبوبسر ، أخو الضحاك بن فیروز ، وعم العریف بن عياش بن فيروز ، كان يسكن بيت المقدس، ثقة ، من كبار التابعين ، ومنهم من ذكره في الصحابة . قال ابن معين : ثقة ، وقال العجلي : شامي تابعي ، ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات . وذكره ابن قانع في معجم الصحابة ، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام . وأما ابن حبان ، فقال : هو عبد الله بن ديلم بن هوشع الحميري ، عداده في أهل مصر . كذا قال . وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى : قال مسلم : أبو بشر - يعني بالمعجمة - قال : وقد بينا أن ذلك خطأ ، أخطأ فيه مسلم ، وغيره ، وخليق أن يكون محمد - يعني البخاري - قد اشتبه عليه ، مع جلالته ، فلما نقله مسلم من كتابه تابعه عليه ، ومن تأمل كتاب مسلم في الكنى ٥١٩ _ ٦ - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٣ علم أنه منقول من كتاب محمد ، حذو القُذَّة بالقذة، وتجلد في نقله حق الجلادة ، إذ لم ينسبه إلى قائله ، والله يغفر لنا وله . أخرج له أبوداود، والنسائي ، وابن ماجه . انتهى تت . ٧- (عبد الله بن عمرو) بن العاص، رضي الله عنهما، تقدم في ١١١/٨٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سباعيات المصنف . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم ، إلا شيخه ، فمن أفراده ، وابن الديلمي ، فانفرد به هو ، وأبو داود ، وابن ماجه . ومنها : أنه مسلسل بالشاميين ، إلا شيخه فنيسابوري ، وأما عبدالله بن عمرو الصحابي ، فإنه وإن کان نزل مصر ، فقد دخل الشام، وقيل: مات بها . وقيل غير ذلك . ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين ، يروي بعضهم عن بعض ؛ ربيعة، عن أبي إدريس ، عن ابن الديلمي . ومنها : أن فيه رواية الأقران ، فأبو إدريس ، وابن الديلمي ، كلاهما من كبار التابعين . ومنها : أن صحابيه هو أحد السابقين المكثرين من الصحابة - كما وصفه بكثرة الرواية أبو هريرة رضي الله عنه - وأحد العبادلة الأربعة الفقهاء منهم. والله تعالى أعلم. - ٥٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد شرح الحديث (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله عنهما (عن رسول الله ◌َّ: أن سليمان بن داود ◌َ ◌ّ لما بنى بيت المقدس) والمراد فراغه من بنائه ، لما في رواية ابن ماجه ((لَمَّا فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس)). (سأل الله عزوجل خلالا ثلاثة ) الخلال - بالكسر - جمع خَلَّة ، كَخَصْلَة وخصَال ، وزناً ومعنى، و((ثلاثة)) صفة ، أو بدل ، أو عطف بيان، له . وإنما أنث ((ثلاثة)) مع كون المعدود مؤنثاً ، لأن وجوب تذكير العدد لتأنيث المعدود إنما هو إذا وقع المعدود تمييزاً ، وأما إذا قدم أو حذف فلا يجب . كما هو مقرر في محله . (سأل الله عز وجل حكماً یصادف حکمه) أي يوافق حكم الله عز وجل. والمراد : التوفيق للصواب في الاجتهاد ، وفصل الخصومات بين الناس. قاله السندي (فأوتيه) أي أعطاه الله ذلك. هذه هي إحدى الخلال الثلاث. (وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده) أي لا ينبغي لأحد أن يسأله ، فكأنه سأل منع السؤال بعده ، حتى لا يتعلق به أمل أحد ، ولم يسأل منع الإجابة . وقيل : إن سؤاله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهراً في خلق السموات