النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١ _
٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١
النووي ، وقال : ينبغي أن يحرص المصلي على ذلك ، ويتفطن لما
ذكرته .
قال ولي الدين رحمه الله : وهذا بخلاف المسجد الحرام ، فإنه لا
يختص التضعيف بالمسجد الذي كان في زمنه عمّه ، بل يشمل جميع
ما زيد فيه ؛ لأن اسم المسجد الحرام يعم الكل ، بل المشهور عند
الشافعية أن التضعيف يعم مكة ، بل صحح النووي أنه يعم الحرم الذي
یحرم صيده . انتهى. طرح ج ٦ ص ٥٢ - ٥٣.
قال الجامع : عندي فيما قاله النووي رحمه الله في المسجد النبوي
نظر، إذ الظاهر أن قوله: ((مسجدي هذا)) إنما هو للاحتراز من غيره
من مساجد المدينة، فلا يمنع دخول الزيادة بعده ◌َّليه ، ويدل على
ذلك أثر عمر رضي الله عنه، قال: ((لو مُدَّ مسجد النبي ◌َّ إلى ذي
الحليفة لكان منه))، وفي لفظ ((لو زدنا فيه حتى بلغ الجبّانة كان
مسجد رسول الله ◌َ﴾، وجاءه الله بعامر)). رواه عمر بن شَبَّة من
طريقين مرسلين عنه موقوفاً . ورفعه ضعيف جداً كما بينه الشيخ
الألباني في ضعيفته جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣ . والله أعلم .
قلت: وقد حقق الموضوع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
تحقيقًا حسنًا حيث قال : وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في
مسجده ﴾ حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة ، كما أن
المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد ، فيجوز الطواف فيه ،

- ٤٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
والطواف لا يكون إلا في المسجد ، لا خارجاً منه .
ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة
التي زادها عمر ، ثم عثمان ، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم ، فلولا
أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في مسجد غيره ،
ويأمرون بذلك.
ثم قال : وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين ،
وعملهم، فإنهم قالوا : إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل ، وهذا
الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة ، وكذلك كان الأمر على عهد
عمر، وعثمان رضي الله عنهما ، فإن كُلاّ منهما زاد من قبلي المسجد ،
فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة ، وكذلك مقام الصف
الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع ، والذي كان
كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في
مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأُولُ كانوا يصلون في غير
مسجده ، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا ، لكن رأيت
بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده ، وما علمت له
في ذلك سلفاً من العلماء . انتهى كلام شيخ الإسلام . نقلته من سلسلة
الضعيفة للشيخ الألباني جزاه الله تعالى خيراً. جـ٢ ص٤٠٣.
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله شيخ الإسلام حسن
جداً، ولعله أشار بما ذكره عن بعض المتأخرين ما تقدم عن النووي

٤٨٣ -
٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١
رحمه الله . والله أعلم .
المسألة الثانية عشرة : قال النووي رحمه الله : قال العلماء ما
حاصله: أن المضاعفة المذكورة في هذا الحديث إنما هو فيما يرجع إلى
الثواب ، فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف صلاة في غيره ، ولا
يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت ، حتى لو كان عليه صلاتان ،
فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزه عنهما ، وهذا لا خلاف فيه .
والله أعلم . ذكره في ((طرح التثريب)) ج٦ ص٥٣ .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٤٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٥ - الصلاةُ في الكَعْبَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في داخل
الكعبة .
٦٩٢ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ
سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: ((دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ الْبَيْتَ هُوَ
وَأَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وبلالٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، فَأَغْلَقُوا
عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَهُ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ،
فَلَقِيتُ بلالاً، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ؟
قَالَ : نَعَمْ، صَلَّى بَيْنَ العَمُودَيْنِ الْيَمَانِيْنِ)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد ، تقدم في السند السابق.
٢ - (الليث) بن سعد ، تقدم في السند السابق.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني ، ثقة حجة
حافظ ، من [٤]، تقدم في ١/١.
٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر المدني ، ثقة فقيه عابد، من [٣]،
تقدم في ٤٩٠ .

٤٨٥ _
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي المشهور رضي الله
عنهما ، تقدم في ١٢/ ١٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات حفاظ ، من رجال الجماعة.
ومنها : أنهم مدنیون ، إلا شيخه فبغلاني ، والليث فمصري.
ومنها : أنه نقل عن الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه أن أصح
الأسانيد: ابن شهاب، عن سالم ، عن أبيه ، ذكره في التقريب، مع
شرحه التدریب ج١ ص٧٧ .
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ ابن شهاب عن سالم.
ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه ؛ سالم عن عبد الله .
ومنها : أن سالماً هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال .
ومنها : أن صحابيه ، هو أحد العبادلة الأربعة ، وأحد المكثرين
السبعة من الصحابة رضي الله عنهم، روى (٢٦٣٠) حديثاً . والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم ، عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أنه
(قال: دخل رسول اللـه عَّه البيت) أي بيت الله الحرام، فإن البيت

- ٤٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
علم له بالغلبة ، كما قال في الخلاصة :
وَقَدْ يَكُونُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالْعَقَبَهْ
قال الحافظ رحمه الله : وكان ذلك في عام الفتح ، كما وقع مبيناً
من رواية يونس بن يزيد ، عن نافع ، عند البخاري في كتاب الجهاد
بزيادة فوائد، ولفظه: (( أقبل النبي ◌َّ يوم الفتح من أعلى مكة على
راحلته))، وفي رواية فليح ، عن نافع ((وهو مردف أسامة - يعني ابن
زيد - على القصواء))، ثم اتفقا، ((ومعه بلال ، وعثمان بن طلحة ،
حتى أناخ في المسجد ، وفي رواية فليح (( عند البيت ، وقال لعثمان:
ائتنا بالمفتاح ، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب ، فدخل)) ، ولمسلم ،
وعبد الرزاق من رواية أيوب، عن نافع (( ثم دعا عثمان بن طلحة
بالمفتاح، فذهب إلى أمه - واسمها: سُلافَة ، بضم المهملة ، والتخفيف،
والفاء - فأبت أن تعطيه ، فقال : والله لتعطينه ، أو لأخرجن هذا السيف
من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله تَمَّهُ ، ففتح
الباب )) .
فظهر من روایة فلیح أن فاعل فتح ، هو عثمان المذکور ، لکن روی
الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: (( كان بنو أبي طلحة
يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم ، فأخذ رسول الله ﴾.
المفتاح، ففتحها بيده)) .
(هو، وأسامة بن زيد) بن حارثة، حبَّ رسول الله ◌َّ، وابن
حبه، هو، وأبوه ، وجده صحابيون رضي الله عنهم ، مات بالمدينة

٤٨٧ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
سنة ٥٤ - وهو ابن ٥٧ سنة ، وتقدمت ترجمته ٩٦/ ١٢٠.
(وبلال) بن رباح، أبو عبد الله المؤذن، وأمه حَمَامة، مولى أبي
بكر الصديق رضي الله عنه، أحد السابقين إلى الإسلام ، شهد بدراً ،
ومابعدها ، ومات بالشام سنة ١٧ ، وقيل غير ذلك . تقدمت ترجمته
١٠٤/٨٦.
(وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد العزى بن
عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري ، ويقال له : الحَجَبي - بفتح
المهملة ، والجيم - ولآل بيته الحَجَبَة، لحجبهم الكعبة ، يعرفون الآن
بالشيبيين ، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، وهو ابن عم عثمان
هذا ، لا ولده ، وله أيضاً صحبة ورواية. مات عثمان بن طلحة
سنة ٤٢، وقيل : استشهد بأجنادين ، وأبطل ذلك العسكري . قاله في
الفتح، وتقريب التهذيب.
قال المهلب شارح البخاري: إدخال النبي تَمّى معه هؤلاء الثلاثة
لمعان تخص كل واحد منهم ، فأما دخول عثمان ، فلخدمته البيت في
الغلق ، والفتح ، والكنس ، ولو لم يدخله لغلق بابها ، لتوهم الناس
أنه عزله . وأما بلال ، فمؤذنه ، وخادم أمر صلاته . وأما أسامة ،
فمتولي خدمة ما يحتاج إليه ، وهم خاصته ، فللإمام أن يخص خاصته
ببعض ما يستتر به عن الناس . انتهى.
وزاد في رواية مسلم من طريق أخرى ((ولم يدخلها معهم أحد))،
ووقع عند المصنف في المناسك (٢٩٠٦/٢١٦) من طريق ابن عون ،

- ٤٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
عن نافع (( ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة،
وبلال)) فزاد الفضل .
ولأحمد من رواية مجاهد ، عن ابن عباس ، قال: حدثني أخي
الفضل - وكان معه حين دخلها - أن النبي ◌ُّه لم يصل في الكعبة،
ولكنه لما دخلها وقع ساجداً بين العمودين ، ثم جلس يدعو . قال ولي
الدين العراقي رحمه الله : وهذه الرواية شاذة من وجهين : دخول
الفضل معهم ، والاقتصار على السجود . انتهى. طرح جـ ٥ ص ١٣٢ .
(فأغلقوا عليهم) مفعوله محذوف للعلم ، أي باب البيت ، زاد
في رواية حسان بن عطية ، عن نافع ، عند أبي عوانة ((من داخل)) وزاد
يونس ((فمكث نهاراً طويلاً))، وفي رواية فليح ((زماناً)) بدل نهاراً ، وفي
رواية جويرية، عن نافع ((فأطال)) ، ولمسلم من رواية ابن عون ، عن
نافع ((فمكث فيها مَليّاً))، وله من رواية عبيد الله ، عن نافع ((فأجافوا
عليهم الباب طويلاً))، ومن رواية أيوب، عن نافع ((فمكث فيها
ساعة))، وللمصنف من طريق ابن عون، عن نافع (١٢٦/ ٢٩٠٦)،
((فمكث فيه ما شاء الله))، ومن رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر
(٢٩٠٧/١٢٧) دخل رسول الله ◌َيّ الكعبة، ودنا خروجه ، ووجدت
شيئاً ، فذهبت ، وجئت سريعاً، فوجدت رسول الله عَ ه خارجاً)).
ووقع في الموطأ بلفظ: ((فأغلقاها))، والضمير لعثمان ، وبلال ،
ولمسلم من طريق ابن عون ، عن نافع ((فأجاف عليهم عثمان الباب)) ،

٤٨٩ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
والجميع بينهما أن عثمان هو المباشر لذلك ، لأنه من وظيفته ، ولعل
بلالاً ساعده في ذلك ، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك ،
والراضي به . قاله في الفتح جـ ٣ص٥٤٢ -٥٤٣ .
قال ابن بطال: وأما غلق الباب - والله أعلم - حين صلى في البيت
لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة ، فيلزمون ذلك .
وقال النووي في شرح مسلم : إنما أغلقها عليه السلام ، ليكون
أسكن لقلبه ، وأجمع خشوعه ، ولئلا يجتمع الناس ، ويدخلوه ، أو
يزدحموا، فينالهم ضرر ، ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم . انتهى.
قال ولي الدين : وما ذكره النووي أظهر ، وأما ما ذكره ابن بطال،
فضعيف ، فإنه عليه الصلاة لا يخفي صلاته في البيت ، وقد شاهدها
جماعة ، ونقلوها . وقيل : إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها، فإن
الباب إذا كان مفتوحاً ، وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح
الصلاة . حكاه المحب الطبري . انتهى. طرح.
قال الجامع : ما قاله النووي أوضح ، كما قال ولي الدين،
والقولان الآخران ليسا بشيء. والله أعلم .
(فلما فتحها رسول الله تَّ) أي أمر بفتحها ، وللبخاري « فلما
فتحوا))، وفي رواية فليح (( ثم خرج ، فابتدر الناس الدخول ،
فسبقتهم))، وفي رواية أيوب (( وكنت رجلاً شاباً قوياً ، فبادرت
الناس، فبَدَرْتُهم))، وفي رواية جويرية (( كنت أول الناس، ولج على

- ٤٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
أثره)) وفي رواية ابن عون ((فرقيت الدرجة ، فدخلت البيت))، وفي
رواية مجاهد، عن ابن عمر (( وأجدُ بلالاً قائماً بين البابين )) ، وأفاد
الأزرقي في كتاب مكة : أن خالد بن الوليد كان على الباب ، يذب عنه
الناس، وكأنه جاء بعدما دخل النبي ◌َّي، وأُغْلقَ . قاله الحافظ.
(كنت أول من ولج) أي دخل ، يقال: وَلَجَ الشيء في غيره ،
يَلِجُ، من باب وَعَدَ ، وُلُوجاً : دخل، وأولجته ، إيلاجاً: أدخلته .
أفاده في المصباح .
(فَلَقيت بلالاً ، فسألته هل صلى فيه) أي داخل البيت
(رسول الله ◌َّ ) هكذا رواية سالم بإثبات أول السؤال، ومثلها رواية
مجاهد، وابن أبي مليكة، عن ابن عمر عند البخاري ((فقلت: أصلى
النبي تَّهُ في الكعبة؟ قال: نعم))، وفي رواية مالك عن نافع ((ماصنع؟))، وفي
رواية جویریة ، ویونس ، وجمهور أصحاب نافع «فسألت بلالاً ، أین
صلى ؟ اختصروا أول السؤال ، فظهر بهذا أنه استثبت أولاً ، هل
صلى، أم لا ؟ ثم سأل عن موضع صلاته من البيت؟
ووقع في رواية يونس ، عن ابن شهاب ، عند مسلم (( فأخبرني
بلال ، أو عثمان بن طلحة)) ، والمحفوظ أنه سأل بلالاً ، كما في رواية
الجمهور .
ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن ، عن ابن
عمر ، أنه سأل بلالاً ، وأسامة بن زيد، حين خرجا)) أين صلى النبي ◌َ﴾.

٤٩١ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
فيه؟ فقالا : على جهته))، وكذا أخرجه البزار نحوه . ولأحمد،
والطبراني من طريق أبي الشعثاء، عن ابن عمر ، قال: ((أخبرني أسامة
أنه صلی فیه ههنا » .
ولمسلم، والطبراني من وجه آخر: ((فقلت: أين صلى النبي ◌َّه؟
فقالوا)) ، فإن كان محفوظاً حمل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال ، كما تقدم
تفصيله ، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة ، فسأل عثمان
أيضاً ، وأسامة ، ويؤيد ذلك قوله - في رواية ابن عون عند مسلم - :
((ونسيت أن أسألهم، كم صلى)) ، بصيغة الجمع ، وهذا أولى من جزم
عياض بوهم الرواية التي أشرنا إليها من عند مسلم ، وكأنه لم يقف
على بقية الروايات.
ولا يعارض قصته ، مع قصة أسامة ما أخرجه مسلم أيضاً ، وهو
الآتي للمصنف برقم (١٣٣ /٢٩١٧) من حديث ابن عباس : أن أسامة
ابن زيد أخبره أن النبي ◌َّ لم يصل فيه ، ولكنه كبر في نواحيه ؛ فإنه
يمكن الجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره ،
وحيث نفاها أراد ما في علمه ، لكونه لم يره ◌ُ﴾ حين صلى ، وسيأتي
تحقيق القول في إثبات بلال لصلاته مي ، ونفي أسامة لها ، في
المسائل، إن شاء الله تعالى.
(قال : نعم، صلى بين العمودين) - بفتح ، فضم .: الخشبة التي
يقوم عليها البيت، جمعه : أعْمدَة، وعُمُدٌ - بضمتين ، وعَمَدُ.

-
٤٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
بفتحتين-، يقال: له العماد أيضاً . قاله في اللسان ، والمصباح .
(اليمانيين) تثنية يمان ، نسبة إلى اليمن البلد المعروف ، على غير
قياس ؛ إذ القياس : يمني ، وفي ياء يمان مذهبان :
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها ، واقتصر عليه كثيرون ، وبعضهم
ينكر التثقيل ، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء ، لتكون عوضاً عن
التثقيل ، فلا يثقل ، لئلا يجمع بين العوض ، والمعوض عنه .
والثاني: التثقيل ؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة ، فيبقى التثقيل
الدال على النسبة تنبيهاً على جواز حذفها .
وسمي اليمن به ، لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها ، وقيل : لأنه
عن يمين الكعبة . أفاده في المصباح .
ثم إن هذه الرواية فيها اختصار سؤال مكان الصلاة ، وفي الرواية
الآتية رقم (٢٩٠٨/١٢٧) ((فقلت: يا بلال، أصلى رسول الله عَل﴾.
في الكعبة؟ قال : نعم ، قلت: أين؟ قال: ما بين هاتين الأسطوانتين)).
وسيأتي بيان اختلاف الرواية في ذلك في المسائل إن شاء الله
تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما متفق عليه .

٤٩٣ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٩٢/٥)، و((الكبرى)) (٧٧١/٥) عن قتيبة ، عن
الليث ابن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عنه، و(٧٤٩/٦) ،
و(«الكبرى» (٨٢٥/٥)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين ،
كلاهما عن مالك ، عن نافع ، عنه .
وفي ((المناسك)) (٢٩٠٥/١٢٦)، والكبرى (٣٨٨٨/١٢٦) عن
محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن ابن عون ، عن نافع به .
و(٢٩٠٦)، و((الكبرى)) (٣٨٨٩/١٢٧)، عن يعقوب بن إبراهيم ،
عن هشيم، عن ابن عون به. و(٢٩٠٧/١٢٧)، و((الكبرى)) (١٢٨/
٣٨٩٠)، عن عمرو بن علي، عن يحيى ، عن السائب بن عمر، عن
ابن أبي مليكة، عنه. و(٢٩٠٨)، و((الكبرى)) (٣٨٩١)، عن أحمد
ابن سليمان، عن أبي نعيم ، عن سيف بن سليمان ، عن مجاهد،
عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، من طريق مالك ،
وأخرجه البخاري ، ومسلم أيضاً من طريق أيوب السختياني،
والبخاري من طريق موسى بن عقبة ، وجويرية بن أسماء ، وفليح بن
سليمان ، ويونس بن يزيد ، ومسلم ، وأبو داود من طريق عبيد الله بن
عمر ، ومسلم ، من طريق عبد الله بن عون ، وابن ماجه من طريق
حسان بن عطية ، كلهم عن نافع.

- ٤٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وأخرجه الشيخان من طريق سالم ابن عبد الله، والبخاري ، من
طريق مجاهد، كلهم عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وروى الترمذي
من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال ((أن النبي ◌َّ﴾
صلى في جوف الكعبة )) . وقال : حديث بلال حديث حسن صحيح .
انظر ((طرح التثريب)) جـ ٦ص ١٢٩ -١٣٠ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله ، وهو جواز الصلاة في
الكعبة ، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك في المسألة السادسة ،
إن شاء الله تعالى .
ومنها : رواية الصحابي ، عن الصحابي ، وسؤال المفضول مع
وجود الأفضل ، والاكتفاء به .
ومنها : الاحتجاج بخبر الواحد .
ومنها : اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة .
ومنها : السؤال عن العلم ، والحرص فيه.
ومنها : فضيلة ابن عمر رضي الله عنه حیث کان شديد الحرص
على تتبع آثار النبي ◌َّ ، ليعمل بها .
ومنها : أن الفاضل من الصحابة قد يغيب عن النبي ◌َّ في بعض
المشاهد الفاضلة ، ويحضره من هو دونه ، فيطلع على ما لم يطلع

٤٩٥ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
عليه، لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممَّنْ هو أفضل من بلال ومن ذكر
معه، لم يشاركوهم في ذلك .
ومنها : أن البخاري رحمه الله استدل بهذا الحديث على أن الصلاة
إلى مقام إبراهيم غير واجبة ، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير
جماعة .
ومنها : ما قيل : إن السترة إنما یشرع اتخاذها حیث یخشی المرور،
فإنه ◌َّ صلى بين العمودين ، ولم يصل إلى أحدهما ، لكن هذا- كما
قال الحافظ - فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار ، إذ كان
بین مصلاة وبین الجدار نحو ثلاثة أذرع ، ولذلك استدل المصنف به على
مقدار الدنو من السترة ، كما يأتي برقم (٧٤٩).
ومنها : أن قول العلماء : تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص
بغير داخل الكعبة ، لكونه مي جاء فأناخ عند البيت ، فدخله ، فصلى
فيه ركعتين ، فكانت تلك الصلاة ، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل ،
أو هو تحية المسجد العام .
قال الجامع عفا الله عنه : هكذا ذكر الحافظ رحمه الله ، ولي فيه
نظر ؛ إذ تحية المسجد الحرام ركعتان ، كسائر المساجد ؛ لأنه داخل في
عمومها ، وأما ما ثبت من أنه تَّ أول ما بدأ به في حجه الطوافُ ، فلا
يتنافى معه ، لأنه طاف ، ثم صلى ركعتين ، والنهي إنما جاء عن
الجلوس قبل الركعتين.

- ٤٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف ،
ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف ،
وصلى ركعتين ، وإلا صلى ركعتين ، بدليل حديث الباب، والله
أعلم.
ومنها : مشروعية الإغلاق للكعبة ، ويقاس عليها غيرها من
المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ.
[النور: ٣٦] إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة.
وبوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث (( باب الأبواب،
والغلق للكعبة والمساجد)).
وقال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان
الريب ، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات . قاله في الطرح .
قال الجامع : ويدل له حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت:
((أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف ، وتطيب )) رواه
أصحاب السنن إلا المصنف . وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه ،
قال: ((أمرنا رسول الله تعمي أن نتخد المساجد في ديارنا ، وأمرنا أن
ننظفها)). رواه أحمد بإسناد صحيح ، والترمذي ، وصححه . والمراد
بالدار : المحلة.
ومنها: استحباب دخول الكعبة ، لكنه مشروط بأن لا يؤذي
أحداً. وسيأتي تمام البحث فيه قريباً ، إن شاء الله تعالى .

٤٩٧ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
المسألة الخامسة : في بيان اختلاف ألفاظه :
رواية المصنف هنا (٦٩٢) (( بين العمودين اليمانيين))، وفي (٧٤٩)
جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه)) ،
وفي (٢٩٠٦) ((ما بين الأسطوانتين))، وفي (٢٩٠٨) ((بين الساريتين)).
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: قوله: (( جعل عموداً
عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه)) ، كذا في رواية
البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس ، وكذا في رواية أبي داود عن
القعنبي ، كلاهما عن مالك ، وفي رواية البخاري ، عن عبد الله بن
يوسف ، عن مالك (( جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه)).
ونقل ابن عبد البر في التمهيد اللفظ الأول عن الأكثر من رواة
الموطأ: منهم يحيى بن يحيى الأندلسي ، والقعنبي ، وابن القاسم ،
وأبو مصعب ، وابن بكير ، ومحمد بن الحسن ، وإسحاق بن سليمان،
وأحمد بن إسماعيل ، وابن مهدي ، من رواية أحمد بن سنان القطان
عنه، والشافعي ، من رواية أبي يحيى ، محمد بن سعيد العطار ،
عنه .
ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطباع ، ومكي بن إبراهيم ،
وأبي قلابة ، عن بشر بن عمر ، وبندار ، عن ابن مهدي ، كلهم عن
مالك .

- ٤٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوري ، وبندار ، عن
بشر بن عمر ، والربيع ، عن الشافعي ، كلهم عن مالك . قال : ورواه
عثمان بن عمر، عن مالك ، فقال فيه: (( جعل عمودين عن يمينه ،
وعمودين عن يساره))، وقال : ولم يتابع على هذه الرواية ، قال :
والرواية الأولى أولى بالصواب ، إن شاء الله .
وصحح البيهقي أيضاً هذه الرواية . وقال الحافظ العراقي في شرح
الترمذي : وهي موافقة لكونه مقابل الباب ، وفي رواية في الصحيح
أيضاً ((صلى بين العمودين اليمانيين))، وإذا تقرر ترجيح الرواية
الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية (( عموداً عن يمينه ، وعموداً
عن يساره)) لأن معناها : صلى بين عمودين ، وإن كان بجانب أحد
العمودين عمود آخر ، ولا قوله في الرواية الأخيرة (( بين العمودين
اليمانيين))، فإن العمد الثلاثة ، أحدها يماني ، وهو الأقرب إلى الركن
اليماني ، والآخر ، وهو الأقرب إلى الحجر شامي ، والأوسط بينهما ،
إن قرن بالأول ، قيل : اليمانيان ، وإن قرن بالثاني ، قيل : الشاميان،
ذكره المحب الطبري ، وهو واضح .
وأما الرواية الثالثة ، فإنه يتعذر الجمع بينها ، وبين الأولى ، فهي
ضعيفة ، الشذوذها ، ومخالفتها رواية الأكثرين ، كما تقدم .
وأما الرواية الرابعة ، فهي مقطوع بوهمها ؛ إذ ليس هناك أربعة
أعمدة ، حتى يكون عن يمينه اثنان ، وعن يساره اثنان. انتهى. ((طرح

٤٩٩ -
٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢
التثريب)). جـ٥ ص١٣٦ - ١٣٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة السادسة) في مذاهب العلماء في حكم الصلاة في
الكعبة :
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى ما حاصله : في
هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة ، وهذه الصلاة ، وإن كانت
نافلة، فالفريضة في معناها ، لأن الأصل استواء الفرض والنفل في
الأركان والشرائط ، إلا ما استثني بدليل .
وبهذا قال الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأحمد ،
والجمهور، كما حكاه النووي .
وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة
في الكعبة بأساً . وقال مالك بن أنس : لا بأس بالصلاة النافلة في
الكعبة ، وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة ، وقال الشافعي : لا بأس
أن تصلى المكتوبة ، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في
الطهارة والقبلة سواء. انتهى .
وقال بجواز الصلاة مطلقاً في الكعبة من المالكية أشهب ، وصححه
منهم ابن العربي ، وابن عبد البر ، والمشهور من مذهب مالك جواز
صلاة النافلة فيها ، والمنع من الفرض ، والسنن؛ كالوتر ، وركعتي
الفجر ، وركعتي الطواف .

- ٥٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وقيد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب. وإطلاق الترمذي عن
مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربي ، فيحتمل أنه مقيد بما حکیته،
ويحتمل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة.
وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها ، دون الفرض ،
فإن كان يقول به على إطلاقه ، فهو مذهب ثالث في المسألة .
وفيها مذهب رابع ، وهو منع الصلاة فيها مطلقاً . حكاه القاضي
عیاض ، عن ابن عباس ، وهو أحد القولين عن مالك ، كما حكاه ابن
العربي ، وقال به من أصحابه أصبغ ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن
جرير الطبري ، وبه قال بعض الظاهرية .
وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله ، والمصلي فيه مستدبر لبعضه.
وروى الأزرقي أن ابن عباس قال لسماك الحنفي : ائتم به كله، ولا
تجعلن شيئاً منه خلفك . قال ابن عبد البر : لا يصح في هذه المسألة إلا
أحد قولين ، إما الصحة مطلقاً ، أو الفساد مطلقاً ، والصواب عندي
قول الصحة مطلقاً ، ثم بسط ذلك .
وفيه مذهب خامس : وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما في
الاستحباب ، فلو صلى الفرض فيها صح ، وارتكب خلاف الأولى .
ومذهب سادس : وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان ،
فيصح مع النسيان دون التعمد . وتردد الشيخ تقي الدين في شرح
العمدة عن مالك ، فقال : كره الفرض ، أو منعه ، وعلل تجويز النفل