النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ _ ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ النووي ، وقال : ينبغي أن يحرص المصلي على ذلك ، ويتفطن لما ذكرته . قال ولي الدين رحمه الله : وهذا بخلاف المسجد الحرام ، فإنه لا يختص التضعيف بالمسجد الذي كان في زمنه عمّه ، بل يشمل جميع ما زيد فيه ؛ لأن اسم المسجد الحرام يعم الكل ، بل المشهور عند الشافعية أن التضعيف يعم مكة ، بل صحح النووي أنه يعم الحرم الذي یحرم صيده . انتهى. طرح ج ٦ ص ٥٢ - ٥٣. قال الجامع : عندي فيما قاله النووي رحمه الله في المسجد النبوي نظر، إذ الظاهر أن قوله: ((مسجدي هذا)) إنما هو للاحتراز من غيره من مساجد المدينة، فلا يمنع دخول الزيادة بعده ◌َّليه ، ويدل على ذلك أثر عمر رضي الله عنه، قال: ((لو مُدَّ مسجد النبي ◌َّ إلى ذي الحليفة لكان منه))، وفي لفظ ((لو زدنا فيه حتى بلغ الجبّانة كان مسجد رسول الله ◌َ﴾، وجاءه الله بعامر)). رواه عمر بن شَبَّة من طريقين مرسلين عنه موقوفاً . ورفعه ضعيف جداً كما بينه الشيخ الألباني في ضعيفته جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣ . والله أعلم . قلت: وقد حقق الموضوع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى تحقيقًا حسنًا حيث قال : وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده ﴾ حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة ، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد ، فيجوز الطواف فيه ، - ٤٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد والطواف لا يكون إلا في المسجد ، لا خارجاً منه . ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ، ثم عثمان ، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم ، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في مسجد غيره ، ويأمرون بذلك. ثم قال : وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين ، وعملهم، فإنهم قالوا : إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل ، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة ، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان رضي الله عنهما ، فإن كُلاّ منهما زاد من قبلي المسجد ، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة ، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع ، والذي كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأُولُ كانوا يصلون في غير مسجده ، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا ، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده ، وما علمت له في ذلك سلفاً من العلماء . انتهى كلام شيخ الإسلام . نقلته من سلسلة الضعيفة للشيخ الألباني جزاه الله تعالى خيراً. جـ٢ ص٤٠٣. قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله شيخ الإسلام حسن جداً، ولعله أشار بما ذكره عن بعض المتأخرين ما تقدم عن النووي ٤٨٣ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ رحمه الله . والله أعلم . المسألة الثانية عشرة : قال النووي رحمه الله : قال العلماء ما حاصله: أن المضاعفة المذكورة في هذا الحديث إنما هو فيما يرجع إلى الثواب ، فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف صلاة في غيره ، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت ، حتى لو كان عليه صلاتان ، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزه عنهما ، وهذا لا خلاف فيه . والله أعلم . ذكره في ((طرح التثريب)) ج٦ ص٥٣ . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . - ٤٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ٥ - الصلاةُ في الكَعْبَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الصلاة في داخل الكعبة . ٦٩٢ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: ((دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ الْبَيْتَ هُوَ وَأَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وبلالٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَهُ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بلالاً، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ؟ قَالَ : نَعَمْ، صَلَّى بَيْنَ العَمُودَيْنِ الْيَمَانِيْنِ)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد ، تقدم في السند السابق. ٢ - (الليث) بن سعد ، تقدم في السند السابق. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني ، ثقة حجة حافظ ، من [٤]، تقدم في ١/١. ٤ - (سالم) بن عبد الله بن عمر المدني ، ثقة فقيه عابد، من [٣]، تقدم في ٤٩٠ . ٤٨٥ _ ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ ٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي المشهور رضي الله عنهما ، تقدم في ١٢/ ١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف. ومنها : أن رجاله كلهم ثقات حفاظ ، من رجال الجماعة. ومنها : أنهم مدنیون ، إلا شيخه فبغلاني ، والليث فمصري. ومنها : أنه نقل عن الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه أن أصح الأسانيد: ابن شهاب، عن سالم ، عن أبيه ، ذكره في التقريب، مع شرحه التدریب ج١ ص٧٧ . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ ابن شهاب عن سالم. ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه ؛ سالم عن عبد الله . ومنها : أن سالماً هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال . ومنها : أن صحابيه ، هو أحد العبادلة الأربعة ، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة رضي الله عنهم، روى (٢٦٣٠) حديثاً . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن سالم ، عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أنه (قال: دخل رسول اللـه عَّه البيت) أي بيت الله الحرام، فإن البيت - ٤٨٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد علم له بالغلبة ، كما قال في الخلاصة : وَقَدْ يَكُونُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالْعَقَبَهْ قال الحافظ رحمه الله : وكان ذلك في عام الفتح ، كما وقع مبيناً من رواية يونس بن يزيد ، عن نافع ، عند البخاري في كتاب الجهاد بزيادة فوائد، ولفظه: (( أقبل النبي ◌َّ يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته))، وفي رواية فليح ، عن نافع ((وهو مردف أسامة - يعني ابن زيد - على القصواء))، ثم اتفقا، ((ومعه بلال ، وعثمان بن طلحة ، حتى أناخ في المسجد ، وفي رواية فليح (( عند البيت ، وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح ، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب ، فدخل)) ، ولمسلم ، وعبد الرزاق من رواية أيوب، عن نافع (( ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه - واسمها: سُلافَة ، بضم المهملة ، والتخفيف، والفاء - فأبت أن تعطيه ، فقال : والله لتعطينه ، أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله تَمَّهُ ، ففتح الباب )) . فظهر من روایة فلیح أن فاعل فتح ، هو عثمان المذکور ، لکن روی الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: (( كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم ، فأخذ رسول الله ﴾. المفتاح، ففتحها بيده)) . (هو، وأسامة بن زيد) بن حارثة، حبَّ رسول الله ◌َّ، وابن حبه، هو، وأبوه ، وجده صحابيون رضي الله عنهم ، مات بالمدينة ٤٨٧ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ سنة ٥٤ - وهو ابن ٥٧ سنة ، وتقدمت ترجمته ٩٦/ ١٢٠. (وبلال) بن رباح، أبو عبد الله المؤذن، وأمه حَمَامة، مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أحد السابقين إلى الإسلام ، شهد بدراً ، ومابعدها ، ومات بالشام سنة ١٧ ، وقيل غير ذلك . تقدمت ترجمته ١٠٤/٨٦. (وعثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عثمان بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري ، ويقال له : الحَجَبي - بفتح المهملة ، والجيم - ولآل بيته الحَجَبَة، لحجبهم الكعبة ، يعرفون الآن بالشيبيين ، نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، وهو ابن عم عثمان هذا ، لا ولده ، وله أيضاً صحبة ورواية. مات عثمان بن طلحة سنة ٤٢، وقيل : استشهد بأجنادين ، وأبطل ذلك العسكري . قاله في الفتح، وتقريب التهذيب. قال المهلب شارح البخاري: إدخال النبي تَمّى معه هؤلاء الثلاثة لمعان تخص كل واحد منهم ، فأما دخول عثمان ، فلخدمته البيت في الغلق ، والفتح ، والكنس ، ولو لم يدخله لغلق بابها ، لتوهم الناس أنه عزله . وأما بلال ، فمؤذنه ، وخادم أمر صلاته . وأما أسامة ، فمتولي خدمة ما يحتاج إليه ، وهم خاصته ، فللإمام أن يخص خاصته ببعض ما يستتر به عن الناس . انتهى. وزاد في رواية مسلم من طريق أخرى ((ولم يدخلها معهم أحد))، ووقع عند المصنف في المناسك (٢٩٠٦/٢١٦) من طريق ابن عون ، - ٤٨٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد عن نافع (( ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال)) فزاد الفضل . ولأحمد من رواية مجاهد ، عن ابن عباس ، قال: حدثني أخي الفضل - وكان معه حين دخلها - أن النبي ◌ُّه لم يصل في الكعبة، ولكنه لما دخلها وقع ساجداً بين العمودين ، ثم جلس يدعو . قال ولي الدين العراقي رحمه الله : وهذه الرواية شاذة من وجهين : دخول الفضل معهم ، والاقتصار على السجود . انتهى. طرح جـ ٥ ص ١٣٢ . (فأغلقوا عليهم) مفعوله محذوف للعلم ، أي باب البيت ، زاد في رواية حسان بن عطية ، عن نافع ، عند أبي عوانة ((من داخل)) وزاد يونس ((فمكث نهاراً طويلاً))، وفي رواية فليح ((زماناً)) بدل نهاراً ، وفي رواية جويرية، عن نافع ((فأطال)) ، ولمسلم من رواية ابن عون ، عن نافع ((فمكث فيها مَليّاً))، وله من رواية عبيد الله ، عن نافع ((فأجافوا عليهم الباب طويلاً))، ومن رواية أيوب، عن نافع ((فمكث فيها ساعة))، وللمصنف من طريق ابن عون، عن نافع (١٢٦/ ٢٩٠٦)، ((فمكث فيه ما شاء الله))، ومن رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر (٢٩٠٧/١٢٧) دخل رسول الله ◌َيّ الكعبة، ودنا خروجه ، ووجدت شيئاً ، فذهبت ، وجئت سريعاً، فوجدت رسول الله عَ ه خارجاً)). ووقع في الموطأ بلفظ: ((فأغلقاها))، والضمير لعثمان ، وبلال ، ولمسلم من طريق ابن عون ، عن نافع ((فأجاف عليهم عثمان الباب)) ، ٤٨٩ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ والجميع بينهما أن عثمان هو المباشر لذلك ، لأنه من وظيفته ، ولعل بلالاً ساعده في ذلك ، ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك ، والراضي به . قاله في الفتح جـ ٣ص٥٤٢ -٥٤٣ . قال ابن بطال: وأما غلق الباب - والله أعلم - حين صلى في البيت لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة ، فيلزمون ذلك . وقال النووي في شرح مسلم : إنما أغلقها عليه السلام ، ليكون أسكن لقلبه ، وأجمع خشوعه ، ولئلا يجتمع الناس ، ويدخلوه ، أو يزدحموا، فينالهم ضرر ، ويتهوش عليه الحال بسبب لغطهم . انتهى. قال ولي الدين : وما ذكره النووي أظهر ، وأما ما ذكره ابن بطال، فضعيف ، فإنه عليه الصلاة لا يخفي صلاته في البيت ، وقد شاهدها جماعة ، ونقلوها . وقيل : إنما أغلقها ليصلي إلى جميع جهاتها، فإن الباب إذا كان مفتوحاً ، وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة . حكاه المحب الطبري . انتهى. طرح. قال الجامع : ما قاله النووي أوضح ، كما قال ولي الدين، والقولان الآخران ليسا بشيء. والله أعلم . (فلما فتحها رسول الله تَّ) أي أمر بفتحها ، وللبخاري « فلما فتحوا))، وفي رواية فليح (( ثم خرج ، فابتدر الناس الدخول ، فسبقتهم))، وفي رواية أيوب (( وكنت رجلاً شاباً قوياً ، فبادرت الناس، فبَدَرْتُهم))، وفي رواية جويرية (( كنت أول الناس، ولج على - ٤٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد أثره)) وفي رواية ابن عون ((فرقيت الدرجة ، فدخلت البيت))، وفي رواية مجاهد، عن ابن عمر (( وأجدُ بلالاً قائماً بين البابين )) ، وأفاد الأزرقي في كتاب مكة : أن خالد بن الوليد كان على الباب ، يذب عنه الناس، وكأنه جاء بعدما دخل النبي ◌َّي، وأُغْلقَ . قاله الحافظ. (كنت أول من ولج) أي دخل ، يقال: وَلَجَ الشيء في غيره ، يَلِجُ، من باب وَعَدَ ، وُلُوجاً : دخل، وأولجته ، إيلاجاً: أدخلته . أفاده في المصباح . (فَلَقيت بلالاً ، فسألته هل صلى فيه) أي داخل البيت (رسول الله ◌َّ ) هكذا رواية سالم بإثبات أول السؤال، ومثلها رواية مجاهد، وابن أبي مليكة، عن ابن عمر عند البخاري ((فقلت: أصلى النبي تَّهُ في الكعبة؟ قال: نعم))، وفي رواية مالك عن نافع ((ماصنع؟))، وفي رواية جویریة ، ویونس ، وجمهور أصحاب نافع «فسألت بلالاً ، أین صلى ؟ اختصروا أول السؤال ، فظهر بهذا أنه استثبت أولاً ، هل صلى، أم لا ؟ ثم سأل عن موضع صلاته من البيت؟ ووقع في رواية يونس ، عن ابن شهاب ، عند مسلم (( فأخبرني بلال ، أو عثمان بن طلحة)) ، والمحفوظ أنه سأل بلالاً ، كما في رواية الجمهور . ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن ، عن ابن عمر ، أنه سأل بلالاً ، وأسامة بن زيد، حين خرجا)) أين صلى النبي ◌َ﴾. ٤٩١ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ فيه؟ فقالا : على جهته))، وكذا أخرجه البزار نحوه . ولأحمد، والطبراني من طريق أبي الشعثاء، عن ابن عمر ، قال: ((أخبرني أسامة أنه صلی فیه ههنا » . ولمسلم، والطبراني من وجه آخر: ((فقلت: أين صلى النبي ◌َّه؟ فقالوا)) ، فإن كان محفوظاً حمل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال ، كما تقدم تفصيله ، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة ، فسأل عثمان أيضاً ، وأسامة ، ويؤيد ذلك قوله - في رواية ابن عون عند مسلم - : ((ونسيت أن أسألهم، كم صلى)) ، بصيغة الجمع ، وهذا أولى من جزم عياض بوهم الرواية التي أشرنا إليها من عند مسلم ، وكأنه لم يقف على بقية الروايات. ولا يعارض قصته ، مع قصة أسامة ما أخرجه مسلم أيضاً ، وهو الآتي للمصنف برقم (١٣٣ /٢٩١٧) من حديث ابن عباس : أن أسامة ابن زيد أخبره أن النبي ◌َّ لم يصل فيه ، ولكنه كبر في نواحيه ؛ فإنه يمكن الجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره ، وحيث نفاها أراد ما في علمه ، لكونه لم يره ◌ُ﴾ حين صلى ، وسيأتي تحقيق القول في إثبات بلال لصلاته مي ، ونفي أسامة لها ، في المسائل، إن شاء الله تعالى. (قال : نعم، صلى بين العمودين) - بفتح ، فضم .: الخشبة التي يقوم عليها البيت، جمعه : أعْمدَة، وعُمُدٌ - بضمتين ، وعَمَدُ. - ٤٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد بفتحتين-، يقال: له العماد أيضاً . قاله في اللسان ، والمصباح . (اليمانيين) تثنية يمان ، نسبة إلى اليمن البلد المعروف ، على غير قياس ؛ إذ القياس : يمني ، وفي ياء يمان مذهبان : أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها ، واقتصر عليه كثيرون ، وبعضهم ينكر التثقيل ، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء ، لتكون عوضاً عن التثقيل ، فلا يثقل ، لئلا يجمع بين العوض ، والمعوض عنه . والثاني: التثقيل ؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة ، فيبقى التثقيل الدال على النسبة تنبيهاً على جواز حذفها . وسمي اليمن به ، لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها ، وقيل : لأنه عن يمين الكعبة . أفاده في المصباح . ثم إن هذه الرواية فيها اختصار سؤال مكان الصلاة ، وفي الرواية الآتية رقم (٢٩٠٨/١٢٧) ((فقلت: يا بلال، أصلى رسول الله عَل﴾. في الكعبة؟ قال : نعم ، قلت: أين؟ قال: ما بين هاتين الأسطوانتين)). وسيأتي بيان اختلاف الرواية في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث ابن عمر رضي الله عنهما متفق عليه . ٤٩٣ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٦٩٢/٥)، و((الكبرى)) (٧٧١/٥) عن قتيبة ، عن الليث ابن سعد ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عنه، و(٧٤٩/٦) ، و(«الكبرى» (٨٢٥/٥)، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن مالك ، عن نافع ، عنه . وفي ((المناسك)) (٢٩٠٥/١٢٦)، والكبرى (٣٨٨٨/١٢٦) عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن ابن عون ، عن نافع به . و(٢٩٠٦)، و((الكبرى)) (٣٨٨٩/١٢٧)، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن هشيم، عن ابن عون به. و(٢٩٠٧/١٢٧)، و((الكبرى)) (١٢٨/ ٣٨٩٠)، عن عمرو بن علي، عن يحيى ، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عنه. و(٢٩٠٨)، و((الكبرى)) (٣٨٩١)، عن أحمد ابن سليمان، عن أبي نعيم ، عن سيف بن سليمان ، عن مجاهد، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، من طريق مالك ، وأخرجه البخاري ، ومسلم أيضاً من طريق أيوب السختياني، والبخاري من طريق موسى بن عقبة ، وجويرية بن أسماء ، وفليح بن سليمان ، ويونس بن يزيد ، ومسلم ، وأبو داود من طريق عبيد الله بن عمر ، ومسلم ، من طريق عبد الله بن عون ، وابن ماجه من طريق حسان بن عطية ، كلهم عن نافع. - ٤٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وأخرجه الشيخان من طريق سالم ابن عبد الله، والبخاري ، من طريق مجاهد، كلهم عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وروى الترمذي من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال ((أن النبي ◌َّ﴾ صلى في جوف الكعبة )) . وقال : حديث بلال حديث حسن صحيح . انظر ((طرح التثريب)) جـ ٦ص ١٢٩ -١٣٠ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده: منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله ، وهو جواز الصلاة في الكعبة ، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك في المسألة السادسة ، إن شاء الله تعالى . ومنها : رواية الصحابي ، عن الصحابي ، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل ، والاكتفاء به . ومنها : الاحتجاج بخبر الواحد . ومنها : اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة . ومنها : السؤال عن العلم ، والحرص فيه. ومنها : فضيلة ابن عمر رضي الله عنه حیث کان شديد الحرص على تتبع آثار النبي ◌َّ ، ليعمل بها . ومنها : أن الفاضل من الصحابة قد يغيب عن النبي ◌َّ في بعض المشاهد الفاضلة ، ويحضره من هو دونه ، فيطلع على ما لم يطلع ٤٩٥ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ عليه، لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممَّنْ هو أفضل من بلال ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك . ومنها : أن البخاري رحمه الله استدل بهذا الحديث على أن الصلاة إلى مقام إبراهيم غير واجبة ، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير جماعة . ومنها : ما قيل : إن السترة إنما یشرع اتخاذها حیث یخشی المرور، فإنه ◌َّ صلى بين العمودين ، ولم يصل إلى أحدهما ، لكن هذا- كما قال الحافظ - فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار ، إذ كان بین مصلاة وبین الجدار نحو ثلاثة أذرع ، ولذلك استدل المصنف به على مقدار الدنو من السترة ، كما يأتي برقم (٧٤٩). ومنها : أن قول العلماء : تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة ، لكونه مي جاء فأناخ عند البيت ، فدخله ، فصلى فيه ركعتين ، فكانت تلك الصلاة ، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل ، أو هو تحية المسجد العام . قال الجامع عفا الله عنه : هكذا ذكر الحافظ رحمه الله ، ولي فيه نظر ؛ إذ تحية المسجد الحرام ركعتان ، كسائر المساجد ؛ لأنه داخل في عمومها ، وأما ما ثبت من أنه تَّ أول ما بدأ به في حجه الطوافُ ، فلا يتنافى معه ، لأنه طاف ، ثم صلى ركعتين ، والنهي إنما جاء عن الجلوس قبل الركعتين. - ٤٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف ، ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف ، وصلى ركعتين ، وإلا صلى ركعتين ، بدليل حديث الباب، والله أعلم. ومنها : مشروعية الإغلاق للكعبة ، ويقاس عليها غيرها من المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ. [النور: ٣٦] إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة. وبوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث (( باب الأبواب، والغلق للكعبة والمساجد)). وقال ابن بطال: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب لتصان عن مكان الريب ، وتنزه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات . قاله في الطرح . قال الجامع : ويدل له حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت: ((أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف ، وتطيب )) رواه أصحاب السنن إلا المصنف . وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه ، قال: ((أمرنا رسول الله تعمي أن نتخد المساجد في ديارنا ، وأمرنا أن ننظفها)). رواه أحمد بإسناد صحيح ، والترمذي ، وصححه . والمراد بالدار : المحلة. ومنها: استحباب دخول الكعبة ، لكنه مشروط بأن لا يؤذي أحداً. وسيأتي تمام البحث فيه قريباً ، إن شاء الله تعالى . ٤٩٧ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ المسألة الخامسة : في بيان اختلاف ألفاظه : رواية المصنف هنا (٦٩٢) (( بين العمودين اليمانيين))، وفي (٧٤٩) جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه)) ، وفي (٢٩٠٦) ((ما بين الأسطوانتين))، وفي (٢٩٠٨) ((بين الساريتين)). قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: قوله: (( جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه)) ، كذا في رواية البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس ، وكذا في رواية أبي داود عن القعنبي ، كلاهما عن مالك ، وفي رواية البخاري ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك (( جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه)). ونقل ابن عبد البر في التمهيد اللفظ الأول عن الأكثر من رواة الموطأ: منهم يحيى بن يحيى الأندلسي ، والقعنبي ، وابن القاسم ، وأبو مصعب ، وابن بكير ، ومحمد بن الحسن ، وإسحاق بن سليمان، وأحمد بن إسماعيل ، وابن مهدي ، من رواية أحمد بن سنان القطان عنه، والشافعي ، من رواية أبي يحيى ، محمد بن سعيد العطار ، عنه . ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطباع ، ومكي بن إبراهيم ، وأبي قلابة ، عن بشر بن عمر ، وبندار ، عن ابن مهدي ، كلهم عن مالك . - ٤٩٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوري ، وبندار ، عن بشر بن عمر ، والربيع ، عن الشافعي ، كلهم عن مالك . قال : ورواه عثمان بن عمر، عن مالك ، فقال فيه: (( جعل عمودين عن يمينه ، وعمودين عن يساره))، وقال : ولم يتابع على هذه الرواية ، قال : والرواية الأولى أولى بالصواب ، إن شاء الله . وصحح البيهقي أيضاً هذه الرواية . وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي : وهي موافقة لكونه مقابل الباب ، وفي رواية في الصحيح أيضاً ((صلى بين العمودين اليمانيين))، وإذا تقرر ترجيح الرواية الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية (( عموداً عن يمينه ، وعموداً عن يساره)) لأن معناها : صلى بين عمودين ، وإن كان بجانب أحد العمودين عمود آخر ، ولا قوله في الرواية الأخيرة (( بين العمودين اليمانيين))، فإن العمد الثلاثة ، أحدها يماني ، وهو الأقرب إلى الركن اليماني ، والآخر ، وهو الأقرب إلى الحجر شامي ، والأوسط بينهما ، إن قرن بالأول ، قيل : اليمانيان ، وإن قرن بالثاني ، قيل : الشاميان، ذكره المحب الطبري ، وهو واضح . وأما الرواية الثالثة ، فإنه يتعذر الجمع بينها ، وبين الأولى ، فهي ضعيفة ، الشذوذها ، ومخالفتها رواية الأكثرين ، كما تقدم . وأما الرواية الرابعة ، فهي مقطوع بوهمها ؛ إذ ليس هناك أربعة أعمدة ، حتى يكون عن يمينه اثنان ، وعن يساره اثنان. انتهى. ((طرح ٤٩٩ - ٥ - باب الصلاة في الكعبة - حديث رقم ٦٩٢ التثريب)). جـ٥ ص١٣٦ - ١٣٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة) في مذاهب العلماء في حكم الصلاة في الكعبة : قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى ما حاصله : في هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة ، وهذه الصلاة ، وإن كانت نافلة، فالفريضة في معناها ، لأن الأصل استواء الفرض والنفل في الأركان والشرائط ، إلا ما استثني بدليل . وبهذا قال الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، والجمهور، كما حكاه النووي . وقال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأساً . وقال مالك بن أنس : لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة ، وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة ، وقال الشافعي : لا بأس أن تصلى المكتوبة ، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في الطهارة والقبلة سواء. انتهى . وقال بجواز الصلاة مطلقاً في الكعبة من المالكية أشهب ، وصححه منهم ابن العربي ، وابن عبد البر ، والمشهور من مذهب مالك جواز صلاة النافلة فيها ، والمنع من الفرض ، والسنن؛ كالوتر ، وركعتي الفجر ، وركعتي الطواف . - ٥٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وقيد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب. وإطلاق الترمذي عن مالك تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربي ، فيحتمل أنه مقيد بما حکیته، ويحتمل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة. وقد حكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها ، دون الفرض ، فإن كان يقول به على إطلاقه ، فهو مذهب ثالث في المسألة . وفيها مذهب رابع ، وهو منع الصلاة فيها مطلقاً . حكاه القاضي عیاض ، عن ابن عباس ، وهو أحد القولين عن مالك ، كما حكاه ابن العربي ، وقال به من أصحابه أصبغ ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبري ، وبه قال بعض الظاهرية . وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله ، والمصلي فيه مستدبر لبعضه. وروى الأزرقي أن ابن عباس قال لسماك الحنفي : ائتم به كله، ولا تجعلن شيئاً منه خلفك . قال ابن عبد البر : لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين ، إما الصحة مطلقاً ، أو الفساد مطلقاً ، والصواب عندي قول الصحة مطلقاً ، ثم بسط ذلك . وفيه مذهب خامس : وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما في الاستحباب ، فلو صلى الفرض فيها صح ، وارتكب خلاف الأولى . ومذهب سادس : وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان ، فيصح مع النسيان دون التعمد . وتردد الشيخ تقي الدين في شرح العمدة عن مالك ، فقال : كره الفرض ، أو منعه ، وعلل تجويز النفل