النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ فإن الهدي لا يبلغها ، إذ هي في المسجد ، وإنما أراد الحرم ، ولا خلاف في هذا . انتهى . فظهر بهذا أنه لا اختلاف بین الروایتین، إذ معناهما واحد ، وهو الحرم كله ، كما يأتي تحقيقه في المسائل ، إن شاء الله تعالى. فائدة : قال ولي الدين العراقي رحمه الله : واعلم أن للمسجد الحرام أربع استعمالات : أحدها : نفس الكعبة ، كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِد الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. الثاني : الكعبة ، وما حولها من المسجد ، كقوله تعالى: ﴿ سَبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، فالمراد نفس المسجد في قول أنس بن مالك ، ورجحه الطبري، وفي الصحيح ما يدل له ، وقيل : أسري به من بيت أم هانئ ، وقيل من شعب أبي طالب، فيكون المراد على هذا في هذه الآية مكة . الثالث: جميع مكة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، قال ابن عطية: وعظم القصد هنا إنما هو مكة. الرابع: جميع الحرم الذي يحرم صيده ، ومنه قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]، وإنما كان عهدهم - ٤٦٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد بالحديبية ، وهي من الحرم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه الحرم جميعه. انتهى. طرح ج٦ ص٥٣ . قال الجامع : الحاصل أن استعمال المسجد الحرام للحرم كله أكثر ، فتفطن . ثم إنه قد اختلف العلماء في هذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة ، أيهما أفضل ؟ فعند الشافعي رحمه الله : معناه إلا مسجد الكعبة، فإن الصلاة فيه ، أفضل من الصلاة في مسجده عَليه ، وعند مالك رحمه الله: إلا مسجد الكعبة ، فإن الصلاة في مسجده ما تفضله بدون الألف ، والقول الأول أرجح ، وسيأتي تمام تحقيق القول في هذا الموضوع ، في المسائل ، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته: حديث ميمونة رضي الله عنها هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٦٩١/٤)، و((الكبرى)) (٧٧٠/٥) عن قتيبة، عن الليث، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس ، عنها . وفي ((المناسك)) (٢٨٩٨/١٢٤)، و((الكبرى)) (٣٨٨١/١٢٤) عن ٤٦٣ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ إسحاق ابن إبراهیم ، ومحمد بن رافع ، كلاهما عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن إبراهيم عنها . لكن في ((الكبرى)) في ((المناسك)): عن ابن عباس ، كما تقدم التنبيه عليه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في ((الحج)) (٩/٩٤) عن قتيبة ، ومحمد بن رمح ، کلاهما عن لیث ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله ، عن ابن عباس ، وفيه قصة : إن امرأة اشتكت ، فقالت : إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها: ما بوب عليه المصنف ، وهو فضل الصلاة في المسجد الحرام ، وهل هو خاص بالمسجد أم يعم الحرم كله ، فيه خلاف ، يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى . ومنها: فضل الصلاة في مسجد رسول الله ◌َّ ، حيث إنه يضاعف على غيره بأكثر من ألف صلاة ، إلا المسجد الحرام ، وهل هو خاص بما كان مسجداً في عهده ، أم يعم الزائد بعده ، فيه خلاف سيأتي تحقيقه أيضاً إن شاء الله تعالى . ومنها : كون مكة أفضل من المدينة ؛ حيث إن الصلاة فيها أفضل من الصلاة فيها، وهو رأي الجمهور ، وخالف في ذلك مالك ، - ٤٦٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وسيأتي تحقيق القول في ذلك أيضًا، إن شاء الله تعالى . ومنها : أن أصل الحديث فيه قصة ، كما تقدم ، وهي أن امرأة اشتكت شكوى ، فنذرت إن شفاها الله أن تأتي المسجد الأقصى إلخ، فيؤخذ منه أن من نذر أن يصلي في أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به ، إلا إذا كان مكانه أفضل من مكان النذر ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا يلزمه ، وله أن يصلي في أي محل شاء، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا نذر حجاً أو عمرة. والقول الأول هو الأرجح لهذا الحديث ، ولما رواه أحمد ، وأبوداود من حديث جابر رضي الله عنه ، أن رجلاً قال يوم الفتح : یا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: ((صل ههنا))، فسأله؟ فقال: ((صل ههنا))، فسأله؟ فقال : ((شأنك إذن)) ، ورواه أيضاً البيهقي ، والحاكم ، وصححه، وصححه أيضًا ابن دقيق العيد في الاقتراح. ولأحمد، وأبي داود أيضًا: عن بعض أصحاب النبي ◌َّه بهذا الخبر، وزاد: ((فقال النبي ◌َّ: ((والذي بعث محمداً تمّ بالحق لو صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس)) . قال الشوكاني رحمه الله : سكت عنه أبو داود ، والمنذري ، وله طرق ، رجال بعضها ثقات . قال الجامع عفا الله عنه : فيؤخذ منه أنه لو كان غير مكة ، ومثله ٤٦٥ _ ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ المدينة لم يقض عنه نذره ، بل يجب الوفاء به . وأما ما عدا المساجد الثلاثة فلا يتعين مكاناً للنذر ، ولا يجب الوفاء به عند الجمهور. أفاده في ((النيل)) جـ١ ص٢٣٨ -٢٤٠. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة : في بيان الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث: قال الحافظ المزي رحمه الله بعد ذكر ما تقدم : وهكذا ذكر أبوالقاسم هذا الحديث في هذه الترجمة - يعني ترجمة إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة - وهكذا وقع في بعض النسخ من كتاب أبي مسعود . وهكذا ذكر أبو بكر بن منجويه في ترجمة إبراهيم بن عبد الله ابن معبد من رجال مسلم : أنه يروي عن ميمونة في الحج . وكذلك رواه النسائي عن قتيبة - لم يذكر فيه: (( عن ابن عباس)) وهو في أول كتاب المساجد من السنن ، وكل ذلك وَهَمٌ ممن قاله - والله يغفر لنا ولهم - وهو في عامة النسخ من صحيح مسلم: ((عن ابن عباس عن ميمونة )) . وكذلك ذكره خلف في ترجمة ابن عباس عن ميمونة ، وكذلك وقع في بعض النسخ من كتاب أبي مسعود في ترجمة ابن عباس ، عن ميمونة . وكذلك حديث ابن جريج عند النسائي ، هو في جميع النسخ (( عن ابن عباس ، عن ميمونة)) ، ولفظه عن ابن جريج ، سمعت نافعاً - ٤٦٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد یقول: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن معبد ، أن ابن عباس ، حدثه أن ميمونة زوج النبي ◌ّ﴾ قالت))، وهذا لفظ صريح في أن الحديث ((عن إبراهيم ، عن ابن عباس ، عن ميمونة)) ، لاعن إبراهيم عن ميمونة، والله أعلم . انتهى. تحفة الأشراف جـ ١٢ ص٤٨٥ -٤٨٦. قال الجامع عفا الله عنه: قوله : وهَم ممن قاله ... إلخ، سيأتي توهيم ما صوبه المزي في كلام الدار قطني ، وغيره قريباً . وقوله : وكذا حديث ابن جريج عند النسائي إلخ ، فيه نظر ، فإن هذا ليس في جميع نسخ النسائي ((الصغرى)) و((الكبرى)) ، بل هذا في المناسك، من ((الكبرى)) (١٢٤ / ٣٨٨١) فقط، وأما في ((المجتبى)) فهو عن إبراهيم ، عن ميمونة، في ((المساجد)) (٦٩١/٤)، و((المناسك)) (٢٨٩٨/١٢٤) ومثله في ((المساجد)) من ((الكبرى)) (٤/ ٧٧٠) فتنبه. والله أعلم. وكتب الحافظ رحمه الله في النكت الظراف، على كلام الحافظ المزي المذكور: ما نصه: قلت: رويناه في جزء أبي الجهم ، عن الليث ليس فيه (( ابن عباس)). وكذا أخرجه أحمد (في مسنده ج٦ ص٣٣٤) عن علي بن إسحاق ، عن ابن المبارك ، عن ابن جريج . وكذا أخرجه الطحاوي من رواية أبي عاصم ، عن ابن جريج ؛ ومن رواية ابن وهب، عن الليث -ليس في شيء منهما (( ابن عباس)) . انتهى. جـ ١٢ ص٤٨٥ . قال الجامع : والحديث في صحيح مسلم بنسخة شرح النووي ٤٦٧ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ هکذا : حدثنا قتيبة بن سعيد ، ومحمد بن رمح ، جمیعاً عن اللیث بن سعد ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد ، عن ابن عباس ، أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى ... الحديث. قال النووي رحمه الله : هذا الحديث مما أنكر على مسلم بسبب إسناده ، قال الحفاظ : ذکْرُ ابن عباس فیه وهم ، وصوابه (( عن إبراهيم ابن عبد الله ، عن ميمونة )) هكذا هو المحفوظ ، من رواية الليث ، وابن جريج ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة )) من غير ذكر ابن عباس ، وكذلك رواه البخاري في صحيحه ، عن الليث ، عن نافع ، عن إبراهيم ، عن ميمونة ، ولم يذكر ابن عباس . قال الجامع عفا الله عنه : قوله : وكذلك رواه البخاري في صحيحه ... إلخ، لم أر أحداً نص على أن البخاري أخرج حديث ميمونة هذا في صحيحه، غير كلام النووي هذا ، فليحرر. والله أعلم. قال الدارقطني في كتاب العلل: وقد رواه بعضهم، عن ابن عباس ، عن ميمونة ، وليس يثبت . وقال البخاري في تاريخه الكبير ج١ ص٣٠٢ - ٣٠٣: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب، عن أبيه ، وميمونة، وذكر حديثه هذا من طريق الليث، وابن جريج ، ولم يذكر فيه ابن عباس. ثم قال : وقال لنا المكي ، عن ابن جريج : أنه سمع نافعاً ، قال: إن إبراهيم بن عبد الله بن معبد حدثه أن ابن عباس حدثه ، عن ميمونة . قال البخاري: ولا يصح فيه (( ابن عباس)). ٤٦٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد قال القاضي عياض رحمه الله: قال بعضهم : صوابه (( إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، أنه قال: إن امرأة اشتكت)) ... قال القاضي: وقد ذکر مسلم قبل هذا في هذا الباب حدیث عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر. وهذا مما استدركه الدار قطني على مسلم ، وقال: لیس بمحفوظ عن أیوب وعلل الحديث عن نافع بذلك، وقال: قد خالفهم اللیث، وابن جريج، فرویاه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ميمونة. وقد ذكر مسلم الروايتين ، ولم يذكر البخاري في صحيحه رواية نافع بوجه . وقد ذكر البخاري في تاريخه رواية عبيد الله ، وموسى ، عن نافع ، قال : والأول أصح . يعني رواية إبراهيم بن عبد الله ، عن ميمونة ، كما قال الدار قطني . والله أعلم. قال النووي : ويحتمل صحة الروايتين جميعاً ، كما فعله مسلم ، وليس هذا الاختلاف المذكور مانعاً من ذلك ، ومع هذا فالمتن صحيح بلا خلاف . والله أعلم . انتهى. شرح مسلم ج٩ ص١٦٦-١٦٧ . قال الجامع عفا الله عنه : قد تلخص مما ذكر أن الحفاظ اختلفوا في سند حديث ميمونة هذا ، فمنهم من رجح أن الصواب ذكر ابن عباس بين إبراهيم بن عبد الله ، وميمونة رضي الله عنهم ، وهو رأي الإمام مسلم ، حيث أخرجه في صحيحه ، والحافظ المزي ، كما تقدم. ومنهم من رجح إسقاطه، وقال: الصواب ((عن إبراهيم، عن ميمونة))، وهو رأي البخاري في تاريخه الكبير جـ١ ص٣٠٢ - ٣٠٣، والدارقطني كما مر قريباً ، وهو ظاهر كما تقدم عن الحافظ في نكته ، ٤٦٩ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ حيث ذكر الروايات التي فيها الإسقاط ، وسكت عليها . ومنهم من رأى صحة الطريقين ، وهو الذي مال إليه النووي ، كما مر قريباً . قال الجامع : عندي الأولى تصحيح الطريقين ، إذ لا مانع من أن يسمع إبراهيم عن ابن عباس عن ميمونة ، ثم يسمع عنها، فيحدث عنها تارة بواسطة ، وتارة بغير واسطة ، وهذا النوع في روايات الثقات كثير ، ولاسيما وقد أخرجه مسلم بذكر ابن عباس ، وإن كان الأكثرون على إسقاطه ، فلا داعي لتوهيم الأكثرين بإسقاط ابن عباس ، كما ادعاه المزي ، ولا لتوهيم مسلم بزيادته ، كما ادعاه الدار قطني . فتبصر. وبالله التوفيق. المسألة السادسة : اختلف العلماء في معنى الاستثناء في قوله : ((إلا مسجد الكعبة)): فقال الجمهور : معناه إلا مسجد الكعبة ، فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجد المدينة ، حكاه ابن عبد البر عن ابن الزبير ، وعطاء ابن أبي رباح ، وقتادة ، وسفيان بن عيينة . ومن المالكية : مطرف ، وابن وهب ، وجماعة أهل الأثر، وقال به الشافعي ، وأحمد . ويدل له ما رواه الإمام أحمد ، والبزار في مسنديهما ، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي في سننه ، وغيرهم ، عن عبد الله بن الزبير ، قال: قال رسول الله ◌َ﴾: (( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد - ٤٧٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا)). قال ابن عبد البر رحمه الله : اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت من جهة النقل ، وهو أيضاً صحيح في النظر ؛ لأن مثله لا يدرك بالرأي ، مع شهادة أئمة الحديث للذي رفعه بالحفظ والثقة . وقال النووي : حديث حسن . وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي : رجاله رجال الصحيح . وفي ابن ماجه من حديث جابر مرفوعاً : ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه ، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)). وفي بعض النسخ ((من مائة صلاة فيما سواه )) . فعلى الأول معناه فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة ، ورجال إسناده ثقات ، لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه . قال ابن عبد البر : جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما ، وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث ، ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية، معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير . وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: (( الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة)) . قال البزار : إسناده حسن . ٤٧١ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ وفي ((سنن ابن ماجه)) حديث آخر يقتضي تفضيل الصلاة في مسجد مكة ، إلا أنه مخالف لما تقدم في قدر الثواب ، رواه عن أنس مرفوعاً ، وفيه (( وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة )) . قال العراقي رحمه الله: فيه أبوالخطاب الدمشقي يحتاج إلى الكشف عنه . وذهب آخرون إلى أن معنى الاستثناء إلا المسجد الحرام ، فإن الصلاة في مسجدي أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة . ذكر ابن عبد البر أن يحيى بن يحيى سأل عبد الله بن نافع عن معنى هذا الحديث، فذكر هذا ، ثم قال ابن عبد البر : تأويل ابن نافع بعيد عند أهل المعرفة باللسان ، قال : ويلزمه أن يقول : إن الصلاة في مسجد رسول اللـه ◌َمّي أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف وتسعة وتسعين ضعفاً، وإذا كان هكذا لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع ، وحسبك ضعفاً بقول يؤول إلى هذا . وقال ابن بطال : مثَّلَ بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في هذا الحديث بمثال بين فيه معناه ، فإذا قلت : اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة ، إلا العراق جاز أن يكون العراق مساوياً لليمن ، وجاز أن يكون فاضلاً ، وأن يكون مفضولاً ، فإن كان مساوياً فقد علم - ٤٧٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد فضله ، وإن كان فاضلاً أو مفضولاً لم يعلم مقدار المفاضلة بينهما، إلا بدليل على عدة درجات ، إما زائدة على ذلك ، أو ناقصة عنه . قال ولي الدين العراقي رحمه الله : هذا كلام فيه إنصاف ، بخلاف كلام ابن نافع ، وقد قام الدليل على أن المسجد الحرام فاضل بمائة درجة، وقد سبق ذلك ، فوجب الرجوع إليه . ثم قال ابن عبد البر : وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا : أن الصلاة في مسجد النبي ◌َّ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة ، ومن غيره بألف صلاة ، قال : واحتج لذلك بما رواه سفيان ابن عيينة ، عن زياد بن سعد ، عن سليمان بن عتيق ، قال : سمعت ابن الزبير ، قال : سمعت عمر بن الخطاب ، يقول : صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه)). قال : وتأول بعضهم هذا الحديث أيضاً عن عمر على أن الصلاة في مسجد النبي ◌َُّ خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام ، قال : وهذا كله تأويل لا يعضده دليل ، وحديث سليمان بن عتيق هذا لا حجة فيه ؛ لأنه مختلف في إسناده ، وفي لفظه ، وقد خالف فيه من هو أثبت منه ، فمن الاختلاف أنه روي عنه ، عن ابن الزبير ، عن عمر بلفظ ((صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجد النبي تمٍّ))، وبلفظ (( صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد رسول الله عَ﴾، فإنما فضله عليه بمائة صلاة)). ٤٧٣ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ قال : فکیف یحتجون بحديث قد روي فيه ضد ما ذکروه نصاً من روايات الثقات إلى ما في إسناده من الاختلاف أيضاً . وقد ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني سليمان بن عتيق ، وعطاء ، عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول: (( صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه ، ويشير إلى مسجد المدينة)). ثم روى ابن عبد البر بإسناده عن سليمان بن عتيق ، عن ابن الزبير، عن عمر (( صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد رسول الله ◌َّة، فإنما فضله عليه بمائة صلاة)). ثم قال : على أنه لم يتابع سليمان بن عتيق على ذكره عمر ، وهو مما أخطأ فيه عندهم ، وانفرد به ، وما انفرد به فلا حجة فيه ، وإنما الحديث محفوظ عن ابن الزبير . انتهى. طرح التثريب في شرح التقريب ج٦ ص٤٦ - ٤٩ . قال الجامع عفا الله عنه : فظهر بهذا أن المراد بالاستثناء تفضيل المسجد الحرام على مسجد المدينة ، كما هو رأي الجمهور . والله أعلم. المسألة السابعة : استدل الجمهور بهذا الحديث بالتقرير الذي تقدم على تفضيل مكة على المدينة ، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها ، مما تكون العبادة فيه مرجوحة . وهو مذهب سفيان بن عيينة ، والشافعي ، وأحمد ، في أصح الروايتين عنه، وابن وهب، ومطرف، وابن حبيب؛ الثلاثة من أصحاب - ٤٧٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد مالك ، وحكاه الساجي ، عن عطاء بن أبي رباح ، والمكيين ، والكوفيين ، وبعض البصريين والبغداديين . وحكاه ابن عبد البر : عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وابن عمر ، وجابر ، وعبد الله بن الزبير ، وقتادة ، لكن حكى القاضي عياض ، والنووي عن عمر أن المدينة أفضل . وحكاه ابن بطال ، عن عمر بصيغة التمريض ، فقال : وروي عن عمر . قال ابن عبد البر: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها ، قال : لكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة . ومما يدل للجمهور ما رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه عن عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: رأيت رسول الله عَّه واقفاً على الحَزَوَّرة، فقال: (( والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) . قال الترمذي : حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة ، وابن حبان ، وقال ابن عبد البر : هذا من أصح الآثار عن النبي ◌َّ ، قال : وهذا قاطع في محل الخلاف . انتهى. وذهب آخرون إلى تفضيل المدينة على مكة ، وهو قول مالك ، وأهل المدينة ، وحكاه زكريا الساجي عن بعض البصريين والبغداديين ، وتقدم قول من حكاه عن عمر . قال ابن عبد البر رحمه الله: واستدل أصحابنا على ذلك بقوله عمله : ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)). قال: وركبوا عليه ٤٧٥ _ ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ قوله تعَّ: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)). قال: وهذا لادليل فيه على ما ذهبوا إليه ، لأنه إنما أراد به ذم الدنيا والزهد فيها ، والترغيب في الآخرة ، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها ، وأراد بذكر السوط - والله أعلم - التقليل، لا أنه أراد موضع السوط بعينه ، بل موضع نصف سوط ، وربع سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية ، ثم قال : ولا حجة لهم في شيء مما ذهبوا إليه ، ولا يجوز تفضيل شيء من البقاع على شيء إلا بخبر يجب التسليم له ، ثم ذكر حديث ابن حمراء المتقدم ، وقال : كيف يترك مثل هذا النص الثابت ، ويمال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه . انتهى. طرح جـ٦ ص٤٩ - ٥٠. وقد أشبع الكلام الإمام المجتهد البارع أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه المحلى ناصراً رأي الجمهور في تفضيل مكة على المدينة ، ومُفُنِّداً رأي القائلين بالعكس ، وناقضاً لما تمسكوا به ، بما لا تجده في كتاب غيره. انظر ((المحلى)) جـ٧ ص٢٧٩٢٩ . والله تعالى أعلم. المسألة الثامنة : استثنى القاضي عياض من القول بتفضيل مكة البقعة التي دفن فيها النبي عم ليه ، وضمت أعضاءه الشريفة ، وحكى اتفاق العلماء على أنها أفضل بقاع الأرض . وقال النووي في ((شرح المهذب)): ولم أر لأصحابنا تعرضاً لما نقله قال ابن عبد البر . وتعقب على القاضي بأن هذا لا يتعلق بالبحث - ٤٧٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد المذكور ، لأن محله ما يترتب عليه الفضل للعابد . وأجاب القرافي : بأن سبب التفضيل لا ينحصر في كثرة الثواب على العمل ، بل قد يكون لغيرها ، كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود . قال الجامع : جواب القرافي غير مفيد ، بل التعقب المذكور على وجهه . فافهم . قال ابن عبد البر : وكان مالك يقول : منْ فَضل المدينة على مكة أني لا أعلم بقعة فيها قبر نبي معروف غيرها . قال ابن عبد البر : يريد ما يشك فيه ، فإن كثيراً من الناس يزعم أن قبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام ببيت المقدس ، وأن قبر موسى عليه الصلاة والسلام هناك ، ثم ذكر حديث أبي هريرة المرفوع في سؤال موسى عليه السلام ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، ثم قال : إنما يحتج بقبر رسول الله ◌َي على من أنكر فضلها ، أما من أقر به ، وأنه ليس على وجه الأرض أفضل بعد مكة منها ، فقد أنزلها منزلتها ، واستعمل القول بما جاء عن النبي ◌َّه في مكة ، وفيها. ثم روى ابن عبد البر عن علي ابن أبي طالب أنه قال : إني لأعلم أي بقعة أحب إلى الله في الأرض ؟ هي البيت الحرام ، وما حوله . وقال بعضهم : سبب تفضيل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة أنه روي (( أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق)) رواه ابن عبد البر في أواخر تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفاً . وعلى ٤٧٧ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ هذا ، فقد روى الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي خلق منه النبي ◌َ﴾ من تراب الكعبة ، فعلى هذا ؛ فالبقعة التي ضمت أعضاءه من تراب الكعبة ، فيرجع الفضل المذكور إلى مكة ، إن صح ذلك . والله أعلم . انتهى . طرح ج ٦ ص ٥٠ -٥١ بزيادة من ((الفتح)) جـ٣ ص٨١ - ٨٢ . قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذه الأمور تحتاج إلى دليل صحيح ، فليحرر . والله أعلم . المسألة التاسعة : قال الحافظ ولي الدين العراقي نقلاً عن والده في شرح الترمذي ما نصه : في حديث عبد الله بن الزبير ، وجابر ، وابن عمر ، وأبي الدرداء ، وأنس رضي اللهم عنهم مرفوعاً ((إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)) ، وفي حديث عمر رضي الله عنه موقوفاً عليه (( أن الصلاة فيه خير من مائة صلاة))، وهكذا رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة مرفوعاً ، وفي بعض طرق أثر عمر: ((إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة بمسجد المدينة)). وفي حديث الأرقم: ((إن الصلاة بمكة أفضل من ألف صلاة ببيت المقدس )) رواه أحمد وغيره . قال : والجمع بين هذا وبين ما تقدم ؛ أن يحمل أثر عمر باللفظ الأول وحديث عائشة على تقدير صحتهما على أن المراد خير من مائة صلاة في مسجد المدينة ، فيكون موافقاً لحديث ابن الزبير ومن معه - ٤٧٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وحديث الأرقم ، وأثر عمر باللفظ الثاني يقتضي أن تكون الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف صلاة ، وإذا تعذر الجمع ، فيرجع إلى الترجیح ، وأصح هذه الأحادیث حدیث ابن الزبير ، وجابر، وابن عمر ، وأبي الدرداء ، فإن أسانيدها صحيحة . قال : وأما الاختلاف في مسجد المدينة ، فأكثر الأحاديث الصحيحة ((إن الصلاة فيه خير من ألف صلاة)»، وفي حديث أبي الدرداء ((إنها بألف صلاة )) من غير تفضيل على الألف ، وفي حديث أنس عند ابن ماجه ((إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة)) ، وفي حديث أبي ذر عند الطبراني في الأوسط (( إن الصلاة فيه أفضل من أربع صلوات ببيت المقدس)). قال : وقد اختلفت الأحاديث في المقدار الذي تضاعف به الصلاة في مسجد بيت المقدس، فعند ابن ماجه من حديث ميمونة مولاة النبي ◌َّهُ، عن النبي ◌َّ: ((أن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره))، وعند الطبراني في حديث أبي الدرداء ((أن الصلاة بخمسمائة صلاة))، وفي حديث أنس عند ابن ماجه (( أن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة)). فعلى هذا تكون الصلاة بمسجد المدينة إما بأربعة آلاف على مقتضى حديث ميمونة ، وإما بألفين على مقتضى حديث أبي الدرداء ، وإما بمائتي ألف صلاة على مقتضى حديث أنس ، لكنه في هذا الحديث سوى بين مسجد المدينة وبين مسجد بيت المقدس. ٤٧٩ - ٤ - باب فضل الصلاة في المسجد الحرام - حديث رقم ٦٩١ وأصح طرق أحاديث الصلاة ببيت المقدس ((إنها بألف صلاة))، فعلى هذا أيضاً يستوي المسجد الأقصى مع مسجد المدينة ، وعند أحمد من حديث أبي هريرة ، أو عائشة ، مرفوعاً ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الأقصى)) . وعلى هذا فتحمل هذه الرواية على تقدير ثبوتها: إلا المسجد الأقصى ، فإنهما مستويان في الفضل ، ولا مانع من المصير إلى هذا ، أي فإنه ليس بأفضل من ألف صلاة فيه ، بل هو مساو له . وأصح طرق أحاديث التضعيف في المدينة (( إنها أفضل من ألف))، والأصح في بيت المقدس ((إنها بألف))، فيمكن أيضاً أن يكون التفاوت بينهما بالزيادة على الألف . والله أعلم . انتهى كلام العراقي في شرح الترمذي. انتهى. طرح ج ٦ص ٥١ - ٥٢. المسألة العاشرة : ظاهر الحديث أنه لا فرق في تضعيف الصلاة بين الفرض والنفل ، وبه قال الشافعية ، ومطرف من المالكية، وذهب الطحاوي إلى اختصاص التضعيف بالفرض ، وهو مقتضى كلام ابن حزم الظاهري ؛ لأنه أوجب صلاة الفرض في أحد المساجد الثلاثة بنذره ذلك ، ولم يوجب التطوع فيها بالنذر . وقال النووي : وهو خلاف الأحاديث الصحيحة . قال ولي الدين العراقي : قد يقال : لا عموم في اللفظ ، لأنه نكرة في سياق الإثبات، وساعد ذلك أن النبي ◌َّة قال: (( أفضل صلاة - ٤٨٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد المرء في بيته إلا المكتوبة)). وقد يقال: هو عام ، لأنه وإن كان في الإثبات ، فهو في معرض الامتنان . قال الجامع : هذا الذي قاله أخيراً هو الأولى ، فالنص عام ، وإن کان في سياق الإثبات ، بدليل أن الكلام ذکر لبيان امتنان الله تعالی على نبيه ◌َ﴾ ، حيث فضل مسجده بهذا الفضل العظيم . والله أعلم . وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي : تكون النوافل في المسجد مضاعفة بما ذكر من ألف في المدينة ، ومائة ألف في مكة ، ويكون فعلها في البيت أفضل، لعموم قوله تعَّ في الحديث الصحيح: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) ، بل ورد في بعض طرقه أن النافلة في البيت أفضل من فعلها في مسجده ◌َّه. انتهى. طرح ج٦ ص ٥٢ . وقال في الفتح : ويمكن أن يقال : لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه ، فتكون صلاة النافلة في البيت بالمدينة ، أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما ، وكذا في المسجدين ، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقاً . انتهى. جـ٣ص ٨٢ . والله تعالى أعلم. المسألة الحادية عشرة : استدل بهذا الحديث على أن تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختص بمسجده تمّي الذي كان في زمنه ، دون ما أحدث بعده فيه من الزيادة في زمن الخلفاء الراشدين وغيرهم، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده ، وذاك هو مسجده ، وأيضاً أكد ذلك بقوله في رواية الصحيحين : ((مسجدي هذا)). وبذلك صرح