النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١ _
٣١ - باب الاستهام على التأذين - حديث رقم ٦٧١
الهاجرة ، وهي شدة الحر نصف النهار ، وهو أول وقت الظهر ، وإلى
ذلك مال البخاري رحمه الله ، إذ بوب على هذا الحديث في الصحيح،
فقال: ((باب فضل التهجير إلى الظهر)).
وقال الطيبي رحمه الله : لما فرغ من الترغيب في الصف الأول عقبه
بالترغيب في إدراك أول الوقت ، وبهذا وجب تفسير التهجير بالتبكير،
كما ذهب إليه الكثيرون ، وفي النهاية : التهجير : التبكير إلى كل
شيء، والمبادرة إليه ، وهي لغة حجازية ، أراد المبادرة إلى وقت
الصلاة . انتهى .
وقيل : التهجير : السير في الهاجرة ، وهي نصف النهار عند
اشتداد الحر إلى صلاة الظهر ، وإلى صلاة الجمعة ، وفسره الأكثرون
بالتبكير ، أي المضي إلى الصلاة في أول وقتها ، فمنهم من قال : إلى
الجمعة، ومنهم من قال: إلى كل صلاة، والمراد هو الأول، لقوله عَلَّه:
« مثل المهجر كالذي يهدي بدنة »
قال القاضي: لا يقال : الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير ،
والسعي إلى الجمعة بالظهيرة ، لأن هذا الأمر سنة ، والإبراد رخصة ،
كما ذهب إليه كثير من أصحابنا ، أو الإبراد تأخير قليل ، لا يخرج
بذلك عن التهجير ، فإن الهاجرة تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب
العصر . انتهى مرقاة.
وعبارة ((الفتح)): ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد ، لأنه أريد به
الرفق ، وأما من ترك قائلته ، وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة ، فلا

- ٢٦٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
يخفى ماله من الفضل . قاله في الفتح .
قال الجامع : عندي ماذكره القاضي من الاحتمال الثاني هو
الصواب ، فلا تنافي بين الأمر بالإبراد والترغيب في التهجير ، إذ
التهجير يفسر بما يناسب المشروع ، فيقال : هو المبادرة إلى الصلاة أولَ
الوقت المستحب ، فيخلتف باختلاف الأوقات ، ففي الصيف يكون
أولَ الإبراد ، وفي غيره يكون أولَ دخول الوقت ، وقد تقدم أن الأصح
كون الإبراد واجباً ، لا مستحباً . فتنبه . والله أعلم .
(لاستبقوا إِليه) أي إلى التهجير ، والمراد سبق بعضهم بعضاً في
الخروج ، والانتظار في المسجد ، لا المسابقة في المشي في الطريق ، فإنه
ممنوع . وقال ابن أبي جمرة : المراد بالاستباق معنىً، لاحساً، لأن
المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي السرعة في المشي ، وهو ممنوع .
انتهى. ذكره في الفتح .
والحديث يدل على فضل الأذان ، وعلى المسابقة إليه، وعلى
ملازمة الصف الأول .
(ولو علموا) هكذا النسخ هنا بصيغة الماضي ، وهو الأصل ،
كما تقدم ، بخلاف الأولين ، فهما بصيغة المضارع ، وعند غير المصنف
بصيغة المضارع في الثلاثة . أي لو علموا (ما في ) أداء صلاة
(العتمة) بفتحات ، أي العشاء الآخرة (و) أداء صلاة (الصبح) من
الثواب (لأتوهما ولو حبواً) ((حبوًا)) خَبَر لكان المحذوفة مع اسمها ،
كما قال في الخلاصة :

٢٦٣ -
٣١ - باب الاستهام على التأذين - حديث رقم ٦٧١
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرِ وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيراً ذَا اشْتَهَرْ
أي لو كان الإتيان حبواً ، أي زحفاً ، وهو مشي الصبي على أربع،
أو دبيبه على اسْته . انتهى مرقاة .
وفي عمدة القاري : أي ولو كانوا حابين ، من حَبَى الصبيّ : إذا
مشى على أربع . قاله صاحب المجمل ، ويقال : إذا مشى على يديه ،
أو ركبتيه ، أو استه . انتهى. عمدة القاري ج٥ ص١٢٥ .
والحديث يدل على استحباب المسارعة إلى صلاة العشاء والصبح
جماعة ، وعلى جواز تسمية العشاء عتمة ، وقد ورد النهي عن ذلك ،
فيحمل النهي على التنزيه ، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في
(٥٤٠/٢٢)، فراجعه تستفد . والله تعالى أعلم.
تنبيه :
هذا الحديث متفق عليه ، وقد تقدم مشروحاً ، وتقدمت المسائل
المتعلقة به في [باب الرخصة في أن يقال: للعشاء العتمة] (٥٤٠/٢٢)،
فراجعه تستفد . والله ولي التوفيق ، ومنه الهداية لأقوم طريق .
إن إريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ٢٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
٣٠ - اتِّفَاذُ المُؤَدِّن الَّذِى لا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية اتخاذ المؤذن الذي لا
يأخذ على أذانه أجراً .
٦٧٢ - أخْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ،
عَنْ أَبِي العَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبِي الْعَاصِ ،
قَالَ : قُلْتُ: يَارَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ:
(( أنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَد بَأَضْعَفِهِمْ، واتَّخذْ مُؤَذِّناً لا يَأخُذُ
عَلَى أَذَانه أجْراً».
رجال الإسناد : سبعة
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك ، أبو الحسين الرَّهَاوي ،
ثقة حافظ ، توفي سنة ٢٦١، من [١١]، أخرج له النسائي.
٢ - (عفان) بن مسلم الباهلي أبو عثمان الصفار البصري ، ثقة
ثبت ، من كبار [١٠]، تقدم في ٤٢٧ .
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار ، أبو سلمة البصري ، ثقة عابد ،
وتغير حفظه بآخره ، من كبار [٨]، تقدم في ٢٨٨ .

٢٦٥ _
٣١ - باب اتخاذ المؤذن الذي لا ياخذ على اذانه اجرة - حديث رقم ٦٧٢
٤ - (سعيد الجُرَيْريَّ) بن إياس ، أبو مسعود البصري ، ثقة ،
من [٥]، توفي في ١٤٤.
قال أبو طالب عن أحمد : الجريري محدث أهل البصرة . وقال
الدوري ، عن ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : تغير حفظه قبل موته ،
فمن کتب عنه قديماً فهو صالح . وهو حسن الحديث . وقال یحیی
القطان ، عن كهمس : أنكرنا الجريري أيام الطاعون . وقال ابن سعد ،
عن يزيد بن هارون : سمعت من الجريري سنة ٤٢ ، وهي أول سنة
دخلت فيها البصرة ، ولم ننكر منه شيئاً ، وكان قيل لنا : إنه قد
اختلط، وسمع منه إسحاق الأزرق بعدنا .
وقال أحمد بن حنبل ، عن يزيد بن هارون : ربما ابتلانا الجريري ،
وكان قد أنكر . وقال ابن معين ، عن ابن عدي: لا نكذب الله ، سمعنا
من الجريري ، وهو مختلط ، وقال الآجري ، عن أبي داود : أرواهم
عن الجريري ابنُ علية ، وكل من أدرك أيوب فسماعه من الجريري
جيد. وقال النسائي : ثقة ، أنكر أيام الطاعون .
وقال ابن سعد : قالوا : توفي سنة ١٤٤ ، وكذا أرخه ابن حبان ،
وقال : كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين ، ورآه يحيى بن سعيد
القطان ، وهو مختلط ، ولم يكن اختلاطه فاحشاً ، وقال ابن معين :
قال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري ؟ قال :
نعم ، قال : لا ترو عنه . يعني لأنه سمع منه بعد اختلاطه .

- ٢٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
وقال الدوري ، عن ابن معين : سمع يحيى بن سعيد من الجريري،
وكان لا يروي عنه ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، إن شاء الله ، إلا أنه
اختلط في آخر عمره ، وقال عبد الله بن أحمد ، عن أبيه : سألت ابن
علية أكان الجريري اختلط ؟ فقال : لا ، كبر الشيخ ، فرق . وقال
النسائي : هو أثبت عندنا من خالد الحذاء .
وقال العجلي : بصري ثقة ، واختلط بآخره ، روى عنه في
الاختلاط يزيد بن هارون ، وابن المبارك ، وابن أبي عدي ، وكل ما
روى عنه مثل هؤلاء الصغار ، فهو مختلط ، إنما الصحيح عنه ما رواه
حماد بن سلمة ، والثوري ، وشعبة ، وابن علية ، وعبد الأعلى من
أصحهم سماعاً منه قبل أن يختلط بثمان سنين . انتهى. تت جـ٤
ص٧.٥. أخرج له الجماعة .
فائدة :
الجريري - بضم الجيم ، وراءين بينهما مثناة تحتية ، مصغراً - نسبة
إلى جُرَيْر بن عباد بن ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن
علي بن بكر بن وائل . أفاده في ((اللباب)) جـ١ ص٢٧٦ .
٥ - (أبو العلاء) يزيد بن عبد الله بن الشِّخير - بكسر الشين
المعجمة ، وتشديد الخاء المعجمة المكسورة - العامري البصري ، ثقة ،
توفي سنة ١١١، من [٢] .
قال أبو العلاء : أنا أكبر من الحسن بعشر سنين ، ومطرف أكبر مني

٢٦٧ -
٣١ - باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على اذانه اجرة - حديث رقم ٦٧٢
بعشر سنين ، روى ذلك البخاري في تاريخه ، وقال النسائي : ثقة ،
وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : مات سنة ١١١، وأرخه خليفة ،
وابن قائع، والقراب سنة ١٠٨ ، وقال العجلي : بصري تابعي ثقة .
وقال ابن سعد : كان ثقة ، وله أحاديث صالحة .
وقال حزم القطعي ، عن ثابت البناني : جاء أبو العلاء إلى
الحسن، فقال له رجل : تكلم يا أبا العلاء ، فقال: لا لست هناك ، قال
ثابت : فأعجبني إقراره على نفسه . وقال أبو هلال الراسبي ، عن أبي
صالح العقيلي : كان أبو العلاء يقرأ في المصحف ، فخر مغشياً عليه ،
وذكره أبو موسى في ذيل الصحابة ، وعزاه لأبي زكريا بن منده معلقاً
برواية وقعت له من طريق سريج بن يونس ، عن هشيم ، عن يونس بن
عبيد، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير. قال: وأظنه رأى النبي ◌َّ﴾.
أخرج له الجماعة . انتهى. تت جـ١١ ص٣٤١ - ٣٤٢.
٦ - (مطرف) بن عبد الله بن الشخير العامري الحَرَشي ،
أبو عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، توفي سنة ٩٥، من [٢]،
أخرج له الجماعة ، تقدم في ٦٧ .
٧ - ( عثمان بن أبي العاص) الثقفي الطائفي ، أبو عبد الله ،
استعمله النبي ◌َّى على الطائف، وأقره أبو بكر ، وعمر رضي الله
عنهم. روى عن النبي ◌ّله، وعن أمه ، قالت: شهدت آمنة لما ولدت
رسول الله مي ، روى عنه ابن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص ،

شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
- ٢٦٨ .
وسعيد بن المسيب ، ونافع بن جبير بن مطعم ، ومطرف ، وأبو العلاء،
ابنا عبد الله بن الشخير ، وموسى بن طلحة بن عبيد الله ، ومحمد بن
عياض، والحسن، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن جوشن الغطفاني،
وآخرون .
قال : محمد بن عثمان بن أبي صفوان : مات سنة ٥١ ، وأرخه
ابن البرقي ، وخليفة ، ومصعب ، وابن قانع سنة ٥٥ ، وقال ابن حبان
في الصحابة : أقام على الطائف إلى أيام عمر ، ومات في ولاية معاوية
بالبصرة ، انتقل إليها في آخر أمره ، وأعقب بها . وقال ابن سعد :
كتب إليه عمر استَخْلفْ على الطائف ، وأقْبلْ ، فاستخلف أخاه
الحكم، وأقبل إلى عمر ، فوجهه إلى البصرة ، فابتنى بها داراً ، وبقي
ولده بها .
وقال العسكري : استعمله عمر علی عمان ، ومات سنة ٥٥ أو
نحوها. وقال ابن عبد البر: هو الذي افتتح تَوَّجَ - قریة بفارس-
واصطخر في زمن عثمان ، قال : وهو الذي أمسك ثقيفاً عن الردة ،
قال لهم : يا معشر ثقيف ، كنتم آخر الناس إسلاماً ، فلا تكونوا أولهم
ارتداداً . أخرج له مسلم والأربعة. انتهى. تت جـ٧ ص١٢٨ -١٢٩.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفق الأئمة على التخريج لهم ،

٢٦٩ _
٣١- باب اتخاذ المؤذن الذي لا ياخذ على أذانه أجرة - حديث رقم ٦٧٢
إلا شيخه ، فمن أفراده ، والصحابي ، فلم يخرج له البخاري ، وقد
أخرج البخاري لحماد بن سلمة في المتابعات .
ومنها : أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه، فَرُهَاوي - بضم الراء -
نسبة إلى مدينة ببلاد الجزيرة .
ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين، یروي بعضهم عن بعض، سعيد
الجريري، وأبو العلاء، ومطرف .
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن أخيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عثمان بن أبي العاص) رضي الله عنه، أنه (قال: قلت:
يا رسول الله، اجعلني إمام قومي) أي مقدماً علیھم ، وقدوة لهم .
وقومه هم أهل الطائف ، وقد مر قريباً أن النبي محمد استعمله على
الطائف ، وأقره أبو بكر، ثم عمر، وإنما طلب ذلك من النبي ◌َّ﴾.
رجاء أن يكون في توليته صلاحُ قومه ، وقد ظهر ذلك بعده عَلِّ ،
وذلك أنه لما توفي تعمى ، وأراد قومه الردة خطب فيهم ، فقال : كنتم
آخر الناس إسلاماً ، فلا تكونوا أولهم ارتداداً ، فثبتوا على الإسلام .
ولا يقال : إن هذا من باب طلب الرياسة ، وهو غير جائز ، لأن
ذلك محمول على طلب الرياسة الدنيوية ، أو على ما إذا لم يتعين
عليه، فإنه إذا تعين عليه لزمه التولي ، ولو بالطلب ، وذلك كأن يكون

- ٢٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
من يتولى ذلك المنصب غير صالح أو جاهلاً يخشى عليه أن يضيع
حقوق الناس ، قال الله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام مع
الملك ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
فقد طلب عليه الصلاة والسلام أن يجعله على خزائن الأرض ، لعلمه أن
ذلك هو الأصلح للناس ، والأرفق بهم، إذ لو تولاه غيره لضيع
حقوقهم ، فصار متعيناً عليه. والله أعلم .
(فقال) تَّ (أنت إِمامهم) أي جعلتك إماماً لهم، وعدل إلى
الجملة الاسمية للدلالة على الثبوت، فكأن إمامته حاصلة ، وهو ﴾.
يخبر عنها .
(واقتد بأضعفهم) عطف على مقدر، أي فَأُمَّهُمْ، واقتد
بأضعفهم ، أي تابع أحوال من كان أضعف المقتدين - بمرض ، أو زمانة،
أو نحوهما - في تخفيف الصلاة ، من غير ترك شيء من الأركان ، يريد
تخفيف القراءة ، والتسبيحات ، حتى لا يمل القوم .
وقيل : لا تسرع حتى يبلغك أضعفهم، ولا تطول حتى لا تثقل عليه.
وقيل: ((اقتد)) جملة إنشائية عطف على (( أنت إمامهم)) لأنه بتأويل
أُمَّهُمْ، وإنما عدل إلى الاسمية للدلالة على الثبات ، كأن إمامته ثبتت،
ويخبر عنها ، وقد جعل فيه الإمام مقتدياً . والمعنى : كما أن الضعيف
يقتدي بصلاتك ، فاقتد أنت أيضاً بضعفه ، واسلك سبيل التخفيف في
القيام ، والركوع ، والسجود ، ونحوها ، حتى كأنه يقوم ، ويركع ،

٢٧١ -
٣١ - باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه اجرة - حديث رقم ٦٧٢
ويسجد على ما يريد ، وأنت كالتابع الذي يصلي بصلاته .
وقال التوربشتي : ذكر بلفظ الاقتداء تأكيداً للأمر المحثوث عليه ،
لأن من شأن المقتدي أن يتابع المقتدى به ، ويجتنب خلافه ، فعبر عن
مراعات القوم بالاقتداء مشاكلة لما قبله . انتهى . أفاده في المرقاة
ج٢ ص٣٦٤.
(واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) أي أجرة ، لأن ذلك
أقرب إلى الإخلاص . وظاهره يدل على منع أخذ الأجرة على الأذان ،
وللعلماء في ذلك اختلاف ، وسنحققه مع ترجيح قول من يقول بحمل
النهي على المشارطة، في المسائل إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية : في بيان موضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٧٢)، وفي ((الكبرى)) (١٦٣٦) عن أحمد بن
سليمان، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن سعيد الجريري ، عن
أبي العلاء ، عن مطرف ، عنه .
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود وابن ماجه ، فأخرجه أبوداود في ((الصلاة)) عن

- ٢٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة ، عن سعيد الجريري ، عن
أبي العلاء به. وقال موسى في موضع آخر : عن مطرف أن عثمان قال:
یا رسول الله ...
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن إسماعيل بن
علية ، عن محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي هند ، عن عثمان بن
أبي العاص ، نحوه ، وأخرجه أحمد، والحاكم ، والبيهقي.
والحميدي في مسنده ، وابن خزيمة في صحيحه. والله أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف ، وهو مشروعية اتخاذ المؤذن الذي لا
يأخذ على أذانه أجراً .
ومنها : جواز طلب الإمامة في الخير ، وقد ورد في أدعية
عباد الرحمن الذي وصفهم الله بتلك الأوصاف أنهم يقولون :
وَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامَا﴾ [الفرقان: ٧٤] وليس من طلب الرياسة
المكروهة ، فإن ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يُعَان من طلبها،
ولا يستحق أن يعطاها . قاله الصنعاني .
ومنها: أنه يجب على إمام الصلاة أن يلاحظ حال المصلين خلفه ،
فيجعل أضعفهم ، كأنه المقتدى به ، فيخفف لأجله .
ومنها: أنه ينبغي لكبير القوم أن يتخذ مؤذناً، ليجمع الناس
للصلاة .

٢٧٣ _
٣١ - باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه اجرة - حديث رقم ٦٧٢
ومنها : أن صفة المؤذن المأمور باتخاذه أنه لا يطلب على أذانه
أجراً. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في أخذ الأجرة على الأذان:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله : اختلف أهل العلم في أخذ الأجرة
على الأذان، فكرهت طائفة ذلك، وممن كره ذلك: القاسم بن
عبد الرحمن، وروي ذلك عن الضحاك بن مزاحم، وقتادة ، ثم أخرج
ابن المنذر بسنده عن يحيى البكاء ، أن ابن أبي محذورة قال لعبد الله بن
عمر رضي الله عنهما : يا أبا عبد الرحمن، إني أحبك في الله ، فقال له
ابن عمر : وأنا أبغضك في الله ، قال : سبحان الله ، أحبك في الله ،
وتبغضني في الله ، فقال ابن عمر : إنك تأخذ على أذانك أجراً .
وكره ذلك أصحاب الرأي ، وقال إسحاق : لا ينبغي أن يأخذ على
الأذان أجراً .
ورخص مالك في الأجر على الأذان، وقال : لا بأس به . وقال
الأوزاعي : الإجارة في ذلك مكروهة ، ولا بأس بأخذ الرزق من بيت
المال على ذلك ، ولم ير بأساً بالمعونة على غير شرط .
وفيه قول ثالث : وهو أن لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس ،
سهم النبي ◌َّه ولا يرزق من غيره ، من الفيء، ولا من الصدقات ،
وهكذا قال الشافعي .
ثم رجح ابن المنذر القول بتحريم أخذ الأجرة على الأذان ، لحديث

- ٢٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
الباب . انظر الأوسط جـ ٣ ص ٦٣ - ٦٤ .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله : وروي عن ابن مسعود
رضي الله عنه قال: ((أربع ما يؤخذ عليهن أجر: الأذان ، وقراءة
القرآن ، والمقاسم ، والقضاء)) ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي.
وروى ابن أبي شيبة عن الضحاك أنه كره أن يأخذ المؤذن على أذانه
جُعْلاً، ويقول : إن أعطي بغير مسألة فلا بأس . وروي أيضاً عن
معاوية بن قرة أنه قال : كان يقال : لا يؤذن لك إلا محتسب.
وقد ذهب إلى تحريم الأجر شرطاً على الأذان والإقامة الهادي،
والقاسم ، والناصر، وأبو حنيفة ، وغيرهم .
وقال مالك : لا بأس بأخذ الأجر على ذلك . وقال الأوزاعي :
یجاعل عليه ، ولا يؤاجر .
وقال الشافعي في الأم : أحب أن يكون المؤذنون متطوعين ، قال :
وليس للإمام أن يرزقهم ، وهو يجد من يؤذن متطوعاً ، ممن له أمانة إلا
أن يرزقهم من ماله ، قال : ولا أحسب أحدًا ببلد كثير الأهل ، يعوزه
أن يجد مؤذناً أميناً ، يؤذن متطوعاً ، فإن لم يجده فلا بأس أن يرزق
مؤذناً ، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس الفضل .
وقال ابن العربي: الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان، والصلاة،
والقضاء ، وجميع الأعمال الدينية ، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا
كله ، وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة ، كما يأخذ المستنيب .

٢٧٥ _
٣١ - باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرة - حديث رقم ٦٧٢
والأصل في ذلك قوله ملي: ((ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤنة
عاملي ، فهو صدقة )) . انتهى . فقاس المؤذن على العامل ، وهو قياس
في مصادمة النص ، وفتيا ابن عمر التي مرت لم يخالفها أحد من
الصحابة ، كما صرح بذلك اليعمري .
وقد عقد ابن حبان ترجمة على الرخصة في ذلك ، وأخرج عن
أبي محذورة أنه قال: ((فألقى علي رسول الله تَّي الأذان ، فأذنت ، ثم
أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها شيء من فضة)) . وتقدم للنسائي
برقم (٦٣٢)، قال الیعمري : ولا دليل فيه ، لوجهين :
الأول : أن قصة أبي محذورة أول ما أسلم ، لأنه أعطاه حين علمه
الأذان ، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص ، فحديث عثمان
متأخر .
الثاني: أنها واقعة ، يتطرق إليها الاحتمال ، وأقرب الاحتمالات
فيها أن يكون من باب التأليف ، لحداثة عهده بالإسلام ، كما أعطى
حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم ، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها
الاحتمال سلبها الاستدلال، لما يبقى فيها من الإجمال . انتهى.
قال الشوكاني رحمه الله : وأنت خبير بأن هذا الحديث لا يَرَدُ على
من قال : إن الأجرة إنما تحرم إذا كانت مشروطة ، لا إذا أعطيها بغير
مسألة ، والجمع بين الحديثين بمثل هذا حسن. انتهى. نيل الأوطار
جـ٢ ص١٣١ - ١٣٢.

- ٢٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
هذا التفصيل الذي حسنه الشوكاني عندي حسن جداً. والله تعالى
أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب .

٢٧٧ _
٣٣ - القول مثل ما يقول المؤذن - حديث رقم ٦٧٣
٣٣ - الْقَوْلُ مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَّذِّنُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية القول مثل قول
المؤذن ، فيما عدا ما يستثنى من الحيعلتين ، بدليل ما يأتي ، إن شاء الله
تعالى (٦٧٧).
٦٧٣ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بنِ
يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهَُِّ
قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ))
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد .
٢ - (مالك) بن أنس ، تقدما في السابق.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني ، الإمام الحافظ
الحجة ، من [٤]، تقدم في ١.
٤ - (عطاء بن يزيد) الليثي الجندعي المدني ثم الشامي ، ثقة ،
من [٣]، تقدم في ٢١ .
٥ - ( أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي

- ٢٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
رضي الله عنه ، تقدم في ٢٦٢ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات حفاظ .
ومنها : أنهم اتفق الأئمة بالتخريج لهم .
ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه ، فبغلاني .
ومنها : أن قتيبة من الأفراد ، ليس في الكتب الستة من يسمى
بقتيبة غيره .
ومنها : أن فيه رواية تابعي ، عن تابعي ؛ الزهري ، عن عطاء .
ومنها : أن صحابيه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عطاء بن يزيد) الليثي الجندعي ، قال الحافظ رحمه الله :
اختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث ، وعلى مالك أيضاً ، لكنه
اختلاف لا يقدح في صحته ؛ فرواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن
الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة. أخرجه النسائي في عمل اليوم
والليلة ، رقم (٣٣)، وابن ماجه .
قال أبو عبد الرحمن النسائي : الصواب حديث مالك ، وحديث

٢٧٩ _
٣٣ - القول مثل ما يقول المؤذن - حديث رقم ٦٧٣
عبد الرحمن خطأ ، وعبد الرحمن هذا يقال له : عباد بن إسحاق ،
وهو لا بأس به ، وعبد الرحمن بن إسحاق يروي عنه جماعة من أهل
الكوفة ، وهو ضعيف الحديث .
وقال أحمد بن صالح، وأبوحاتم ، وأبو داود ، والترمذي: حديث
مالك ، ومن تابعه أصح .
ورواه يحيى القطان، عن مالك ، عن الزهري ، عن السائب بن
يزيد . أخرجه مسدد في مسنده ، عنه . وقال الدارقطني : إنه خطأ ،
والصواب الرواية الأولى ، وفيه اختلاف آخر ، دون ما ذکر ، لا نطيل
به . انتھی. فتح جـ٢ ص١٠٨ بزيادة.
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه (أن رسول الله {}.
قال: إذا سمعتم المؤذن) قال الصنعاني رحمه الله : أي نداء المؤذن
يدل له ما في الصحيحين ((إذا سمعتم النداء)) ، وقيده البرماوي بما إذا
سمعتم قول المؤذن ، أو صوت المؤذن ، فيعم الأذان ، والإقامة ، غير
أنه يقول عند قوله : قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها . قال
الصنعاني : وفيه بعد . انتهى . عدة جـ ٢ ص ١٨٧ .
قال الجامع : أما ما قاله من أنه يعم الأذان والإقامة ، فهو الظاهر
من الحديث، إذ الإقامة يطلق عليها الأذان، كقوله ◌َّه (( بين كل أذانين
صلاة))، فيقول من سمع المؤذن يقيم مثل ما يقول .
وأما قوله : يقول : أقامها الله ، وأدامها ، فمما لادليل عليه .

شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
- ٢٨٠
والله أعلم .
وظاهره اختصاص الإجابة بمن يسمع ، حتى لو رأى المؤذن على
المنارة مثلاً في الوقت ، وعلم أنه يؤذن ، لكنه لم يسمع ، لبعد ، أو
صمم لا تشرع له المتابعة ، لأن المتابعة معلقة بالسماع ، والحديث
مصرح باشتراطه . قاله النووي في شرح المهذب . جـ ٣ص ١٢٠ .
قال الصنعاني: وفيه بحث، لأنه قد يقال: إن قوله: ((إذا
سمعتم) خرج مخرج الغالب . انتھی . العدة جـ٢ ص١٨٨ .
قال الجامع : عندي ما قاله النووي هو الأولى . والله أعلم .
والظاهر أيضاً أن الإجابة لا تختص بالمؤذن الأول ، بل یجیب کل
من أذن ، وفيه خلاف . قال ابن عبد السلام رحمه الله : یجیب کل من
أذن ، لتعدد السبب ، وإجابة الأول أفضل ، إلا في الصبح ، والجمعة،
فهما سواء ، لأنهما مشروعان .
قال الصنعاني : الأذان الأول يوم الجمعة أحدثه عثمان اتفاقاً بألفاظ
الأذان ، وقد غيره المتأخرون إلى التسبيح المعروف ، وليس لصلاة ،
فليس مشروعاً ، فلا يندب إجابته ، إذ الندب تشريع ، لا يثبت إلا
بدلیل شرعي.
قال الجامع : عندي فيما قاله نظر ، إذ الدليل الشرعي ظاهر فيه ،
حيث قال: ((إذا سمعتم المؤذن)) ، ولم يقيده بكونه الأذان الذي