النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١_ ٢٧ - باب الإقامة لمن يصلي وحده - حديث رقم ٦٦٧ علي: الجمل ، وصفِّين . مات في أول خلافة معاوية . وقال ابن قانع : مات سنة إحدى ، أو اثنتين وأربعين . أخرج له الجماعة إلا مسلماً. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف . ومنها : أن رجاله ثقات ، إلا يحيى بن علي ، فمقبول . ومنها : أنه مسلسل بالمدنیین ، إلا شيخه فمروزي . ومنها : أن فيه رواية الراوي ، عن أبيه ، عن جده ، عن عم أبيه . تنبيه : حديث الباب اختصره المصنف هنا ، وسيأتي مطولاً برقم ١٠٥٣ ، ١١٣٦، ١٣١٣، ١٣١٤. وسنستوفي شرحه هناك، إن شاء الله تعالى . لكن في هذه المواضع كلها لم تذكر الإقامة ، وإنما ذُكرَّتْ فيما ساقه في الكبرى في هذا الباب ، جـ ١ ص ٥٠٧، ٥٠٨ ، ولفظه : عن رفاعة بن رافع أن رسول الله عَّ بينا هو جالس في المسجد يوماً، قال رفاعة: ونحن عنده ، إذ جاء رجل كالبدوي ، فصلى ، فأخف صلاته، ثم انصرف، فسلم على النبي ◌َّه، فقال النبي ◌ٍَّ : ((وعليك، فارجع، فإنك لم تصل))، فرجع ، فصلى ، ثم جاء ، فسلم عليه ، فقال: ((وعليك، فارجع، فصل، فإنك لم تصل)) ، ففعل - ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان اللّه ذلك مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يأتي النبي ◌َّ ، فيسلم على النبي فيقول النبي ◌َّ: ((وعليك، فارجع، فإنك لم تصل))، فعاث الناس ، وكبر ذلك عليهم أن يكون مَنْ أخف في صلاته لم يصل ، فقال الرجل في آخر ذلك : فأرني ، أوعلمني ، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال للرجل: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد ، فأقم ، ثم كبر ، فإن كان معك قرآن فاقرأ به ، وإلا فاحمد الله و کبره ، وهلله ، ثم اركع ، فاطمئن راكعاً ، ثم اعتدل قائماً، ثم اسجد ، فاعتدل ساجداً ، ثم اجلس ، فاطمئن جالساً ، ثم قم ، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ، وإن انتقصت منه شيئا انتقص من صلاتك ، ولم تذهب كلها )). وقول المصنف هنا (الحديث ) يحتمل الرفع على الابتداء ، ويقدر خبره ، أي الحديث مذكور بتمامه في محل آخر ، والنصب ، على أنه مفعول لفعل محذوف ، أي اقرأ الحديث كله ، والجر بتقدير جار، أي اقرأ ما ذكر إلى آخر الحديث . والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب . : - ٢٢٣ _ ٢٨ - باب كيف الإقامة - حديث رقم ٦٦٨ ٢٨ - كَيْفَ الإِقَامَةُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كيفية الإقامة . وموضع الاستدلال من الحديث واضح من قوله: (( والإقامة مرة مرة )) . ٦٦٨ - أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرِ، مُؤَذِّنَ مَسْجِد العُرْيَانِ، عَنْ أَبِي الْمُثَتَى مُؤَذِّن مَسْجِد الْجَامِعِ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأذَانِ ؟ فَقَالَ : ((كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عَهُ مَثْنَى مَثْنَى، والإِقَامَةُ مَرَّةً مرَّةً ، إلا أنَّكَ إِذَا قُلْتَ: قَدْ قَامَت الصَّلَاةُ، قَالَهَا مَرَتَيْنِ ، فَإِذَا سَمِعْنَا قَدْ قَامَت الصَّلاةُ تَوضََّنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلاة)). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عبد الله بن محمد بن تميم) بن أبي عمر ، مولى بني هاشم، أبو حميد المصيصي، قال النسائي: ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات، من [١١]، من أفراد المصنف . ٢٢٤ - شرح سنن النسائي - كتاب الأذان ٢ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور ، ثقة ، ثبت ، من [٩]، تقدم في ٣٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج ، الإمام الحجة الثبت ، الواسطي ، ثم البصري ، من [٧] ، تقدم في ٢٦ . ٤ - (أبو جعفر) محمد بن إبراهيم بن مسلم المؤذن الكوفي ، صدوق يخطئ ، من [٧]، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ٦٢٨ . ٥ - (أبو المثنى) مسلم بن المثنى ، ويقال : ابن مهران بن المثنى المؤذن الكوفي ، ويقال : اسمه مهران ، ثقة ، من [٤]، أخرج له أبوداود والترمذي والنسائي ، تقدم في ٦٢٨ . ٦ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي رضي الله عنه، تقدم في ١٢ . والله تعالى أعلم. تنبيه : حديث ابن عمر هذا حديث حسن ، وتقدم للمصنف برقم (٦٢٨) مختصراً ، وقدمنا الكلام علیه هناك ، فارجع إلیه تستفد. (قوله: مسجد العريان) - بضم العين المهملة ، وسكون الراء - لم أعرف هذا المسجد ، وذكر ابن حبان في صحيحه جـ٢ ص ٩٣ : أن أبا جعفر هذا هو إمام مسجد الأنصار بالكوفة . انتهى ، ولعل هذا المسجد يسمى بمسجد العريان . والله أعلم . ٢٢٥ _ ٢٨ - كيف الإقامة - حديث رقم ٦٦٨ (قوله: مسجد الجامع) هكذا نسخ ((المجتبى)) بالإضافة ، والذي في الكبرى ( المسجد الجامع» بالوصفية ، والإضافة فیه تكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته ، وهو جائز عند الكوفيين ، ومنعه البصريون ؛ لكونه من باب إضافة الشيء إلى نفسه ، و أوَّلُوا ما ورد من ذلك ، كحبَّة الحَمْقَاء ، وصلاة الأولى ، ومسجد الجامع ، بأنه على حذف مضاف موصوف بتلك الصفة ، والأصل : حبة البقلة الحمقاء ، وصلاة الساعة الأولى ، ومسجد المكان الجامع ، ونحو ذلك . قال في الخلاصة : مَعْنَىِّ وَأَوِّلْ مُوهماً إِذَاَ وَرَدْ وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا به اتَّحَدْ انظر تفاصيل المسألة في شرح هذا البيت لابن عقيل ، مع حاشية الخضري جـ٢ ص٦ . (قوله : إِلا أنك إذا قلت : قد قامت الصلاة ، قالها مرتين) قال السندي رحمه الله : الظاهر ((قلتها)) بالخطاب ، والموجود في نسختنا ((قالها)» بالغيبة، وهو إما على الالتفات ، أو حذف الجزاء ، وإقامة علته مقامه، أي كررت، لأن مؤذن النبي ◌َّه قالها مرتين. انتهى . تنبيه : وقع في نسخة ((الكبرى)) في هذا السند خطأ، فإنه قال: عن شعبة، - ٢٢٦ . شرح سنن النسائي - كتاب الآذان قال : سمعت أبا جعفر مؤذن المسجد الجامع ، عن ابن عمر ... إلخ ، والصواب : عن شعبة ، قال : سمعت أبا جعفر ، عن أبي المثنى مؤذن المسجد الجامع ، عن ابن عمر ، فأبو المثنى هو مؤذن المسجد الجامع ، لا أبو جعفر ، فتنبه . والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب . ٢٢٧ _ ٢٩ - باب إقامة كل واحد لنفسه - حديث رقم ٦٦٩ ٢٩ - إِقَامَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الإقامة لكل واحد من المصلين . والظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى يرى الإقامة لكل واحد من المصلين لنفسه ، كما أن ظاهر ما تقدم له (٦٣٤/٧) من قوله: (( أذان المنفردین في السفر)) ثم أورد حديث مالك بن الحويرث المذكور أنه یری الأذان لكل واحد منهم إذا كانوا مسافرين . لكن هذا عندي غير صحيح ، لأن في حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه ما يرد هذا، حيث قال النبي ◌َّ: ((إذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم » ، والمصنف حمل هذا على الحضر ، والأول على السفر ، ولكن هذا الفرق غير صحيح ، بل السفر والحضر في هذا سواء، بدليل أن النبي ◌ّ﴾ كان يسافر كثيراً، فإذا جاء وقت الصلاة كان يأمر مؤذناً واحداً فيؤذن ، فيصلي بأذانه كل من حضر ، ولم يأمر كل أحد أن يؤذن لنفسه ، وعلى هذا فيكون معنى قوله هنا (( فأذنا ، ثم أقيما)) أي ليؤذن من شاء منكما ، ثم ليقم هو، كما تقدم تحقيقه في ٧/ ٦٢٨ ، فتبصر . وبالله تعالى التوفيق . ٦٦٩ - أخْبَرَنَا عَلَيُّ بْنُ حُجْر، قَالَ: أنْبَأْنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالد الْحَذَّاءِ، عَنْ أبي قلابَةَ، عَنْ مَالك بْن الْحُوَيْرث، - ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِمَّ وَلَصَاحب لي: ((إذَا حَضَرَت الصَّلاَةُ ، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لْبَؤُمَّكُمَا أحَدُكُمَا)). رجال هذا الإسناد : سبعة ١ - (علي بن حجر) السعدي ، تقدم قبل باب . ٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصري ، ثقة، حافظ ، من [٨]، تقدم في ١٩. ٣ - (خالد الحذاء) بن مهران البصري ، ثقة ، حافظ ، من [٥]، تقدم في ٦٤٣ . ٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي البصري ، ثقة، فاضل ، من [٣]، تقدم في ٣٢٢ . ٥ - ( مالك بن الحويرث) أبو سليمان الليثي ، صحابي، نزل البصرة ، تقدم في ٦٣٤ . والحديث متفق عليه ، ومضى شرحه ، والكلام عليه مستوفى برقم (٦٣٤)، فارجع إليه تستفد، والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. ٢٢٩ - ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ ٣٠ - فَضْلُ التَّدين أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل التأذين . والتأذين مصدر أذن - بالتشديد - وهو مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة ، ومنه أخذ أذان الصلاة . وقال الجوهري : والأذين مثله . وقد أذن أذاناً ، وأما الإيذان ، فهو من آذن ، على وزن أفعل ، ومعناه الإعلام مطلقاً . قاله العيني في عمدته جـ٥ ص١١١ . وإنما راعى المصنف - كالبخاري - لفظ ((التأذين)) لوروده في حديث الباب . وقال الزين بن المُنيِّر : التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذن ، من قول ، وفعل وهيئة ، وحقيقة الأذان تعقل بدون ذلك . كذا قال . قال الحافظ : والظاهر أن التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان ، لقوله في الحديث: ((حتى لا يسمع التأذين)) وفي رواية لمسلم: (( حتى لا يسمع صوته))، فالتقييد بالسماع لا يدل على فعل ، ولاعلى على هيئة ، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر . انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٠١ . ونحوه للعيني. والله تعالى أعلم. ٦٧٠ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالك، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ قَالَ: ((إِذَا نُودِيَ - ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان للصَلاَة أدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الَّذِينَ ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاة أدْبَرَ ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ الشَّغْوِيبُ أقْبَلَ ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَاَ لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الْمَرْءُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني ، ثقة ثبت ، من [١٠]، تقدم في ١. ٢ - (مالك) بن أنس ، الإمام الفقيه الحجة المدني ، من [٧] ، تقدم في ٧. ٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني ، ثقة فقيه، من [٥] ، تقدم في ٧ . ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني ، ثقة ثبت عالم ، من [٣]، تقدم في ٧ . ٥ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل رضي الله عنه ، تقدم في١/١ . والله أعلم. ١-٢٣ - ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات حفاظ ، اتفق الأئمة على إخراج أحاديثهم . ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، إلا شيخه ، فبغلاني . ومنها : أنه نقل عن البخاري أنه قال : أصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه أبو الزناد ، عن الأعرج ، عنه . انظر شرحي لألفية السيوطي في الحديث جـ١ ص٣٣ . ومنها : أن أبا هريرة رضي الله عنه أكثر الصحابة رواية ، روى (٥٣٧٤) حديثاً . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله عنه ( أن رسول الله عَّه قال: إِذا نودي للصلاة) أي إذا أذن لأجل الصلاة ، وفي رواية ((بالصلاة)) بالباء، قال الحافظ : ويمكن حملهما على معنى واحد . وقال البدر العيني : تكون الباء للسببية كما في قوله تعالى : ﴿ فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، أي بسبب ذنبه، وكذلك المعنى هنا بسبب الصلاة ، ومعنى التعليل قريب من معنى السببية . انتهى . - ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان وفي الطرح: وكلاهما صحيح، يقال : نودي للصلاة ، وبالصلاة، وإلى الصلاة، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. انتهى . (أدبر الشيطان) الإدبار : نقيض الإقبال ، يقال : دَبَرَ ، وأدبر : إذَا وَلَّى ، والألف واللام في الشيطان للعهد ، والمراد الشيطان المعهود. قاله العيني. جـ ٥ ص١١١. وقال في الفتح: الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس ، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان ، وهو كل متمرد من الجن والإنس ، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة . انتهى . جـ٢ ص١٠٢ . (وله ضراط) جملة في محل نصب على الحال من الشيطان . والضراط - بالضم - اسم من ضَرَطَ ، يضْرَطَ ، من باب تعب ، ضَرطاً ، مثل كَتَفَ ، فهو ضَرطٌ ، وضَرَطَ ، ضَرْطاً ، من باب ضرب لغة ، قاله في المصباح ، وهو ريح له صوت، يخرج من دبر الإنسان ، وغيره . قاله في المنهل جـ٤ ص ١٧٥ . ثم إن خروج الضراط من الشيطان حقيقة ، كما قاله القاضي عياض رحمه الله ، لأنه جسم يأكل ويشرب ، كما جاء ذلك في الأخبار الصحيحة . وقال العيني: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من خرقه أمر عظيم ، واعتراه خطب جسيم ، حتى لم يزل ٢٣٣ _ ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ يحصل له الضراط من شدة ما هو فيه ، لأن الواقع في شدة عظيمة ؛ من خوف ، وغيره تسترخي مفاصله ، ولا يقدر على أن يملك نفسه ، فينفتح منه مخرج البول والغائط . ولما كان الشيطان لعنه الله يعتريه شدة عظيمة ، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة ، فيهرب حتى لا يسمع الأذان ؛ شبه حاله بحال ذلك الرجل ، وأثبت له على وجه الادِّعَاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد ، وفي الحقيقة ما ثَمَّ ضراط ، ولكن يجوز أن يكون له ريح ، لأنه روح ، ولكن لم تعرف كيفيته . وقال الطيبي : شبه شغل الشيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملؤ السمع ، ومنعه عن سماع غيره ، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له . انتهى عمدة القاري جهص١١١ . قال الجامع : ما قاله العيني من نفي الضراط ، وأن الكلام خرج مخرج التمثيل فقط ، غير صحيح ، بل الصواب أن الضراط ثابت كما أثبته هذا الحديث الصحيح ، وأيّ مانع يمنع منه ، حتی یصرف النص الصريح عن ظاهره . فتبصر ، والله الهادي إلى الصواب . (حتى لا يسمع التأذين) علة للضراط ، أي إنما يفعل ذلك ليشغل نفسه عن سماع الأذان، لئلا يشهد للمؤذن يوم القيامة، لما تقدم برقم (٦٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)). - ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان وهو داخل فيه ، وقيل : حتى غاية لإدباره . قاله العيني . قال الجامع: الأول أقرب إلى المعنى ، إذ الظاهر في سبب هروبه عن الأذان ، مع أنه لا يهرب عن القرآن ، وهو أفضل من الأذان : هو الابتعاد عن إلزامه الشهادة للمؤذن ، كما دل عليه حديث أبي سعيد ، فيكون خروج الضراط منه حين هروبه من أجل خوفه وصولَ صوت المؤذن خلالَ هروبه ، فظهر كون قوله: ((حتى لا يسمع)) علة للضراط. والله أعلم . وقال في «الفتح» : قوله : حتى لا يسمع التأذين ، ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك ، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن ، أو يصنع ذلك استخفافاً ، كما يفعله السفهاء . ويحتمل أن لا یتعمد ذلك ، بل یحصل له عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها . ويحتمل أن يتعمد ذلك ، ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث . واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان ؛ لأن قوله : ( حتى لا يسمع)) ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت ، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر ، فقال: (( حتى يكون مكانَ الرَّوْحَاء))، وحَكَى الأعمشُ عن أبي سفيان ، راويه عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلاً . هذه رواية قتيبة ، عن جرير ، عند مسلم ، وأخرجه عن إسحاق ، عن جرير ، ولم يسق لفظه ، ولفظ ٢٣٥ _ ٣٠ - باب فضل التاذين - حديث رقم ٦٧٠ إسحاق في مسنده ( حتى يكون بالروحاء، وهي ثلاثون ميلاً من المدينة))، فأدرجه في الخبر ، والمعتمد رواية قتیبة . انتهى. فتح جـ ٢ ص١٠٢ . (حتى إذا قضي النداء) ((قضي)) - بالبناء للمفعول - والنداء بالرفع نائب فاعله ، ويروى بالبناء للفاعل ، والفاعل على هذا ضمير يعود إلى المنادي المدلول عليه (( بنودي))، والنداء منصوب على المفعولية . والقضاء يأتي لمعان كثيرة ، وهو هنا بمعنى الفراغ ، تقول : قضيت حاجتي ، أي فرغت منها ، أو بمعنى الانتهاء . أفاده العيني . والنداء بكسرالنون، وضمها لغتان ، الأولى أشهر وأفصح : هو الأذان . انتھی طرح جـ٢ ص ١٩٧ . وقال في الفتح : واستدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل، خلافاً لمن شرط في إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق أول التكبير على أول الوقت . انتهى . ( حتى إِذا ثُوِّبَ بالصلاة) بضم المثلثة ، وتشديد الواو المكسورة: أي أقيم للصلاة ، والتثويب هنا بمعنى الإقامة . ومعنى التثويب في الأصل : الإعلام بالشيء ، والإنذار بوقوعه ، وأصله أن يُلَوِّحَ الرجُلُ لصاحبه بثوبه ، فيُديرَهُ عند أمر يُرْهقُه من خوف، أو عدو، ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به ، وإنما سميت - ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان الإقامة تثويباً ، لأنه عود إلى النداء ، من ثاب إلى كذا : إذا عاد إليه . أفاده في عمدة القاري ج٥ ص١١٢ . وقال في الطرح : ولا يمكن أن يكون المراد بالتثويب هنا قول المؤذن: الصلاة خير من النوم مرتين ، وإن كان يسمى تثويباً ، لأمرین: أحدهما : أن هذا خاص بأذان الصبح ، والحديث عام في كل أذان. والثاني : أن الحديث دل على أن هذا التثویب یتخلل بينه وبين الأذان فصل ، يحضر فيه الشيطان ، والتثويب الذي في الصبح لا فصل بينه وبين الأذان ، بل هو في أثنائه . وأصل التثويب : أي يجيء الرجل مُستَصْرخاً ، فيلوح بثوبه ، ليُرَى، ويَشْتَهرَ ، فسمي الدعاء تثويباً لذلك ، وكل داع مُثَوِّبٌ . وقيل: إنما سمي تثويباً ، من ثاب يثوب : إذا رجع ، فالمؤذن رجع بالإقامة إلى الدعاء للصلاة . قال عبد المطلب [ من الوافر]: غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي فَحَنَّتْ نَاقَتِي ، فَعَلِمْتُ أَنِّي وقال غيره [ من الخفيف] : لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ مَا شَفَعْنَا الأَذَانَ بِالتَّشْوِيبِ قال ابن عبد البر رحمه الله : يقال : ثوب الداعي : إذا كرر دعاءه ٢٣٧ - ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ إلى الحرب . قال حسان رضي الله عنه [ من البسيط] : فِي فِتْيَةٍ حَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُم لا يَنْكُلُونَ إِذَاَ مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي وقال آخر [ من الوافر]: لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ إِذا الدَّاعِي المثَوِّبُ قَالَ : يَالاَ انتهى. طرح التثريب في شرح التقريب جـ ٢ ص ١٩٧ -١٩٨. وقال في الفتح : قال الجمهور : المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه ، والخطابي ، والبيهقي ، وغيرهم . قال القرطبي : ثُوِّبَ بالصلاة : إذا أقيمت ، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان ، وكل من ردد صوتاً ، فهو مثَوِّبٌ ، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة (( فإذا سمع الإقامة ذهب)» . وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة ((حي على الصلاة ، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة))، وحكى ذلك ابن المنذر، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، وزعم أنه تفرد به ، لكن في سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة ، فهذا يدل على أن له سلفاً في الجملة ويحتمل أن يكون الذي تفرد به القول الخاص . - ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان وقال الخطابي : لا يعرف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان ((الصلاة خير من النوم)) لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة. والله أعلم. انتھی. فتح جـ٢ ص١٠٢ . (حتى إذا قضي التثويب أقبل) زاد مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة: (( فوسوس)) . (حتى يخطر) - بضم الطاء وكسرها - لغتان ، حكاهما القاضي عياض في المشارق ، قال : ضبطناه عن المتقنين بالكسر ، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم ، قال : والكسر هو الوجه ، ومعناه : يوسوس ، وهو من قولهم : خَطَرَ الفحلُ بذنبه : إذا حركه ، يضرب به فخذيه ، وأما بالضم ، فمن السلوك ، والمرور ، أي يدنو منه ، فيمر بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه . وبهذا فسره الشارحون للموطأ ، فقال الباجي : معناه أنه يحول بين المرء ، وبين ما يريد من نفسه ، من إقباله على صلاته ، وإخلاصه ، وبالأول فسره الخليل . انتهى. طرح جـ٢ ص١٩٨ . وقال في الفتح : وضعف الحجري في نوادره الضم مطلقاً ، وقال: هو يخطر بالكسر في كل شيء. انتهى. جـ٢ ص ١٠٢. (بين المرء ونفسه) أي قلبه ، يعني أنه يحول بين المرء ، وبين ما يريده من إقباله على صلاته ، وإخلاصه فيها . قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله : وبهذا التفسير - يعني تفسير النفس بالقلب - يحصل الجواب عما قيل : كيف يتصور خطوره ٢٣٩ _ ٣٠ - باب فضل التأذين - حديث رقم ٦٧٠ بین المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد ، وقد یجاب بأن يكون تمثيلاً لغاية قربه منه . انتهى. ((عمدة القاري)) جـ٥ ص١١٢ . فائدة : المرء : الإنسان ، وفيه سبع لغات : فتح الميم ، وضمها ، وكسرها، وتغيرها باعتبار إعراب اللفظة ، فإن كانت مرفوعة ، فالميم مضمومة ، وإن كانت منصوبة ، فالميم مفتوحة ، وإن كانت مجرورة ، فالميم مكسورة ، والخامسة ، والسادسة ، والسابعة : امرؤ، بزيادة همزة الوصل ، مع ضم الراء في سائر الأحوال ، ومع فتحها في سائر الأحوال ، ومع تغيرها باعتبار حركات الإعراب . حكاهن في الصحاح ، إلا اللغة الثالثة ، والرابعة ، فحكاهما في المحكم ، وأنشد قول أبي خرَاش [ من الطويل]: مِنَ الحِلْمِ وَالمعْرُوفِ وَالْحَسَبِ الضَّحْمِ جَمَعْتَ أُمُوراً يُنْفِذُ المِراً بَعْضُها وقال : هكذا رواه السكري ، بكسر الميم ، وزعم أن ذلك لغة هذيل . انتهى . ويُثَنَّى ، فيقال: المرءان ، ولا جمع له من لفظه ، كما ذكره صاحبا الصحاح والمحكم ، وقال في المشارق : والجمع مرءون ، ومنه في الحديث: (( أيها المرءون)) ، وذكر صاحب النهاية تبعاً للهروي حديث الحسن ((أحسنوا ملأكم أيها المرءون)) ، وقال : هو جمع المرء ، قال : ومنه قول رؤية لطائفة رآهم : أين يريد المرءون . وقال في الصحاح : وبعضهم يقول : هذه مَرّأة صالحة ، ومَرَةٌ أيضاً ، بترك - ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب الأذان الهمز ، وتحريك الراء بحركتها ، وهذه امرأة، مفتوحة الراء على كل حال . انتهى. طرح جـ٢ ص١٩٨ - ١٩٩. وقد أشبع الكلام في هذا صاحب اللسان ، فراجعه جـ ٥ص٤١٦٦ . (يقول: اذكر كذا ، اذكر كذا) هكذا مكرراً بدون عطف في أكثر النسخ ، ووقع في بعضها ((اذكر كذا)) بدون تكرار، والأُولى رواية البخاري ، وأبي داود ، ولمسلم ((واذكر كذا )) بالعطف ، وهي أيضاً للبخاري في رواية كريمة ، وزاد مسلم من رواية عبد ربه ، عن الأعرج (فَهَنَّاه، ومَنَّاهُ، وذكَّرَهُ من حاجته ما لم يَذْكُرْ)). (لمالم يكن يَذْكُرُ) ولمسلم ((لمالم يكن يذكر من قبل »، أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة . قال في الفتح : ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إلیه أنه دفن مالاً ، ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ، ويحرص أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا ، ففعل ، فذكر مكان المال في الحال . قال الجامع : في هذا الاستنباط ، والحكاية المذكورة عندي نظر ، سيأتي في المسائل إن شاء الله تعالى . قیل : خصه بما یعلم ، دون ما لا یعلم ، لأنه یمیل لما يعلم أکثر ، لتحقق وجوده ، والذي یظهر أنه أعم من ذلك ، فيُذكِّرُه بما سبق له به علم ، ليشتغل باله به ، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه ، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا ، أو في أمور الدين كالعلم ،