النص المفهرس

صفحات 1-20

شرح
سُبِْ التَّائِيّ
المِسَمّىَّ
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامِعة الفقير إلى مولاه الفني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسىالإتربي الوَلَِّي
المدرشُ بُدار الحديث الخيرية بمكة المكرهة
عفا الله عز وعن والديه آمين
الجُزُءُ الثّامِنُ
دَارٌآكْ بُرُوم
للنشْر وَالتّوزيع

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح
سُبْغَسَّائي

جميع الحقوق محفوظة
الطبعَة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩م
دَازال بُوم للنشروَ التَّريخ
المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ الشّعْيُ
صَبْ: ٤١٤٥- (تلفاكس ٥٢١١٥٤٥ - حوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

٥
٥ - بَابُ كَيفَ الآذان - حديث رقم ٦٣١
٥ - كَيْفَ الأَذَانُ
٦٣١ - أخبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: أنْبَأْنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ،
قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ عَامر الأحْوَل، عَنْ مَكْحُول، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُخَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ، قَالَ : عَلَّمَنِي
رَسُولُ اللَّهِ عَِّ الأَذَانَ، فَقَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ
أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللَّه ،
أَشْهَدُ أنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه ،
أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَقُولُ : أشْهَدُ
أنْ لا إِلَّهَ إلا اللَّهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ، أَشْهَدُ أنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ
عَلَى الصَّلاة، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ ،
حَيَّ عَلَى الفلاح، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، لا إلَهَ إلا اللَّهُ)).
رجال الإسناد : سبعة
١ - (إسحاق بن إبراهيم ) الحنظلي المروزي ، ثم النيسابوري ،
ثقة ثبت حجة ، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.

٦
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
٢ - (معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري ، وقد
سكن اليمن ، صدوق ربما وَهمَ ، توفي سنة ٢٠٠ ، من [٩]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤ .
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَرَ الدستوائي أبو بكر البصري ،
ثقة ثبت ، رمي بالقدر ، توفي سنة ١٥٤ ، من كبار [٧]، أخرج له
الجماعة، تقدم في (٣٤/٣٠).
والباقون تقدموا في السند الماضي ، وكذا الحديث واضح مما
مضى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٣٢ - أخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، وَيُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ ،
وَاللَّفْظِ لَهُ قَالاَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ :
حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزَيَزِ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي مَحْذُورة : أنَّ
عَبْدَ اللَّه ابْنَ مُحِيْرِيزِ أَخْبَرَهُ، وَكَانَ يَتِيماً فِي حِجْرِ أبِي
مَحْذُورَةَ حَتّى جَهَّزَهُ إِلَى الشَّامِ ، قَالَ : قُلْتُ لأَبِي
مَحْذُورَةَ : إِنِّي خَارِجٌ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْشى أنْ أُسْأَلَ
عَنْ تَأذينكَ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ قَالَ لَهُ خَرَجْتُ
فِي نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ مَفْقَلَ رَسُولِ اللَّه ◌َُّ
مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِيَا رَسُولُ اللَّهِعَُّ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ،

٧ -
٥ - بَابُ كَيفَ الآذانُ - حديث رقم ٦٣٢
فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُول اللَّهلَهُ بِالصَّلاة عنْدَ رَسُول اللَّه ◌َهُ،
فسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّن وَنَحْنُ عَنْهُ مُتَنَكْبُونَ ، فَظَلِلْنَا
نَحْكِيه، وَنَهْزَأَ بِهِ، فَسَمِعَ رَسولُ اللَّهِنَّهُ الصَّوْتَ،
فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا حَتَّى وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ تٍَّ :
(أيُّكُمْ الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدْ ارْتَفَعَ) ، فَأَشَارِ الْقَوْمُ
إِلَىَّ، وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَهُمْ كُلَّهُمْ، وَحَيَسَنِي ، فَقَالَ :
(قُمْ فَأَذِّنْ بِالصَّلاَةَ))، فَقُمْتُ، فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهَُِّ
الَّذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ: قُلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ،
اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلا اللَّهُ، أَشْهَدُ أن
لا إلَهَ إِلا اللَّهُ، أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أنَّ
مُحَمَّدَاً رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ارْجِعْ، فَامْدُدْ
صَوْتَكَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إِلا اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا
إِلَهَ إِلا اللَّهُ، أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى
الصَّلاةِ، حَيَّ عَلى الفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ ، اللَّهُ

٨
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
أُكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، لا إلَهَ إلا اللَّهُ.
ثُمَّ دَعَانِي حينَ قَضَيْتُ التَّأَذِينَ ، فَأَعْطَانِي صُرَّةً فيهَا
شَيءٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِالنَّذِينِ
بمكَّةَ ، فَقَالَ قَدْ أمَرَّتُكَ بِهِ ، فَقَدِمْتُ عَلَى عَنَّبِ بنِ
أسيد عَامِلِ رَسُول اللَّهِلَّهُ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنْتُ مَعه بِالصَّلاة
عنْ أمْر رَسُول اللَّه ◌َٹ﴾ ..
رجال الإسناد : سبعة
١ - (إِبراهيم بن الحسن) بن الهيثم المصيصي أبو إسحاق ، ثقة
من [١٠]، تقدم في ٥١/ ٦٤ .
٢ - (يوسف بن سعيد ) بن مسلم المصيصي ، ثقة حافظ توفي
سنة ٢٧١، وقيل : قبل ذلك، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في
١٣١/ ١٩٨ .
٣ - (حجاج) بن محمد الأعور ترمذي الأصل نزيل بغداد ، ثم
المصيصة ، ثقة ، ثبت اختلط في آخره لما قدم بغداد ، توفي سنة ٢٠٦،
من [٩]، تقدم في ٣٢/٢٨.
٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، نسب
لجده ، مكي ثقة فقيه ، فاضل ، يدلس ، ويرسل ، توفي سنة ١٥٠ ،

٩
٥ - بَابُ كَيفَ الآذانُ - حديث رقم ٦٣٢
من [٦] تقدم في ٣٢/٢٨.
والباقون تقدموا قريباً ، فعبد العزيز شيخ ابن جريج ، وأبو
محذورة تقدما في ٦٢٩ ، وابن محيريز في ٦٣٠ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز ، أنه (قال : حدثني
عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز
أخبره) أي أخبر عبد العزيز، وقوله (وكان يتمياً في حجر أبي
محذورة) جملة معترضة ، وحجر الإنسان بالفتح ، وقد يكسر :
حضنُهُ ، وهو ما دون إبْطه إلى الكَشْح ، وهو في حجره ، أي كنفه ،
وحمايته ، والجمع : حجور . قاله الفيومي .
(حتى جهزه إلى الشام) أي هيأ له . جهازه لأجل السفر إلى
الشام، وجهاز السفر : أهبته، وما يحتاج إليه في قطع المسافة بالفتح ،
وبه قرأ السبعة قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠]،
والكسر لغة قليلة . قاله الفيومي.
(قال) عبد الله بن محيريز ( قلت لأبي محذورة : إِني خارج إِلى
الشام ، وأخشى أن أسأل عن تأذينك ) أي أخاف أن يسألني أهل
الشام ، کیف هو ؟ و کیف أخذه عن رسول الله تڅے ، وفيه ما كان عليه
السلف من حرصهم على طلب العلم ، والسؤال عنه إذا وجدوا عالماً ،

- ١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
قال عبد العزيز (فأخبرني) أي عبد الله بن محيريز (أن أبا محذورة
قال له : خرجت في نفر) بفتحتين ، وهو كما في المصباح : جماعة
الرجال من ثلاثة إلى عشرة ، وقيل إلى سبعة ، ولا يقال : نفر فيما زاد
على العشرة. وفي الرواية التالية: ((خرجت عاشر عشرة من أهل
مكة)) .
(فكنا ببعض طريق حنين) بصيغة التصغير : واد بين مكة
والطائف ، وهو مذكر منصرف ، وقد يؤنث على معنى البقعة ، وقصة
حنين : أن النبي تمّ فتح مكة في رمضان سنة ثمان ، ثم خرج منها
لقتال هوازن ، وثقيف ، وقد بقيت أيام من رمضان ، فسار إلى حنين ،
فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون ، ثم أمدهم الله بنصره ،
فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم ، وغنموا أموالهم ، وعيالهم ،
ثم صار المشركون إلى أوطاس ، فمنهم من سار على نخلة اليمامة ،
ومنهم من سلك الثنايا .
وتبعت خيل رسول الله تَّ﴾ من سلك نخلة ، ويقال : إنه عليه
الصلاة والسلام أقام عليها يوماً وليلة ، ثم صار إلى أوطاس ،
فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغنم المسلمون منها أيضاً
أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال ، فلما أهل
ذو القعدة ترك القتال ، لأنه شهر حرام ، ورحل راجعاً ، فنزل الجعرانة
وقسم بها غنائم أوطاس ، وحنين ، ويقال : كانت ستة آلاف سبي .

١١ -
٥ - بَابُ كَيفَ الآذانُ - حديث رقم ٦٣١
(مقفل رسول الله ◌َّة ) بفتح الميم والفاء بينهما قاف ساكنة :
ظرف زمان من القفول ، وهو الرجوع ، أي زمن رجوعه ( من حنين ،
فلقینا رسول الله تقّ في بعض الطریق،فأذن مؤذن رسول الله پڼ.
بالصلاة عند رسول الله عَمّ ، فسمعنا صوت المؤذن ، ونحن عنه
متنكبون) أي معرضون عن طريق رسول الله عَّه، يقال : نكب عن
الطریق : إذا عدل عنه ، وتنکب : أي تنحى ، وأعرض انتھی زهر ،
والجملة في محل نصب على الحال .
(فظللنا) بكسر اللام الأولى ، يقال : ظل يفعل كذا ، يظل ، من
باب تعب ، ظلولاً : إذا فعله نهاراً ، قال الخليل : لا تقول العرب :
ظل إلا لعمل يكون بالنهار ، قاله في المصباح .
(نحكيه) أي نشابه صوت المؤذن يقال : حكيت الشيء ،
أحكيه، حكاية : إذا أتيت بمثله على الصفة التي أتى بها غيرك ، فأنت
كالناقل ، ومنه حكيت صنعته : إذا أتيت بمثلها ، وهو هنا كالمعارضة ،
وحكوت أحكوه لغة ، قاله الفيومي .
(ونهزأ به) أي نحكيه استهزاء به . فالجملة بيان لمعنى الحكاية ،
أي إنما حكوا صوته من أجل الاستهزاء به (فسمع رسول الله تَّه
الصوت) أي صوت أذاننا وقت الحكاية (فأرسل إِلينا حتى وقفنا بين
يديه، فقال رسول الله عَّ} : أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع)
أيكم : مبتدأ ، خبره الموصول ، وجملة (( قد ارتفع)) في محل نصب

-
- ١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
على الحال من الصوت (فأشار القوم إِلي، وصدقوا) أي أشار رفقاؤه
بأنه الذي سمع صوته مرتفعاً ، وقد صدقوا في ذلك ، حيث إنه كان
أحسنهم صوتاً (فأرسلهم كلهم ) أي أطلق رسول الله تَّه سراح
رفقائه ، لأنه إنما طلبهم ليتعرف على الرجل الحسن الصوت ، فلما عرفه
أطلقهم (وحبسني) أي أمسكني عنده (فقال : قم ، فأذن) فيه
وجوب القيام للأذان ، حيث أمر به النبي ◌َّ ، وأمره للوجوب ما لم
يصرفه صارف ، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه ( فأذنت بالصلاة) أي
أردت الأذان ( فقمت ، فألقى علي رسول الله عَّه التأذين هو
بنفسه ) فيه فضل أبي محذورة رضي الله عنه حيث ألقى عليه
رسول الله التأذين بنفسه .
(قال: ((قل : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)
فيه تربيع التكبير في أول الأذان ، وقد تقدم جواز التثنية أيضاً ،
لصحة الرواية فيه ، كما تقدم تحقيقه ( أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد
أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً
رسول الله ثم قال: ارجع فامدد صوتك ) هذا صريح في أنه تمّ.
أمره بالترجيع ، فسقط ما توهمه النفاة أنه كرره له تعظيماً ، فظنه
ترجيعاً ، قاله السندي .
(ثم قال: (( قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا
الله، أشهد أن محمداً رسول الله ، أشهد أن محمداً رسول الله،

١٣ -
٥ - بَابُ كَيفَ الآذانُ - حديث رقم ٦٣٢
حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على
الفلاح ، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم دعاني حين
قضيت التأذين ، فأعطاني صرة) بضم الصاد المهملة ، وتشديد الراء
المهملة : ما يجمع فيه الشيء ، ويشد ، جمعه صرر ، كغرفة، وغرف .
(فيها شيء من فضة) استدل به ابن حبان على الرخصة في أخذ الأجرة
على الأذان ، وعارض به الحديث الوارد في النهي عن ذلك .
قال ابن سيد الناس : ولا دليل فيه لوجهين :
الأول : أن حديث أبي محذورة هذا متقدم قبل إسلام عثمان بن
أبي العاص الراوي لحديث النهي ، فحديث عثمان متأخر بيقين.
الثاني : أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال ، بل أقرب الاحتمالات
فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام ، كما أعطى حينئذ
غيره من المؤلفة قلوبهم ، ووقائع الأحوال إذا تطرقها الاحتمال سلبها
الاستدلال ، لما فيها من الإجمال ، ذكره في ((زهر الربى)).
(فقلت : يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة) فيه استحباب
طلب التأذين طلباً لأجره العظيم (فقال : قد أمرتك به) بتخفيف
الميم من الأمر خلاف النهي ، لا من التأمير .
(فقدمت) بكسر الدال من باب تعب (على عتاب) بفتح العين
المهملة ، وتشديد المثناة الفوقية (بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين
المهملة - بن أبي العيص - بكسر المهملة - بن أمية الأموي، أبي عبدالرحمن،

- ١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
أو أبي محمد المكي، صحابي، كان أمير مكة في عهد النبي لمِّ،
ومات في يوم مات أبو بكر الصديق رضي الله عنهما فيما ذكر
الواقدي، وذكر الطبراني أنه كان عاملاً على مكة لعمر رضي الله عنه
سنة إحدى وعشرين. أفاده في التقريب. (عامل رسول الله تَّهُ)
بالجر صفة لعتاب ، ويحتمل الرفع خبراً لمحذوف ، أي هو ، والنصب
مفعولاً لمحذوف أيضاً ، أي أعني ، أو حالاً من عتاب (بمكة) متعلق
بعامل . (فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله تَّه ) عن أمر :
متعلق بحال محذوف ، أي حال كون التأذين صادراً عن أمره عمله ،
ويحتمل كون ((عن)) بمعنى بعد، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّا
عَنِ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي بعد أمره ، أو بمعنى الباء أي بأمره ،
فتتعلق (( بأذنت)). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث :
الأولى : في درجته :
حديث أبي محذورة رضي الله عنه هذا صحيح ، تقدم تخريجه
برقم (٦٣٠) .
الثانية: في فوائده :
منها: ما بوب عليه المصنف رحمه الله ، وهو بيان كيفية الأذان .
ومنها : حرص السلف على تعلم أمور الدين.

١٥ -
٥ - بَابُ كَيفَ الآذانُ - حديث رقم ٦٣٢
ومنها: فضل أبي محذورة رضي الله عنه حيث ألقى النبي
الأذان عليه بنفسه .
ـَّى اللَّه
ومنها: عظيم حلمه عمله حيث لم يعاقب هؤلاء المستهزئين به .
ومنها : تربيع التكبير في أول الأذان، وتكرير سائر كلماته ، إلا
كلمة التوحيد ، فتفرد .
ومنها: مشروعية الترجيع في الأذان .
ومنها: تأليف من كان قريب العهد بالإسلام ، ليثبت الإيمان في
قلبه بإعطاء شيء من المال .
ومنها: جواز طلب التأذين طلباً لعظيم ثوابه .
والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي
إلا بالله عليه توكلت ، وإليه أنيب .

١٦
=
-
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
٦ - الأذَانُ فِي السَّفَرِ
٦٣٣ - أخبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ
ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّائِبِ ، قَالَ أخبرتِي أبِي،
وَأَمُّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أبِي مَحْذُورَةَ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، قَالَ:
لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِنَّهُ فِي حُنَيْنِ خَرَجْتُ عَاشِرَ عَشَرَةً
مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، تَطْلُبُهُمْ، فَسَمِعْنَاهُمْ يُؤَذِنُونَ بِالصَّلاة، فَقُمْنَا
نُؤُذِّنُ، نَسْتَهْزِئ بهمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِمَّهِ: ((قَدْ سَمِعْتُ
في هَؤْلاء تأذينَ إِنْسَانِ حَسَنِ الصَّوْتِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا،
فَأَنَّا، رَجُلٌ رَجُلٌ، وَكُنْتُ آخِرَهُمْ، فَقَالَ: حِينَ أَذَّنْتُ:
( تَعَالَ ، فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِي ،
وَيَرََّكَ عَلَىَّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَأَذِّنْ عِنْدَ
البَيْتِ الْحَرَامِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَعَلَّمَنِي،
كَمَا تُؤْذِنُونَ الآنَ بِهَا، «اللَّهُ أُكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ،
اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، أَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلا
اللَّهَ، أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً

١٧ -
٦ - باب الأذان فِي السَّفَرِ - حديث رقم ٦٣٣
رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا
اللَّهَ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً
رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاة،
حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ
النَّوْمِ ، الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ ، في الأولَى مِنَ الصُّبْحِ ،
قَالَ: وَ عَلَّمَنِي الإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ ، اللَّهُ أُكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ،
اللَّهُ أكْبَرُ ، اللَّهُ أكْبَرُ ، أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، أَشْهَدُ أنْ
لا إِلَهَ إلا اللَّهَ، أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ ، أشْهَدُ أنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى
الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، قَدْ
قَامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ
أكْبَرُ ، لا إلَهَ إلا اللَّهُ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ هَذَاَ الخَبَرَ كُلَّهُ، عَنْ
أبيه، وَعَنْ أمِّ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُمَا سَمعَا
ذَلِكَ مِنْ أَبِي مَحْذُورَةَ .

-
١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
رجال الإسناد : سبعة
١، ٢، ٣ - تقدموا في السند السابق.
٤ - (عثمان بن السائب) الجمحي المكي مولى أبي محذورة،
مقبول، من [٦]، روى عن أبيه، وأم عبد الملك بن أبي محذورة ،
وروى عنه ابن جريج ، ذكره ابن حبان في الثقات ، روى له المصنف
وأبو داود هذا الحديث فقط ، قال ابن القطان غير معروف .
٥ - (السائب) والد عثمان الجمحي المكي مولى أبي محذورة ،
روى عن أبي محذورة . وعنه ابنه عثمان ، ذكره ابن حبان في الثقات .
له عند المصنف وأبي داود هذا الحديث فقط . وقال الذهبي : لا
يعرف، وفي ((ت)) مقبول ، من [٣].
٦ - ( أم عبد الملك بن أبي محذورة) زوج أبي محذورة
مقبولة، من [٣]، أخرج لها أبو داود والنسائي.
٧ - (أبو محذورة) سمرة بن معير رضي الله عنه، تقدم في
(٦٣٠). والله تعالى أعلم.
تنبيه :
هذا الحديث صحيح ، وتقدم تخريجه في (٦٣٠) وشرحه يعلم مما
سبق ، غير أن بعض المواضع يحتاج إلى توضيح ، فمنها :

١٩ -
٦ - باب الأذان في السَّرِ - حديث رقم ٦٣٣
(قوله : عاشر عشرة) أي واحدًا من جماعة منحصرة في
عشرة، وهو منصوب على الحال.
تنبيه :
من القواعد النحوية : أنه يصاغ من اثنين إلى عشرة وزن فاعل في
المذكر ، وفاعلة في المؤنث ، وإذا أريد به بعض ما صيغ منه يضاف إليه
وجوباً ، فيقال : عاشر عشرة ، أي واحد من جملة عشرة ، فلا يشترط
كونه هو العاشر ، بل المراد أنه واحد من العشرة . قال الله تعالى:
ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] أي واحداً منهما، ويقال: ((ثالث ثلاثة))
أي واحد منها وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله حيث قال :
وَصُغْ مِنْ اْتَيْنِ فَمَا فَوْقَ إِلَى عَشْرَةٍ كَفَاعِلٍ مِنْ فَعَلا
وَأَخْتِمْهُ فِي التَّأْنِيثِ بِالتَّ وَمَتَى ذَكَّرْتَ فَاذْكُرْ فَاعِلاَ بِغَيْرِ تَا
وَإِنْ تُرِدْ بَعْضَ الَّذِي مِنْهُ بُنِي تُضِفْ إِلَيْهِ مِثْلَ بَعْضٍ بَيِّنِ
(قوله : رجل رجل) هكذا النسخ بالرفع ، وهو صحيح ، أي أذن
كل رجل منا واحداً بعد واحد ، فرجل الأول بدل من الضمير الفاعل ،
والثاني عطف عليه .
(وقوله : فمسح على ناصيتي) أي مسح النبي ثمّه على مقدم
رأسه لتحصل له بركة يده عمي المباركة ، فيحفظ ما يلقي عليه من ألفاظ
الأذان ، و((الناصية))، ومثلها ((الناصاة)): قصاص الشعر، وهو

٢٠
س
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
بتثليث القاف والضم أعلى : حيث تنتهي نبته من مقدمه ، أو مؤخره .
انتھی. ((ق)) بزيادة.
(قوله : وبرك علي) بتشديد الراء : أي دعا لي بالبركة ،
والتبريك : الدعاء بالبركة ، والبركة محركة : النماء ، والزيادة ،
والسعادة ، وبارك الله لك، وفيك، وعليك، وبَارَكَكَ ، وباركْ على
محمد ، وعلى آل محمد : أدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة ،
قاله المجد . وفيه استحباب الدعاء بالبركة .
( قوله : الصلاة خير من النوم) مبتدأ وخبر ، أي لذة الصلاة
خير من لذة النوم عند أرباب الذوق وأصحاب الشوق ، ويمكن أن
يكون من باب (( العسل خير من الخل)) . قاله القاري .
وفيه استحباب التثويب في أذان الفجر ، وسيأتي تحقيقه في (٦٤٧)
إن شاء الله تعالى .
(قوله : في الأولى) أي في المناداة الأولى، وفي نسخة ((في
الأول)): أي في النداء الأول، والمراد الأذان دون الإقامة . قاله السندي
رحمه الله تعالى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه : بل الأقرب أن يفسر قوله : في
الأول بالأذان الأول الذي يؤذن قبل الفجر ، كما قال الصنعاني وغيره،
يعني أنه علمه أن يقول في الأذان الأول للصبح : الصلاة خير من النوم