النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١ -
٤٣ - باب بیان ذلك - حديث رقم ٥٨٨
(فذكر أن صفية بنت أبي عبيد) بن مسعود الثقفية، امرأة ابن
عمر، وهي أخت المختار، رأت عمر بن الخطاب، وَحَكَتْ، وَرَوت عن
حفصة، وعائشة، وأم سلمة؛ أمهات المؤمنين، والقاسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق. وروى عنها سالم بن عبد الله، ونافع، وعبد الله بن
دينار، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وحميد بن قيس الأعرج،
وموسى بن عقبة .
قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في ((الثقات))،
وذكرها ابن عبد البر في الصحابة. وقال ابن منده: أدركت النبي ◌َّه،
ولا يصح لها منه سماع. وقال الدار قطني: لم تدرك النبي عمّه. وذكر
الواقدي عن موسى بن ضمرة بن سعيد المازني، عن أبيه: أنها تزوجت
عبد الله بن عمر في خلافة أبيه عمر. علق لها البخاري، وأخرج لها
الباقون إلا الترمذي.
( كانت تحته) أي كانت زَوْجَتَهُ (فكتبت إِليه، وهو في زَرَّاعة )
بزاي مفتوحة، وراء مشددة مهملة: الأرض التي تزرع، والجملة في
موضع نصب على الحال. (له) متعلق بصفة محذوفة لزراعة (أني في
آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة) يحتمل فتح ((أن)»
على المفعولية لقوله: كتبت، ويحتمل كسرها على أنها كتبت إليه هذا
الكلام، وهذا الوجه أوضح والمراد قرب موتها.
(فركب) ابن عمر (فأسرع السير إِليها) ليدركها قبل الموت.
(حتى إِذا حانت صلاة الظهر) أي قرب وقتها (قال له المؤذن:

- ٤٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
الصلاة، يا أبا عبد الرحمن) بنصب الصلاة على أنه مفعول لفعل
محذوف، أي صل الصلاة، ويحتمل الرفع مبتدأ حذف خبره، أي
الصلاة دخل وقتها. (فلم يلتفت) أي لم يستجب ابن عمر لما قاله
المؤذن، لكونه أراد الجمع بين الصلاتين.
(حتى إِذا كان بين الصلاتين) أي بين صلاة الظهر وصلاة
العصر، قال العلامة السندي رحمه الله: ظاهره أنه جمع تقديم في آخر
وقت الظهر، ويحتمل أنه جمع فعلاً، وأما التأخير فهذا اللفظ يأبى
عنه. والله أعلم. اهـ.
(نزل) ابن عمر عن دابته (فقال) للمؤذن (أقم) أي بعد الأذان
(فإِذا سلمت) أي من صلاة الظهر (فأقم) وفي الرواية الآتية ((فأقم
مكانك)) والمراد به عدم الفصل بين الصلاتين بنافلة ونحوها.
(فصلى) وفي الرواية الآتية ((فصلى الظهر ركعتين، ثم سلم، ثم
أقام مكانه، فصلى العصر ركعتين)). (ثم ركب) فأسرع السير.
(حتى إذا غابت الشمس، قال له المؤذن: الصلاة) تقدم إعرابه .
(فقال) ابن عمر للمؤذن. (كفعلك في صلاة الظهر والعصر)
الجار والمجرور الأول نعت لمصدر محذوف، أي افعل فعلاً كائنًا كفعلك
الأول، في صلاة الظهر والعصر، وهو تأخيرهما، ثم الجمع بينهما .

٤٦٣ -
٤٣ - باب بیان ذلك - حديث رقم ٥٨٨
(ثم سار حتى إِذا اشتبكت النجوم) أي كثرت، وانضمت،
وتداخلت. (نزل، ثم قال للمؤذن: أقم، فإِذا سلمت ) أي من صلاة
المغرب (فأقم) أي للعشاء.
(فصلى، ثم انصرف) أي سلم من الصلاة.
(فالتفت إلينا، فقال: قال رسول الله عَّه: ((إِذا حضر
أحدَكُم))) بالنصب مفعول مقدم على الفاعل.
(الأمر الذي يخاف فوته، فليصل) بتشديد اللام، مضارع
((صلَّى صلاة)). (هذه الصلاة) مفعول ليصل، على حذف مضاف، أي
مثل هذه الصلاة في كميتها وكيفيتها، قال السندي: ((فليصل هذه
الصلاة)) بضم الياء، وتشديد اللام، والمراد فليصل هكذا، أو بفتح
الياء، وتخفيف اللام، فليجمع هذه الصلاة. اهـ.
يعني أنه على الثاني من الوَصْل، هذا إن صحت الرواية بالوجهين،
وإلا فما صحت به الرواية هو المتعين. فتنبه. وبالله التوفيق، وعليه
التكلان .
تنبيه :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا حديث حسن.
وهو من أفراد المصنف أخرجه هنا (٥٨٨)، وفي ((الكبرى))
(١٥٦٤) عن محمد بن عبد الله بن بزیع، عن یزید بن زريع، عن کثیر

- ٤٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ابن قارَوَنْدَا عن سالم عنه. وفي (٥٩٧) عن عبدة بن عبد الرحيم، عن
النضر بن شُمَيل، عن كثير به، وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)).
وبقية مباحث الحديث تقدمت في الماضي، وأيضًا ستأتي في
الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .

٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٨٩
٤٦٥
-
٤٤ - الْوَقْتُ الذِّى يَجْمَعُ فِيهِ الْمُقِيمُ
٠
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الوقت الذي يشرع للمقيم أن
يجمع فيه بين الصلاتين في الحضر.
والظاهر أن المصنف يرى أن الجمع للمقيم جمع صوري بدليل أنه
أورد حديث ابن عباس هذا، وفيه قوله: ((أخر الظهر، وعجل العصر))
الخ لكن هذا مدرج من ظن جابر بن زيد، كما يأتي تحقيقه، فالصواب
أن الجمع جمع حقيقي، والله أعلم.
٥٨٩ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو، عَنْ جَابر
ابْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ النَّبِيَُِِّ
بالمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَميعًا، وَسَبْعًا جَميعًا؛ أخَّرَ الظُّهْرَ،
وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعَشَاءَ .
رجال الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]،
تقدم في ١ / ١ .
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة حجة ثبت، من [٨]، تقدم في
١/١.
٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي الأثرم أبو محمد المكي، ثقة، من

- ٤٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
من [٤]، تقدم في ١١٢ / ١٥٤.
٤ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء الأزدي اليُحْمديُّ ثم الجَوْفي -
بفتح فسكون - البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من [٣].
قال عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة
نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا من كتاب الله. وقال تميم
ابن حُدَير، عن الرَّباب: سألت ابن عباس عن شيء؟ فقال: تسألوني،
وفیکم جابر بن زيد.
وقال داود بن أبي هند، عن عَزْرَةَ: دخلت على جابر بن زيد،
فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك، يعني الإباضية، قال: أبرأ إلى الله
من ذلك.
وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة.
قال البخاري، وغيره: مات سنة ٩٣، وقال ابن سعد: سنة ١٠٣،
وقال الهيثم بن عدي: سنة ١٠٤، وقال العجلي: تابعي ثقة .
وفي (تاريخ البخاري)) عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر،
فقال: يا جابر إنك من فقهاء أهل البصرة. وقال ابن حبان في
((الثقات)): كان فقيها، ودُفنَ هو، وأنس بن مالك في جمعة واحدة،
وكان أعلم الناس بكتاب الله.
(١) هكذا ضبطه في الخلاصة ص ٣٢٠.

٤٦٧ -
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقیم - حديث رقم ٥٨٩
وفي كتاب الزهد لأحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: اليوم
مات أعلم أهل العراق. وقال إياس بن معاوية: أدركت الناس، وما
لهم مفت غير جابر. وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري
إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد. وفي الضعفاء للساجي عن يحيى بن
معين: كان جابر إباضيًا، وعكرمة صُفْريًا (١). وأغرب الأصيلي، فقال:
هو رجل من أهل البصرة، انفرد عن ابن عباس بحديث: ((من لم يجد
إزارًا، فليلبس السراويل))، ولا يعرف هذا الحديث بالمدينة. أخرج له
الجماعة اه تت جـ٢ ص٣٨ -٣٩.
٥ - (ابن عباس) عبد الله رضي الله عنه، تقدم في ٣١/٢٧. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا
على التخريج لهم، وأنهم ما بين بَغْلاني وهو: قتيبة، ومكيين: سفيان،
وعمرو، وبصريين: جابر، وابن عباس، وفيه رواية تابعي عن تابعي،
عمرو عن جابر، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين
السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه (قال: صليت مع النبي ◌َ ◌ّ.
بالمدينة ثمانيًا جميعًا) أي ثماني ركعات؛ أربع ركعات للظهر، وأربع
(١) الصُّفْرية من الخوارج نسبة إلى زياد بن الأصفر. اهـ ((لب اللباب)) جـ ٢ ص ٧٣.

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٤٦٨
-
ركعات للعصر (و) صليت (سبعًا جميعًا) أي سبع ركعات؛ ثلاثًا
للمغرب، وأربعًا للعشاء.
(أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء)
ظاهر سياق المصنف رحمه الله تعالى يوهم أن جملة ((أخر الظهر)) الخ من
كلام ابن عباس رضي الله عنهما، ولیس کذلك، بل هو مدرج من كلام
جابر بن زيد، كما بينته رواية الشيخين من طريق ابن عيينة، عن عمرو
بن دينار، فذكر هذا الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر،
وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه(١).
وأخرج البخاري من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار بعد
ذكر الحديث أن أيوب قال لجابر: لعله في ليلة مطيرة؟ قال عسى. فتبين
بهذا أن الظن من جابر، لا من ابن عباس.
وأما الذي ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل عن سبب
الجمع فهو قوله: ((لئلا يكون على أمته حرج)»، كما يأتي برقم ٦٠٢ إن
شاء الله تعالى.
فليس في هذا الحديث ما يدل على أن الجمع جمع صوري، كما
يرشد إليه ظاهر صنيع المصنف، حيث ترجم بقوله: ((الوقت الذي
يجمع فيه المقيم))، لأن قوله: أخر الظهر إلخ من ظن أبي الشعثاء، وما
(١) صحيح البخاري جـ٢ ص٧٢ -٧٣، صحيح مسلم جـ٥ ص٢١٦ -٢١٧ بشرح
النووي.
:

٤٦٩ -
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٨٩
جزم به ابن عباس رضي الله عنهما - وهو عدم حصول الحرج على الأمة.
أولى من ظنه، فيكون الجمع جمعًا حقيقيًا، كما سيأتي تحقيقه إن شاء
الله تعالى في المسائل. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه، دون المدرج من
قول جابر بن زید.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٥٨٩) عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن
جابر بن زيد، عنه.
وفي (٥٩٠)، والكبرى (١٥٦٥) عن أبي عاصم خشيش بن أصرم،
عن حبان بن هلال، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن
جابر بن زيد، عنه .
وفي (٦٠١)، و((الكبرى)) (٥٧٣) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي
الزبير، عن سعيد بن جبير، عنه .
و(٦٠٢)، و((الكبرى)) (١٥٧٤) عن محمد بن عبد العزيز أبي
رزْمَةَ، عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن سعيد، عنه.
و(٦٠٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن

:
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٤٧٠
ابن جريج، عن عمرو بن دينار به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة))
عن أبي النعمان، عن حماد - وعن آدم، عن شعبة - وفي ((صلاة الليل))
عن علي بن عبد الله، عن سفیان۔ثلاثتهم عن عمرو بن دينار عنه.
وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان
به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد به.
وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب، ومسدد، وعمرو بن
عون، ثلاثتهم عن حماد به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في جواز الجمع في الحضر:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اختلف أهل العلم في الجمع
بين الصلاتين في الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما،
فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع
بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع
بينهما وإن لم يكن مطر، إذا كان طينًا وظلمة .
وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يريان الجمع بين المغرب
والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في
حال المطر عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أخرج بسنده عن نافع،
قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلون المغرب، ويصلون
":

٤٧١_
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٨٩
العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعيبُ ذلك.
وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب،
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز .
وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في
حال المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا
في حال المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور.
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين:
المغرب والعشاء في الليلة المطيرة فقال: أهل المدينة يجمعون بينهما،
ولم يزل مَنْ قَبْلَنَا يصلون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن
سعد، وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز
يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن
يجمع بينهما في حال الطين والظلمة.
وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن علة، قال :
لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول الله تعمّ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة،
ولم يثبت عن النبي ◌َّه أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في
حال المطر لأدي إلينا ذلك، كما أدي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد
ثبت عن ابن عباس الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا
سئل لمَ فَعَلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُخْرج أحدًا من أمته.

٤٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
-
ثم قد روينا مع ذلك عن ابن عباس في العلة التي توهمها بعض
الناس. ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قال: ((جمع رسول الله عَّه بين الظهر والعصر، وبين
المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل
ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته)(١).
وأخرج بسنده أيضًا عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس،
قال: ((جمع رسول الله تَّه بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، ولا
خوف، قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا
يحرج أحدًا من أمته))(٢).
قال أبو بكر : فإن تکلم متكلم في حدیث حبيب، وقال: لا يصح،
يعني المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، قولُهُ: لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج
أحدًا من أمته، ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول الله عَّه
لذكره ابن عباس عن السبب(٣) الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره،
وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته، دل على أن جمعه كان في غير حال
المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس - مع حضوره - بشك مالك (٤).
(١) مسلم جـ٥ ص٢١٦ -٢١٧ بشرح النووي.
(٢) مسلم ج٥ ص٢١٥ .
(٣) هكذا نسخة ((الأوسط)) ((عن السبب)) ولعله سقط منه شيء يصح به المعنى، كما يدل
عليه السياق، والأصل ((لما سئل عن السبب)) فيتأمل.
(٤) يعني قول مالك بعد روايته «فى غير سفر ولا خوف)): أرى ذلك كان فى مطر.

٤٧٣ _
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٨٩
فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال
المطر، قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما
للمطر، والريح، والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل،
وأحق الناس بأن يَقْبَلَ ما قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن
عباس لَمَّا ذَكَرَ ((أن النبي ◌َّهِ نهى عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ))، فقال ابن
عباس: وأحْسَبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةٌ بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل
شك ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن
النبي ◌َّة أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف. اهـ كلام ابن المنذر
رحمه الله بتغيير يسير. ((الأوسط)) جـ ٢ ص ٤٣٠ - ٤٣٤.
قال الجامع: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيق حقيق بالقبول، لموافقته
لظواهر النقول من غير تكلف، ولا مُيُول، والله أعلم.
وقال في ((الفتح)) عند شرح قول أيوب لأبي الشعثاء: ((لعله في ليلة
مطيرة؟ قال: عسى)) ما نصه: واحتمال المطر قال به أيضًا مالك عقيب
إخراجه لهذا الحديث عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
نحوه، وقال بدل قوله بالمدينة: ((من غير خوف، ولا سفر))، قال
مالك: لعله كان في مطر، لكن رواه مسلم، وأصحاب السنن من
طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، بلفظ: ((من غير
خوف، ولا مطر))، فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف، أو السفر،
أو المطر .

- ٤٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقَوَّاه
النووي، قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لو كان جمعه عمّه بين الصلاتين
لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه تم الثّ
جمع بأصحابه. وقد صرح ابن عباس في روايته بذلك.
قال الجامع: أي حيث قال، كما في رواية المصنف هنا: ((صليت
مع النبي ◌َّه بالمدينة)) ... فإنه نص على أنه ثمّ صلى بأصحابه.
قال النووي: ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر،
ثم انكشف الغيم مثلاً، فبان أن وقت العصر دخل، فصلاها، قال:
وهو باطل، لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، فلا
احتمال فيه في المغرب والعشاء. اهـ.
وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد،
والمختار عنده خلافه، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء فعلى هذا
فالاحتمال قائم.
قال: ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري، بأن يكون
أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها .
قال: وهو احتمال ضعيف، أو باطل، لأنه مخالف للظاهر
مخالفة لا تحتمل. اهـ.
قال الحافظ: وهذا الذي ضعفه: استحسنه القرطبي، ورجحه قبله

٤٧٥ _
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٨٩
إمام الحرمين، وجزم به من القدماء: ابن الماجشون، والطحاوي، وقواه
ابن سید الناس بأن أبا الشعثاء، وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد
قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن
دينار، فذكر الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر،
وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. قال
ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدری بالمراد من غيره.
قال الحافظ: قلت: لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستقر عليه، فقد
تقدم كلامه لأيوب، وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي
ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض
لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن
وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة، لا
تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري
أولى. والله أعلم.
قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ هنا من أولوية الجمع الصوري
فيه نظر، ويناقضه ما يأتي له قريبًا إن شاء الله تعالى.
قال: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث،
فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك
عادة، وممن قال به: ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال
الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل
٠
:

- ٤٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير، قال :
قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته .
وللنسائي من طريق عمرو بن هَرم عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس
صلى بالبصرة الأولى والعصر، ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء،
ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي ثمّه، وفي
رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان
بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين
المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه.
وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع،
وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا أخرجه الطبراني، ولفظه ((جمع
رسول الله عَّ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في
ذلك؟ فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي))(١).
(١) حديث الطبراني المذكور ذكره الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) جـ٢
ص١٦١. وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، و((الكبير))، وفيه عبد الله بن عبد
القدوس ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق،
إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء. قلت: وقد روى هذا عن الأعمش، وهو ثقة. اهـ.
وقال الشوكاني: وقد ضعف-يعني هذا الحدیث-بأن فيه ابن عبد القدوس، وهو
مندفع، لأنه لم يتكلم فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء، وتشيعه. والأول غير قادح
باعتبار ما نحن فيه، إذ لم يروه عن ضعيف، بل رواه عن الأعمش. والثاني ليس
بقدح معتد به ما لم يجاوز الحد المعتبر، ولم ينقل عنه ذلك. على أنه قد قال البخاري:
إنه صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس به. اهـ (نيل)) جـ ٤ ص ١٣٦.

إ
٤٧٧ -
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٨٩
وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد
إليه لا يخلو عن حرج. اهـ ((فتح)) جـ٢ ص ٣٠ - ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله أخيراً
مما يدل على تقويته الحمل على الجمع الحقيقي، هو الصواب، لا ما تقدم
من جعله الحمل على الجمع الصوري أولى، لكونه تكلفًا لا داعي له،
لمخالفته لظاهر ما صح من النص.
والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة قول من قال بجواز الجمع
الحقيقي في الحضر أحيانًا إذا احتيج إليه، دفعًا للحرج. لما قدمنا.
وأما ما أطال به الشوكاني في نيله مُرَجِّحًا قول من قول: إنه جمع
صوري، فمما لا يلتفت إليه. لأنه لم يأت بدليل مقنع يرد به حجة
المجوزين .
فمن الغريب أنه ذكر من جملة الأدلة، ظن أبي الشعثاء في كونه أخر
الظهر وعجل العصر الخ، مع أنه كان ينبغي له تقديم يقين ابن عباس في
قوله: أراد أن لا يحرج أمته، وقد أجاب ابن عباس بهذا الجواب لَمَّا
سئل عن سبب الجمع في السفر كما في ((صحيح مسلم)) جـ٥ ص٢١٦،
فليس فرق في نفي الحرج بين المسألتين، فكما حمل في السفر على الجمع
الحقيقي، فليحمل عليه هنا. فتبصر.
ومن جملة ما ذكره من المؤيدات حديث ابن مسعود الذي أخرجه
مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، قال: ((ما رأيت رسول الله ◌َلته

- ٤٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
صلَّى صلاةً لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جَمَعَ بين المغرب والعشاء
بالمزدلفة، وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها)).
قال الجامع: هذا الحديث ينافي الجمع أصلاً، سفرًا، وحضرًا،
وقد أجابوا عنه في الجمع في السفر بأنه نفي لعلمه، فيقدم إثبات غيره
عليه، فما كان جوابًا هناك، فهو الجواب هنا.
ومما ذكره أيضًا مؤيدًا ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس، عن
النبي ◌ُّه قال: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من
أبواب الكبائر)). وهذا مما لا يلتفت إليه، لأن في سنده حنش بن قيس،
وهو متروك.
وبالجملة فما ذكر الشوكاني شيئًا له قيمة في الرد على من قال
بالجمع الحقيقي، فتبين أن الصواب هو ما قالوه، لظهور حجتهم. والله
أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٠ - أخْبَرَنَا أبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ
ابْنُ هلال، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرو
ابْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أنَّهُ صلَّى
بِالْبَصْرَةِ الأولَى، وَالْعَصْرَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَىْءٌ،
وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَىْءٌ، فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ

٤٧٩
٤٤ - باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم - حديث رقم ٥٩٠
شُغْل، وَزَعَمَ ابْنُ عَبَّاسِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُول اللَّهَِثُ
بِالْمَدينَةِ الأولَى وَالْعَصْرَ ثَمَان سَجَدَات، لَيْسَ بَيْنَهُمَا
شَيْءٌ .
رجال الإسناد : ستة
١ - (أبو عاصم خُشَيش بن أصْرَم) خشيش - بمعجمات، مصغرًا .
ابن أصرم بن الأسود، النسائي، ثقة حافظ، من [١١].
قال النسائي: ثقة، مات في رمضان، سنة ٢٥٣، وله كتاب
الاستقامة في الرد على أهل الأهواء، وأرخ ابن يونس وفاته في الغُرَبَاء،
وقال: كان ثقة، وكذا قال مسلمة بن قاسم، قال: وأخبرنا عنه غير
واحد. انفرد به المصنف، وأبو داود.
٢ - (حَبَّان بن هلال) حبان - بالفتح، ثم موحدة - الباهلي،
ويقال: الكناني، أبو حبيب البصري، ثقة ثبت، من [٩].
قال أحمد بن حنبل: إليه الْمُنْتَهَى في التثبت بالبصرة. وقال ابن
معين، والترمذي، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة،
وكان امتنع من التحديث قبل موته. وقال العجلي: ثقة، لم أسمع
منه، وكان عَسرًا. وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدث به. وقال ابن
قانع: بصري صالح. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. مات بالبصرة سنة

- ٤٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٢١٦، أخرج له الجماعة.
٣ - (حبيب بن أبي حبيب) الجَرْمي البصري الأنماطي، اسم أبيه
يزيد، صدوق يخطئ، من [٧].
رَوَى عن قتادة، وعمرو بن هَرم، والحسن، وخالد القسري،
وغيرهم. وعنه ابنه محمد، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبو سلمة،
وسلیمان بن حرب، وغيرهم. وسمع منه القطان، ولم يحدث عنه،
وقال: لم يكن في الحديث بذاك.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: هو كذا وكذا.
وكان ابن مهدي يحدث عنه. وقال ابن أبي خَيْثَمَة: نهانا ابن معين أن
نسمع حديثه. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال ابن قانع: مات سنة ١٦٢، وقال البخاري في التاريخ:
سمع ابنَ سيرين، وقتادة. قال حبَّان: ثنا حبيب بن أبي حبيب ثقة.
وقال ابن خلفون: أخرج له مسلم متابعة. قلت: وأخرج له
البخاري في ((خلق أفعال العباد))، والمصنف، وابن ماجه ..
٤ - (عمرو بن هرم)(١) الأزدي البصري، ثقة، مات قبل قتادة،
من [٦].
(١) هرم بفتح الهاء، وكسر الراء، ووقع في بعض النسخ هرمز بالزاي، وهو خطأ.