النص المفهرس

صفحات 421-440

1
٤٢١ -
٤٠ - باب إبادة الصلاة إلى أن يصلي الصبح - حديث رقم ٥٨٤
حجاج: أخبرني شعبة، وذلك أن حجاجًا تحمله عن شعبة سماعًا،
وقراءة، فحينما حدث لأيوب حدثه بما تحمله عن شعبة سماعًا مع غيره،
وحينما حدث الحسن حدثه بما تحمله قراءة بنفسه عليه. وهذا من احتياط
المصنف في بيان اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن كان لا يختلف به المعنى،
فإيضاح صورة الحال مستحسن.
فقوله: شعبةٌ بالرفع تنازعه الفعلان قبله على الفاعلية. والأولى
إعمال الثاني لقربه عند البصريين، وإعمال الأول لسبقه عند الكوفيين،
كما قال في الخلاصة :
قَبْلُ فَلَّوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
إِنْ عَامِلانِ اقْتَضَيَا فِيِ اسْمٍ عَمَلْ
وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهُ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهَ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرو بن عبسة) بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتَّاب،
أبو نَجيح، أسلم قديمًا بمكة، رابعَ أربعة في الإسلام، وهاجر بعد أحد،
ونزل الشام، وهو أخو أبي ذر لأمه. ومات في أواخر خلافة عثمان
رضي الله عنهما. أنه (قال: أتيت رسول الله عَّه) أي في مكة.
فقد روى مسلم في صحيحه قصة إسلامه، فقال: كنت، وأنا في
الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم

٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٤٢٢
يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا فقعدت على راحلتي،
فَقَدَمْتُ عليه، فإذا رسول الله ◌َّ مستخفيًا جُرَاءُ عليه قومه، فتلطفت
حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما
نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة
الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ الله، ولا يُشرك به شيء، قلت
له: فمن معك على هذا؟ قال: حر، وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر،
وبلال، ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك
يومك هذا، ألا ترى حالي، وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك،
فإذا سمعت بي قد ظهرت، فائتني.
قال: فذهبت إلى أهلي، وقَدمَ رسول الله ◌َيُّ المدينة، وكنت في
أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قَدمَ
عليَّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي
قدم المدينة؟ قالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا.
فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟
قال: نعم، ألست الذي لقيتني بمكة؟ فقلت: بلى، فقلت: يا نبي الله،
أخبرني عما علمك الله، وأجهله؛ أخْبرْني عن الصلاة؟ قال: ((صَلِّ
الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ... )) الحديث.
(فقلت: يا رسول الله مَنْ أَسْلَمَ معك؟ قال: حُرٍّ وعبد)
يريد أبا بكر، وبلالاً رضي الله عنهما، فيكون عمّ ثالثهما، وعمرو بن
٠

٤٢٣ _
٤٠ - باب إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح - حديث رقم ٥٨٤
عَبَسَة رابعهما كما تقدم، هذا بالنسبة للرجال، وإلا فخديجة قد أسلمت
قبل أبي بكر، وبلال رضي الله تعالى عن جميعهم.
( قلت: هل من ساعة أقرب إلى الله عز وجل من أخرى؟ قال:
نعم، جوف الليل الآخر) يعني ثلثه الآخر أقرب للإجابة، فجوف
مبتدأ، خبره أقرب مقدرًا، وفي رواية أبي داود: ((أي الليل أسمع؟
قال: جوف الليل الآخرُ))، والآخر بالرفع صفة ((جوف)).
(فَصَلِّ ما بدا لك) وفي رواية أبي داود: ((فصل ما شئت))، وفيه
أن صلاة الليل ليس لها عدد معين، خلاف ما يزعمه بعض الناس أن
الزيادة على إحدى عشرة ركعة التي وردت في صلاة رسول الله ملائم.
بدعة، فينكرون على من يصلي في رمضان عشرين ركعة، أو أقل،
أو أكثر على حسب نشاط المتهجدين، فيرد عليهم هذا الحديث، حيث
قال ◌َّهُ: ((فصلّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي
الصبح))، رواه أبو داود، فإنه أطلق له الكيفية والكمية. وكذا حديث:
(الصلاةُ خیرُ موضوع، فمن استطاع أن یستکثر، فليستكثر))، رواه
الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وحسنه
الشيخ الألباني، انظر (صحیح الجامع)) جـ٢ ص٧١٩ .
والحاصل أن من تيسر له موافقة ما كان عليه النبي ◌َّهِ كَمّاً وكيفًا
فهو الأفضل، وإلا فلا حجر على أحد، والله أعلم.
(حتى تصلي الصبح) هذا محل الترجمة حيث أباح له النبي
صَلىالله

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٤٢٤
-
الصلاة إلى أن يصلي الصبح، فدخل ما بعد طلوع الفجر، والاستدلال
به واضح، ومعارضته بحديث ((لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين)) غير
صحیحة، لعدم صحته، كما تقدم.
والحاصل أن الصحيح جواز الصلاة بعد طلوع الفجر إلى أن تصلى
الصبح لحديث الباب. والله تعالى أعلم.
(ثم انته) أمر من الانتهاء، أي اترك الصلاة حتى تطلع الشمس،
(وما دامت - وقال أيوب: فما دامت) يعني أن شيخيه اختلفا
في قوله: وما دامت - فرواه الحسن بالواو، ورواه أيوب بالفاء، وهذا
من احتياطات المحدثين، وحرصهم على أداء ما سمعوه كما سمعوه،
وإن لم یکن هناك کبیر اختلاف یضر بمعنى الحديث.
وهو عطف على جملة ((تطلع)) الخ، و((ما)) مصدرية ظرفية، أي
اترك أيضًا بعد طلوعها مدة دوامها .
(كأنها حَجَفة) بفتحات، الترس الصغير، يُطَارَقُ (١) بين
جلدين، والجمع: حَجَف، وحَجَفَات، مثل قَصَبَة، وقَصَب،
وقَصَبَات. قاله في المصباح. أي كأنها ترس، في عدم الحرارة، وإمكان
النظر إليها .
(حتى تنتشر) أي إلى أن ترتفع، وينتشر ضوءها.
(١) أي يُخصَّفُ، يقال: طارقت النعل، وطرقتها، خَرَزْتُهَا من جلدين، أحدهما فوق
الآخر. أفاده في المصباح، و ((ق)).
٠
٠
٠

!
٤٢٥ _
٤٠ - باب إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح - حديث رقم ٥٨٤
وفيه أن وقت النهي لا ينتهي بطلوع الشمس، بل لابد من ارتفاعها،
وإشراقها، فالأحاديث التي فيها الإطلاق لابد من تقيدها بهذا، فتنبه.
(ثم صلّ ما بدا لك، حتى يقوم العَمُود على ظله) قال
السندي: العمود خشبة، يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في
القلة غايته بحيث لا يظهر إلا تحت العمود ومحل قيامه، فيصير كأن
العمود قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. اهـ.
( ثم انته، حتى تزول الشمس، فإِن جهنم تُسجَر نصف
النهار) ((تسجر)) بالتخفيف، والتشديد، مبنيًّا للمجهول: أي يوقد
عليها إيقادًا بليغًا، وتقدم ما قاله الخطابي وغيره في تسجير جهنم في
شرح حدیث ٥٧٢ فراجعه تزدد علمًا .
( ثم صل ما بدا لك حتى تصلي العصر، ثم انته، حتى تغرب
الشمس، فإِنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان)
قيل: التنكير للتحقير، وقد تقدم اختلاف العلماء في المعنى المراد بقرني
الشيطان، وأن أقوى الأقوال قول من قال: إن المراد به ناحيتا الرأس،
وأنه على ظاهره، ومعناه أنه يُدْني رأسه إلى الشمس في تلك الأوقات
ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة. والله
أعلم.
تنبيه :
هذا الحديث في سنده يزيد بن طلق، وابن البيلماني، وقد تقدم

__ ٤٢٦
1
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
المقال فيهما، إلا أنه صحيح بما سبق في ٥٧٢، وتقدم ما يتعلق به من
المسائل هناك، فلا حاجة إلى إعادته، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.
!
ا
!
أَ
:

٤٢٧ -
٤١ - باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة - حديث رقم ٥٨٥
٣٨ - إبَاحَةُ الصَّلاةِ فِي السَّاعَاتِ كُلَّها بِمَعَّةَ
قال الجامع: الظاهر أن المراد بمكة البيت وما حوله لا جميع الحرم
كما قيل، لظاهر حديث جبير، وأما حديث ((إلا بمكة)) فضعيف، فلا
يصلح للاحتجاج به، کما یأتي إن شاء الله تعالى.
٥٨٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
سَمِعْتُ مِنْ أَبِيِ الزُّبْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ بَابَاهُ
يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطَعِمٍ: أَنَّالشَِّيَّ ◌ِ، قَالَ: ((يَا بَنِي
عَبْدَ مَنَاف، لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بَهَذَا الْبَيْت، وَصَلَّى أيَّةَ
سَاعَةِ شَاءَ مِنْ لَيْلِ، أَوْنَهَارِ)).
رجال الإسناد : خمسة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُراعي الجَوَّاز -
بتشديد الواو ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم
في ٢٠/ ٢١ .
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة
ثبت حجة إمام، من [٨]، تقدم في ١/ ١ .
٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم
المكي، صدوق، قيل: يدلس، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٤٢٨
الجماعة، تقدم في ٣٥/٣١.
٤ - (عبد الله بن باباه) بموحدتين، بينهما ألف ساكنة، ويقال:
بتحتانية بدل الألف، ويقال: بحذف الهاء، المكي، ثقة، من [٤].
قال علي بن المديني: عبد الله بن بابيه من أهل مكة معروف، ويقال
له أيضًا: باباه، وقال: البخاري عبد الله بن باباه، ويقال: ابن بَابِي.
وقال ابن معين: هؤلاء ثلاثة مختلفون. وقال أبو القاسم الطبراني:
عبد الله بن بابي بصري، وعبد الله بن باباه مكي، وعبد الله بن بابيه
كوفي. وقال أبو الحسين بن البراء: القول عندي ما قال ابن المديني،
والبخاري. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: عبد الله
ابن باباه: ثقة. ووثقه العجلي، وابن المديني، وذكره ابن حبان في
الثقات. أخرج له مسلم، والأربعة .
٥ - (جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي
النوفلي صحابي عارف بالأنساب توفي سنة ٥٨ أو ٥٩، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٥٨/ ٢٥٠ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شیخه، فمن

٤٢٩ -
٤١ - باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة - حديث رقم ٥٨٥
أفراده، وابن باباه، فلم يخرج له البخاري.
ومنها : أنه مسلسل بالمکیین.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهو من رواية الأقران. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جبير بن مُطْعِمٍ) النوفلي رضي الله عنه (أن النبي ◌َّه قال:
يا بني عبد مناف) يريد من كان له تسلط على البيت من قريش؛ وعبدُ
مناف هو الجد الثالث للنبي عَّ﴾ .
(لا) ناهية، ولذا جزم الفعل بها .
(تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت) يعني الكعبة، لأن البيت، وإن
كان في الأصل اسم للمسكن الذي يُبَاتُ فيه، إلا أنه صار علمًا بالغلبة
للكعبة، كما قال ابن مالك :
مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالْعَقَبَهْ
٥,٥/٥
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمَّا بِالْغَلْبَهْ
(وصلى أية ساعة شاء) ((أية)) اسم شرط منصوب على الظرفية
متعلق بفعل الشرط، وهو ((شاء))، قُدِّمَ عليه وجوبًا لكون اسم الشرط
یجب له صدر الكلام .
والأفصح في ((أيّ)) استعمالها في الشرط والاستفهام بلفظ واحد
للمذكر والمؤنث، لأنها اسم؛ والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة بين

- ٤٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
المذكر والمؤنث، قال الله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّه تُنكِرُونَ﴾ [غافر:
٨١]، وقال: ﴿بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد يطابق في
التذكير والتأنيث، نحو أي رجل، وأية امرأة، وقرئ في الشذوذ: (بأية
أرض تموت)(١) وقال الشاعر:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةٍ سُنَّةِ تَرَىَ حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ
ومنه هذا الحديث. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي
فلا تمنعوه. والله أعلم.
(من ليل أو نهار) متعلق بحال من ((أية ساعة))؛ ((فمن)): بيانية،
أي حال كون تلك الساعة كائنة من ليل أو نهار.
وقال السندي رحمه الله: قوله: ((أية ساعة)) الظاهر أن المعنى لا
تمنعوا أحدًا دخل المسجد للطواف، والصلاة عند الدخول أية ساعة يريد
الدخول، فقوله: ((أية ساعة)) ظرف لقوله: ((لا تمنعوا))، لا لطاف،
وصلى، ففي دلالة الحديث على الترجمة بَحْثٌ، كيف، والظاهر أن
الطواف، والصلاة حين يصلي الإمام الجمعة، بل حين يخطب الخطيب
يوم الجمعة، بل حين يصلي الإمام إحدى الصلوات الخمس غير مأذون
فيها للرجال !. والله أعلم. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ظرف لقوله: ((لا تمنعوا)) فيه نظر لا
يخفى، إذ أسماء الشرط، والاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، لوجوب
الصدارة لها، بل الصواب أنه ظرف لشاء، لكونه فعل الشرط، كما
(١) أفاد هذه القاعدة في المصباح، وزدته إيضاحًا.
:

٤٣١ -
٤١ - باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة - حديث رقم ٥٨٥
قدمناه، والمقصود منه إطلاق إرادة الشخص، ففي أيّ وقت من أوقات
الليل والنهار أراد أن يطوف أو يصلي فلا يمنع منه، وأما ما ذكره من
منع ذلك عند الخطبة، أو صلاة الجمعة، أو الجماعة فلأدلة أخرى
خصت ذلك من هذا العموم.
فاستدلال المصنف على إباحة الصلاة في الساعات كلها ما عدا ما
استثناه الدليل واضح، فدخل في هذا العموم أوقات النهي، فيجوز أن
يُصَلَّى في مكة في أوقات النهي، وليس هذا خاصًا بركعتي الطواف،
بل مطلق الصلاة كذلك، لما في صحيح ابن حبان: ((يا بني عبد المطلب
إن كان إليكم من الأمر شيء، فلا أعرفن أحدًا منكم أن يمنع من يصلي
عند البيت، أي ساعة شاء، من ليل، أو نهار)). والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٥٨٥)، وفي ((الكبرى)) (١٥٦١) عن محمد بن
منصور، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عنه. وفي
((الحج)) (٢٩٢٤) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان
به . والله أعلم.

٤٣٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فأخرجه أبو داود في
((الحج)) عن أبي الطاهر بن السرح، والفضل بن يعقوب، وأخرجه
الترمذي فيه عن الحسين بن الحريث - وعلي بن خَشْرَم-، وأخرجه ابن
ماجه في ((الصلاة)) عن يحيى بن حكيم - أربعتهم عن سفيان به .
وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني. والله تعالى
أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في جواز الصلاة في مكة في
جميع الأوقات :
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في
الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح بمكة، فقال بعضهم: لا بأس في
الصلاة والطواف بعد العصر، وبعد الصبح، وهو قول الشافعي،
وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث النبي ◌َّ - يعني حديث جبير
هذا - وقال بعضهم: إذا طاف بعد العصر لم يصلِّ حتى تغرب الشمس،
وكذلك إن طاف بعد صلاة الصبح أيضًا لم يصل حتى تطلع الشمس .
واحتجوا بحديث عمر أنه طاف بعد الصبح، فلم يصل، وخرج من
مكة حتى نزل بذي طوى، فصلى بعدما طلعت الشمس، وهو قول سفيان
الثوري، ومالك بن أنس. اهـ ((جامع الترمذي)) جـ٢ ص١٧٨، ١٧٩ .
وقال الصنعاني رحمه الله: حديث جبير دال على أنه لا تكره
الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه في أي ساعة من ساعات الليل

٤٣٣ -
٤١ - باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة - حديث رقم ٥٨٥
والنهار، وقد عارض ما سلف فالجمهور عملوا بأحاديث النهي ترجيحًا
لجانب الكراهة، ولأن أحاديثها في ((الصحيحين))، وغيرهما، وهي
أرجح من غيرها. وذهب الشافعي وغيره إلى العمل بحديث جبير،
قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة، والنوم عنها،
والنافلة التي تُقْضَى، فضعفوا عمومها، فتخصص أيضًا بهذا الحديث.
ولا تكره الصلاة النافلة بمكة في أي ساعة من الساعات، وليس هذا
خاصًا بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة، لرواية ابن حبان في
صحيحه: ((يا بني عبد المطلب إن كان لكم من الأمر شيء، فلا أعرفن
أحدًا منكم يمنع من يصلي عند البيت أي ساعة شاء من ليل، أو نهار)).
قال في ((النجم الوهاج)): وإذا قلنا: بجواز النفل - يعني في المسجد
الحرام في أوقات الكراهة، فهل يختص ذلك المسجد الحرامَ، أو يجوز
في جميع حرم مكة؟ فیه وجهان، والصواب أنه يعم الحرم. اهـ ((سبل
السلام)) ج١ ص٢٣٥.
قال الجامع: في دعوى الجواز في جمیع الحرم نظر، إذ حديث جبير
لا يدل عليه، وأما حديث أبي ذر عند الشافعي، بلفظ: ((لا صلاة بعد
العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس
إلا بمكة))، وكرر الاستثناء ثلاثًا، ورواه أحمد، وابن عدي، فإنه
ضعيف، لضعف عبد الله بن المؤمل، وذكر ابن عدي هذا الحديث من
جملة ما أنكر عليه، وقال البيهقي : تفرد به عبد الله ولكن تابعه إبراهيم

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٤٣٤
۔
ابن طهمان، وهو أيضًا من رواية مجاهد عن أبي ذر، وقد قال
أبو حاتم، وابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري، وغير واحد: إنه لم
يسمع منه. وقد رواه أيضًا ابن خزيمة في ((صحيحه))، وقال: أنا أشك
في سماع مجاهد من أبي ذر. قاله في ((النيل)) جـ١ ص٣٨٦.
فالظاهر التخصيص بالمسجد الحرام فقط. والله أعلم.
قال الجامع: الحاصل أن أرجح المذاهب في هذه المسألة قول من
قال بجواز التنفل في المسجد الحرام مطلقًا، لحديث جبير بن مطعم هذا،
فإنه يخصص عمومات أحاديث النهي لأنها دخلها التخصيص بغيره.
وأما ما قاله الشوكاني - من أن حديث جبير لا يصلح لتخصيص
أحاديث النهي، لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، ولیس أحد
العمومين أولى بالتخصيص من الآخر - فغير صحيح، لأنا نقول: إن
عموماتها أولى بالتخصيص به، حيث إن التخصيص دخلها بغيره،
کحديث: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها))، وحديث
قضاء السنن الفائتة، وحديث من أدرك الجماعة في الصبح بعد أن صلى
وحده، فإنه يصلي، وهي نافلة له، وغير ذلك، فكان التخصيص
بحديث جبير أولى فتبصر. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .

-
٤٢-باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر - حديث رقم ٥٨٦ ٤٣٥
٤٢ - الْوَقْتُ الذِّى يَجْمَعُ فِيهِ الْمُسَافِرُ
بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان الوقت الذي يجمع فيه
المسافر بين صلاة الظهر وصلاة العصر. وذكْرُ أحاديث الجمع في كتاب
الأوقات ظاهر، وقد ذكره غيره، كالبخاري في كتاب تقصير الصلاة،
نظراً لكون أكثر الجمع في السفر. والله أعلم.
٥٨٦ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ
شهَاب، عَنْ أنَس بْن مَالك، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه
صَلىالله
إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْت
الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَغَت الشَّمْسُ قَبْلَ
أنْ يَرَتَحلَ صلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ .
رجال الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم
في ١ / ١ .
٢ - (مُفَضَّل) بن فَضَالة بن عُبَيد بن ثُمامة بن مَزْيَدَ بن نوْف
الرُّعَيني، ثم القتباني - بكسر القاف، وسكون المثناة بعدها موحدة .

- ٤٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
المصري، أبو معاوية القاضي، ثقة فاضل، أخطأ ابن سعد في تضعيفه،
من [٨].
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري عن ابن
معين: رجل صدوق، وكان إذا جاء رَجُل قد انكسرت يده أو رجْله
جبرها، وكان يصنع الأرْحيَةَ. وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال أبو حاتم، وابن خراش: صدوق في الحديث. وقال ابن
يونس: ولي القضاء بمصر مرتين، وكان من أهل الفضل، والدين، ثقة
في الحديث، من أهل الورع. ذكره أحمد بن شعيب يومًا، وأنا حاضر،
فأحسن الثناء عليه، ووثقه، وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يذكر عنه
فضلاً. وقال الآجري عن أبي داود: كان مجاب الدعوة لم يُحَدِّث عنه
ابن وهب؛ وذلك أنه قضى عليه بقضية .
وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: أخبرني بعض
مشايخنا أن رجلاً لقي المفضل بن فضالة بعد أن عزل عن القضاء،
فقال: حسيبك الله قضيت علي بالباطل، فقال له المفضل: لكن الذي
قضینا له يطيب الثناء .
قال يحيى بن أبي بكير: ولد سنة ١٠٧، ومات سنة ١٨١ أو
١٨٢، وكذا قال ابن يونس، لكن لم يقل: أو اثنتين. وقال البخاري:
مات في شوال سنة ١٨١، وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن
سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، وقال: كان منكر الحديث. قال

:
٤٣٧ -
٤٢-باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر - حديث رقم ٥٨٦
عيسى بن حماد زُغْبَةُ: كان مجاب الدعوة، وطويل القيام مع ضعف
بدنه. أخرج له الجماعة .
٣ - (عُقيل) مصغرًاً - بن خالد بن عَقيل - بالفتح - الأَيْلِيُّ، أبو خالد
الأموي مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، توفي
سنة ١٤٤، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٥/ ١٨٧.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم ، الإمام الحجة الثبت، من
[٤]، تقدم في ١/ ١ .
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في
٦/٦ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا
عليهم، وأنهم ما بين بغلاني وهو شيخه، ومصريين وهما مفضل،
وعُقَيل، ومدنيين وهما: ابن شهاب، وأنس، وأن أنسًا هو أحد
المكثرين من الصحابة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة
من الصحابة. والله تعالى أعلم.
شرع الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه، أنه (قال: کان رسول الله ێه
إِذا ارتحل) أي ذهب (قبل أن تزيغ الشمس) بزاي، ومعجمة: أي

- ٤٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
تميل، وزاغت: مالت، وذلك إذا قام الفيء.
(أخر الظهر إِلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما) أي في
وقت العصر، ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن عُقَيل: ((يؤخر
الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع
بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق))، وله من رواية شَبَابَةَ عن عُقَيل
((حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما)).
(فإِن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب ) قال
في الفتح: كذا فيه - أي في حديث أنس - الظهر فقط، وهو المحفوظ عن
عقيل في الكتب المشهورة ومقتضاه أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا في
وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، ولکن روی
إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة، فقال: ((كان إذا كان في
سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل))، أخرجه
الإسماعيلي، وأعلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر
الفريابي به عن إسحاق. قال الحافظ: وليس ذلك بقادح، فإنهما
إمامان حافظان .
وقد وقع نظيره في ((الأربعين)) للحاكم، قال: حدثنا محمد بن
يعقوب، هو الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، هو أحد
شيوخ مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي، فذكر
الحديث، وفيه: ((فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر

-
٤٢ - باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر - حدیث رقم٥٨٦ ٤٣٩
والعصر، ثم ركب)).
قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ
كثيرة من الأربعین بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جید. انتهى.
قال الحافظ: وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت
ثابتة، لكن في ثبوتها نظر، لأن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم
بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا
أن في رواية قتيبة: ((كان رسول الله عَّه)) وفي رواية حسان ((أن
رسول الله ټپڼے)).
والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود، والترمذي،
وأحمد، وابن حبان من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي
الطُّفَیل، عن معاذ بن جبل.
وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار
البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في علوم
الحديث، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من
رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشامٌ مختلف
فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوري،
وقرة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم.
وقد ورد في جمع التقديم حديث آخر عن ابن عباس أخرجه أحمد،

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٤٤٠
وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذي في بعض الروايات عنه، وفي إسناده
حسین بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لکن له شواهد من طريق
حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، لا أعلمه إلا
مرفوعًا: ((أنه كان إذا نزل منزلاً في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع
بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير،
فسارحتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر)). أخرجه البيهقي، ورجاله
ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه
البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس، ولفظه: ((إذا كنتم
سائرين)) ... فذكر نحوه.
وفي حديث أنس استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان
سائرًا، أو نازلاً. وقد استدل به على اختصاص الجمع بمن جَدَّ به السير،
لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ، ولفظه: ((أن
النبي ◌َّ أخر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر
جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا)). قال
الشافعي في الأم: قوله: ((دخل، ثم خرج)) لا يكون إلا وهو نازل،
فللمسافر أن يجمع نازلاً، ومسافرًا.
وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا
يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس. اهـ.
وحكى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله ((ثم دخل)) أي في الطريق