النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٧ ٤ - (الحَكَم) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس، توفي سنة ١١٣ أو بعدها عن نيف و٦٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٤/٨٦ . ٥ - (نافع) مولى ابن عمر العدوي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، توفي سنة ١١٧ أو بعدها، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢ / ١٢ . ٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في ١٢ / ١٢ . لطائف الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء. ومنها : أنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه . ومنها: أن إسحاق مروزي نيسابوري، وجريرًا كوفي رازي، ومنصورًا، والحكم، کوفیان، ونافعًا، وابن عمر، مدنیان. ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة . ومنها: أن فيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ١٦٢ الاتصال، على الراجح في ((عن)). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عمر) رضي الله عنهما، أنه (قال: مكثنا) بفتح الكاف، وضمها. قال في المصباح: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ : أقام، ولَبثَ، فهو ماكث، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكيث، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريب، لغة، وقرأ السبعة: ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يعجل فیه . اهـ أي لبثنا في المسجد (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي (ننتظر رسول الله عَّة) والجملة في محل نصب على الحال من فاعل (مکث). ( العشاء الآخرة) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النووي: فيه دليل على جواز وصفها بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه خلافًا لما حكي عن الأصمعي من كراهة هذا. اهـ شرح مسلم. (فخرج علينا) أي من حجرته الشريفة (حين ذهب ) أي مضى ( ثلث الليل، أو ) للشك من الراوي (بعده) أي بعد الثلث . (فقال حين خرج) زاد في رواية مسلم: ((فلا ندري، أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك))، فقال حين خرج (إِنكم تنتظرون صلاة ، ما ) نافية ( ينتظرها أهل دين غير كم) بالرفع على البدل، وبالنصب على ١٦٣ - ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٧ الاستثناء، والأول المختار، قاله القاري. قال في الخلاصة : وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِغَيْرِ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَشْنَى بِإِلا نُسِبَا وقد بین قبله حكم المستثنی بإلا بقوله : مَا اسْتَشْنَتِ إِلا مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيِ انْتُحِبْ وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ إِتُّبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ يعني أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الأم من خصوصياتكم التي اختصكم الله بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل، مع أن الوقت يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة. قاله القاري. وفيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يَظُنُّ أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا. قاله النووي في شرح مسلم ج٥ ص١٣٩ . (ولولا أن يثقل على أمتي) يثقل: بالياء، وهكذا لمسلم، والضمير يعود إلى التأخير، أو الفعل، أي لولا أن يثقل التأخير، أو هذا الفعلُ، وعند أبي داود ((تثقل)) بالتاء، أي الصلاة في هذه الساعة ( لصليت بهم) أي دائمًا (هذه الساعة) قال الطيبي: أي لزمت على صلاتها في مثل هذه الساعة. وفيه تصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، والثقل على الأمة. وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في الأفضل من التقديم والتأخير، شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ١٦٤ وترجيح القول بأفضلية التأخير إذا لم تكن مشقة، في الباب الماضي فراجعه . ( ثم أمر المؤذن فأقام) ولمسلم ((فأقام الصلاة))، والظاهر أن الأذان تقدم قبل خروجه، وهو الذي يدل عليه قول عمر: ((الصلاة))، في حديث عائشة، ويحتمل أن يكون تقدير الكلام، فأمر المؤذن بالأذان، فأذن، ثم بالإقامة، فأقام (ثم) بعد الإقامة (صلى) بهم العشاء. والله تعالى أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته : حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٥٣٧) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، فقط. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم وأبو داود؛ فأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن عثمان ابن أبي شيبة ۔ثلاثتهم عن جریر به. قال الجامع عفا الله عنه: فوائد الحديث، وبقية المسائل تعرف من ٠ ١٦٥ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٨ الأحاديث السابقة، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فارجع إليها تزدد علمًا، وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٨ - أخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارث، قَالَ: حَدَثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِنَّهِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ النَّاسِ قَدْ صَلَّوا، وَنَامُوا، وَأَنْتُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاة مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ، وَلَوْلا ضَعْفُ الضَّعِيف، وَسُقْمُ السَّقِيمِ لِأَمَرْتُ بِهَذه الصَّلاة أنْ تُؤَخَّرَ إلَى شَطْر اللَّيْل)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (عمران بن موسى) القَزَّازُ الليثي، أبو عمرو البصري صدوق، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج ه الترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٦/ ٦ . ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العَنْبَري مولاهم، أبو عبيدة التّنَّوري البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٠٨، من [٨]، - ١٦٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٧/ ١٦٢ . ٣ - (داود) بن أبي هند دينار بن عُذَافر، وقيل: طَهْمان(١)، القشيري مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصري، ثقة متقن، كان يهم بآخره، توفي سنة ١٤٠ وقيل قبلها، من [٥]. قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن. وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. قال: وسئل عنه مرة أخرى، فقال: مثل داود يسئل عنه؟ !. وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا . وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت . وقال يزيد بن هارون وغير واحد: مات سنة ١٣٩، وقال علي بن المديني وغير واحد: سنة ١٤٠، وقيل: سنة ١٤١ . وقال ابن حبان: روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهم إذا حدث من حفظه، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال (١) عذافر: بضم العين، وتخفيف الذال، وكسر الفاء. وطهمان: بفتح الطاء، وسكون الهاء . ١٦٧ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٨ الحاکم: لم يصح سماعه من أنس. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعَوْف، وقُرَّةَ؟ فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي من عاصم، وخالد الحذاء. وقال ابن خراش: بصري ثقة. وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف. أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. ٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة - بضم القاف، وفتح الطاء - العبدي، ثم العَوقي - بفتحتين، آخره قاف - البصري، مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ١٠٨ أو ١٠٩، من [٣]. : قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة، والنسائي. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية؟ فقال: أبو نضرة أحب إلي. وقال ابن سعد: کان کثیر الحدیث، ولیس کل أحد يحتج به. قيل: مات قبل الحسن. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من فصحاء الناس فُلجَ في آخر عمره. مات سنة ثمان، أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، وكان ممن يخطئ. وأورده العقيلي في ((الضعفاء))، ولم يذكر فيه قدحًا لأحد، وكذا ابن عدي في الكامل، وقال: كان عَريفًا لقومه، قال الحافظ: وأظن ذلك - ١٦٨ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ما أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يحتج به البخاري. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن حنبل: ثقة. علق له البخاري، وأخرج له مسلم، والأربعة. ٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي بن الصحابي رضي الله عنهما، تقدم في ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات. ومنها : أنه مسلسل بالبصريين، إلا الصحابي، فمدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن فيه أبا سعيد أحد المكثرين السبعة من الصحابة روى ١١٧٠ حديثاً . ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنَان رضي الله عنهما، أنه (قال: صلى بنا رسول الله تَ ◌ّه صلاة المغرب، ثم لم يخرج إِلينا ) مع انتظارهم له في المسجد. ١٦٩ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٨ (حتى ذهب شطر الليل) غاية لعدم خروجه، أي أنه لم يخرج إليهم إلى أن مضى شطر الليل. قال المجد: الشطر: نصف الشيء، وجزؤه، وفي حديث الإسراء ((فوضع شطرها))، أي بعضها، جمعه أشطر، وشطور. اهـ. ((ق)). والمراد بالشطر هنا: قريب الشطر، فيكون المعنى، ((حتى كاد يذهب نصف الليل))، ويؤيد ذلك حديث أنس الآتي بعده (( أخر صلاة العشاء إلى قريب من شطر الليل))؛ إذ لو ذهب نصف الليل حقيقة لخرج وقتها، على الراجح للأحاديث المتقدمة، أو خرج وقتها المختار على قول الجمهور، ولم ينقل أنه من صلاها بعد النصف. أو معنى الشطر: مطلق الجزء؛ فيكون ما قبل النصف. والله أعلم. (ثم قال:) أي بعد الصلاة، لما في سنن ابن ماجه: ((فخرج فصلى بهم، ثم قال)) (إِن الناس) أي الذين لم يحضروا صلاة العشاء معه في تلك الليلة (قد صلوا وناموا، وأنتم لن تزالوا في صلاة) أي في ثواب صلاة، والتنكير للتعميم، لئلا يتوهم اختصاص هذا الحكم بصلاة العشاء، أيْ أيُّ صلاة انتظرتموها، فأنتم فيها . (ما انتظرتم الصلاة) ((ما)) مصدرية ظرفية، أي مدة انتظاركم الصلاة، إذ المقصود من الصلاة هو الخضوع والذل بين يدي الله تعالى، فمنتظر الصلاة في المسجد فيه هذا المعنى، فله ثوابها . ١٧٠ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - (ولولا) حرف امتناع لامتناع (ضعف الضعيف): ((الضعف)) بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمها في لغة قريش: خلاف القوة، والصحة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثال قَرُبَ، قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ، ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد. والضعيف: فعيل بمعنى مفعول، جمعه ضُعْفَاء وضعاف، وجاء ضَعَفَة، وضَعْفَى، لأن فعيلاً إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول، جُمعَ على فَعْلَى، مثل فَتیل، وقَتْلَى، وجَریح، وجَرْحَى. قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى: ذهابًا إلى أن الْمَعْنَى مَعْنَى مَفْعُول، وقالوا: أحمق، وحَمْقى، وأَنْوَك، ونَوْكَى (١) لأنه عيب أصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذ من ذلك سَقيم، فجمع على سقَام، بالكسر، لا على سَقْمَى، ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولوحظ في ضعيف معنى فاعل، فجمع على ضعاف، وضَعَفَة، مثل كافر، وكفرة. أفاده في المصباح. (وسُقْم السقيم) ((السَّقَم)): بفتحتین، وبضم، فسكون، مصدر، قال في المصباح: سَقم، سَقَمًا، من باب تَعبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا، من باب قَرُبَ قُرْبًا، فهو سقيم: وجمعه: سقام - بالكسر - مثل (١) الأنوك: الأحمق. ١٧١ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٨ كَريم، وكرَام، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، والسّقام، بالفتح اسم منه . اهـ. والضعيف أعم من السقيم، لأنه يتناول من به سقم، ومن ذهبت قوته كالشيخ الهرم، وكل عاجز عن الحضور، فعطف الثاني على الأول لشدة الاهتمام. أفاده في المنهل جـ ٣ ص٣٤٧ . فقوله: ((ضعف الضعيف)): مبتدأ، وقوله: ((سقم السقيم)) عطف علیه، والخبر محذوف وجوبًا كما تقدم، أي موجودان، وزاد أحمد في روايته ((وحاجة ذي الحاجة))، وجواب ((لولا)) قوله: (لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إِلى شطر الليل) يريد قريب نصفه. والمعنى: لولا الضُّعْفُ، والسُّقمُ موجودان في الناس لأمرت بتأخير هذه الصلاة دائمًا إلى شطر الليل، لكن تركت ذلك لدفع المشقة، فَبيَّنَ څ﴾ فضيلة تأخير صلاة العشاء من وجهين: أحدهما: أن الناس في حالة التأخير يكونون في صلاة ماداموا منتظرين لها . ثانيهما: أن تأخيرها إلى شطر الليل أكثر ثوابًا، لكون ذلك وقتها المستحب، حيث قال في حديث عائشة: ((إنه الوقت))، أي الوقت المستحب، لكن رعايةً لجانب أصحاب الأسقام، والعاجزين الذين لا يستطيعون التأخير قدمها، فإن في إحراز فضيلة التأخير، تفويت فضيلة تكثير الجماعة، وهي أهم منها . شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ١٧٢ واستدل به على فضل تأخير العشاء لمن لا يشق عليه، قال في الفتح: ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت، لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة، لأنه ◌َطّ أمر بالتخفيف، وقال: ((إن فيهم الضعيف وذا الحاجة))، فترك التطويل عليهم في الانتظار أولى. قال الحافظ رحمه الله: وقد روى أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري: ((صلينا مع رسول الله عَّ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: إن الناس قد صلوا، وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل)). وفي حديث ابن عباس: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا)). وللترمذي، وصححه من حديث أبي هريرة: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه)). فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية، ١٧٣ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٨ وغيرهم. ونقل ابن المنذر عن الليث، وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبيل الثلث. وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر الصحابة، والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم : التعجيل أفضل، وكذا قال في الإملاء، وصححه النووي، وجماعة، وقالوا: إنه مما يُفْتَى به على القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء، وهو من كتبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل. والله أعلم. اهـ فتح جـ٢ ص٥٨. قال الجامع عفا الله عنه: الذي عندي أن المختار من حيث الدليل أيضًا التفصيل الذي مر في هذه الأحاديث، فمن كان لا يشق عليه التأخير فالأفضل له التأخير سواء كان منفردًا، أو مع جماعة، ومن كان يشق عليه ذلك فالأفضل له التقديم. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري هذا صحيح. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : 3 - ١٧٤ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت أخرجه هنا (٥٣٨) وفي ((الكبرى)) (١٥ /١٥٢٠) عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة عنه. والله أعلم. الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه أبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن داود به. وأخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) أيضًا عن شيخ المصنف بسنده. قال الجامع: وفوائد الحديث، وسائر مسائله واضحة مما تقدم فلا حاجة إلى إعادتها فارجع إليها تزدد علمًا. وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٩ - أخْبَرَنَا عَلَيُّ بْنُ حُجْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ح وَأَنْبَأنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالا: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌّ، هَلَ انَّخَذَ النَّبِيُّ ◌َّ خَاتَمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أخَّرَ لَيْلَةٌ صَلاةَ الْعِشَاء الآخرَة إلَى قَرِيب منْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَلَمَّ أَنْ صَلَّى أَقْبَلَ الَنَّبِيُّ ◌َ عَلَيْنَ بَوَجَهَ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاةَ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا))، قَالَ أنَسُ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبَيْصَ خَتَمِهِ. فِي حَدِيثِ عَلى: ((إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ)). ١٧٥ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٩ رجال الإسناد : ستة ١ - (علي بن حُجْر) بن إياس السَّعْدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٤، وقد قارب ١٠٠ سنة أو جاوزها، من صغار [٩]، أخرج ه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقي، أبو إسحاق القارئ، المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٠، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦ / ١٧ . ٣ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٦٠/ ٨٠. ٤ - (خالد) بن الحارث بن عُبَيد بن سُلَيم الهُجَيْميَّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧ . ٥ - (حميد) بن أبي حميد، تير، أو تيرويه الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة عابد مدلس، توفي سنة ١٤٢ عن ٧٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨ . ٦ - (أنس) بن مالك الصحابي رضي الله عنه تقدم في ٦/٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو الثالث والعشرون من شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ١٧٦ رباعيات الکتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات . ومنها: أنهم بصريون، إلا عليًا فمروزي، وإسماعيل فمدني. ومنها: كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، كما قال في ألفية الأثر: فَقِيلَ مِنْ صَحَّ وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ و کتبُوا (ح) عِنْد تَكْرِیرِ سَنَد مِنَ الْحَديثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ أَوْ حَائِلٍ وَقَوْلُهَا لَفْظًّا أَسَدْ فله إسنادان لهذا الحديث: أحدهما علي بن حجر، عن إسماعيل، والثاني محمد بن المثنى، عن خالد الحذاء - كلاهما عن حميد، عن أنس رضي الله عنه . ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث قال حميد الطويل رحمه الله: (سئل أنس) رضي الله عنه (هل اتخذ النبي ◌ُِّ خاتمًا؟) هو حَلْيٌ للأصبع، كما في ((ق)). وفي المصباح: حلقة ذات فَص من غيرها، فإن لم يكن لها فص، فهي فَتَخَةٌ، بفاء وتاء مثناة من فوق، وخاء معجمة، وزان قصبة. اهـ. وفيه لغات: الخاتَم بفتح التاء، وكسرها، والخَاتَام، والْخَيْتَامُ بفتح ١٧٧ - ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٩ الخاء، وكسرها، والخَتَمُ محركة، والخَاتِيَام، وجمعه خَوَاتم، وخَوَاتيم. قاله المجد. وقد نظم الحافظ العراقي لغاته، بقوله (من البسيط) : خُذْ عَدَّ نَظْمِ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ ثَمَانِيًّا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتُومٌ وَخَيْتَامُ خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ وَهُمْزُ مُفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وِذَا قال المرتضى رحمه الله: ولم يذكر الناظم خَتَمًا محركة، وقد ذكره صاحب ((ق)) وابن سيده، وابن هشام في شرح الكعبية. اهـ تاج جـ ٨ ص٢٦٦ . أي فتصير اللغات مع ما قاله الناظم إحدى عشرة لغة. (قال) أنس (نعم) اتخذ خاتمًا، وقد بين سبب اتخاذه في رواية البخاري من طريق قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال: ((كتب النبي ◌َّ﴾ كتابًا - أو أراد أن يكتب - فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده)) . (أخر) الضمير للنبي ◌َّه، والجملة مستأنفة، أتى بها أنس رضي الله عنه لبيان كونه شاهد النبي تَّ لابسًا خاتمًا في تلك الليلة . (ليلة) منصوب على الظرفية متعلق بأخَّرَ، أي ليلة من الليالي . (صلاة العشاء الآخرة) مفعول به لأخر، وقوله: ((الآخرة» بالجر - ١٧٨ - شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت صفة للعشاء، قال القاري: ولعل تأنيثها باعتبار مرادف العشاء، وهو العتمة، قال: وجُوِّز النصبُ على أنها صفة لصلاة، أو بتقدير ((أعني)). اهـ. (إِلى قريب من شطر الليل) متعلق بـ (( أخَّرَ))، أي إلى وقت قريب من نصف الليل. هذه الرواية فيها بيان معنى الرواية الأخرى أنه أخرها إلى ((شطر الليل)) بأن المعنى قريب الشطر. (فلما أن صلى) ((لَمَّا)) حينية مضافة إلى جملة ((صلى))، متعلقة بجوابها، وهو (أقبل))، و((أنْ)) مُقْحَمَة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف: ٩٦]، و﴿ ولمَا أَن جاءتْ رُسُلُنَا لُوطًّا سيء بهم ﴾ [العنكبوت: ٣٣]. (أقبل النبي ◌َّ علينا بوجهه) الشريف، ثم قال: (إِنكم لن تزالوا في) ثواب (صلاة، ما) مصدرية ظرفية (انتظرتموها) أي مدة انتظاركم إياها . (قال أنس: كأني أنظر إِلى وبيص خاتمه) الوَبيصُ: كالبَريق وزنًا ومعنى، أي إلى لَمَعَان خاتمه عَلَّه . قال المصنف رحمه الله: (في حديث علي) في النسخة الهندية: ((في حديث علي، وهو ابن حجر)) (إِلى شطر الليل) يعني أن شَيْخَهُ محمد بن المثنى قال في روايته: إلى قريب من شطر الليل، وشيخَهُ عليَّ بنَ حُجْر قال: ((إلى شطر الليل))، فبين به اختلاف الشيخين. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. ١٧٩ - ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٩ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته :. حديث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٥٣٩/٢١) عن علي بن حجر، عن إسماعيل، وعن محمد ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، كلاهما عن حميد، عنه. وفي الكبرى (١٥١٩/١٤) عن علي بن حجر، عن إسماعيل به، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري وابن ماجه، فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد عنه. وعن عبد الرحمن المحاربي، عن زائدة، عن حميد عنه. وأخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها : استحباب تأخير صلاة العشاء إلى قريب نصف الليل وقد تقدم تمام البحث فيه في الأحاديث السابقة. ومنها : جواز اتخاذ الخاتم من الفضة للرجال، قال القاضي عياض رحمه الله: أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الورق - وهي - ١٨٠ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت الفضة - للرجال، إلا ما روي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا لذي سلطان، وهو شاذ مردود. وأجمعوا على تحريم خاتم الذهب على الرجال، إلا ما روي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إباحته، وروي عن بعضهم كراهته، قال النووي رحمه الله : هذان النقلان باطلان. وحكى الخطابي أنه يكره للنساء التختم بالفضة، لأنه من زيِّ الرجال، ورُدَّ عليه ذلك، قال النووي: الصواب أنه لا يكره لها ذلك، وقول الخطابي ضعيف، أو باطل، لا أصل له. ومنها : جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم، ونقش اسم الله تعالى فيه؛ بل فيه: كونه مندوبًا، وهو قول مالك، وابن المسيب، وغيرهما، وكرهه ابن سيرين، وأما نهيه عليه الصلاة والسلام أن ينقش أحد على نقش خاتمه، فلأنه إنما نقش فيه ذلك ليختم به كُتُبَهُ إلى الملوك، فلو نقش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل. قاله في ((عمدة القاري) جـ٢ ص ٣٠. ومنها : استحباب انتظار الصلاة بعد الصلاة، وفيه فضل عظيم، وسماه النبي ◌ُُّ الرِّباط. ومنها : مشروعية إقبال الإمام على المأمومين عند إرشادهم أو بيان فضل العبادة لهم، ليكون صوته مسموعًا للجميع والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.