النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ _ ٢٠ - باب ما يستحب من تأخير العشاء - حديث رقم ٥٣٤ أنه يستدل بذلك على أن الأمر للوجوب. فلك أن تنظر: هل يتساوى هذا اللفظ مع ذلك في الدلالة، أم لا؟ فأقول: لقائل أن يقول: لا يتساويان مطلقًا، فإن وجه الدليل ثَمَّ أَنَّ كلمة ((لولا)) تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره، فيقتضي ذلك انتفاء الأمر لوجود المشقة، والأمر المنتفي ليس أمر الاستحباب لثبوت الاستحباب، فيكون المنتفي هو أمر الوجوب، فثبت أن الأمر المطلق للوجوب . فإذا استعملنا هذا الدليل في هذا المكان، وقلنا: إن الأمر المنتفي ليس أمر الاستحباب؛ لثبوت الاستحباب، توجه المنع هاهنا عند من يرى أن تقديم العشاء أفضل بالدلائل الدالة على ذلك، اللهم إلا أن تضم إلى هذا الاستدلال الدلائل الخارجية الدالة على استحباب التأخير، فيترجح على الدلائل المقتضية للتقديم، ويجعل ذلك مقدمة، ويكون المجموع دليلاً على أن الأمر للوجوب، فحينئذ يتم ذلك بهذه الضميمة. اهـ ((عمدة الأحكام) جـ٢ ص ٦١ - ٦٢ . والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب . ١٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ٢١ - آخرُ وَقْتُ الْعِشَاءُ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على آخر وقت العشاء. ولم يذكر المصنف رحمه الله حديثًا صريحًا يدل على آخر وقت العشاء، ولعله أراد بآخر الوقت آخر وقت الاختيار، لا وقت الجواز، كما هو رأي الجمهور، لكن الصحيح خلافه، وهو أن آخر وقت العشاء نصف الليل، لا يمتد إلى طلوع الفجر، وسنحققه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. ٥٣٥ - أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حَمْيَرَ، قَالَ: حَدَثْنَا ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ... وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةً، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِلَّهُ لَيْلَةٌ بِالْعَتَّمَةِ، فَنَادَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ، نَامَ النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ◌َ، وَقَال: ((مَا يَنْتَظرُهَا غَيْرُكُمْ))، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلَّى يَوْمَئذ إلا بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((صَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) وَاللَّفْظُ لابْنِ حِمْيَرَ. ١ ١٤٣ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ رجال هذا الإسناد : ثمانية ١ - (عمرو بن عثمان) بن سَعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيُّ، صدوق، توفي سنة ٢٥٠، من [١٠]. قال أبو زرعة: كان أحفظ من ابن مصفى، وأحب إلي منه. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. ووثقه المصنف في أسماء شيوخه، وكذا وثقه أبو داود، ومسلمة، أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٢ - (محمد بن حمير) بن أنيس القضاعي، ثم السَّليحيِّ، أبو عبد الحميد، ويقال: أبو عبد الله، الحمصي، صدوق، توفي سنة ٢٠٠، من [٩]. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا. وقال ابن معين، ودُحَيم: ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، ومحمد بن حرب، وبقية، أحب إليّ منه. وقال النسائي : ليس به بأس . وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال ابن قانع: صالح. ونقل ابن الجوزي في الموضوعات عن يعقوب بن سفيان: أنه قال: ليس بالقوي. - ١٤٤ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت قال أبو سعيد بن يونس: توفي بحمص في صفر سنة ٢٠٠. وكذا قال البخاري عن یزید بن عبد ربه . أخرج ه البخاري، وأبو داود في ((المراسيل))، والمصنف، وابن ماجه . ٣ - ( إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ) - بسكون الباء - واسمه شمْر - بكسر المعجمة - بن اليَقْظَان بن عبد الله المرتحل أبو إسماعيل، ويقال: أبو سعيد الرَّمْليِّ، وقيل: الدمشقي، ثقة. قال ابن معين، ودُحَيم، ويعقوب بن سفيان، والنسائى: ثقة. وقال ابن المديني: كان أحد الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الذهبي: يا لك من رجل. وقال الدار قطني: الطرق إليه ليست تصفو، وهو ثقة، لا يخالف الثقات إذا روى عنه ثقة. وقال ضمرة بن ربيعة: ما رأيت أفصح منه . وفي كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه: رأى ابن عمر، وروى عن واثلة ابن الأسقع، وهو صدوق ثقة. وقال البخاري في التاريخ: سمع ابن عمر. وأخرج الطبراني في مسند الشاميين من طريق إبراهيم، قال: ((رأيت ابن عمر يحتبي يوم الجمعة)). انتهى. وقال الذهبي في مختصر المستدرك: أرسل عن ابن عمر، وتبعه العلائي في المراسيل، فقال: لم يدرك ابن عمر. قال الحافظ: وهو ١٤٥ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ متعقب بما أسلفناه. وقال النسائي في ((التمييز)): ليس به بأس. وقال الخطيب: ثقة من تابعي أهل الشام، يُجْمَعُ حديثه. وقال ابن عبد البر في التمهيد: كان ثقة فاضلاً، له أدب، ومعرفة، وكان يقول الشعر الحسن. انتهى. وأغرب يحيى بن يحيى الليثي، فقال في الموطأ: عن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عَبْلَة، و((عبدُ الله)) زيادة، لا حاجة إليها. توفي سنة ١٥١ أو ١٥٢ أو ١٥٣، من [٥]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه. ٤ - (عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، توفي سنة ٢٠٩، من [٩]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، وتقدم في ٦٩/ ٨٥ . ٥ - (شعيب) بن أبي حَمْزَةَ دينار الأموي مولاهم، أبو بشْر الحمصي، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهري، توفي سنة ١٦٢ أو بعدها، من [٧]، وتقدم في ٦٩/ ٨٥ . ٦ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة الفقيه، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٧ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني الإمام الفقيه الحجة، من - ١٤٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت [٢]، تقدم في ٤٠ / ٤٤. ٨ - (عائشة) رضي الله عنها، تقدمت في ٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن للمصنف رحمه الله إلى الزهري فيه طريقان: إحداهما: عمرو بن عثمان، عن محمد بن حمير، عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، عنه، والثانية: عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شعيب بن أبي حمزة، عنه. ومنها : أن رجاله ثقات، شامیون، إلا عروة، وعائشة، فمدنيان، والزهري، وإن كان مدنيًا، إلا أنه سكن الشام أيضًا . ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، ابن أبي عبلة، عن الزهري، عن عروة. ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه، والراوي عن خالته؛ عروة عن عائشة . ومنها: أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرع الحديث (عن عائشة) رضي الله عنها، أنها (قالت: أعتم رسول الله عَـ ( صَلى اللّهِ ١٤٧ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ أي دخل في العتمة، مثل أصبح: دخل في الصباح. (ليلة بالعتمة) أي بصلاة العشاء ولفظ البخاري ((بالعشاء))، وسيأتي الكلام في تسميتها بالعتمة في الباب التالي إن شاء الله تعالى. (فناداه عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (نام النساء والصبيان) بالكسر، ويضم: جمع صبي، وتقدم هل المراد بهم الذين حضروا المسجد، أو الذين في البيوت، أو جميعهم؟، في شرح حديث ابن عباس في الباب الماضي. (فخرج رسول الله تَّة ) إلى أهل المسجد (وقال) لهم (ما) نافية (ينتظرها) أي صلاة العشاء (غير كم) أي غير أهل المدينة، كما بينه الراوي بقوله : (ولم يكن يصلى يومئذ إلا بالمدينة)، اسم ((يكن)) ضمير الشأن الْمُفَسَّرُ بجملة خبرها، و((يصلى)) بالياء، والبناء للمفعول، يعني أنه ما كان يصلي الناس الصلاة يوم تكلم النبي تَّ﴾. بهذا إلا بالمدينة، وللبخاري ((ولا تصلى)) بالتاء، والضمير عليه يعود إلى العشاء. ورواية المصنف أعم، وجملة ((يكن)) معترضة أتي بها بيانًا لسبب قوله قمّة: ((ما ينتظرها غيركم)). قال في الفتح: والمراد أنها لا تصلى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة، إلا بالمدينة، وبه صرح الداودي، لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سرّاً، وأما غير أهل مكة والمدينة من البلاد فلم یکن الإسلام دخلها. اهـ جـ٢ ص ٦٠ . - ١٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت (ثم قال) ◌َّ﴾ (صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إِلى ثلث الليل) هكذا رواية المصنف بصيغة الأمر، ورواية البخاري ((وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول)) بصيغة الإخبار. قال في ((الفتح)): وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء، لما يُشعر به السياق من المواظبة على ذلك. قال: وليس بين هذا، وبين قوله في حديث أنس: ((إنه أخر الصلاة إلى نصف الليل)) معارضة، لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته ﴾. اهـ جـ٢ ص٦٠. فائدة : زاد مسلم من رواية يونس عن ابن شهاب، في هذا الحديث، قال ابن شهاب: وذُكرَ لي أن رسول الله عَّه قال: ((وما كان لكم أن تَنْزُرُوا رسول الله عَمّ للصلاة»، وذلك حین صاح عمر. وقوله: ((تنزروا)) بفتح المثناة الفوقانية وسكون النون، وضم الزاي بعدها، أي تُلحُّوا عليه، ورُوي بضم أوله بعدها موحدة ثم راء مكسورة ثم زاي، أي تُخْرجُوا. قاله في ((الفتح)) جـ٢ ص٦٠. قال المصنف رحمه الله: (واللفظ لابن حمير) أي اللفظ الذي ساقه هو لفظ محمد بن حمير، وأما والد عمرو، فرواه بمعناه، والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان. ١٤٩ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٥٣٥)، وفي ((الكبرى)) (١٥١٦)، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حمير، عن ابن أبي عبلة - وعن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن شعيب بن أبي حمزة - كلاهما عن الزهري، عن عروة، عنها. وفي (٥٣٦) عن إبراهيم بن الحسن، ويوسف بن سعيد، كلاهما، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم، عنها. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة به. وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن حاتم، كلاهما عن محمد بن بکر - وعن حجاج بن الشاعر، ومحمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق . وعن هارون بن عبد الله الحمال، عن حجاج بن محمد - ثلاثتهم عن ابن جريج، عن المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم، عنها . والله تعالى أعلم. - ١٥٠ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت المسألة الرابعة: في فوائده: منها : استحباب تأخير صلاة العشاء، لمن لا يشق عليه . ومنها : مشروعية تنبيه الصغير للكبير إذا ظن أنه غفل عن الصلاة. ومنها : حرص الصحابة على حضور صلاة الجماعة حتى يحضرون معهم الصبيان . ومنها : كون النوم لا ينقض الوضوء، وهذا محمول على من كان ممكنًا مقعدته على الأرض، عند الجمهور، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في كتاب الطهارة. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في آخر وقت العشاء: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في آخر وقت العشاء، فقال بعضهم: آخر وقتها إلى ربع الليل، هذا قول النخعي، ولا نعلم مع قائله حجة. وقالت طائفة أخرى: وقت العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، كذلك قال عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز. ثم أخرج بسنده إلى أسلم: أن عمر كتب أن وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل الآخر(١)، ولا تؤخروا ذلك إلا من شغل. (١) هكذا النسخة: ((الآخر))، ولعل الصواب: ((الأول)). ١٥١ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ وأخرج بسنده عن أبي هريرة، قال: وَصَلِّ صلاة العشاء إذا ذهب الشفق، وادْلامَّ(١) الليل من هاهنا - وأشار إلى المشرق فيما بينك وبين ثلث الليل، وما عجلت بعد ذهاب بياض الأفق فهو أفضل . وبه قال الشافعي(٢) وقد كان يقول إذ هو بالعراق: وقتها نصف الليل، ولا يفوت إلى الفجر وهذا أصح قوليه، لأنه يجعل على المفيق قبل طلوع الفجر المغرب والعشاء، ولو كان الوقت فائتًا ما وجب القضاء بعد الفوات . ومن حجة من قال بقول عمر بن الخطاب، وأبي هريرة: حديث ابن عباس الذي فيه ذكر إمامة جبريل عليه السلام النبي تَّةٍ . وقالت طائفة: وقتها إلى نصف الليل، وروي هذا القول عن عمر ابن الخطاب. ثم أخرج بسنده: أن عمر كتب إلى أبي موسى أن صل صلاة العشاء الآخرة إلى نصف الليل الأول، أي حيث تبيت. وبه قال الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: ومن صلاها بعد ما مضى نصف الليل يجزئه، ونکرهه له. (١) ادالأمَّ الليل: ادلهَمَّ: أي اسوَدَّ. اهـ((ق)). (٢) قال في الأم: وآخر وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل، فإذا مضى ثلث الليل الأول فلا أراها إلا فائتة. اهـ جـ١ ص٧٤. اهـ من هامش الأوسط جـ٢ ص ٣٤٣. - ١٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ومن حجة من قال هذا القول حديث عبد الله بن عمرو. ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله عَّهُ: ((وقت العشاء إلى نصف الليل)). قال: وفيه قول رابع، وهو أن آخر وقت العشاء إلى طلوع الفجر، روي هذا القول عن ابن عباس، وقال عطاء: لا تفوت صلاة الليل، المغرب والعشاء حتى النهار، وقال طاوس، وعكرمة: وقت العشاء إلى الفجر . ومن حجة القائل بهذا القول: حديث أبي قتادة عن النبي تَّهِ، قال: ((إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الصلاة الآخری)). ثم رجح ابن المنذر قول من قال: إنه إلى طلوع الفجر. انتهى الأوسط جـ٢ ص ٣٤٣ - ٣٤٦ بالاختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق الذي يؤيده الدلیل قول من قال: إن آخر وقت العشاء نصف الليل، فليس للعشاء وقت أداء بعد ذلك، وإنما هو قضاء، وأقوی دلیل في ذلك وأصرحه، حديث عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما الذي أخرجه مسلم في ((صحيحه)): ((فإذا صلیتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل)). فهذا نص صريح في أن النصف هو الآخر، لا يزيد عليه، ولا يوجد نص صريح يدل على تأخره بعده. ١٥٣ - ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ قال الحافظ رحمه الله: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت . قال: ودليل الجمهور حديث أبي قتادة: ((إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)). قال: وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب، فللإصطخري - يعني: القائل: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء - أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من الأحاديث في العشاء، والله أعلم. اهـ فتح جـ٢ ص ٦٢ . قال الجامع: هذا التقرير من الحافظ رحمه الله هو عين الإنصاف إعطاءً لكل ذي حق حقه، وليس فيه تهور واعتساف مجاراة للمذهب، وهو التحقيق الحقيق بالقبول، وفقنا الله تعالى لقبول الحق، فإنه أكرم مسئول . وقال العلامة المحدث الألباني في ((تمام المنة)): ولا دليل فيه - يعني حديث أبي قتادة - على ما ذهبوا إليه؛ إذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك، وإنما لبيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا، سواء كان يَعْقُبُها صلاة أخرى مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر . ويدل على ذلك أن الحديث ورد في صلاة الفجر حين فاتته تَّ مع أصحابه، وهم نائمون في سفر لهم، واستعظم الصحابة رضي الله - ١٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت عنهم وقوع ذلك منهم، فقال تَّ: ((أما لكم فيَّ أسوة))؟ ثم ذكر الحديث، كذلك هو في صحيح مسلم وغيره. فلو کان المراد من الحدیث ما ذهبوا إليه من امتداد وقت كل صلاة إلى دخول الأخرى لكان نصًا صريحًا على امتداد وقت الصبح إلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينا من سبب الحديث يعود عليه بالإبطال، لأنه إنما ورد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصح استثناؤها؟ فالحق أن الحديث لم يرد من أجل التحديد، بل لإنكار تعمد إخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا . ولذلك قال ابن حزم في ((الْمُحَلَّى)) جـ٣ ص١٧٨ - مجيبًا على استدلالهم المذكور: هذا لا يدل على ما قالوه أصلاً، وهم مُجْمعُون معنا أن وقت صلاة الصبح لا يمتد إلى وقت الظهر، فصح أن هذا الخبر لا يدل على اتصال وقت كل صلاة بوقت التي بعدها، وإنما فيه معصية من أخر صلاة إلى وقت غيرها فقط. سواء أتصل آخر وقتها بأول الثانية، أم لم يتصل، وليس فيه أنه لا يكون مفرطًا أيضًا من أخرها إلى خروج وقتها، وإن لم يدخل وقت أخرى، ولا أنه یکون مفرطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نص على خروج وقت كل صلاة، والضرورة توجب أن مَن تَعَدَّی بكل عمل أ ١٥٥ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٥ وقته الذي حده الله تعالى لذلك العمل، فقد تعدى حدود الله، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وإذ قد ثبت أن الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إلى الفجر فإنه يتحتم الرجوع إلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء، مثل قوله عملية: ((ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ... )) رواه مسلم، غيره. ويؤيده ما كتب به عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: (( ... وأن تصلي العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإن أخرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين)). أخرجه مالك، والطحاوي، وابن حزم، وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أن وقت العشاء إنما يمتد إلى نصف الليل، فقط، وهو الحق، ولذلك اختاره الشوكاني في الدرر البهية، فقال: (( ... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل)). وتبعه صديق حسن خان في شرحه ٦٩ - ٧٠ . وقد رُوي القول به عن مالك، كما في ((بداية المجتهد))، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الإصطخري، وغيره. انظر المجموع جـ ٣ ص ٤٠. اهـ ((تمام المنة)) ص ١٤٠ _ ١٤٢. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن ما اختاره هؤلاء الأئمة من أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل هو الذي أختاره، وأرجحه، لكون - ١٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ٠ الدليل معه، وما عداه لا دليل عليه أصلاً، كما تقدم في كلام الحافظ رحمه الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الو کیل. ٥٣٦ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ . ح وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ سَعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَن ابْن جُرَيْجَ، قَالَ: أَخْبَرَنِيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمِ، عَنْ أمِّ كُلْثُوم ابْنَّة أبي بَكْر، أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، عَنْ عَائِشَةَ أَمِّ الْمُؤْمِنَّيْنَ، قَالَّتْ: أَعْتَّمَ النَّبيُّنَّهَ ذَاتَ لَيْلَهُ حَتَّىَ ذَهَبَ عَامَّةُ الَلَيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِد، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَىَ أمَّتَي)). رجال الإسناد : سبعة ١ - (إِبراهيم بن الحسن) بن الهَيْثَم الخثعمي أبو الحسن المصيصي ثقة، من [١١]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه في التفسير، تقدم في ٥١/ ٦٤ . ٢ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصيصي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٧١، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٩٨ . ٣ - (حجاج) بن محمد الأعور المصيصي الترمذي الأصل، ثقة ثبت، اختلط آخرًا، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم ١٥٧ _ ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٦ في ٣٢/٢٨. ٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي ثقة، فقيه، مدلس، من [٦]، تقدم في ٣٢/٢٨ . ٥ - (المغيرة بن حَكِيم) الصنعاني الأبْنَاوي، ثقة، من [٤]. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائي، والعجلي. وقال الدوري: هو الذي روى عنه ابن جريج، وجرير بن حازم، ليس مغيرة غيره. وقال عُبيد بن عمير، عن نافع: سألني عمر بن عبد العزيز عن زكاة العسل؟ فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه زكاة، فقال: عدل مرضي، فکتب إلى الناس بذلك. وقال الآجري عن أبي داود: المغيرة بن حكيم: أحد الآخذين. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). له في مسلم هذا الحديث، وله في البخاري موضع واحد معلق، وأخرج له الترمذي، والمصنف. ٦ - (أم كلثوم ابنة أبي بكر) الصديق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتوفي أبوها وهي حمل، ثقة، من [٢]، روت عن أختها عائشة. وروى عنها ابنُها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وهو أكبر منها، وطلحة بن يحيى بن طلحة، والمغيرة بن حَكيم الصنعاني، وجُبَير بن حبيب، ولوط بن يحيى. شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ١٥٨ وذكرها ابن منده، وأبو نعيم، وغيرهما في الصحابة، وأخطئوا في ذلك، لأنها ولدت بعد موت أبي بكر الصديق. أخرج لها البخاري في ((الأدب المفرد))، ومسلم، والمصنف، وابن ماجه . ((فائدة)): وقع السؤال عن ((أم كلثوم)) هل يمنع عجزه من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، كما منع في ((أبي هريرة))، و((أبي بكرة)) للتأنيث اللفظي . فأجاب الشيخ محمد الدمياطي الخُضَريّ في حاشيته على ألفية ابن مالك بالفرق بينهما بأن العلة الثانية، وهي التأنيث في ((هريرة)) تامة مستقلة به قبل التركيب وبعده، فانضمت لجزء العلمية الحاصلة بعد التركيب، ومنعته، بخلاف كلثوم، فإن فيه جزء كل من العلمية والتأنيث المعنوي لأنه مدلول لمجموع الجزأين، لا للعجز وحده، فالظاهر أن لا يمنع، وهو الجاري على ألسنة المحدثين كما في الدماميني على المغني، لتجزئ كل من العلتين فيه. انظر ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك)) جـ ٢ ص١٠٢ . ٧ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت في ٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف. ١٥٩ - ٢١ - باب وقت العشاء - حديث رقم ٥٣٦ ومنها : أن رجاله كلهم ثقات . ومنها: أنهم ما بين مصِّيصيِّين، وهم: شيخاه، وحجاج، ومكي وهو: ابن جريج، وصنعاني وهو: المغيرة، ومدنيتين، وهما: عائشة، وأم كلثوم. ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعية، ورواية المرأة عن أختها . ومنها: قوله: أخبرني إبراهيم بالإفراد في نسخة، وقوله: أخبرني يوسف بن سعيد في كل النسخ بالإفراد، ومثله قول ابن جريج: أخبرني المغيرة، وذلك لكونه قرأه بنفسه . قال الحافظ السيوطي رحمه الله: وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ أَخْبَرَنِي وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ حَدَّثَنِي وَإِنْ سَمعَتَ قَارئًا أخْبَرَنَا وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً حَدَّثَنَا قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به في الحديث الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادتها . وقوله هنا: ((حتى ذهب عامة الليل))، قال النووي رحمه الله: أي كثير منه، وليس المراد أكثره، ولابد من هذا التأويل، لقوله عية: («إنه لوقتها))، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. انتهى ((شرح مسلم)) جـ٥ ص١٣٨. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأدلة الصحيحة قاضية بأنّ ما بعد شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ١٦٠ النصف ليس وقتا لها، فلابد من هذا التأويل جمعًا بين الأدلة، فتبصر. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٥٣٧ - أَخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهيمَ، قَالَ: أنْبأنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُور، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَاَذَاتَ لَيْلَة نَنْتَظَرُ رَسُولَ اللَّه ◌َثّ لِعَشَاء الآخرَة، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، حَينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوَّبَعْدَهُ، فَقََلَ حِينَ خَرَجَ: ((إنَّكَّمْ تَنْتَظِرُونَ صَلاةً، مَا يَنْتَظرُهَا أَهْلُ دين غَيْرَكُمْ، وَلَوْلا أنْ يَثْقُّلَ عَلَى أَمَّتِي لَصَلَّيْتُ بهمْ هَذه السَّاعَةَ)) ثُمَّ أمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى. رجال الإسناد : ستة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، أبو يعقوب، أو أبو محمد، ثقة حافظ حجة، توفي سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/٢ . ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، توفي سنة ١٨٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢ . ٣ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَمي، أبو عَتَّب الكوفي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٣٢، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/٢.