النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١ _ ١٠ - آخر وقت العصر - حديث رقم ٥١٣ قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول من قال: إن آخر وقت العصر غروب الشمس، فمن أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر، وإنما كان هذا أرجح، لأن به تجتمع الأدلة، فيحمل حديث جبريل ((الوقت ما بين الوقتين))، وحديث ((ووقت العصر ما لم تصفر الشمس)) على بيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الاضطرار والجواز، وحديث (( من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر)) على بيان وقت الاضطرار والجواز، وهذا الجمع هو الأولى من قول من قال: إن حديث جبريل منسوخ، لأن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وكذا لايصار إلى الترجيح، مع إمكانه، ويؤيد هذا الجمع، حديث (( تلك صلاة المنافق)) الماضي (٥١١)، فمن كان معذوراً كان الوقت في حقه ممتداً إلى الغروب، ومن كان غير معذور كان الوقت له إلى المثلين، ومادامت الشمس بيضاء نقية، فإن أخرها إلى الاصفرار، وما بعده كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث. أفاده في (نیل)) جـ ٢ ص٣٤، ٣٥. والحاصل أن وقت العصر الاختياري ينتهي باصفرار الشمس، ووقت الجواز يمتد إلى آخر النهار، لكن إن كان بلا عذر كان الجواز مع الكراهة. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب . ٦٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ١١- من أدْرَكَ رَكْعَتَينِ مِنَ الْعَصْرِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم من أدرك ركعتين من صلاة العصر. هكذا ترجم المصنف ((من أدرك ركعتين))، والمشهور ((من أدرك ركعة))، فكان الأولى أن يبوب عليه، وأشار في الهندية إلى أن في بعض النسخ ((من أدرك ركعة)) والله أعلم. : . ٥١٤ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَراً، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّنَ، قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أوْ رَكْعَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ)). رجال الإسناد: سبعة ١-(محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/٥. ٢- (معتمر) بن سليمان التيمي أبو محمد الحَذَّاءُ البصري، يلقب أبا الطُّفيل، ثقة، توفي سنة ١٨٧، وقد جاوز ٨٠ سنة، من كبار [٩]، ٦٨٣ ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠ . ٣- (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٤ عن ٥٨ سنة، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ١٠/ ١٠ . ٤-(عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد، من [٦] . قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال عبد الرزاق، عن معمر: قال لي أيوب: إن كنتَ راحلاً إلى أحد فعليك بابن طاوس، فهذه رحلتي إليه، وقال أيضاً عن معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس، فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال: حسبك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا، وكان من أعلم الناس عربية، وأحسنهم خلقاً. وقال النسائي: ثقة مأمون، وكذا قال الدار قطني في الجرح والتعديل، وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات بعد أيوب بسنة، وكان من خيار عباد الله فضلاً، ونسكاً، وديناً، وتكلم فيه بعض الرافضة . قال ابن سعد عن الهيثم بن عدي: مات في خلافة أبي العباس. وقال ابن عيينة: مات سنة ١٣٢ ، وقال ابن قانع ١٣١، أخرج له الجماعة . ٠٠ - ٦٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ٥- (طاوس) بن كيسان، اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل، توفي سنة ١٠٦، وقيل بعد ذلك، من [٣]، تقدم في ٣١/٢٧. ٦ - (ابن عباس) عبد الله الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في ٢٧ / ٣١. ٧- (أبو هريرة رضي الله عنه) الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات نبلاء، اتفقوا عليهم، إلا شيخه فلم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أن فيه ابن عباس، وأبا هريرة رضي الله عنهما من المكثرين السبعة؛ روى ابن عباس ١٦٩٦ حديثاً، وأبو هريرة ٥٣٧٤ حديثاً . ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح. والله تعالى أعلم. ٦٨٥ ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ شرح الحديث (عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َّه) أنه (قال: من) شرطية، جوابها ((فقد أدرك)) ( أدرك ركعتين من صلاة العصر) غالب الروايات ((ركعة))، وهي التي في ((الكبرى))، ولكن أشار في الهامش أن في بعض النسخ ((ركعتين)). الظاهر أن معنى الإدراك أن يأتي بواجباتها من الفاتحة، واستكمال الركوع والسجود، ومفهومُهُ أن من أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركاً للوقت، وأن صلاته تكون قضاء، وقيل: تكون أداء. (قبل أن تغرب الشمس، أو) أدرك (ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك) أي صلاة العصر، وصلاة الصبح. ومعنى الحديث أن من صلى ركعتين من صلاة العصر قبل غروب الشمس، أوصلى ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاتين، فليتم ما بقي . لافرق في ذلك بين معذور وغيره، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة القائل ببطلان صلاة الصبح، ولمن قال: إنها كلها قضاء، ولمن قال: ما وقع في الوقت أداء، وما بعده قضاء. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا على جعل ركعتين رواية صحيحة، لكن في صحتها نظر، فإن الحديث أخرجه مسلم في ((الصحيح)) عن حسن بن الربيع، عن ابن - ٦٨٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت المبارك، عن معمر بسند المصنف، ولفظه ((من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب ... )) الحديث، ثم أخرجه عن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر قال: سمعت معمراً بهذا الإسناد. فالظاهر أن رواية معتمر كرواية ابن المبارك بلفظ ((ركعة))؛ لأن من عادة مسلم أن ينبه في الإحالات إذا اختلفت الألفاظ، فلو كان هناك اختلاف في ألفاظ المتن لَبَيَّنَهُ. وهو أيضاً ما في ((السنن الكبرى)) للمصنف، لكن أشار في الهامش إلى أن بعض النسخ فيه ((ركعتين)). وأيضاً تشهد له الروايات الآتية، ولذلك قال الشيخ الألباني في ((صحيح النسائي)) ما معناه: المحفوظ لفظ ((ركعة)) للطرق التالية. والله أعلم. وحاصل معنى الحديث: أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، وصلاة الصبح فقد أدركهما أداء، فالإتيان بهذا الجزء کالإتيان بکل الصلاة حكماً، فيضم ما بقي من أجزائها، ويكون ذلك أداء، ولیس المراد أن تلك الركعة تكفي عن الكل. ثم إن هذا لصاحب العذر، كالرَّجُل يَنَام عن الصلاة، أوينساها، فيستيقظ، أو يذكرها عند طلوع الشمس، أو غروبها. وأما الذي لا عذر له فلا يجوز له أن يؤخر الصلاة إلى أن يقع بعض أجزاء الصلاة خارج الوقت، لأنه تفريط فيما أوجب الله عليه، ففي ((صحيح مسلم)) ((ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء ٦٨٧ _ ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ وقت الصلاة الأخرى)) الحديث. وقال الحافظ رحمه الله: عند قوله ((فقد أدرك الصبح)): الإدراك: الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يُكْتَفَى بذلك، وليس مراداً بالإجماع، فقيل: يُحمَل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى، فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة))، وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء - وهو ابن يسار - عن أبي هريرة، بلفظ ((من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى مابقي بعد غروب الشمس، فلم يفته العصر، وقال مثل ذلك في الصبح))، وللبخاري والنسائي من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ((فليتم صلاته))، والنسائي من وجه آخر (( من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي مافاته)) (٥٥٨)، وللبيهقي من وجه آخر ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليصل إليها أخرى)). قال الحافظ: ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض، وإسلام الكافر، ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته، لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة، وهو مبني على أن الكراهة : ١ - ٦٨٨ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت تتناول الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة. قال الترمذي: وبهذا يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وخالف أبو حنيفة؛ فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما لاسبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ. قال الجامع عفا الله عنه: وما اعترض به الشوكاني على الحافظ في قوله: بأن تحمل أحاديث النهي على ما لاسبب له من النوافل - من أن هذا جمع بما يوافق مذهبه غير صحيح، لما سنحققه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم،. وبين مدرك الجماعة، ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر للإحرام، ويقرأ أم القرآن، ويركع، ويرفع، ويسجد سجدتين بشروط كل ذلك. وقال الرافعي: المعتبر فيها أخف ما يقدر عليه أحد، وهذا في حق غير أصحاب الأعذار، أما أصحاب الأعذار، كمن أفاق من إغماء، أوطهرت من حيض، أوغير ذلك، فإن ٦٨٩ - ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ بقي من الوقت هذا القدر كانت الصلاة في حقهم أداء، وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل: يكون كذلك لكنه يلتحق بالأداء حكماً، والمختار أن الكل أداء، وذلك من فضل الله تعالى. ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلاهذا القدر. والله أعلم. اهـ فتح جـ٢ ص٦٧، ٦٨. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته. حديث ابن عباس عن أبي هريرة رضي الله عنهم هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٥١٤)، وفي ((الكبرى)) (١٥٠١) عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن حسن بن الربيع، عن ابن المبارك. وعن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر بن سليمان - وعن عبد بن حُمَید، عن عبد الرزاق- ثلاثتهم عن معمر به . - ٦٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك، به . وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)). والله أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: مابوب له المصنف، وهو أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، ومن باب أولى إذا أدرك ركعتين، كان مدركاً لها حكماً، فيكمل ما بقي، ويكون ذلك أداء. ومنها : أن من أدرك ركعة من الصبح يكون مدركاً لها، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا ببطلان الصلاة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، وإن أدرك ركعة فما فوقها، ويأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: أن من زال عذره؛ كنائم استيقظ، وحائض طهرت، وصبي بلغ، وكافر أسلم، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة وجبت عليه تلك الصلاة . ومنها: سماحة الشريعة، ويسر أمر الدين حيث وُسِّعَ على من لم يتمكن من أداء الصلاة إلى هذا الوقت فأدى، فإنه يكون مؤدياً للواجب في وقته . ذلك من فضل الله ورحمته. والله ذو الفضل العظيم. المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم فيمن أدرك ركعة من العصر، والصبح، ثم خرج الوقت: ٦٩١ _ ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ أجمع أهل العلم على أن من صلى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت، لاتبطل صلاته، بل يتمها، واختلفوا فيمن صلى ركعة من الصبح، ثم خرج الوقت؛ فقال مالك، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة يتم صلاته، وهي صحيحة، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: تبطل صلاته بطلوع الشمس، واحتج في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، ورد عليه بأن أحاديث النهي عامة، تشمل ذوات الأسباب المتقدمة، وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض، وحديث أبي هريرة هذا خاص؛ ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لاسبب له من النوافل جمعاً بين الحدیثین. قال النووي رحمه الله: قال أبو حنيفة رحمه الله: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس، لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، ففرق بين فجر اليوم، وعصره، والحديث حجة عليه. قال القاري رحمه الله بعد ذکر کلام النووی مانصه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة في شرح الوقاية : أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص، إذ هو وقت عبادة الشمس، فوجب ناقصاً، فإذا أداه أداه، كما وجب، فإذا اعترض الفساد بالغروب لا تفسد، والفجر كل وقته وقت كامل، لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملاً، فإذا اعترض - ٦٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت الفساد بالطلوع تفسد، لأنه لم يؤده كما وجب. فإن قيل: هذا تعليل في معرض النص، قلنا: لما وقع التعارض بين هذا الحديث، وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، والقياس رجح هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات، فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة لحديث النهي الوارد، إذ لا معارض لحديث النهي فيها . قال صاحب ((مرعاة المفاتيح)): قلت: قد رد هذا التقرير المزخرف الشيخ عبد الحي اللكنوي، وهو من الحنفية في حاشيته على شرح الوقاية، حیث قال: فیه بحث، وهو أن المصیر إلى القیاس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم الجمع بينهما، وهاهنا العمل بكليهما ممكن بأن يخص صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويعمل بعمومه في غيرهما، وبحدیث الجواز فیهما، إلا أن يقال: حدیث الجواز خاص، وحديث النهي عام، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، متساويان في الدرجة والقوة، فلا يخص أحدهما الآخر، وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقاً عليه بين الحنفية، فإن كثيراً منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنياً، كما هو مبسوط في شرح المنتخب الحسامي وغيرها. انتهى. وقال صاحب ((الكوكب الدري)) - بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر ٦٩٣ - ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ والعصر بنحو ماذكره صدر الشريعة - ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال، وتزويق المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس، فادعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قُطعَ النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر، والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة، إذ ليس ذلك إلا قولاً بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة، وثوبه نجس بقدر الدرهم، أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئاً نجساً ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة، وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين، بال أو تغوط، أوَلَيْسَ نظير ما قالوا؟ فإنه أدَّى صلاته بعد الحدث على نحومما التزمه ... إلى آخر ما قال، وأطال في الرد عليهم. قال صاحب ((المرعاة)): قلت: ويلزمهم أيضاً أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء الصحيح الكامل، أي قبل الاصفرار، ومدها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم فضلاً عن أن تفسد، وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع، كما أقر به صاحب ((فيض الباري))، فإن الاحتراز عن المد إلى غروب الشمس ليس - ٦٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت مما يتعذر، كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف. واختار صاحب الكوكب في معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين؛ العصر والصبحِ، وفراغ الذمة لمن صلى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة. واعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث، وترك بعضه مع أن النقص قارَنَ العصر ابتداء، والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاوي إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، خلافاً لمذهب الحنفية. قال صاحب الفيض: إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافق لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عَمَلٌ بإحدى القطعتين، وترك الأخرى بنحو من القياس. وذا لا يَردُ على الطحاوي، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه، فإنهم قائلون في العصر بصحتها، كما في الحديث، قال: فَلَمْ أرَ جواباً شافياً عنه في أحد من كتب الحنفية بعدُ. ثم حَمَلَ هو هذا الحديث على المسبوق، وقال: إن المراد بالإدراك إداراك الجماعة، لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من أدرك ركعة من الصبح مع الإمام، وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما : 4 ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٤ ٦٩٥ - في الوقت قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك ركعة مع الإمام، وثلاث ركعات بعد سلامه، لكن الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب. قال صاحب المرعاة: وهذا تحريف للحديث، وإبطال لمؤداه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه، ويهدمه - كما اعترف هو - ما تقدم من رواية البيهقي بلفظ ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة هذا)). وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية، وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات، ودعاوى محضة، ونسبة الوهم، وسوء الفهم، والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان. هـ كلام صاحب ((المرعاة)) جـ٢ ص ٣٠٩ -٣١١. قال الجامع عفا الله عنه: وبهذا ظهرلك تعصب هؤلاء، وانحرافهم عن قبول ما صح من الحديث إذا خالف مذهبهم، ومنهم العينيُّ في شرحه على البخاري، فقد أتى هناك بما لا يتناسب مع خدمته للبخاري، وقيامه في حل عويصات الكتاب اللغوية والنحوية قياماً حسناً، ولكن قاتل الله التعصب الذي يُعمي عن رؤية الحق حقًا، ويُصمّ عن سماعه صدقاً. اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه . والحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور القائلين بأن من - ٦٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح، فَيُتُمُّ ما بقي، كما أن الكل اتفقوا على أن من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥١٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَراً، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ، عَنْ أَبِي مُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبَِّهِ، قَالَ: ((مَنْ أدرك رَكْعَةً مَنْ صَلاَةً الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغَيبَ الشَّمْسُ، أوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشِّمْسِ، فَقَدْ أَدْرِكَ)). رجال الإسناد: ستة كلهم تقدموا في السند السابق، إلا أبا سلمة، وهو ابن عبد الرحمن ابن عوف الزهري المدني، ثقة مکثر فقیه، قیل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، من [٣]، تقدم في ١/١ . وشرح الحديث مضى في الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته. تنبيهات: الأول: حديث أبي هريرة من طريق الزهري عن أبي سلمة أخرجه المصنف هنا (٥١٥)، وفي ((الكبرى)) (١٥٠٣)، وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر بسند المصنف نحوه. وأخرجه ابن ماجه فيه أيضاً عن جَميل بن الحسن، عن عبد ٦٩٧ _ ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٥ الأعلى، عن معمر به نحوه. الثاني: قال النووي رحمه الله: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركاً لكل الصلاة، وتكفيه، وتحصل براءته من الصلاة بهذه الركعة، بل هو مُتَأوَّلٌ، وفيه إضمار، تقديره: فقد أدرك حكم الصلاة، أو وجوبها، أو فضلها . قال أصحابنا : يدخل فيه ثلاث مسائل : إحداها: إذا أدرك من لا تجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبي يبلغ، والمجنون والُغْمَى عليه يُفيقان، والحائض والنفساء تطهران، والكافر یسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون ركعة كتكبيرة، ففيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى أحدهما: لا تلزمه، لمفهوم هذا الحديث. وأصحها عند أصحابنا تلزمه، لأنه أدرك جزءاً منه، فاستوى قليله وكثيره، ولأنه يشترط(١) قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق، فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة، وأجابوا عن الحديث بأن التقييد بركعة خرج على الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة، فلا يكاد يحس بها، وهل يشترط مع التكبيرة أو الركعة إمكان الطهارة ؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه لا يشترط . (١) هكذا نسخة شرح مسلم ((يشترط)) ولعل الصواب ((لا يشترط)) بزيادة حرف النفي. فليتأمل. ٦٩٨ - شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الأول للإمام الشافعي هو الأصح لظاهر مفهوم هذا الحديث، كما قال رحمه الله. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها، فصلى ركعة، ثم خرج الوقت، كان مدركاً لأدائها، ويكون كلها أداء، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يكون كلها قضاء، وقال بعضهم: ما وقع في الوقت أداء، وما بعده قضاء. وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نَوَى القصر، وصلى ركعة في الوقت، وباقيها بعده، فإن قلنا: الجميع أداء، فله قصرها، وإن قلنا : كلها قضاء، أو بعضها، وجب إتمامها أربعاً، إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، هذا كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن أدرك دون ركعة، فقال بعض أصحابنا: هو كالركعة، وقال الجمهور: یکون کله قضاء. واتفقوا على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت، وإن قلنا : إنها أداء، وفيه احتمال لأبي محمد الجُوَيني على قولنا: أداء، وليس بشيء. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة كان مدركاً لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعة، بل أدرك قبل السلام بحیث لا يحسب له ركعة، ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يكون مدركاً ٦٩٩ _ ١١ - من أدرك ركعتين من العصر - حديث رقم ٥١٦ للجماعة، لمفهوم قوله ◌َّه: ((من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة)). والثاني: وهو الصحيح، وبه قال جمهور أصحابنا، يكون مدركاً لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزءاً منه، ویجاب عن مفهوم الحديث بما سبق. اهـ. ((شرح مسلم)) جـ ٥ص ١٠٥، ١٠٦. قال الجامع عفا الله عنه: وفي ترجيحه القول الثاني نظر، بل الراجح هو القول الأول، لظهور دلالة الحديث عليه. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥١٦ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكْيْن، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَن أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّنَّهُ، قَالَ: ((إِذَا أَدْرَكَ أحَدُكُمْ أَوَّلَ سَجْدَةَ منْ صَلاة الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُثُمَّ صَلاَتَهُ، وَإِذَا أدْرَكَ أوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَةَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسَُ، فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ» . رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨ / ١٤٧. ٢- (الفضل بن دُکَین) الكوفي، واسم دکین: عمرو بن حماد بن زهير، التيمي مولاهم الأحول، المُلآئي أبو نعيم مشهور بكنيته، ثقة شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ٧٠٠ ثبت، من [٩]، وهو من كبار شيوخ البخاري . قال محمد بن سليمان الباغندي: سمعت أبا نعيم يقول: أنا الفضل بن عمرو بن حماد، ودُكَين لقب، وقيل: إن رجلاً قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دُكيناً؟ قال: كان اسم أبي عمراً، ولكنه لقبه فَرْوةُ الجُعْفي دُكَيناً. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل بن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشرومائة شيخ. وقال أبو عوف اليُزُوريَّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة، وسألته عن شيء: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيعٌ، وعبدُ الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال: على النصف، إلا أنه كَيِّس، يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت، أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأ. قلت: فأيما أحب إليك، أبو نعيم، أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثبت، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابهم، وبالرجال، وو کیع أفقه. وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزَاحَمُ به ابن عيينة، فقال رجل: وأي شيء عند أبي نعيم من الحديث؟ ووكيع أكثر رواية، فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد مثله. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فُضَيل ٠- ١٣ ٠