النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١_
-
٨ - تعجيل العصر - حديث رقم ٥١٠
تنبيه:
هذا الحدیث من أفراد المصنف رحمه الله، وهو حديث صحيح.
وقد تقدمت المسائل المتعلقة به في شرح الأحاديث السابقة، فلا نطيل
الكتاب بإعادتها، فارجع إليها تزدد علماً. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.

٦٤٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٩ - بَابُ التَّحْديد في تَأخيرِ صَلاةِ العَصْرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على التشديد في الوعيد في تأخير
صلاة العصر .
٥١١ - أخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِجِ بْنِ
خَالد، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ، أَنَّهُ
دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكِ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ حينَ انْصَرَفَ
مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِد، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ،
قَالَ: أَصَلَيْتُمُ الْعَصْرَ؟ قُلْنَا: لا ، إنَّمَا انْصَرَ فْنَا السَّاعَةَ منَ
الظُّهْرِ، قَالَ: فَصَلُوا الْعَصْرَ، قَالَ: فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا
انْصَرَفْنَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهُ يَقُولُ: ((تلْكَ
صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، جَلَسَ يَرْقُبُ صَلاَة العَصْرِ، حَتَّى إِذَا
كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيِّطَانِ، قَامَ، فَتَقَرَهَا أَرْبَعاً، لا
يَذْكُرُ الله عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا إلا قليلاً)).
رجال الإسناد : أربعة
١ - (علي بن حُجْر بن إِياس بن مقاتل بن مُشَمْرِج بن خالد)
وفي تهذيب الكمال: علي بن حُجْر بن إياس بن مقاتل بن مخادش بن

٦٤٣ _
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١١
:
مخادش بن مشمرج بن خالد السَّعْدي، أبو الحسن المروزي، ولجده
مشمرج صحبة. سكن بغداد قديماً، ثم انتقل إلى مرو، فنزلها، ونسب
إليها، وانتشر حديثه بها، وكان متيقظاً حافظاً ثقة مأموناً. اهـ ونحوه في
((تت))، وفي ((ت)) المروزي نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقة حافظ، توفي
سنة ٢٢٤، وقد قارب ١٠٠ سنة أو جاوزها، من صغار [٩]. اهـ تقدم
في ١٣ / ١٣ .
٢- (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقِيُّ، أبو
إسحاق القارىء المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٠، من [٨] ، أخرج له
الجماعة، تقدم في ١٦ / ١٧ .
٣- (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقيّ- بضم ففتح - أبو
شبْل - بكسر فسكون - المدني، صدوق ربما وَهمَ، توفي سنة بضع
وثلاثين ومائة، من [٥]، أخرج ه البخاري في جزء القراءة والأربعة،
تقدم في ١٠٧ / ١٤٣ .
٤ - (أنس بن مالك) رضي الله عنه، تقدم في ٦ /٦. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه العشرون من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما وقع له
من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
ومنها: أن رجاله ثقات نبلاء اتفقوا علیهم، إلا شيخه، فلم يخرج
.
.

- ٦٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
له أبو داود وابن ماجه، والعلاء، فأخرج له البخاري في جزء القراءة
فقط .
ومنها: أنهم مدنیون، إلا شيخه، فبغدادي مروزي.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والسماع.
ومنها: أن أنساً أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثاً. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن العلاء بن عبد الرحمن رحمه الله (أنه دخل) وفي رواية أبي
داود دخلنا (على أنس بن مالك في داره بالبصرة ) قال الفيومي
رحمه الله: البَصْرَة وزان تَمْرَة: الحجَارة الرّخْوَةُ، وقد تحذف الهاء مع
فتح الباء، وكسرها، وبها سميت البلدة المعروفة، وأنكر الزَّجَّاج فتح
الباء، مع الحذف، ويقال في النسبة: بَصري بالوجهين، وهي مُحْدَثَةٌ
إِسْلاَميَّة، بُنيَت في خلافة عمر رضي الله عنه سنة ١٧ من الهجرة، بعد
وقف السواد، ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. انتهى ((المصباح))
جـ١ ص٥٠.
(حين انصرف) متعلق بدخل (من) صلاة (الظهر، وداره)
أي دار أنس (بجنب المسجد) وفي رواية أبي داود ((دخلنا على أنس
بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر ... )) الحديث.
يعني أنه صلى في أول وقتها، وصلى في بيته، ولم يصلها مع

٦٤٥ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١١
الإمام، لأن الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، وقد أمر
رسول الله عَّه من يدركهم أن يصلي الصلاة أول وقتها، ويجعل
صلاته معهم نافلة. کما تقدم في حديث أبي ذر رضي الله عنه (فلما
دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا: لا، إِنما انصرفنا الساعة)
أي في الساعة الحاضرة، فأل للعهد الحضوري (من الظهر، قال) أنس
رضي الله عنه (فصلوا العصر، قال) العلاء (فقمنا، فصلينا) أي
صلاة العصر (فلما انصرفنا) أي سلمنا من العصر (قال: سمعت
رسول الله ◌َّ يقول: تلك) أي الصلاة المتأخرة عن الوقت (صلاة
المنافق) فتلك: إشارة إلى مذكور حكماً، كما قدرناه، وقال الطيبي :
إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في
الذهن .
وفي رواية أبي داود ((تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين،
تلك صلاة المنافقين)). بالتكرار ثلاث مرات، مبالغةً في ذم من يؤخر
الصلاة إلى هذا الوقت بدون عذر.
ثم إن المنافق إما محمول على حقيقته بأن يكون بياناً لصلاته، أو
يكون تغليظاً، يعني أن من أخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب، فقد
شبه نفسه بالمنافق، فإن المنافق لا يعتقد حقية الصلاة، بل إنما يصلي لدفع
السيف عن نفسه، ولايبالي بالتأخير، إذ لا يطلب فضيلة، ولا ثواباً،
والواجب على المسلم أن يخالف المنافق. انتهى ((مرعاة)) جـ ٢ ص ٣٠٢.

- ٦٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
(جلس) ولمسلم ((يجلس)) بصيغة المضارع، ولأبي داود ((يجلس
أحدهم)) (يرقب صلاة العصر) أي ينتظر قرب آخر وقتها، وهو
غروب الشمس، ولمسلم ((يرقب الشمس))، أي ينتظر غروبها، والجملة
مستأنفة استئنافاً بيانياً، وهو ما يقع جواباً لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما
هي صفة تلك الصلاة، التي وصفت بأنها صلاة المنافق ، فقال: يجلس
ينتظر قرب غروب الشمس ... إلخ (حتى إِذا كانت) الضمير
راجع إلى الشمس بقرينة السياق، كما بينته رواية مسلم (بين قرني
الشيطان) ولأبي داود ((حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قرني
شيطان، أو على قرني شيطان)).
ومعنى قرني الشيطان: جانبا رأسه، وهو كناية عن قرب الغروب،
وذلك لأن الشيطان عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها ينتصب
دون الشمس، بحیث یکون الطلوع والغروب بین قرنیه، فھو محمول
على حقيقته. قاله في المرعاة.
وفي ((المنهل)) جـ ٣ ص ٣٣٥: اختلفوا فيه، فقيل: هو على حقيقته،
وظاهر لفظه، والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند
طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها، ليكون الساجد لها
في صورة الساجد له، ويخيل لنفسه، ولأعوانه أنهم يسجدون له.
وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه علوه، وارتفاعه، وسلطانه،
وتسلطه، وغلبة أعوانه، وسجود مطیعه من الكفار للشمس .

-
٦٤٧
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١١
وقال الخطابي رحمه الله: اختلفوا في تأويله على وجوه؛ فقال
قائل: معناه: مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها للغروب، على معنى
ما رُويَ أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا
استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا
غربت فارقها، فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك.
وقيل: معنى ((قرن الشيطان)) قوته، من قولك: أنا مُقْرن لهذا
الأمر، أي مُطيق له قوي عليه.
وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات، لأنه يُسَوِّل
لعَبَدَة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة، وقيل: قَرْنُهُ:
حْزبُهُ، وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرن، أي نشء
جاءوا بعد قرن مضى.
وقيل: إن هذا تمثيل، وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من
تسويل الشيطان لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما
تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دفعوا الصلاة، وأخروها عن
أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس، صار ذلك منه
بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه بأرْوَاقها .
وفيه وجه خامس قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل
الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بین قرنیه،
وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقرنا

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦٤٨
الرأس: فَوْدَاهُ، وجانباه. وسُمِّيَ ذو القرنين بذلك لأنه ضُربَ على
جانبي رأسه، فلقب به. انتهى كلام الخطابي في ((المعالم)) جـ ١ ص
٢٤٢،٢٤١.
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح هذه الأقوال عندي هذا الوجه
الخامس، وقريب منه الوجه الأول، أوهو تفصيل له، وإنما كان هذا
أرجح، لأن ظاهر النص لا يُعدَل عنه إلا إذا كان فيه ما يصرفه عن
ظاهره، وهنا لا داعي لذلك، لأن الشيطان كونه ينتقل من مكان إلى
مكان بحيث يصل إلى محل طلوع الشمس وغروبها غير مستبعد، فلا
حاجة لصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره. والله أعلم.
وقوله (قام) جواب ((إذا))، أي إلى الصلاة، ((وحتى)) غاية لمراقبته
للشمس، يعني أنه جلس مراقباً للشمس إلى أن صارت بين قرني
الشيطان، فقام يسابق غروبها (فنقرها أربعاً) من نَقَرَ الطائرُ الحب
نَقْراً، من باب قتل: التقطه. أي نقر صلاة العصر نقراً كنقر الطائر
الحب.
قال الجزري رحمه الله: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه
إلا قدر وضع الغراب منْقَارَهُ فیما یرید أكله. انتهى .
وقال السندي رحمه الله: كأنه شبه کل سجدتین من سجداته من
حيث إنه لا يمكث فيهما، ولا بينهما، بنقر طائر إذا وضع منقاره يلتقط
شيئاً. انتهى. يعني إنما قال: أربعا، أي أربع سجدات مع أن في العصر

٦٤٩ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١١
ثماني سجدات، لأنه لا يمكث بينهما، فكأنه سجد أربعاً.
وفيه تصريح بذم من صلى مسرعاً بحيث لا يكمل الخشوع،
والطمأنينة، والأذكار.
وقيل: معنى ((نقر أربعاً)) أي لقط أربع ركعات سريعاً، فالنقر عبارة
عن السرعة في أداء الصلاة.
وقيل: عن سرعة القراءة، وقلتها، وقلة الذكر فيها. قاله في المرعاة
جـ٢ ص ٣٠٢.
وفي المنهل: وتخصيص الأربع بالنقر، وفي العصر ثماني سجدات
اعتباراً بالركعة، أو أن الحديث جاء حين كانت صلاة العصر ركعتين، ثم
زیدت بعده.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول أقرب. والله أعلم.
وإنما خص العصر بالذكر لأنها الصلاة الوسطى، ولأنها تأتي في
وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم، وإلا فتأخير غيرها من المكتوبة
إلى آخر وقتها بدون عذر مذموم، وفيه الوعيد الشديد. انتهى .
(لا يذكر الله عز وجل فيها) لعدم اعتقاده، أولخلوه عن
الإخلاص (إلا قليلاً) أي إلا ذكراً قليلاً، وقيل: الظاهر أنه منفصل،
أي لكنه في زمن قليل يذكر الله فيه بلسانه فقط. والله ولي التوفيق،
وهو المستعان، وعليه التكلان .

-
٦٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حدیث أنس رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف رحمه الله تعالى :
أخرجه هنا (٥١١)، وفي ((الكبرى)) (١٤٩٧) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ فأخرجه مسلم في ((الصلاة))
عن يحيى بن أيوب، ومحمد بن الصباح، وقتيبة، وعلي بن حجر .
أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أنس رضي الله عنه.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، عن العلاء، عنه.
وأخرجه الترمذي فيه عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل به. والله
تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : ما بَوَّبَ علیه المصنف رحمه الله تعالى، وهو بیان الوعيد
الشديد لمن أخر العصر عن وقتها المستحب إلى قرب غروبها.
ومنها: التصريح بذم من أخر صلاة العصر، والحكم على صلاته
بأنها صلاة المنافق، ولا أقبح من هذا الوصف عند العاقل.
ومنها: التصريح بذم من صلى مسرعاً بحيث لا يكمل الطمأنينة،
إ

٦٥١ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
والخشوع، والأذكار.
ومنها: الإشارة إلى أن صلاة المؤمن إنما تكون بالطمأنينة،
والخشوع، والأذكار على الصفة الواردة عن رسول الله عَ ◌ّه المشار إليها
بقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) رواه البخاري، وهي الصلاة التي
علق الله سبحانه الفلاح بها حيث قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ
هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
ومنها: أنه يتضح بهذا الحديث أن صلاة غالب العوام من أهل هذا
الزمان ليست صلاة شرعية، وإنما هي صلاة المنافقين الذين إن صَلَّوا
يصلون في آخر الوقت، ثم تراهم ينقرونها كنقر الديك، ويلعبون،
وتظن إذا رأيتهم فيها كأنهم خارج الصلاة، لا خشوعَ ولاطمأنينةً،
ويلتفتون يَمْنَةً ويَسْرَةً كالتفات الثعلب، نواصيهم بيد الشيطان، فهو
الذي يحركهم، ويتولى توجيههم فيها، وكأنهم من تضايقهم منها في
سجن أليم، نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وعَمیَ بصيرتنا،
واستحواذ الشيطان علينا، ونسأله أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانْ﴾ [الحجر: ٤٢]، إنه قريب مجيب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥١٢ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِلَّهِ، قَالَ:
(الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتُرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ).

٦٥٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي ابن راهويه المروزي
النيسابوري، ثقة حجة، من [١٠]، تقدم في ٢ / ٢.
٢- (سفيان) بن عيينة أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة، من
[٨]، تقدم في ١ / ١.
٣- (الزهري) محمد بن مسلم القرشي المدني، ثقة ثبت حجة،
من [٤]، تقدم في ١/ ١ .
٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العَدَويّ المدني، ثقة
ثبت عابد فقيه، توفي آخر سنة ١٠٦ على الصحيح، من كبار [٣]، تقدم
في ٤٩٠.
٥- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل رضي الله
عنه، تقدم في ١٢ / ١٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات نُبَلاَء، اتفقوا عليهم.
ومنها : أنهم مدنیون إلا شيخه؛ فمروزي، ثم نيسابوري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، الزهري، عن سالم.

٦٥٣ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها : أن سالماً هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، كما
قال الحافظ العراقي في ألفية المصطلح:
خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةٌ
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتَبَاه
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللَّه
إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْسَالِمُ أُوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلافٌ قَائِمُ
ومنها: أن ابن عمر رضي الله عنهما أحد المكثرين السبعة من
الصحابة، كما قال الحافظ السيوطي في ألفية المصطلح:
وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَجَابِرٍ وَزَوْجَةِ النَّبِيِّ
وأنسٌ وَالْبَحْرُ كَالْخُدْرِيِّ
وهو أيضاً أحد العبادلة الأربعة، كما قال الحافظ السيوطي أيضاً:
وَالْبَحْرُ وابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍوٍ وَأَبْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ
وقد تقدم هذا كله غير مرة، وإنما أعدته تذكيراً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما (عن رسول الله عَّه) أنه (قال:
الذي) مبتدأ خبره جملة ((فكأنما وتر ... )) إلخ (تفوته صلاة

- ٦٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
العصر) فيه جواز قول الشخص فاتتنا الصلاة، خلافاً لمن كرهه، كذا
قيل، وفيه نظر لأن الكلام سیق مساق الذم، فكيف يستفاد منه هذا.
واختلف في المراد بفوات العصر في هذا الحديث، فقال ابن وهب
وغيره: هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون،
والأصيلي، وابن عبد البر: هو أن تفوته بغروب الشمس، وقيل: هو
تفويتها إلى أن تَصْفرَّ الشمسُ، وقد ورد مفسراً من رواية الأوزاعي في
هذا الحديث، قال فيه: ((وفواتها أن تدخل الشمس صفرة)).
قال العراقي رحمه الله: كذا ذكر القاضي عياض، وتبعه النووي،
وظاهر إيراد أبي داود في سننه أن هذا من كلام الأوزاعي، قاله من عند
نفسه، لا أنه من الحديث، فإنه روي بإسناد منفرد عن الحديث عن
الأوزاعي أنه قال: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس صفراء.
وفي العلل لابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد عن
الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَ له: ((من
فاتته صلاة العصر؛ وفواتُهَا أن تدخل الشمس صفرة، فكأنما وتر أهله،
وماله))، قال أبي: التفسير من قول نافع . انتهى.
وكلام القاضي أبي بكر بن العربي يقتضي أنه من كلام ابن عمر، فإنه
قال: وقد اختلف عن ابن عمر فيه، فروى الوليد، عن الأوزاعي، عن
نافع، عن ابن عمر ((من فاتته صلاة العصر، وفواتها أن تدخل الشمس
صفرة))، وابن جريج يروي عنه: ((إن فواتها غروب الشمس)). انتهى.

٦٥٥ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
وكيفما كان فليس هذا الكلام مرفوعاً إلى النبي ◌َّه، فلا حجة فيه.
وقال ابن عبد البر رحمه الله في هذا القول: إنه ليس بشيء.
وقال ابن بطال رحمه الله: إنما أراد فواتها في الجماعة، لا فواتها
باصفرار الشمس، أو مغيبها، لما يفوته من صلاتها في الجماعة من
حضور الملائكة فيها، فصار ما يفوته من هذا المشهد العظيم الذي
يجتمع فيه ملائكة الليل، وملائكة النهار أعظم من ذهاب أهله وماله،
ولو كان المراد فوات وقتها كله باصفرار، أو غيبوبة لبطل الاختصاص،
لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة، بهذا المعنى فسره ابن
وهب، وابن نافع، وذكره ابن حبيب عن مالك، وابن سحنون عن
أبيه، قال ابن حبيب: وهو مثل حديث يحيى بن سعيد: ((إن الرجل
ليصلي الصلاة، وما فاتته، ولَمَا فاته من وقتها أكثر من أهله وماله ))،
يريد أن الرجل ليصلي الصلاة في الوقت المفضول، ولما فاته من وقتها
الفاضل الذي مضى عليه اختيار النبي ◌َّهِ وأبي بكر، وكُتُب عمر إلى
عماله - أفضل من أهله وماله، وليس في الإسلام حديث يقوم مقام هذا
الحديث، لأن الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:
٢٣٨]، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غيره . انتهى.
وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن هشيم، عن حجاج، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَ ل: ((من ترك العصر حتى
تغيب الشمس من غير عذر، فكأنما وتر أهله وماله)). اهـ ((طرح

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦٥٦
التثريب)) جـ ٢ ص ١٨٠، ١٨١.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم تحقيق الخلاف في المسألة،
وترجيح قول من قال: إن التفويت إخراجها عن وقتها، في شرح
حديث رقم ٤٧٨، فارجع إليه تزدد علماً. والله أعلم.
(فكأنما وتر أهله وماله) يروى بنصب ((أهله، وماله))،
ورفعهما، والنصب هوالصحيح المشهور الذي علیه الجمهور، كما قال
النووي، وقال القاضي عياض: وهو الذي ضبطناه عن جماعة
شيوخنا، ووجهه أنه مفعول ثان، أي وتر هو أهله وماله، وقيل: إنه
منصوب على نزع الخافض، أي وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض
انتصب، قال القاضي عياض والنووي: ومن رفع فعلى ما لم يسم
فاعله، قال العراقي: وفيما قالاه نظر، إذ الفعلُ لم يسم فاعله، وهو
مبني للمفعول على كل حال، فرواية النصب على أن التارك هو
المنقوص، فأقام ضميره مقام الفاعل، فانتصب أهله وماله، لأنه مفعول
ثان، ورواية الرفع على أن أهله، وماله هم المنقوصون، فأقامه مقام
الفاعل، فرفعه.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إن رفعت فعلى البدل من الضمير
في وتر .اهـ.
فأما على رواية النصب، فاختلفوا في معناه، فقال الخطابي وغيره:
معناه نَقَصَ هو أهْلَهُ ومالَه ، وسَلَبَهُم، فبقي وتراً فَرْدا بلا أهل ولا مال،

٦٥٧ _
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
فليحذر من تفويتها، كَحذَره من ذهاب أهله وماله. جزم به الخطابي في
٠٠
المعالم، وقال في أعلام الجامع الصحيح: وتر: أي نقص، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقيل: سلب أهله
وماله، فبقي وتراً، لا أهل له ولا مال. اهـ.
فجعلهما قولين متغايرين، تفسيره بنقص، وتفسيره بسلب .
قال العراقي : وهذا يخالف ما حکیته عنه أولاً، وكذا غایر بينهما
غيره، قال ابن بطال: قال صاحب العين: الوتْرُ، والتِّرَةُ: الظلم في
الدم، يقال منه: وتر الرجل وتراً، وترَةً، فمعنى وُتُرَ أهله وماله: سلب
ذلك، وحرمه، فهو أشد لغمه وحزنه، لأنه لو مات أهله، وذهب ماله
من غير سلب، لم تكن مصيبته في ذلك عنده بمنزلة السلب، لأنه
يجتمع عليه في ذلك غَمَّان، غم ذهابهم، وغم الطلب بوترهم، وإنما
مثله ◌َّ فيما يفوته من عظيم الثواب، ثم قال: وقد يحتمل أن يكون
عنى بقوله: ((فكأنما وتر أهله وماله)) أي نقص ذلك، وأفرد منه، من
قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، أي لن ينقصكم، والقول الأول
أشبه بمعنی الحدیث. اهـ.
وقال ابن عبد البر رحمه الله: معناه عند أهل اللغة، والفقه: أنه
يصاب بأهله وماله إصابةً يطلب بها وترا، والوتر الجناية التي يطلب
ثأرها، فيجتمع عليه غَمَّان، غَمُّ المصيبة، وغم مُقَاساة طلب الثأر.
وقال الداودي من المالكية: معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٦٥٨.
على مَن فَقَدَ أهله وماله، فيتوجه عليه الندم، والأسف بتفويت الصلاة،
وقيل: معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف عليه كما يلحق من
ذهب أهله وماله.
وقال الباجي : يحتمل أن یرید وتر دون ثواب يدخر له، فیکون ما
فات من ثواب الصلاة، کما فات هذا الموتور. اهـ.
وأما رواية الرفع، فمعناه: انتزع منه أهله وماله. وهذا تفسير مالك
ابن أنس رحمه الله.
قال الحافظ العراقي رحمه الله: يحتمل أن يقال: إنما خص الأهل
والمال بالذكر، لأن الاشتغال في وقت العصر إنما هو بالسعي علي
الأهل، والشغل بالمال، فذَكَرَ عليه الصلاة والسلام أن تفويت هذه
الصلاة نازل منزلة فقد الأهل والمال، فلا معنى لتفويتها بالاشتغال
بهما، مع كون تفويتها كفواتهما أصلاً ورأساً. والله أعلم.
فائدة نفيسة: الفاء في قوله ((فكأنما وتر ... )) إلخ، إنما دخلت في
خبر المبتدإ لما فيه من معنى العموم، فأشبه الشرط الذي يربط جوابه بها .
وقد ذكر العلامة النحوي محمد الخضري في حاشيته على شرح
ابن عقيل لألفية ابن مالك، فائدة مهمة ينبغي أن تُذْكرَ هنا لنفاستها،
قال رحمه الله :
فائدة: لا يقترن الخبر بالفاء إلا إذا كان المبتدأ يشبه الشرط في
:

٦٥٩ -
٩ - باب التشديد في تأخير العصر - حديث رقم ٥١٢
العموم، والاستقبال، وتَرَتُّب ما بعده عليه، وذلك لكونه مُوصَلاً بفعل
صالح للشرطية بأن يخلو من عَلَم الاستقبال، كالسين، وأداة الشرط،
ومن ((قد))، و((ما)) النافية، أو بظرف، أو مجرور، كالذي يأتيني، أو
هو هنا، أو في الدار، فله درهم، أو نكرة موصوفة بذلك، كرجل
يأتيني، أوهنا، أو في الدار، فله درهم، أومضافاً إلى الموصول
والموصوف المذكورين بشرط كونه لفظ ((كل)) في الثاني، كما قاله السيد
البُلَيْدِيّ، كغلام الذي يأتيني، أو كلُّ رجل يأتيني إلخ، أوموصوفاً
بالموصول المذكور، كالرجلُ الذي يأتيني إلخ، وكذا المضاف لذلكَ،
فيما يظهر، كغلامُ الرجل الذي يأتيني إلخ، فتلك ثماني عشرة صورة
يكثر اقتران خبرها بالفاء، لتنص على مراد المتكلم من تَرَتَّب الدرهم
على الإتيان مثلاً، فلو عُدمَ العمومُ، كالسعي الذي تسعاه في الخير
ستلقاهُ، أو الاستقبالُ، كالذي زارني أمس له كذا، أو اقترن الفعل بشيء
مما مَرَّ، كالذي سيأتيني، أو إن يأتيني أكْرِمْه، أوقد أتاني، أو ما أتاني له
كذا، امتنعت الفاء، لفوات الشبه بالشرط، وكذا لوكانت الصفة، أو
الصلة غير ما ذُكرَ، كالذي أبوه محسن مُكْرَم، والقائم: زيد، ولا
يجوز، فمكرمٌ، ولا فزيدٌ، خلافاً لابن مالك في الثاني، وأما آية
السرقة، والزنا، فخبرهما محذوف، أي مما يُتْلی علیکم حکمُ السارق،
والزاني إلخ، وقوله ﴿فَاقْطَعُوا﴾، و ﴿فَاجْلِدُوا﴾ بيان للحكم.
وتدخل الفاءُ بقلَّة في خبر (كل)) إذا أضيف لغير ما مر، بأن أضيفَ

- ٦٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
لغير موصوف أصلاً، كَكُلُّ نعمة فمن الله، أو لموصوف بغير ماذُكرَ،
كقوله (من الخفيف):
فَمَنُوْطٌ بِحِكْمَةِ الْمُتَعَالِي
كُلُّ أَمْرٍ مُبَاعِدٍ أوْهُدَانِ
ومنه حديثُ ((كلُّ أمر ذي بَال ... )) إلخ (١) بناء على أن العبرة
الصفةُ الأولى، فإن اعتُبرَت الثانيةٌ، وهي ((لا يُبدأ)) كان من الكثير،
لصلوحه للشرط، كما في ((حاشية الصبان))، والظاهر أن مثل ذلك
إضافتها لموصول بغير ما مر، ككلُّ الذي أبو قائم، فله درهم.
فجملة ما تدخل الفاء في خبره إحدى وعشرون صورةً، ما لم
يدخلها ناسخ، فيُمنَعُ الفاءُ، بإجماع المحققين، إلا ((إِنَّ)، و((أنّ)
و(لَكنَّ) على الصحيح، كآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبِّنَا اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٠]
الآية، ﴿وَاَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وذلك كثير. والله
أعلم. اهـ حاشية الخضري جـ١ ص١٠٣ .
قال الجامع عفا الله عنه: إنما أطلت الكلام في هذه المسألة
لكثرة دورانها في الأحاديث، فينبغي معرفتها تَمَامَ المعرفة، وقد قدمت
في مقدمة هذا الشرح بأن المقصود الأساسي في وضع الشرح هو إيضاح
الكتاب المشروح بما يتطلبه من المعاني اللغوية، والنحوية، والفقهية،
والفوائد الإسنادية، والمتنية، والمصطلحات الحديثية، وغير ذلك من
(١) هذا الحديث تقدم الكلام عليه في البسملة من هذا الشرح، وأنه ضعيف.