النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ - ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠. اهـ ((طرح)). جـ ٢ ص ١٥٧ . وجهنم: اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها، قال الأزهري: في جهنم قولان: قال يونس بن حبيب، وأكثر النحويين: جهنمُ اسم النار التي يُعذّب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية، لا تُجرَى للتعريف والعجمةَ . وقال آخرون : جهنم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قَعْرُها، وإنما لم تُجْرَ لثقل التعريف، وثقل التأنيث، وقيل : هو تعريب كهنَّام بالعبرانية، وقال ابنُ خَالَوَيْه : بئر جهنَّامٌ، للبعيدة القعر، ومنه سميت جَهَنَّمُ. أفاده في ((اللسان)) ج١ ص٧١٥. والله تعالى أعلم. تنبيه: اختلف العلماء في معنى قوله: (فإن شدة الحر من فیح جهنم» هل هو حقيقة، أومجاز ؟ فحمله الجمهور على الحقيقة، وقالوا : إن وَهَجَ الحرمن فيح جهنم، ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((اشتَكَت النارُ إلى ربها، فقالت : يارب أكَلَ بعضي بعضاً، فَأَذْنَ لها بنَفَسَين : نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشدُّما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزَّمْهَرِير)). وقيل : إنه كلام خَرَجَ مَخْرِجَ التشبيهِ، أي كأنه نار جهنم في الحر، فاجتنبوا ضَرَرَهُ. قال القاضي عياض رحمه الله : وكلا الوجهين ظاهر، وحَمْلُهُ علی : 1 شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ٥٢٢ الحقيقة أولى . وقال ابن عبد البر رحمه الله : القول الأول يعضده عموم الخطاب، وظاهرُ الكتاب ، وهو أولى بالصواب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه : هذا الذي قاله عیاض وابن عبد البر، لا ينبغي العدول عنه، إذ لا داعي إلى ذلك، فإنه إذا أمكن حمل النص على ظاهره لا يجوز العدول عنه إلا لدليل . فتبصر. وعليه فيستفاد منه أن النار مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتد به، وخالفت فى ذلك المعتزلة، فقالوا : إنها إنما تخلق يوم القيامة، قال العراقي رحمه الله : والأدلة السمعية متوافرة على خلاف ذلك . انتهى. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٥٠٠)، وفي ((الكبرى)) (١٤٨٩) بسند الباب، وفي ((الكبرى)) أيضاً (١٤٨٧) عن أحمد بن محمد بن المغيرة الحمصي، عن عثمان بن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه . وفيه (١٤٨٨) عن قتيبة، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عنه. والله تعالى أعلم. i 1 ٠ ٥٢٣ - ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أما من طريق المصنف، فأخرجه مسلم وأبوداود والترمذي وابن ماجه . فأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن قتيبة، ومحمد بن رمح - كلاهما عن الليث، عن الزهري به . وأخرجه أبو داود فيه عن يزيد بن خالد بن مَوْهَب - وقتيبةَ - كلاهما عن الليث به . وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن اللیث به . وأخرجه ابن ماجه فيه، عن محمد بن رُمْح، عن الليث به . وأما من غير طريق المصنف، فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، قال : قال صالح بن كيسان : حدثنا الأعرج وغيره، عن أبي هريرة، ونافعٌ عن ابن عمر، بهذا . والله تعالى أعلم. تنبيه: قال في التلخيص : حديث: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فَيْح جهنم )) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأبي ذَرّ ، وأخرجه البخاريّ من حديث ابن عمر، ولفظ ابن ماجه فيه: ((أبردوا بالظهر)) . وفي الباب عن أبي موسى، وعائشة، والمغيرة، وأبي سعيد، OYE - شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت وعَمْرُو بن عَبَسَة، وصفوان والد القاسم، وأنس، وابن عباس، وعبد الرحمن بن علقمة، وعبد الرحمن بن جارية، وصحابي لم يسم، ورواه مالك من رواية عطاء بن يسار مرسلاً، وُرُويَ عن عمر موقوفاً: فحديث أبي موسى رواه النسائي(١) بلفظ: ((أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدونه في الحر من فيح جهنم)) . وحديث عائشة رواه ابن خزيمة بلفظ: ((أبردوا بالظهر في الحر))، وحديث المغيرة رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وتفرد به إسحاق الأزرق، عن شريك، عن طارق، عن قيس، عنه . وفي رواية للخلال : وكان آخر الأمرین من رسول الله ﴾ الإبراد. وسئل عنه البخاريُّ، فعده محفوظاً، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجَّحَ صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي : هو عندي صحيح، وأعله ابن معين بما رَوىَ أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفاً، وقال : لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفاً، وقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، والله أعلم. وحديث أبي سعيد رواه البخاري بلفظ ((أبردوا بالظهر)). وحديث عمرو بن عَبَسَة رواه الطبراني، وحديث صفوان رواه ابن أبي شيبة والحاكم والبغوي، من طريق القاسم بن صفوان، عن أبيه، (١) حدیث یأتي للمصنف برقم (٥٠١). ٥٢٥ _ ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ بلفظ ((أبردوا بصلاة الظهر)) الحديث. وحديث أنس (١) وحديث ابن عباس رواه البزار بلفظ ((كان رسول الله عَّه في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر، والعصر ... )) الحديث . وفيه عُمَر ابن صُهْبَان، وهو ضعيف . وحديث عبد الرحمن بن جارية رواه الطبراني . وحديث عبد الرحمن بن علقمة رواه أبو نعيم . وحديث الصحابي المبهم رواه الطبراني. وحديث عمر تقدم مع المغيرة. اهـ. ((التلخيص)) جـ١ ص ١٨١، ١٨٢. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ماترجم له المصنف، وهو مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف أهل العلم فيه، في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحرمن فيح جهنم. ومنها: كون النار، وكذا الجنةُ مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مر آنفاً. (١) هكذا بياض في الأصل، ولم يذكر من أخرج حديث أنس، والله أعلم. - ٥٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ومنها: بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلَت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعاً للحرج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجِ﴾ [الحج: ٧٨]. المسألة الخامسة: اختلف العلماء القائلون بمشروعية الإبراد في الأمر الوارد في هذا الحديث، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟ فقال الجمهور : إنه للاستحباب، وحكى القاضي عياض وغيره : أن بعضهم ذهب إلى الوجوب، وقال الحافظ: وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على عدم الوجوب. وقال البدر العيني : فإن قلت: ما القرينة الصارفة عن الوجوب، وظاهرُ الكلام يقتضيه؟ قلت: لَمَّا كانت العلة فيه دفعَ المشقة عن المصلي لشدة الحر، وكان ذلك للشفقة عليه، فصار من باب النفع له، فلوكان للوجوب يصير عليه ، ويعود الأمر على موضوعه بالنقض . اهـ ((عمدة)) جـ ٥ ص ٢٠ - ٢١ . وقال الحافظ أبو محمد بن حزم رحمه الله : وإنما لم نَحْمل الأمرَ على الوجوب، لحديث خبَّاب رضي الله عنه، قال: ((شكونا إلى رسول الله ◌َّ﴾ شدة الرمضاء، فلم يُشْكنَا))، قال زهير: قلت لأبي إسحاق : أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نعم. اهـ ((المحلى)) بتصرف جـ ٣ ص١٨٤ - ١٨٥ . وهو الحديث المتقدم للمصنف برقم (٤٩٧) وفيما قاله ابن حزم نظر سيأتي، إن شاء الله. والله تعالى أعلم. -٥٢٧ _ ٥ - الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ المسألة السادسة: اختلف أهل العلم في استحباب الإبراد في شدة الحر : قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله : في هذا الحديث استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وهو تأخيرها إلى أن يبرد الوقت، وينكسروَهَجُ الحَرِّ، وبه قال الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء من السلف والخلف، لكن أكثر المالكية على اختصاص الإبراد بالجماعة، فأما المنفرد، فتقديم الصلاة في حقه أفضل، وكذا قال ابن حزم الظاهري؛ أنه يختص الإبراد بالجماعة . وحَكَى ابنُ القاسم عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعاً في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد ، على ماكتب به عمر بن الخطاب إلى عماله . وقال ابن عبد الحكم، وغيره: معنى كتاب عمر مساجد الجماعة، فأما المنفرد، فأول الوقت أولى به. قال ابن عبد البر: وإلى هذا مال الفقهاء المالكيون من البغداديين، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم . انتهى. وقال الشافعي : إنما يستحب الإبراد في شدة الحر بشروط : الأول: أن يكون في بلد حار . وقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني وغيره : يستحب في البلاد المعتدلة والباردة أيضا إذا اشتد الحر. الثاني: أن تُصَلَّى في جماعة، فلو صَلَّى منفرداً، فتقديمُ الصلاة شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ٥٢٨ له أفضلُ. الثالث: أن يَقْصدَ الناسُ الجماعةَ من بُعُد، فلوكانوا مجتمعين في موضع صَلَّوا في أولَ الوقت. الرابع: أن لايجدو كنّاً يمشون تحته، يَقيهمُ الحر، فإن اخْتَلّ شرط : من الشروط، فالتقديم أفضل. وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة في المغني : ظاهر كلام أحمد استحباب الإبراد بها على كل حال، قال الأثرم : وهذا على مذهب أبي عبد الله سواء يُستَحَبّ تعجيلها في الشتاء، والإبراد بها في الحر. وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لظاهر قوله: ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة))، وهذا عام. وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط : شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجد بفناء بيته فالأفضل تعجيلها. وقال القاضي في الجامع : لا فرق بين البلدان الحارَّة، وغيرها، ولابين كون المسجد ينتابه الناس، أو لا ؛ فإن أحمد کان یؤخرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة، والأخذُ بظاهر الخبر أولى. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء الله تعالى. ٥٢٩ _ ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ وذهبت طائفة إلى عدم استحباب الإبراد مطلقا، وحكاه ابن المنذر عن عمر، وابن مسعود ، وجابر رضي الله عنهم، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر، وعلىٍّ، وحكاه ابن عبد البر عن الليث بن سعد، والمشهورُ عنه موافقة الجمهور . احتج الجمهور القائلون باستحباب الإبراد في شدة الحر مطلقا بحدیث الباب، وغيره من الأحاديث، فإنه ليس فيها سوى ذلك. قال الحافظ العراقي رحمه الله : واستنبط الشافعي رحمه الله هذه الشروط التي اعتبرها من الحديث، وجعله تخصيصا للنص بالمعنى، فحُكيَ عنه أنه قال: إن أمر رسول الله تَ ◌ّه بالإبراد كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده يومئذ، وكان يُنْتَابُ من البعد، فَيَتَأْذَّون بشدة الحر، فأمرهم بالإبراد، لمَا في الوقت من السَّعَة . حكاه ابن عبد البر . واستدل الترمذي في جامعه بحديث أبي ذر رضي الله عنه الثابت في الصحيحين: ((أَذَّنَ مؤذن رسول اللـه ◌َم ◌ّه، فقال النبي ◌َّه: ((أبرد، أبرد))، أو قال: ((انتظر، انتظر))، وقال: ((شدةُ الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة))، حتى رأينا فيء التُّلُول)) . وفي رواية للبخاري أن ذلك كان في سفر، على خلاف ماذهب إليه الشافعي، وقال: لو كان على ماذهب إليه لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن يَنْتَابُوا من شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت - ٥٣٠ الْبُعْد. انتهى. وأجاب الشافعية عما قاله الترمذي بأن اجتماعهم في السفر قد يكون أكثر مشقة منه في الحضر، فإنه یکون كل واحد منهم في خبائه، أو مستقراً في ظل شجرة، أو صخرة، ويؤذيه حرالرمضاء إذا خرج من موضعه، وليس هناك ظلّ يمشون فيه، وأيضاً فليس هناك خبَاءٌ كبير يجمعهم، فيحتاجون إلى أن يصلوا في الشمس، والظاهر أيضاً أن أخْبِيَتَهُم كانت قصيرة، لايتمكنون من القيام فيها . وقد ثبت في الصحيح أنه ◌َّ﴾ ((كان يأمر مناديه، في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر أن يقول : ألا صَلُّوا في الرحال)) ، فلما كان وجود البرد الشديد، أو المطر في السفر مرخصا في ترك الجماعة، كذلك وجود الحر الشديد في السفر مقتض للإبراد بالظهر، وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر))، ويخبر رسول الله ◌َّه نقول، وهو على العموم، لاسبيل يستثنى من ذلك البعض . انتهى. قال العراقي : وقد عرفت أن التخصيص إنما هو بالمعنى، والصحيح في الأصول أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه . لكن قد يقال : لا يتعين أن تكون العلة ما أشار إليه الشافعي من تأذيهم بالحر في طريقهم، فقد تكون العلة ما يجدونه من حر الرمضاء في جباههم في حالة السجود، وقد ثبت في الصحيح عن أنس رضي ٥٣١ _ ٥ - الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ الله عنه، قال : «کنا إذا صلینا خلف رسول الله څ﴾ بالظھائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر))، ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ ((سجدنا)) بدل ((جلسنا)). وفي ((سنن أبي داود)) وغيره ((كنت أصلي الظهر مع رسول الله تَّه، فآخذ قبضة من الحصى، لتَبْرُدَ في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليه، لشدة الحر )). وفي حديث أنس رضي الله عنه في الصحيح: ((فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه))، فهذا هو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم، ولم نجد عنهم أنهم شَكَوْا مشقة المسافة، ولابُعْد الطريق. ويمكن أن تكون العلة في ذلك أنه وقت يفوح فیه حر جهنم، ولهيبها، وهو ظاهر قوله: ((فإن شدة الحرمن فَيْح جهنم))، وكونها ساعة يفوح فيها لَهَب جهنم وحرها، يقتضي الكف عن الصلاة، كما في حديث عمرو بن عَبَسَةَ ((فإذا اعتدل النهار، فَأَقْصرْ)) يعني عن الصلاة، «فإنها ساعة تُسْجُرُ فیها جهنم )). قال الجامع عفا الله عنه: هذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّلُ به الأمر «بالإبراد»، لکون الحدیث نصاً فيها، فلا معنى للتعلیل بغيرها، فحينئذ يستوي في الحكم الجماعةُ، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو الراجح. والله أعلم . - ٥٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت واحتج القائلون بعدم استحباب الإبراد مطلقا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبحديث خباب رضي الله عنه: ((شكونا إلى رسول الله تَُّ الرمضاء، فلم يُشْكنا)) الذي تقدم في (٤٩٧) وأجابوا عن حديث الباب، وغيره من الأحاديث الدالة على الإبراد بأن معناها: صَلُّوها في أول وقتها، أخْذًا من بَرْدِ النَّهَار، وهو أوله . ورد عليهم بأن هذا تأويل بعيد، يُبطلُهُ قوله: ((فإن شدة الحرمن فيح جهنم))، لأن أول وقت الظهر أشد حَراً من آخره، وحديث أبي ذر المتقدم صريح في أن المراد بالإبراد التأخير إلى وقت البرد . وقال الخطابي رحمه الله : ومن تأول الحديث على برد النهار، فقد خرج من جملة قول الأئمة . وأجيب عما تمسكوا به، بأن أحاديث أول الوقت عامة، أو مطلقة، والأمربالإبراد خاص؛ فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال : التعجيل أكثر مشقة ، فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضلَ، كما في قصر الصلاة في السفر. قاله في (الفتح). جـ ٢ ص٢٢ . وأجيب عن حديث خباب رضي الله عنه بأوجه : أحدها: أنه إنما لم يُجِبْهُمْ لَمَّا سألوا، لأنهم أرادوا أن يؤخروا الصلاة بعد الوقت الذي حده لهم، وأمرهم بالإبراد إليه، ویزیدوا على الوقت المرخص لهم فيه، ومن المعلوم أن حر الرمضاء الذي يسجد : ٥٣٣ _ ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ عليه، لا يزول إلا بعد خروج الوقت كله . ذكر المازري هذا الجواب، وقال : إنه الأشبه، يعني أشبه الأجوبة . ثانيها: أن هذا الحديث ونحوه من الأحاديث الدالة على التقديم، منسوخة بأحاديث الإبراد، لأنها رويت من حديث أبي هريرة، والمغيرة ابن شعبة، ونحوهما ممن تأخر إسلامه، بخلاف أحاديث التعجيل، کحدیث خباب، وحديث عبد الله بن مسعود. ويدل ما رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال : كنا نصلي مع رسول الله عَّه صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: ((أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم))، ورواه الطحاوي بلفظ: ((ثم قال: أبردوا)) وأعله أبو حاتم (١) بأنه رُويَ عن قيس بن أبي حازم، عن عمر بن الخطاب من قوله. وذكر الخَلاَّل عن الميموني : أنهم ذاكروا أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل حديث المغيرة بن شعبة، فقال : أسانيدها جیاد، ثم قال: خباب يقول: ((شكونا إلى النبي ◌َّه، فلم يُشْكنَا))، والمغيرة-كما ترى-رَوى القصتين جميعاً، قال : وفي رواية غير الميموني : وكان آخر الأمرين من رسول الله عمله ، الإبراد . (١) تقدم في كلام الحافظ أن أبا حاتم صححه، وإنما أعله ابن معين. فلينظر. - ٥٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت وقال الأثرم بعد ذكر أحاديث التعجيل: والإبراد: فأما التي ذكر فيها التعجيل في غير الحر فإن الأمر عليها، وأما حديث خباب، وجابر، وما كان فيها من شدة الحر، فإن ذلك عندنا قبل أن يأمر بالإبراد. وقد جاء بيان ذلك في حديثين : أحدهما حديث بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة: قال: كنا نصلي مع النبي ◌َّه بالهاجرة، فقال لنا: ((أبردوا)) فتبين لنا أن الإبراد كان بعد التهجير، والحديث الآخر أبْيَنُ من هذا : خالد بن (١)دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنساً، يقول : ((كان النبي ◌َّه إذا كان البرد بَكَّر بَالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة» . ثالثها: أن الإبراد رخصة، وتقديمه ◌َّه كان أخْذًا بالأشق . قال العراقي : وبهذا قال بعض أصحابنا، ونص عليه الشافعي في البويطي، وصححه أبو علي السنجي، لكن الصحيح من مذهبنا أن الإبراد هو الأفضل، فلا يمشي عليه هذا الجواب . رابعها: أن معنى قوله: ((فلم يُشكنا)) لم يُحْوجْنا إلى شكوى، بل رخص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج المالكي عن ثعلب ، ويرده أن في بعض طرقه ((فما أشكانا))، وقال: ((إذا زالت الشمس فَصَلُّوا))، رَوَى هذه الزيادة أبو بكر بن المنذر، كما ذكره ابن القطان. (١) مبتدأ خبره جملة ((قال: سمعت أنساً) إلخ. ٥٣٥ - ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ خامسها: أن الإبراد أفضل، وحديث خباب فيه بيان جواز التعجيل، دل عليه كلام ابن حزم، فإنه ذكر استحباب الإبراد، ثم قال: وإنما لم نحمل هذا الأمر على الوجوب، لحديث خباب، قال العراقي: لكن في هذا نظر، لأن ظاهر حديث خباب المنع من التأخير، أو أنه مرجوح بالنسبة إلى التقديم . والله أعلم . اهـ (طرح التثريب)) جـ ٢ ص ١٥١، ١٥٥ ببعض تصرف . وبعض زيادة من ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأجوبة عندي جواب من قال بنسخ حديث خباب بحديث المغيرة رضي الله عنه الذي استدل به الطحاوي عليه، قال: ((كنا نصلي مع النبي ◌َّه الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: ((أبردوا بالصلاة))، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال : هذا آخر الأمرين من رسول الله عَّه .. كما قاله الحافظ في ((الفتح)) جـ٢ ص٢١. وقال في ((التلخيص)): وسئل البخاري عنه، فعده محفوظاً، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي : هو عندي صحيح . وأعله ابن معين بما رَوَى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفاً، وقال: لو كان عند قيس، عن المغيرة مرفوعاً، لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفاً، وَقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبتُ من شريك. والله أعلم. اهـ جـ ١ ص ١٨١ . - ٥٣٦ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت قال الجامع: فتبین بهذا كله أن الأكثرین علی تصحيحه، ويؤيد ذلك ما تقدم؛ حديث أنس: ((كان النبي ◌َّهُ إذا كان البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة». والحاصل : أن الراجح كون حديث خباب منسوخاً، وأن أرجح المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحر مطلقاً، سواء كان جماعة، أومنفرداً، لقوة دليله. والله أعلم . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله بعد ذکر نحو ما تقدم : ولو نسلم جهل التاريخ، وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح، لأنها في الصحيحين، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرق. اهـ ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٣٢ - ٣٣ . المسألة السابعة : قيل: لفظ الصلاة عام بناء على أن المفرد الْمُعَرَّف بالألف واللام للعموم، فيتناول سائر الصلوات، وذلك يقتضي تأخير كل منها في شدة الحر، وبه قال الجمهور في الظهر، كما تقدم، وقال به أشهب وحده في صلاة العصر؛ قال: تؤخر ربع القامة، وقال به أحمد بن حنبل في رواية عنه في صلاة العشاء، فَرَأى تأخيرها في الصيف، وتعجيلها في الشتاء، وعكس ابن حبيب من المالكية، فَرَأى تأخيرها في الشتاء لطول الليل، وتعجيلها في الصيف، لقصره. ٥٣٧ - ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠٠ قال العراقي : وهو أظهر في المعنى، ولانعلم أحدا قال بالإبراد في المغرب، وكأن ذلك لضيق وقتها، ولا في الصبح، وكأن ذلك لأن وقتها أبرد الأوقات مطلقاً، فلامعنى للإبراد بها. وجواب الجمهور عن ترك القول بالإبراد في العصر والعشاء : أن المراد بالصلاة هنا صلاة الظهر، كما ورد بيانه في بعض الطرق الصحيحة المتقدمة؛ ففي رواية البخاري من حديث أبي سعيد، فقال : ((أبردوا بالظهر))، وهي رواية المصنف من حديث أبي موسى التالية، فتكون الألف واللام في الصلاة في الرواية المطلقة للعهد. وأيضاً فإن أول وقت العصر، وأول وقت العشاء لا يكون في الغالب أشد حراً من آخر وقت الظهر، فإذا فعلت الظهر في آخروقتها، ففعل العصر في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، وهما أقل حراً أولى بذلك. وأيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه في خبر الإبراد، لا بالعصر، ولا بالعشاء، بل كان يأتي بكل منهما في أول وقتها صيفاً وشتاء، وأما تأخيره العشاء في بعض الأوقات، فهو إما لاجتماع الناس، كما ورد بيانه، أولما في تأخيرها من الفضل، وليس ذلك لأجل الإبراد ، ولا فرق فيه بين الصيف والشتاء . اهـ ((طرح)) جـ ٢ ص ١٥٥ . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . - ٥٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت ٥٠١ - أخبَرَنَا إبراهيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْص، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي،ح وَأنْبَأنَا إبْرَاهيمَ بن و0 وُ يَعْقُوبَ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعين، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصٌ، ح وَأَنْبَأْنَا عَمْرُو بنُ مَنْصُورٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْنُ حَفْصِ بْنِ غِنَاثٍ، قَالَ : حَدَّثْنَا أبِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ الَّلِهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ ثَابِتِ ابْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، يَرْقَعُهُ، قَالَ: ((أَبْرُدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ الَّذِي تَجِدُونَ مِن الْحَرِّمِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ). رجال الإسناد : عشرة ١- (إِبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الجُوزَ جَانيُّ (١) - بضم الجيم الأولى، وزاي، فجيم - نزيل دمشق، ثقة حافظ، رُميَ بالنصب، توفي سنة ٢٥٩، من [١١]، تقدم في ١٢٢ / ١٧٤، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. ٢- (عمربن حفص) بن غياث بن طَلْق الكوفي، ثقة رُبَّمَا وَهمَ، من [١٠]، وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والعجلي، وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد: صدوق . وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: (١) نسبة إلى مدينة بخراسان مما يلي بلخ. قاله في اللباب جـ ١ ص ٣٠٨. ٥٣٩ _ ٥ - الإيراد بالظهر إذا اشتد الحر - حديث رقم ٥٠١ ربما أخطأ، وقال أبو داود: تبعته إلى منزله، ولم أسمع منه شيئاً. قال البخاري، وابن سعد : مات سنة ٢٢٢، زاد ابن سعد: في ربيع الأول. روی له الجماعة، إلا ابن ماجه. ٣ - (حفص بن غياث) بن طَلْق بن معاوية النَّخَعِيُّ، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه، تَغَيَّرَ حفظه قليلاً في الآخر، توفي سنة ١٩٤ أو ١٩٥، وقد قارب ٨٠ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٥/٨٦. ٤ - (يحيى بن معين) بن عَوْن بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن، وقيل في نسبه غير ذلك، الْمُرّيُّ الغَطَفَاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل، من [١٠]، رَوَىَ عن عبد السلام بن حَرْب، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الرزاق، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم . وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود ، ورووا هم أيضاً، والباقون له بواسطة، وغيرهم . قال ابن عدي عن شيخ له : كان معين على خراج الري، فخلف لابنه یحیی ألف ألف درهم، وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود وغيره : قال ابن المديني: ما أعلم أحداً کتب ما کتب یحیی بن معین. - ٥٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت وقال محمد بن نصر الطبري : دخلت على ابن معين، فوجدت عنده كذا وكذا سَفَطًا (١) وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد ها هنا، وأشار بيده إلى الأسفاط فهو كذب. قال: وسمعته يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث . وقال صالح جزرة: ذكر لي أن يحيى بن معين خلف من الكتب لما مات ثلاثين قمَطْراً(٢) وعشرين جُباً(٣) (٤). وقال مجاهد بن موسى : كان ابن معين يكتب الحديث نيفاً وخمسين مرة. وقال الدُّوري عن ابن معين: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه. وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث، وعُرفَ به، وكان لا يكاد يحدث. وقال الدوري: سمعته يقول: القرآن كلام الله تعالى، وليس بمخلوق، وسمعته يقول: الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل. وقال علي بن أحمد بن النضر عن ابن المديني : انتهى العلم إلى يحيى بن آدم، وبعده إلى يحيى بن معين، وفي رواية عنه: انتهى العلم إلى ابن المبارك، وبعده إلى ابن معين. وقال صالح جزرة: سمعت ابن المديني يقول: انتهى العلم إلى ابن معين. وقال أبو زرعة الرازي، وغيره، عن علي: دَارَ حديثُ الثقات على ستة، ثم قال: ما شذّ عن (١) السَّفَطُ بفتحتين: الدفتر. (٢) القمطر - بكسر ففتح فسكون : ما تصان فيه الكتب. (٣) الجُبُّ بضم الجيم، وتشديد الباء: الْمزادةُ يُخَيَّطُ بعضها إلى بعض. قاله في ((ق)). (٤) وفي تهذيب الكمال: قال صالح بن محمد : خلف يحيى من الكتب مائة قمطر، وأربعة عشر قمطراً، وأربع جباب شبرانية مملوءة كتباً . اهـ. :