النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١ _
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩٠
قال في الفتح: وقد تكرر- يعني ذكر التسبيح - في الحديث كثيرًا،
والتسبيح حقيقة في قول سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من
باب إطلاق اسم البعض على الكل، أو لأن المصلي منزِّه لله سبحانه
وتعالى بإخلاص العبادة ، والتسبيح: التنزيه، فيكون من باب
الملازمة، وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي. والله أعلم.
اهـ. جـ٢ ص ٦٧٠ .
(على الراحلة) هي المركب من الإبل ذكراً كان، أو أنثى ،
وبعضهم يقول: الراحلة الناقة التي تصلح أن تُرَحَّلَ، وجمعها رَوَاحل.
قاله في المصباح (قِبَلَ) - بكسر ففتح - وزان عنَب : أي جهة ، متعلق
بیسبح، وهو مضاف إلى قوله: (أيِّ وجه) أي جهة ( تتوجه) أي
تستقبل تلك الراحلة، وعند البخاري ((تَوَجَّهَ)) بتاء واحدة بصيغة
صَلى الله
الماضي، فالضمير للنبي
.
وفيه دليل على جواز التنفل في السفر لغير القبلة، وهو يخصص
قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]،
ويبين أن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، في
النافلة، كما يأتي في الحديث التالي.
(ويوتر عليها) أي يصلي صلاة الوتر على الراحلة (غير
أنه) عَِّ (لا يصلي عليها المكتوبة) بالنصب مفعول يصلي، أي
الصلاة الفريضة .
٠

- ٤٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
وفیه دلیل علی أن الوتر غیر واجب، إذ لو كان واجبا لما جاز راكبا.
وبه قال الجمهور؛ مالك، والشافعي ، وأحمد، وهو مروي عن علي ،
وابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري رضي الله عنهم.
وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض،
كما في الفرائض، وأحاديث الباب ترد عليهم، وسيأتي تحقيق المسألة
في باب الوتر على الراحلة من كتاب قيام الليل (١٦٨٦/٣٣)، إن شاء
الله تعالى. والله أعلم ، ومنه التوفيق ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنه هذا من طريق سالم؛ أخرجه
مسلم، وعلقه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٤٩٠) عن عيسى بن حماد، والحارث بن مسكين،
وأحمد بن أبي السرح، وفي ((الكبرى)) (٩٤٧) عن عيسى، كلهم عن ابن
وهب، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري تعليقًا ومسلم وأبو داود؛ فعلقه البخاري في
((تقصير الصلاة))، قال: وقال الليث: حدثني يونس، عن ابن شهاب

L
٤٢٣ _
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩٠
عن سالم عنه. وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن حرملة، عن ابن
وهب، عن يونس، به. وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن أحمد بن
صالح، عن ابن وهب، عن يونس، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن استقبال القبلة في التنفل غير
لازم سفراً.
ومنها: جواز النافلة على الدابة في السفر، وهو مجمع عليه.
ومنها : کون الوتر غیر فرض لكونه یُصَلَّی علی الراحلة، إذ لو كان
فرضًا لما جاز راكبًا .
ومنها: عدم جواز الفرض على الراحلة، وإن كان في السفر.
والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: أنه أخذ بمضمون حديث ابن عمر رضي الله
عنهما فقهاء الأمصار، فقالوا: يجوز التنفل في السفر لغير القبلة، إلا
أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة.
والحجة لهم حديث الجارود بن أبي سَبْرَة ، عن أنس رضي الله عنه
((أن النبي عمل﴾ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم
صَلَّى حيث وَجَّهَتِ ركَابُهُ)) أخرجه أبو داود، وأحمد، والدارقطني.
وصححه ابن السكن. اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص ٦٧٠، و((التلخيص))

شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
- ٤٢٤
جـ١ ص٢١٤.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الإمام أحمد ، وأبو ثور هو
الأولى لهذا الحديث. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: أنه أجمع أهل العلم على جواز النافلة على
الراحلة في السفر قبَلَ مقصده كما قاله النووي، والعراقي ، والحافظ،
وغيرهم.
واختلفوا في جوازه في الحضر، فَجَوَّزه أبو يوسف، وأبو سعيد
الإصطخري من أصحاب الشافعي، وأهل الظاهر، وقال ابن حَزْم:
وقد روينا عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يصلون على رحالهم
ودَوَابُّهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين
عمومًا في الحضر والسفر.
قال النووي : وهو محكي عن أنس بن مالك.
وقال العراقي: استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم
تصرح بذكر السفر، وهو ماش على قاعدتهم أنه لا يحمل المطلق على
المقيد، بل يعمل بكل منهما، فأما من يحمل المطلق على المقيد، وهم
الجمهور، فحملوا الروايات المطلقة على المقيدة.
ثم إن الجمهور الذين يشترطون السفر قالوا بجواز التنفل على
الراحلة سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً، وخالفهم في ذلك مالك،
-----

٤٢٥ _
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩١
فخصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبري: لا أعلم أحدًا وافقه
على ذلك ، وقال الحافظ رحمه الله: ولم يتفق على ذلك عنه، وحجته
أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره قَّه ، ولم ينقل عنه أنه سافر
سفراً قصیراً، فصنع ذلك.
وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك.
وكأن السر في جواز التطوع على الراحلة تيسير تحصيل النوافل على
العباد، وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم رحمةً من الله بهم. انظر ((الفتح))
جـ٢ ص ٦٧٠.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي القول بعدم جواز
التنفل في الحضر، لأن التوجه إلى القبلة فرض في الصلاة مطلقًا بنص
الكتاب، فلا يُسْتَثْنَى منه إلا ما استثناه النص، وهو حالة السفر، كما
يأتي نصاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن آية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَمَّ
وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] نزلت في ذلك. والله أعلم، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
٤٩١ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلَيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى،
عَنْ عَبْد الْمَلك، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَير، عَن ابْنِ
عُمَرَ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ عَلَى دَابَتْهُ، وَهُوَ مَّقْبِلً
منْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِيه نَزَلَتْ ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَمَّ
وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].

- ٤٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
رجال الإسناد : ستة
١ - (عمرو بن علي) الفَلاس الصير في البصري أبو حفص، ثقة
حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيُّ البصري المعروف
بالزَّمن، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٦٤ / ٨٠.
٣ - (يحيى) بن سعيد القَطَّان البصري، ثقة مُتْقن حافظ، توفي
سنة ١٩٨، من کبار [٩]، تقدم في ٤/ ٤ .
٤ - (عبد الملك) بن أبي سليمان مَيْسَرَة العَرْزَميُّ، أبو محمد
الكوفي، صدوق له أوهام ، توفي سنة ١٤٥، من [٥]، أخرج له
البخاري تعليقا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٤٠٦ .
٥ - (سعيد بن جبير) الأسدي الكوفي الفقيه الثقة، من [٣]،
تقدم في ٤٣٦/٢٨ .
٦ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم
في ١٢ / ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم من رجال الجماعة، وكلهم ثقات نبلاء إلا
عبد الملك، فمختلف فيه.

1
٤٢٧ -
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩١
ومنها : أن شيخيه من مشايخ الستة .
ومنها : أنهم بصريون إلا عبد الملك وسعيدًا فكوفیان، وابن عمر
فمدني.
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ عبد الملك عن سعيد. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما، أنه قال (كان رسول الله له
يصلي على دابته) أي يتنفل ، بدليل قوله في الحديث الماضي: ((غير
أنه لا يصلي المكتوبة)) (وهو) أي والحال أنه (مقبل من مكة إِلى
المدينة) أراد به أنه كان يتنفل مستدبر القبلة، ولذا أتبعه قوله (وفيه)
أي في هذا العمل الذي هو التنفل مع عدم استقبال الكعبة (أنزلت) آية
﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ((أين)) ظرف متعلق بتُوَلُّوا، و((ما)) زائدة،
وهو مضمن معنى الشرط، ولذا جُزْمَ به الشرط، والجواب، و ((ثَمَّ)
ظرف مكان للبعيد في محل النصب متعلق بمحذوف خبر لقوله :
((وجه))، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وقد ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى اختلاف أهل العلم في
معنى قوله ﴿فَتَمَّ وَجْهُ﴾ في تفسيره فأخرج بسنده عن النضر بن عربي،
عن مجاهد، قال: قبلة الله، وأخرج عن إبراهيم، عن مجاهد، قال:

- ٤٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها .
وقال: وقال آخرون: معناه: فثم الله تبارك وتعالى، وقال
آخرون: معناه : فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه
الكريم، وقال آخرون : عَنَى بالوجه: ذا الوجه، وقال قائلو هذه
المقالة: وجه الله صفة له. اهـ. جـ١ ص ٥٠٦.
وقال قبل ذلك: وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن
يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه عَّه وأصحابه أن لهم
التوجه بوجههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم
لا یوجھون وجوهھم و جهًا من ذلك وناحية إلا کان جلَّ ثناؤه في ذلك
الوجه، وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو
منه مكان، كما قال تعالى: ﴿ وَلا أَدْنَىْ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ
مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض
عليهم في التوجه إلى المسجد الحرام. اهـ. جـ١ ص٥٠٢ .
وتعقبه الحافظ ابن كثير قائلاً: وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه
مكان: إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع
المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه،
تعالى الله عن ذلك عُلُواً كبيراً. اهـ. ((تفسير ابن كثير)) جـ١ ص١٦٣،
وبالله التوفيق، وعليه التكلان .

٤٢٩ -
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩١
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا من رواية سعيد بن جبير
أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٤٩١) عن عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، كلاهما
عن يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، وفي ((الكبرى)) في
التفسير (١٠٩٩٧) عن محمد بن آدم بن سليمان عن ابن المبارك، عن
عبد الملك، به، بلفظ: ((أن النبي ◌َّه كان يصلي على راحلته، حيث
توجهت به. ثم تلا هذه الآية، ﴿فَأَيْتَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾)). والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، والترمذي؛ فأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن عبيد الله
ابن عمر القواريري، عن يحيى بن سعيد، وعن أبي كريب، عن ابن
المبارك - ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة - وعن محمد بن عبد الله بن نمير،
عن أبيه- كلهم عن عبد الملك به.
وأخرجه الترمذي في ((التفسير)) عن عَبْد بن حُمَيد، عن يزيد بن
هارون، عن عبد الملك ، به. والله تعالى أعلم.

٤٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها : مشروعية التطوع بالنوافل المطلقة بخلاف السنن الرواتب،
وهذا هو القول الراجح، وسيأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومنها: عدم وجوب استقبال القبلة في التطوع، وقد تقدم البحث
عنه قريبًا .
ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّهِ من إكثار الطاعة مع كونه قد غفر له
ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ شكراً لله تعالى.
ومنها: أن القرآن نَزَلَ على النبي ◌َّ شيئًا بعد شيء على حسب
الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
[المائدة: ٣] الآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: أنه اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه هذه
الآية على أقوال :
أحدها : هذا الذي ذكره ابن عمر رضي الله عنهما، وهو الأرجح
كما يأتي.
الثاني: أنها نزلت فيمن صَلَّى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة.
أخرج الترمذي بسنده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه،
قال: كنا مع النبي ◌َِّ في سفر في ليلة مظلمة، فلم نَدْر أين القبلةُ؟
فصلى كل رجل منا على حيَاله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ◌َ ◌ّه ،

.٤٣١ _
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩١
فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. لكن الحديث ضعيف، لضعف
الأشعث السَّمَّان، قال الترمذي: يضعف في الحديث، وشیخه عاصم
ابن عبيد الله أيضًا ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن
معین : ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: منكر الحديث.
الثالث: أنها نزلت في النجاشي لَمَّا صلَّى عليه النبي ◌َّ حين
مات، أخرج ابن جرير رحمه الله بسنده عن قتادة: أن النبي ◌َّهُ. قال:
((إن أخًا لكم قد مات فَصَلُّوا عليه)) قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟
قال: فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا
يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ
اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا غريب والله أعلم.
اهـ. تفسير ابن كثير جـ١ ص ١٦٢ .
قال الجامع: وهو مرسل أيضًا، فهو ضعيف. والله أعلم.
الرابع: أنها نزلت لما أنكرت اليهود تحويل القبلة إلى الكعبة بعدما
كانت إلى بيت المقدس، فقالوا: ﴿مَا وَلَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾
[البقرة: ١٤٢] فَرَدَّ الله عليهم بقوله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ يعني أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء وجههم إلى
بيت المقدس ، وإن شاء إلى الكعبة، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٣]

- ٤٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
الخامس: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] ذكره ابن عباس رضي الله عنهما.
السادس: أنها محكمة، والمعنى أينما كنتم من شرق وغرب، فثم
وجه الله الذي أمر كم باستقباله، وهو الكعبة، رُوي هذا عن مجاهد،
والضحاك .
السابع: ما رُويَ عن مجاهد، وابن جبير: لما نزلت ﴿ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١١٥].
الثامن: ما رُوي عن ابن عمرو النخعي: أينما تولوا في أسفاركم ،
ومنصرفاتکم فثم وجه الله.
التاسع: قيل: هي متصلة بقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ
اللَّه أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] الآية، فالمعنى أن بلاد الله أيها
المؤمنون تَسَعُكُم، فلا يَمْنَعْكُمْ تخریبُ مَن خَرَّبَ مساجد الله أن تولوا
وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من أرضه.
العاشر: أنها نزلت حين صُدَّ النبيُّنَّه عن البيت عام الحديبية،
فَاغْتَمَّ المسلمون لذلك.
فهذه عشرة أقوال في هذه الآية ملخّصة من «تفسير القرطبي)). جـ٢
ص٧٩ - ٨٣ ، وزيادة من ((تفسير ابن كثير)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من

٤٣٣ _
٢٣ - باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩٢
قال: إنها نزلت في الصلاة النافلة في السفر، لحديث الباب، فقد
أخرجه مسلم كما تقدم ، فيكون أصح من غيره، والله أعلم، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٢ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، عَنْ مَالك، عَنْ عَبْد اللَّه بن دينار،
عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسَّولُ اللَّه ◌َ يَّصَلََّ عَلَّى
رَاحَتَه فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ به.
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ
٠
ذلك.
رجال الإسناد: أربعة
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، توفي
سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١ /١.
٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام الحجة المدني ، توفي سنة
١٧٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧ .
٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن
المدني ثقة، توفي سنة ١٢٧، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٢٦٠/١٦٧.
٤ - (ابن عمر) رضي الله عنهما تقدم في السابق. والله تعالى
أعلم

- ٤٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما وقع له من
الأسانيد، وهذا هو الموضع السادس عشر من رباعيات الكتاب.
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات اتفق الجماعة عليهم.
ومنها : أنهم مدنیون إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من اسمه قتيبة إلا شيخه،
وكذا من يسمى مالك بن أنس غير مالك الإمام. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) رضي الله عنهما، أنه (قال: كان رسول الله ◌َ ﴾.
يصلي على راحلته) أي النافلة، كما تقدم تحقيقه (في) حال (السفر
حيثما توجهت به) الباء للتعدية، أو المصاحبة، أي إلى أي جَهَة
وجَّهَتْهُ، أو تَوجَّهَتْ معه، والعائد إلی حیث محذوف، أي إليه، وحيث
متعلق بيصلي. وقال ابن التين: مفهومه: أنه يجلس عليها على هيئته
التي يركب عليها، ويستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره : يصلي على
راحلته التي له حيث توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله: ((توجهت به))
بقوله: ((يصلي))، ويحتمل أن يتعلق بقوله: ((على راحلته)). لكن يؤيد
الأول الرواية بلفظ « وهو على الراحلة يسبح قبَلَ أيِّ وَجْه توجهت)).
ذكره في ((الفتح)) جـ١ ص٦٦٨ .

٤٣٥ _
٢٣- باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة - حديث رقم ٤٩٢
قال الحافظ رحمه الله : واستدل به على أن جهة الطريق تكون بدلاً عن
القبلة ، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامداً قاصدًا لغير حاجة المسير إلا
إذا كان في غير جهة القبلة فانحرف إليها، فإنه لا يضره على الصحيح.
واستنبط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك
مع أنه أجازه لراكب السفينة. اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص ٦٧٠ .
(قال مالك) بن أنس رحمه الله (قال عبد الله بن دينار:
كان ابن عمر) رضي الله عنهما (يفعل ذلك) أي المذكور من
الصلاة على الراحلة في السفر اقتداء بالنبي ◌َ ◌ّم والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا من رواية عبد الله بن دینار
أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا بهذا السند فقط .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، عن
عبد الله بن دینار ، عنه.
وبقية المسائل تقدمت في الحديثين السابقين، فارجع إليهما تَزْدَدْ

- ٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
علْماً. وبالله تعالى التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب.
.+

٢٤ - باب استبانة الخطا بعد الاجتهاد - حديث رقم ٤٩٣
٤٣٧ -
٢٤ - بَابُ اسْتَبَائَةِ الْخَطَأْ بَعْدَ الاجْتِهَاد
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم اتضاح الخطأ في القبلة
بعد الصلاة بالاجتهاد .
والاستبانة معناها الوضوح، قال الفيومي: رحمه الله تعالى في
المصباح المنير: بَانَ الأمرُ، يَبَينُ ، فهو بَيِّن، وجاء بَائنٌ على الأصل،
وأبَانَ إِيَانَةً، وَبَيَّنَ، وَتَبَيَّنَ، وَاسْتَبَانَ، كُلُّهَا بمعنى الوضوح،
والانكشاف، والاسمُ البَيَانُ، وجميعُها يُستَعمَلُ لازمًا ومتعديًا إلا
الثلاثي، فلا يكون إلا لازمًا. اهـ. المقصود من كلامه. وفي «ق)) بَانَ
بَيَاناً: اتضح. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا المعنى اللازم. والله أعلم.
٤٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِيْنَارِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بُقَبَاءَ في صَلاة الصبح جَاءَهُمْ
آت، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِعَلَّهِ قَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ
أمرَ أنْ يَسْتَقْبلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبلُوها، وَكَانَتْ وَجُوهَهَم
إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَة.
هذا الإسناد هو الإسناد الذي مضى في الحديث السابق، فلا حاجة
إلى إعادة الكلام عليه، وهو السابع عشر من رباعيات الكتاب.

-
٤٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
شرح الحديث
(عن) عبد الله (بن عمر) رضي الله عنهما أنه (قال: بينما
الناس) ((بينما)) هي ((بين)) الظرفية اتصلت بها ((ما)) الكافة، كقوله: (من
الخفيف)
بَيْنَمَا نَحْنُ بِالأَرَاكِ مَعاً إِذْ أَتَى رَاكِبٌ عَلَى جَمَلِهْ
وقيل: ((ما)) زائدة، و ((بين)) مضافة إلى الجملة بعدها، وقيل:
زائدة، و ((بين)) مضافة إلى زمن محذوف مضاف إلى الجملة، أي بين
أوقات الناس بقباء، والأقوال الثلاثة تجري في (بين)) مع الألف في نحو
قوله :
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا
إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ لَيْسَ نَنْتَصِفْ (١)
وقوله ((الناسُ)) مبتدأ، وقوله (بقباء) جار ومجرور متعلق
بمحذوف خبر للمبتدإ.
وقباء: موضع بقرب مدينة النبي قمّ﴾ من جهة الجنوب نحو میلین،
وهو بضم القاف، يقصر، ويمد، ويصرف، ولا يصرف. قاله في
المصباح.
وقال في الفتح: قباء بالمد والصرف، وهو الأشهر، ويجوزالقصر،
(١) انظر مغني اللبيب بحاشية الأمير جـ٢ ص ١٠.

٤٣٩ -
٢٤ - باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد - حديث رقم ٤٩٣
وعدمُ الصرف، وهو يذكر، ويؤنث، موضع بظاهر المدينة، والمراد هنا
مسجدُ أهل قباءَ، ففيه مجازُ الحذف، واللام في الناس للعهد الذهني،
والمراد أهل قباء، ومن حَضَرَ معهم. اهـ. جـ١ ص٦٠٣ .
(في صلاة الصبح) ولمسلم ((في صلاة الغداة))، وهو أحد
أسمائها، وقد نَقَلَ بعضهم كراهية تسميتها بذلك.
وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم، فإن فيه أنهم كانوا في صلاة
العصر، والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين، لأن الخبر وصل وقت
العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث
البراء، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارجَ المدينة، وهم بنو
عمرو بن عوف، أهلُ قباء، وذلك في حديث ابن عمر هذا. أفاده في
الفتح.
(جاءهم آتٍ) قال في ((الفتح)): ولم يُسَمَّ الآتي بذلك إليهم، وإن
كان ابن طاهر وغيرُه نقلوا أنه عباد بن بشر ففيه نظر، لأن ذلك إنما ورد
في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوا محفوظًا،
فيحتمل أن يكون عبادٌ أتى بني حارثة أوَّلاً في وقت العصر، ثم تَوَجَّهَ
إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في وقت الصبح، ومما يدل على تعددهما
أن مسلمًا رَوَى من حديث أنس ((أن رجلاً من بني سَلمَةَ مَرَّ ، وهم
راكعون في صلاة الفجر)) فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة،
وبنو سَلَمَةَ غيرُ بني حارثة.
1

صـ ٤٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
(فقال) ذلك الآتي (إِن رسول اللـه عَّ قد أُنْزِلَ عليه) بالبناء
للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المعلوم من السياق، وقد بَيَّنَ
ذلك في رواية أخرى ، فعند البخاري ((قد أنْزلَ عليه الليلةَ قرآن)) قال في
الفتح: فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه
مجازًا، والتنكيرُ في قوله ((قرآن)) لإرادة البعضية، والمراد قوله
تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ... ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات
اهـ. جـ١ ص٦٠٣.
(وقد أمر) بالبناء للمفعول أيضاً ، أي أمره الله في تلك الآيات
المُنْزَلَة عليه (أن يستقبل) ((أن)) مصدرية، والفعل في تأويل المصدر
مجرور بحرف جر محذوف قياسًا، أي بالاستقبال (الكعبةَ)
منصوب على المفعولية. سُمِّيَ البيت الحرام كعبة لارتفاعه، وقيل:
لتربيعه، قال في المصباح في مادة (كَعَبَ) وكَعَبَت المرأة تَكْعُبُ، من
باب قَتَلَ ، كعَابَةً: نَتَأْ ثَدْيُها، فهي كاعب، وسميت الكعبة بذلك
لنُوئها، وقيل : لتربيعها وارتفاعها. اهـ.
قال في الفتح: وفيه أنَّ ما أمرَ به النبيُّنَّهِ يلزم أمَّتَهُ، وأنَّ أفعاله
یتأسی بها، كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. اهـ.
(فاستقبَلُوهَا) بفتح الموحدة للأكثر، أي فتحولوا إلى جهة
الكعبة، والواو في ((استقبلوا)) لأهل قباء، وقوله (وكانت وجوههم
إلى الشام) تفسير من الراوي للتحول المذكور، ويحتمل أن يكون