النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ _ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ لطائف هذا الإسناد ٤ منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، إلا أبا حسان فصدوق. ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالإخراج لهم، إلا أبا حسان، فعلق له البخاري وأخرج له الباقون. ومنها: أنهم بصريون، إلا عليًا وعَبيدَة، فكوفیان. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ قتادة، وأبو حسان، وعبيدة. ومنها: أن أبا حسان وعبيدة، هذا البابُ أوّلُ محل ذكرهم من الكتاب . ومنها: أن عليًا أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن علي) بن أبي طالب رضي الله عنه (عن النبي ◌َّه) أنه (قال) يوم الخندق وهو يومُ الأحزاب، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاري، وقيل: سنة خمس، وعلیہ کثیرون. - ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة سُمِّيَت الغزوةُ بالخندق لأجل الخندق الذي حُفْرَ بأمره ◌َ ﴾ حولَ المدينة لَمَّ أشار به سلمانُ الفارسيُّ رضي الله عنه، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعملَ فيه النبيُّ نَّه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْره شدائدَ، منها شدةُ الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو أشهرًا، على أقوال. وسميت بالأحزاب لاجتماع طَوائفَ من المشركين، قریش، وغطفانَ، وبني أسد، وبني سلیم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفًا. اهـ. ((مرعاة)) جـ٢ ص٣٣٩. (شَغَلُونا) أي منعونا، يقال: شَغَلَه الأمر شَغلاً، من باب نَفَع، فالأمر شَاغل، وهو مَشْغُول، والاسم الشُّغُل - بضم الشين، وتضم الغين، وتسكن للتخفيف ۔ وشُغلْتُ به بالبناء للمفعول: تَلَهَّيت به. كذا في المصباح، وأشغله بالألف لغة رديئة. كما قاله ابن منظور. وفي ((ق)) الشُّغْلُ - بالضم، وبضمتين، وبالفتح، وبفتحتين . : ضدَّ الفراغ، جمعه أشْغَال، وشُغُول. اهـ. (عن الصلاة الوسطى) بتعريف ((الصلاة))، و((الوُسطى)) صفة، وفي نسخة ((عن صلاة الوسطى)) بالتنكير وإضافتها إلى الوسطى، قال النووي في شرح مسلم: وهو من باب قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٢٨٣ _ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ الْغَربِيّ﴾ [القصص: ٤٤]، وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا، عن صلاة الصلاة الوسطى، أي عن فعل الصلاة الوسطى. اهـ. جـ٤ ص١٢٩ . وقد تقدم البحث في معنى الوسطى في الحديث الماضي. فارجع إليه تستفد . (حتى غربت الشمس) غايةٌ لشغلهم عن الصلاة، يعني أنهم شغلوهم عن صلاة العصر إلى غروب الشمس، فما صَلَّوْهَا إلا بعده. وللبخاري عن طريق ابن سيرين، عن عَبيدَة، عن علي: ((حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم - أو أجوافهم - نارًا»، زاد مسلم عن طريق شُتَير بن شَكَل، عن علي: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر))، وزاد في آخره («ثم صلاها بين المغرب والعشاء)) وله عن ابن مسعود نحوُ حديث علي، وللترمذي والنسائي من طريق زرّ بن حُبَيش عن علي مثله. ولمسلم أيضًا من طريق أبي حَسَّان الأعرج عن عبيدَة، عن علي، فذكر الحديث بلفظ (( كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس)) يعني العصر. وَرَوَى أحمدُ والترمذي من حديث سَمُرَةَ رَفَعَهُ قال: ((صلاةٌ الوُسْطَى صلاةُ العصر)). ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ورَوَى ابنُ جرير من حديث أبي هريرة رَفَعَهُ: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر))، ومن طريق كُهَيل بن حرملة سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله عَ ليه، وفينا أبوهاشم بن عتبة، فقال: أنا أعْلَمُ لكم، فقام ، فاستأذن على رسول الله عَّه، ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، ومن طريق عبد العزيز بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال: أيّ شيء سمعتَ من رسول الله عَّه في الصلاة الوسطى؟ فقال: أرسلني أبو بكر، وعمر أسأله، وأنا غلام صغير؟ فقال: ((هي العصر)). ومن حديث أبي مالك الأشعري رَفَعَهُ: ((الصلاة الوسطى صلاة العصر)). وروى الترمذي، وابن حبَّان من حديث ابن مسعود مثله. ورَوَى ابنُ جرير من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر)). ورَوَى ابنُ المنذر من طريق مقْسم عن ابن عباس، قال: ((شَغَلَ الأحزابُ النبيَّ ثَّة يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، ٠ فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى)). وأخرج أحمد من حديث أم سلمة، وأبي أيوب، وأبي سعيد، وزيد ابن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم من قولهم إنها صلاة العصر. وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. ٢٨٥ _ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - رضي الله عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا برقم (٤٧٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج، عن عَبِيدَة السَّلماني عن علي رضي الله عنه. وفي ((الكبرى)) في ((التفسير)) برقم (١١٠٤٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَیح، عن شُتَير بن شَكَل، عن علي رضي الله عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي؛ فأخرجه البخاري في ((الجهاد)) عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس - وفي ((المغازي)) عن إسحاق، عن رَوْحِ بن عُبَادَةَ، وفي ((الدعوات)) عن محمد ابن المثنى، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وفي ((التفسير)) عن عبد الله بن محمد، عن يزيد بن هارون وعن عبد الرحمن بن بشر، عن یحیی بن سعید- خمستهم عن هشام بن حَسَّانَ، عن محمد بن سیرین، عن عبيدة، عنه. أ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٢٨٦ وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة - وعن محمد بن أبي بكر المُقَدَّمَيِّ، عن يحيى بن سعيد القَطَّان - وعن إسحاق بن إبراهيم، عن المُعْتَمر - ثلاثتهم عن هشام بن حَسَّانَ، به. وعن محمد بن المثنى، وبُنْدَار ، كلاهما عن غُندَر، عن شعبة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ. كلاهما عن قتادة، عن أبي حَسَّان الأعرج، عن عَبَيدَة، عن علي رضي الله عنه. وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى ابن زكريا، ويزيد بن هارون ، كلاهما عن هشام بن حسان، عن ابن سیرین، عن عبيدة، عن علي رضي الله عنه. وأخرجه الترمذي في ((التفسير)) عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عن عَبْدَةَ بن سُليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو وجوب المحافظة على صلاة العصر . ومنها: وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هي دار أكدار. ومنها: جواز حصول الأعراض البشرية التي ليس فيهانقص لأفضل المرسلين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم. ومنها : جواز الدعاء على الظالم بما يليق به . i ٢٨٧ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ - ومنها : أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر. ومنها: أن النبي ثَّه وأصحابه أخَّرُوا صلاة العصر حتى خرج وقتها، لاشتغالهم بالعدو. والله أعلم. تنبيه : حديث علي رضي الله عنه يقتضي أن الأحزاب شَغَلُوا النبي صَلىالله عن العصر فقط، وأخرج أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد: ((أنهم شَغَلُوهُ نَّهُ عن الظهر والعصر والمغرب، وصَلَّوا بعد هويّ من الليل، وذلك قبل أن يُنَزلَ اللهُ في صلاة الخوف ﴿فَرِ جَالاً أَوْ رَكْبَانًا ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وأخرج الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ((أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله)). فإن قيل: كيف يُجمَعُ بين هذا الاختلاف؟ قلت: قد جَمَعَ النووي رحمه الله بأن وَقْعَة الخَنْدَق دامت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وذلك في بعضها الآخر. وقوله في حديث ابن مسعود: ((عن أربع صلوات))، فيه تجوز ، لأن العشاء ما خرج وقتها ، أو يُحْمَل على تأخيرها عن وقتها المعتاد، ويدل عليه قوله ((حتى ذهب من الليل ما شاء الله)). ثم إن هذا التأخير لهذه الصلوات كان عن عمد، لاشتغاله بالعدو فكان عذرًا، ويحتمل أن يكون نسيانًا، والأول هو الظاهر، لقوله في حديث أبي سعيد: ((قبل أن - ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ينزل الله في صلاة الخوف)). وأما بعد نزول صلاة الخوف فلايجوز هذا التأخير، بل يصلون صلاة الخوف على حسب الحال، رجالا أو ركبانا(١) . والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في معنى الصلاة الوسطى: قد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى على أقوال: الأول: أنها الصبح، وبه قال أبو أمامة، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعُبَيد بن عُمَير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم ، نقله عنهم ابن أبي حاتم، وهو أحد قولي ابن عمر، وابن عباس، ونقله مالك والترمذي عنهما، ونقله مالك بلاغًا عن علي، والمعروف عنه خلافه. ورَوَى ابنُ جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أبي رَجَاء العُطَارديّ، قال: ((صليت خلف ابن عباس الصبح، فقَنَتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرْنَا أن نقوم فيها قانتين)) وأخرجه أيضاً من وجه آخر عنه، وعن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية ((صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هي هذه الصلاة)). وهو قول مالك، والشافعي فيما نص عليه في الأمِّ، واحتجوا له بأن فيها القنوت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وبأنها لا تقصر في السفر، وبأنها بين صلاتي جهر، وصلاتي سر . (١) انظر المنهل جـ ٣ ص ٣٢٧. ٢٨٩ - ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ وأجيب بأن ما استدلوا به لا يصلح لمعارضة ماثبت من الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنها العصر؛ ولذا قال النووي في شرح المهذب: الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار. وقال صاحب الحاوي: نصَّ الشافعي رحمه الله أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، ولا يكون في المسألة قولان، كما وَهمَ بعض أصحابنا. اهـ القول الثاني: أنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود من حديثه، قال: ((كان النبي ◌َُّ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله عَّه منها، فنزلت ((حافظوا على الصلوات)) الآية. وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر، أخرجه ابن المنذر، وغيره، ورَوَى مالكٌ في ((الموطأ)) عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، ورَوَى الطيالسي من طريق زُهْرَةً ابن مَعْبَد، قال: كنا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي الظهر)). ورواه أحمد من وجه آخر، وزاد: ((كان النبي ◌َّهِ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت)). القول الثالث: أنها العصر، وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد رَوَى الترمذي والمصنف من طريق زر بن حُبَيش، قال: ((قلنا ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة لعبيدة: سل عَليّاً عن الصلاة الوسطى، فسأله؟ فقال: كنا نُرَى أنها الصبح، حتى سمعت رسول الله عمّه يقول يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) انتهى. قال الحافظ رحمه الله: وهذه الرواية تَدْفَعُ دَعْوَى من زَعَمَ أن قوله: ((صلاة العصر))، مدرج من تفسير بعض الرواة، وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي ◌َّ ، وأن شبهة من قال: إنها الصبح قوية، لكن كونها العصر هو المعتمد . وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية، لصحة الحديث فيه. قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة . وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية: ابن حبيب، وابن العربي، وابن عَطيَّة، ويؤيده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب: ((نزلت حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخت، فنزلت حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى))، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت)). القول الرابع: أنها المغرب، نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قال: ((صلاة الوسطى هي المغرب))، وبه قال قَبِيصَةُ بن ذُؤَيب، أخرجه ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات، وأنها لا تقصر في الأسفار، وأن العمل مَضى على المُبَادَرَة إليها، والتعجيل لها - ٢ - ٢٩١ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر -حديث رقم ٤٧٣ في أول ما تغرب الشمس، وأن قبلها صلاتا سر، وبعدها صلاتا جهر. القول الخامس: أنها جميع الصلوات، وهو آخرما صححه ابن أبي حاتم، أخرجه أيضًا بإسناد حسن عن نافع، قال: ((سُئلَ ابنُ عمر؟ فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن))، وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ﴾ يتناول الفرائض، والنوافل، فعطف عليه الوسطى، وأريد بها كل الفرائض تأكيدًا لها، واختار هذا القول ابن عبد البر . القول السادس: أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعلیقه، ورجحه أبو شامة. القول السابع: أنها الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة. القول الثامن: العشاء؛ نقله ابن التين، والقرطبي، واحتج له بأنها بين صلاتين، لا تُقْصَرَان، ولأنها تقع عند النوم، فلذلك أمرَ بالمحافظة عليها، واختاره الواحدي. القول التاسع: الصبح، والعشاء، للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهري من المالكية . القول العاشر: الصبح والعصر، لقوة الأدلة في أن كلا منهما قيل : إنه الوسطى، فظاهر القرآن الصبح، ونص السنة العصر. ٢٩٢ - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة س القول الحادي عشر: صلاة الجماعة. القول الثاني عشر: الوتر، وصنف فيه عَلَمُ الدين السخاوي جزءاً، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي، واحتج له في جزء ، قال الحافظ : رأيته بخطه . القول الثالث عشر: صلاة الخوف. القول الرابع عشر : صلاة عيد الأضحى. القول الخامس عشر: صلاة عيد الفطر . القول السادس عشر: صلاة الضحى. القول السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، قاله الربيع بن خُثَيْم، وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية، ذكره في النهاية؛ قال: كما أخفيت ليلة القدر . القول الثامن عشر: أنها الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول المتقدم الجازم بأن كلا منهما يقال له: الصلاة الوسطى. القول التاسع عشر: التوقف، فقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ◌َّ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه . القول العشرون: صلاة الليل، قال الحافظ: وجدته عندي، وذَهلْت الآن عن معرفة قائله. : ٢٩٣ _ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ وأقوى شُبْهَة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديثٌ البراء الذي تقدم لمسلم، فإنه يشعر بأنها أبهمت بعد ما عُيِّنَت، كذا قاله القرطبي، قال: وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح، لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح. قال الحافظ: وفي دعوى أنها أبهمت، ثم عينت من حديث البراء نظر؛ بل فيه أنها عينت، ثم وصفت، ولهذا قال الرجل: فهي إذن العصرُ، ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي. ومن حجتهم أيضًا حديث عائشة المذكور في الباب، ففيه ((وصلاة العصر)) بالعطف، وروي مالك عن عَمْرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية، فآذَنِّي، فَأَمْلَتْ علي: ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر)). وأخرجه ابن جریر من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع . وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله بن رافع: ((أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفاً)) فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواء، ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فذكر مثله، وزاد: ((كما سمعت رسول الله عَّ يقولها)). قال نافع : فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو . - ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير صلاة الوسطى. وأجيب بأن حديث علي، ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها ((وهي العصر))، فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها («حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر)) بغير واو، أو هي عاطفة، لكن عطف صفة، لا عطف ذات، وبأن قوله ((والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولا ، ((والعصر))، ثم نزلت ثانيا بدلها ((والصلاة الوسطى)) فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدمًا على النص الصريح بأنها صلاة العصر . قال الحافظ صلاح الدين العلائي رحمه الله: حاصل أدلة من قال: إنها غير صلاة العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: أحدهما: تنصيص بعض الصحابة ، وهو معارض بمثله ممن قال منهم: إنها العصر ، ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة . ثانيها : معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث ٢٩٥ _ ١٤ - باب المحافظة على صلاة العصر - حديث رقم ٤٧٣ على المواظبة على الصبح والعشاء، وهو معارض بما هو أقوى منه، وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر. ثالثها: ما جاء عن عائشة ، وحفصة من قراءة ((حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر)) فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد، وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، سلمنا، لكن لا يصلح معارضا للمنصوص صريحًا، وأيضا فليس العطف صريحا في اقتضاء المغايرة، لوروده في نسق الصفات، كقوله تعالى: ﴿الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] انتهى كلام العلائي ملخصًا اهـ. ((فتح)) جـ ٨ ص٤٣ - ٤٥ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذُكرَ أن أرجح الأقوال قول من قال: إنها العصر، لقوة دليله، كما تحرر من ملخص كلام الحافظ العلائي رحمه الله. والله أعلم. قال في الفتح: وجمع الدمياطي في ذلك جزءًا مشهورًا سماه (كشف الغطاء عن الصلاة الوسطى))، فبلغ تسعة عشر قولاً، ثم ساقها كما تقدم. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ٢٩٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ١٥ - بابُ مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وَعيد مَن ترك صلاة العصر. ٤٧٤ - أخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو المَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمِ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَلاة، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَّ قَالَ: ((مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ العَصْرِ، فَقَدْ حَبَطَ عَمَلُهُ)). رجال الإسناد : سبعة ١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قُدَامة السَّرَخْسيُّ، نَزِيلُ نَيْسَابُور، ثقة مأمون سُنِّيٌّ، توفي سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، وتقدم في ١٥/١٥ . ٢ - (يحيى) بن سعيد القَطَّنُ أبو سعيد البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة ، توفي سنة ١٩٨، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/٤ . ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر أبو بكر الدستوائي البصري، ثقة ثبت رُميَ بالقَدَر، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ----- ------- BEE BBI ٢٩٧ - ١٥ - باب من ترك صلاة العصر - حديث ٤٧٤ ٤ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نَصْر الطائي مولاهم اليمامي، ثقة ثبت يُدَلِّس ويُرْسلُ، توفي سنة ١٣٢، وقيل: غير ذلك، من [٥]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٢٣ / ٢٤ . ٥ - (أبو قلابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو - أو عامر - الجَرْميّ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال فيه نصب يسير، من [٣]، وتقدم في ٣٢٢/٢٠٣. ٦ - (أبو المَلِيح) بن أسامة بن عُمَير - أو عامر - بن حُنَيَف بن ناجية الهُذلي، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٩/١٠٢ . ٧ - (بُرَيْدَة) بن الحُصيب الأسلمي الصحابي الجليل رضي الله عنه أبو سهل سكن المدينة ، ثم البصرة، ثم مَرْوَ، ومات بها سنة ٦٣، وهو آخر من مات بخراسان من الصحابة، تقدم في ١٣٣/١٠١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة بالإخراج لهم، إلا شيخه؛ فأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي فقط . ومنها : أنه مسلسل بالبصريين. ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعین یروي بعضهم من بعض : يحيى شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٢٩٨ وأبو قلابة وأبو المليح. ومنها : أن صحابيه آخر من مات من الصحابة بخراسان - مات سنة ٦٢ أو ٦٣ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجَرْميّ، أنه (قال: حدثني أبو المليح) عامر بن أسامة، وقيل: غيره، كما مر قريبًا، الهُذَليّ البصري. تنبيه : قال في الفتح: تابع هشامًا على هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير شيبان، ومعمر، وحديثهما عند أحمد، وخالفهم الأوزاعي؛ فرواه عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة، والأول هو المحفوظ، وخالفهم أيضًا في سياق المتن. اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص٣٩. (قال) أبو المليح (كنا مع بريدة) بن الحصيب رضي الله عنه (في يوم ذي غيم) أي ذي سَحَاب، واحدته غَيْمَةٌ، وهو في الأصل مصدر من غامَت السماءُ، من باب سَارَ: إذا أطْبَقَ بها السَّحَابُ، وأغامَتْ بالألف، وغيَّمَتْ، وتَغَيَّمَتْ مثله. قاله في المصباح. قيل: خص يوم الغيم بذلك لأنه مظنة التأخير، إمَّا لُتَنَطِّع يَحْتَاط لدخول الوقت، فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغل بأمر. آخر، فیظن بقاء الوقت ، فیسترسل في شغله إلی أن یخرج الوقت. ٢٩٩ - ١٥ - باب من ترك صلاة العصر - حديث ٤٧٤ قاله في الفتح جـ٢ ص٣٩. (فقال) بريدة رضي الله عنه (بكروا بالصلاة) أي عجلوا بأداء صلاة العصر في أول وقتها، فـ «أل)) للعهد الحضوري بدلیل قوله ((من فاتته صلاة العصر)) . والتبكير يطلق على المبادرة بأي شيء كان، في أي وقت كان، وأصله المبادرة بالشيء أول النهار، ثم علل أمره لهم بالتبكير بقوله (فإِن رسول الله تَّة ) فالفاء للتعليل. وقد استشكل معرفة تيقن دخول أول الوقت مع وجود الغیم، لأنهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلا على الشمس، وأجيب باحتمال أن بريدة قال ذلك عند معرفة دخول الوقت، لأنه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشمسُ أحيانًا، ثم لا يشترط إذا احتجبت الشمس الیقین، بل یکفي الاجتهاد. قاله في ((الفتح)) جـ٢ ص٣٩. (قال: من فاتته صلاة العصر) أي بتقصيره؛ فخرج من فاتته بنسيان أو نوم ، أو نحوهما، ويدل على ذلك ما في البخاري ((مَنْ تَرَكَ صلاةَ العصر))، قال في ((الفتح)): زاد معمر في روايته ((مُتَعَمِّدًا))، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء. و ((مَنْ)) شرطية، وجوابها قوله: (فقد حَبطَ عمله) - بكسر الباء، وتفتح، قال في المصباح: حَبَطَ العَمَلُ حَبَطًا، من باب تَعبَ، - ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة وحُبُوطًا: فَسَد، وهَدَرَ، وحَبَطَ يَحْبطُ، من باب ضَرَبَ لغة، وقُرِئَ بها في الشواذ. اهـ. جـ١ ص١١٨. وفي رواية معمر ((أحبط الله عمله)). والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث بُرَيْدَة رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في ((الصلاة)) (٤٧٤) عن عبيد الله بن سعيد، عن یحیی القطان، عن هشام الدّسْتوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عنه. وفي ((الكبرى)) (٣٦٤) بهذا السند. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن مسلم بن إبراهيم، ومعاذبن فَضَالة كلاهما عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير ... والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الوعيد لمن ترك صلاة العصر.