النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ - ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٨ (قال) الرجل السائل (هل علي غيرهن)، ((هل)) للاستفهام، ((وعليّ) جار ومجرور خبر مقدم، و((غيرهن)) مبتدأ مؤخر. والمعنى: هل يجب عَلَيّ غير هذه الصلوات الخمس من جنس الصلاة، وإلا لا يصح النفي في الجواب ضرورة أن الصوم والزكاة غيرهن. أفاده السندي . (قال) ◌َّ﴾ (لا) أي ليس يجب عليك شيء غيرهن (إلا أن تَطَّوَّع) استثناء من قوله ((لا)). و((تطوع)) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين، فأدغمت الثانية في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، كما قال في الخلاصة : فيه عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ العِبَرْ و ٠٥ ٠ ٥ وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرِ وهل المحذوفة هي الزائدة، لزيادتها، أو الأصلية، لأن الزائدة جيء بها لإفادة معنى، فلو حُذْفَت لَفَاتَ الغرض الذي زيدت من أجله، فيه خلاف بين البصريين والكوفيين، ويجوز إظهار التاءين أيضًا من غير إدغام. وقال النووي: والمشهور التشدید. ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. واستدل به من قال إن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى. ١٤٢ - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة (قال) تَّ (وصيام شهر رمضان) عطف على ((خمس)) بالأوجه الثلاثة (قال) الرجل (هل عليّ غيره؟) من جنس الصيام (قال) تَّ﴾ (لا) يجب عليك غيره (إِلا أن تطوع) بالضبط المتقدم ومعناه، قال الراوي: (وذكر له رسول اللـه عَّه الزكاة) أي بَيَّنَ له في جملة ما بَيَّن من الفرائض، وجوب الزكاة. وكان الراوي - وهو طلحة بن عبيد الله - نسي ما نص عليه رسول الله څ﴾ والتبس علیه، فقال: وذکر له الزكاة . وفيه أن من التبس عليه شيء من الألفاظ ينبغي له أن يشير في لفظه إلى ما يُنبىءُ عنه، كما فَعَل الراوي هنا. أفاده البدر العيني رحمه الله. ((عمدة)) ج١ ص٢٦٨. وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني بما فَرَضَ الله عليّ من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله ﴾ بشرائع الإسلام. قال الحافظ: فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجْملَت، منها بيانُ نُصُب الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن الْمُتَمَسِّك بالفرائض نَاج، وإن لم يفعل النوافل. اهـ. ((فتح)) جـ١ ص١٣٢ . (قال) الرجل (هل عليّ غيرها) أي غير الزكاة من الحقوق المتعلقة بالمال (قال) تَّ: (لا) أي لا يجب عليك غيرها (إِلا أن تطوع) 1 ١٤٣ - ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٨ بالضبط المتقدم ومعناه، قال طلحة: (فأدبر الرجل) من الإدبار، وهو التَّوَّلِّي، أي ذهب مُوَلَّيًا دُبْرَهُ إليهم (وهو يقول) جملة حالية من الرجل (والله) وفي رواية إسماعيل بن جعفر، فقال: والذي أكرمك (لا أزيد على هذا) أي لا أزيد على هذا الذي ذكرتَ لي (ولا أنقص منه) من باب قَتَلَ من النقص، وفي لغة ضعيفة من الإنقاص رباعيّاً . قال العلامة الفَيُّوميُّ: نَقَصَ نَقْصًا من باب قتل، ونُقْصَانًا، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدًا حقَّهُ، وانتقصته مثله. اهـ. (المصباح)) جـ٢ ص٦٢١ . قال الجامع عفا الله عنه: وما هنا من المتعدي، حذف مفعوله، أي لا أنقص منه شيئًا، كما بُيِّنَ في رواية إسماعيل بن جعفر ((لا أتطوع شيئًا، ولا أنقُصُ مما فرض الله عليّشيئًا)). وفي هذا الحديث جواز الحلف في الأمر المهم. (قال رسول الله تَّهُ: أفلح) أي فاز وظَفرَ بُيُغْيَته، من الإفلاح، وهو الفوز والبقاء، وقيل: هو الظَّفَرُ وإدراك البُغْيَة، وقيل: إنه عبارة أ ١ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١٤٤ عن أربعة أشياء: بَقَاء بلافَنَاء، وغَنَاءٌ بلافَقْر، وعزّ بلاذُلٌّ، وعلْم بلاجَهْل، قالوا: ولا كَلمَةَ في اللغة أجمعُ للخيرات منهَ، والعرب تقول لكل من أصاب خيراً : مُفْلح، وقال ابن دُرَيْد: أفلح الرجل، وأنجح: أدرك مطلوبه. قاله البدر العيني . (إِن صدق) جواب ((إِنْ)) محذوف دل عليه السابق، أي أفلح. ووقع في رواية مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة: ((أفلح وأبيه إن صدق))، أو ((دَخَلَ الجنةَ وأبيه إن صدق))، ولأبي داود مثله، لكنه بحذف (أو)». وفي قوله ((أفلح إن صدق)) ردٌّ على المرجئة حيث إنه شَرَطَ في إفلاحه أن لا ينقص من الفرائض شيئًا. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بحديث طلحة رضي الله عنه هذا. المسألة الأولى : في درجته: حديث طلحة رضي الله عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف رحمه الله : أخرجه المصنف هنا في ((المجتبى)) (٤٥٨) وفي ((الكبرى)) (٣١٩) عن قتيبة، عن مالك، وفي ((الصوم)) في ((المجتبى)) (٢٠٩٠) و((الكبرى)) (٢٤٠٠) عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر، وفي ((الإيمان)) في (المجتبى)) (٥٠٢٨) عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن عمه أبي سهيل عن أبيه، عن طلحة رضي الله عنه. 1 ١ ٠ ١٤٥ _ ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٨ والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في ((الإيمان))، وفي ((الشهادات))، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك به، وفي الصوم، وفي ترك الحيل عن قتيبة، عن اسماعيل بن جعفر، عن أبي سهیل، به. وأخرجه مسلم في ((الإيمان)) عن قتيبة، عن مالك به، وعن قتيبة، ویحیی بن أيوب كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به. وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن القعنبي، عن مالك به، وفي الصلاة، والأيمان، والنذور عن أبي الرَّبيع سليمان بن داود، عن إسماعيل بن جعفر، به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، ومنها: أنها خمس صلوات في اليوم والليلة، ومنها: أن الصوم ركن من أركان الإسلام، وهو في كل سنة شهر واحد، ومنها: أن الزكاة ركن من أركان الإسلام ومنها: أن قيام الليل ليس واجباً، وهو إجماع في حق الأمة، وكذا في حقه تمّ على الأصح. ومنها: عدم وجوب صلاة العيدين، وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي صلاة العيدين فرض كفاية والحديث يرد عليه . ومنها: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوی رمضان، وهذا ١٤٦ - - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة مجمع عليه الآن، واختلفوا أنّ صوم عاشوراء كان واجبًا قبل رمضان، أم لا؟ فعند الشافعي في الأظهر: ما كان واجبًا، وعند أبي حنيفة كان واجبًا، وهو وجه للشافعي. ومنها : أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابًا، وتَمَّ عليه الحول، ومنها: أن من أتى بالخصال المذكورة، وواظب عليها صار مفلحًا بلاشك، ومنها: أنّ السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين والسؤال عن الأكابر أمر مندوب. ومنها: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولاضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرة النبي ◌َُّ، ولم يُنْكر عليه، ومنها: صحة (١) الاكتفاء بالاعتقاد الجازم من غير نظر ولا استدلال خلاف ما قرره علماء الكلام من وجوب النظر والاستدلال، وهو مذهب باطل لا دليل عليه من النصوص. ومنها: أن فيه الردّ على المرجئة حيث إنه شَرَطَ في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال المفروضة عليه، ومنها: أن فيه استعمالَ الصدق في الخبر المُستقبل، وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخُلْف مخالفته في المستقبل، فيجب على هذا أن يكون الصدق في (١) قال العيني هنا: صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر ولا استدلال، لكنه يحتمل أن ذلك صح عنده بالدلیل، وإنما أشكلت علیه الأحكام. اهـ. قال الجامع : في هذا الاستدراك نظر لا يخفى؛ بل الصواب في المسألة أنه لا دليل على وجوب النظر والاستدلال، بل مجرد الاعتقاد كاف. والله أعلم. ١٤٧_ ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٨ الخبر الماضي، والوفاء في المستقبل، وفي هذا الحديث ما يَرُدَّ عليه مع قوله تعالى: ﴿وَعْدّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ذكر هذه الفوائد البدر قاله العيني في ((عمدة القاري)) جـ١ ص٢٦٩ . المسألة الخامسة : في قوله: (أفلح إِن صدق) كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر له المنهيات، ولا جميع الواجبات؟ وأجيب بأنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث قال: فأخبره رسول الله تَّ بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل، وهو يقول: لا أزيد، ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً، فعلى عموم قوله ((بشرائع الإسلام))، وقوله «مما فرض الله عليّ)) يزول الإشكال. وأما قول ابن بطال: يحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ قبلَ وُرُود فرائض النهي، فقال الحافظ: هو عجيب منه، لأنه جزم بأن السائل ضمَامٌ، مے وأقْدَمُ ما قيل فيه أنه وَفَدَ سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات واقعًا قبل ذلك. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة : أن إثبات الفلاح له في عدم النقص واضح، فكيف يصح ذلك في عدم الزيادة؟ وقد أجاب النووي رحمه الله بأنه أثبت له الفلاح، لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مُفْلحًا، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. أفاده. في «الفتح» جا ١٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ص١٣٣ . والله تعالى أعلم. المسألة السابعة : كيف أقرَّ النبيُّ تَُّ الرجلَ على حلفه، وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ أجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح، وإن كان غیرہ أکثر فلاحاً منه. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صَدَرَ منه على طريق المبالغة في التصديق والقبول، أي قبلت كلامك قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. وقال ابن المُنَّيِّر: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ، لأنه كان وَافدَ قومه ليَتَعَلَّمَ ويُعَلِّمَهُم. قال الحافظ: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإنَّ نصها («لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا)). وقيل: مراده بقوله ((لا أزيد، ولا أنقص)) أي لا أغَيِّرُ صفةَ الفرض، كمن ينقص الظهر مثلاً ركعة، أو يزيد المغرب. لكن يعكر عليه كما قال الحافظ لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر. والله أعلم. ((فتح)) جـ١ ص١٣٣. والله تعالى أعلم. ١٤٩ _ ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٨ المسألة الثامنة: أنه لمَ لَمْ يذكر الحج في هذا الحديث؟ وأجيب بأنه حينئذ لم يُفْرَض الحجُّ، أو لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال: هل علي غيرها؟ فأجاب ثَُّ بما عرف من حاله؛ ولعله ممن لم يكن الحج واجباً عليه، وقيل: لم يأت في هذا الحديث بالحج كما لم يُذكَر في بعضها الصومُ، وفي بعضها الزكاةُ، وقد ذُكرَ في بعضها صلةُ الرحم، وفي بعضها أداءُ الخمس، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصانًا، وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من اقتصر على ما حفظه، فأدَّاه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح، لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة. انظر ((عمدة القاري)) جـ١ ص٢٦٩. وقد ذكر هناك قاعدة أصولية تركتها لعدم كونها جارية على طريقة المحدثين(١) . والله تعالى أعلم. المسألة التاسعة : أنه قد اختلف العلماءُ في أن الشروع في التطوع هل يوجب إتمامه، أم لا؟ وسبب اختلافهم في هذا هو الاستثناء الواقع في هذا الحديث في (١) القاعدة الأصولية هى أن الحديث إذا رواه راويان، واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قُبلَت، وحمل ذلك على نسيان الراوي، وذهوله، أو اقتصاره على المقصود منه في صورة الاستشهاد، وإن كانت مغيرة تعارضت الروايتان، وتعين طلب الترجيح. شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١٥٠ قوله ((إلا أن تطوع)). قال الحافظ في ((الفتح)): واستُدلَّ بهذا علي أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل، قال القرطبي: لأنه نَفَى وجوبَ شيء آخر إلا ما تطوع به، والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فَيَتَعَيِّنُ أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع، فيلزمك إتمامه. وتعقبه الطيبي بأن ما تمسك به مغالطة، لأن الاستثناء هنا من غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلا إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلاً. كذا قال. وحرف المسألة دائرة على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلی دلیل، والدليل عليه ما رَوَی النسائيًّ وغيره ((أن النبي ◌َّي كان أحيانًا ينوي صوم التطوع، ثم يفطر))، وفي البخاري: أنه أمر جُوَيْرِيَةَ بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام - إذا كانت نافلة - بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي. فإن قيل: يَردُ الحج، قلنا: لا، لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فكيف في صحيحه. وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله کفرضه. والله أعلم. قال الجامع: في قوله: امتاز بلزوم المضي في فاسده نظر، لأنه لا ١٥١ __ ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٨ دليل على هذا. فتبصر. قال الحافظ: على أن في استدلال الحنفية نظرًا لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباینهما، وأيضًا فإن الاستثناء من النفي عندهم لیس للإثبات، بل مسكوت عنه، وقوله ( إلا أن تطوع)) استثناء من قوله ((لا)) أي لا فرض عليك غيرها. اهـ. ((فتح)) جـ١ ص١٣٢ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي یترجح عندي أن من شَرَعَ في نفل الصلاة يلزمه إتمامه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وأما إذا أفسده فليس عليه القضاء لعدم دليل على ذلك، وأما من شَرَعَ في نفل الصوم فله الفطر، لما تقدم أنه عملية كان ينو صومًا ثم يفطر، ولحديث الجويرية المتقدم، ولا يجب عليه القضاء، لما رواه البخاري من حديث أبي جُحَيفة رضي الله عنه قال: ((آخى النبي ◌َ ◌ّه بين سلمان وبين أبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداءُ مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال: كُلْ، فإني صائم ، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل ... )) الحديث. فقد استحسن عَ ◌ّه فعل سلمان ولم يُلْزم أبا الدرداء بالقضاء. والحاصل أن الصلاة يلزم إتمامها بالشروع للآية المتقدمة، وأما الصوم وإن كانت الآية تشمله إلا أن الأدلة خصصته. وأما قياس الصلاة على الصوم في هذا التخصيص، كما قاله - ١٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة الحافظ فغير واضح. فتأمل. وأما ما قاله ابن عبد البر من أن من احتج بهذه الآية على منع إبطال النوافل بعد الشروع فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، وقال آخرون: لا تبطلوا بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك، النهي عن إبطال مالم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر، أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ. فمردود بكون العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما قاله الشوكاني، وبأن ما ذكره من الصوم إنما جاز الفطر فيه - وإن كانت الآية تشمله- للنصوص الواردة بذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق، هو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٩ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قالَ: حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْس، عَنْ خَالد بْن قَيْس، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَس ، قَال: سَألً رَجُلٌ رَسُولَ اللـهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رُّسُولَ الَّله كَمِ اقْتَرَضَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَى عَبَاده منَ الصَّلَوات؟ قَال: (افْتَرَضَ عَلَى عِبَاده صَلَوَات خَمَّسًا)) قال: يا رَسُولَ الله هَلْ قَبْلَهُنَّ، أو بَعْدَهُنَّ شَيْئَاءَ. قال: ((افْتَرَضَ الَّلهُ عَلَىَ عبَاده صَلَوَاتِ خَمْسًا)) ، فَحَلَفَ الرَّجُلُ لا يَزِيدُ عَلَيْه شَيْئًاً، ولا يَنْقُصُِّ مِنُهُ شَيْئًا، قال رَسُولُ اللهَّهِ: ((إنَّ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ)). : ١٥٣ - ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٩ رجال الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/١. ٢ - ( نوح بن قيس) بن رَبَاحِ الأزدي، أبو رَوْح البصري، أخو خالد، صَدُوق رُميَ بالتشيع ، توفي سنة ١٨٣ أو ١٨٤، من [٨]. وفي ((تت)): الحُدّاني - بضم الحاء المهملة، وتشديد الدال المهملة-، ويقال: الطَّاحيُّ، قال أحمد وابن معين في رواية عثمان الدارمي عنه: ثقة، وقال أبو داود: ثقة، بلغني عن يحيى أنه ضَعَّفَهُ، وقال مرة: يتشيع، وقال النسائي: ليس به بأس ، وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن معين: هو شيخ صالح الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد: نوح بن قيس الحُدَّاني كان ينزل سُوَيَقَةَ طاحية فنسب إليها. اهـ. أخرج له الجماعة إلا البخاري. ٣ - (خالد بن قيس) بن رباح الأزدي الحداني البصري، صدوق يُغَرِّب، من [٧]. وفي (تت)): قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة ، وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن المديني: ليس به بأس، وقال الأزدي: خالد بن قيس عن قتادة فيها مناکیر، روی عنه أخوه نوح، ونوح صدوق. اهـ. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي في «شمائله))، وابن ماجه. .. ٤ - (قتادة) بن دعَامَةَ السَّدُوسيّ أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١٥٤ من [٤]، تقدم في ٣٤/٣٠. ٥ - (أنس بن مالك) الصحابي رضي الله عنه، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسياته، وأن رجاله موثقون، وكلهم بصریون، إلا شيخه فبَغْلاني، وفيه رواية الراوي عن أخيه، وأن نوحًا وخالدًا هذا الباب أول محل ذكرهما من الكتاب، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك رضي الله عنه، أنه (قال: سأل رجل رسول الله مي) لم أجد تسمية هذا الرجل (فقال: يارسول الله كم افترض الله عز وجل على عباده؟ قال) تَّ (افترض على عباده صلوات خمسًا) هكذا في بعض النسخ ((خمسًا)) بالنصب بدلا من ((صلوات))، وفي بعضها ((خمس)) بالرفع، قال السندي: فهو إما مرفوع بتقدير ((هي خمس))، أو جملتها خمس، أو منصوب لكن حذف الألف خطّاً على دأب كتابة أهل الحديث، فإنهم كثيرا ما يكتبون المنصوب بلا ألف . اهـ. (قال) الرجل (يا رسول الله هل قبلهن) متعلق بفعل محذوف، ١٥٥ _ ٤ - باب كم فرضت في اليوم والليلة - حديث ٤٥٩ أي افترض قبلهن أي الصلوات الخمس (أو) افترض (بعدهن شيئًا) بالنصب مفعولاً للفعل المقدر، وفي الهندية ((شيء)» بالرفع، وعليه يكون مبتدأ مؤخرًا خبره الظرف قبله. (قال) عَّ (افترض الله على عباده صلوات خمسًا) يعني أنه لم يفترض عليهم غير الخمس لا قبلها ولا بعدها (فحلف الرجل لا يزيد عليه شيئًا) ذكَّر الضميرَ بالتأويل بالمذكور ، أي لا يزيد على المذكور من الصلوات الخمس لا قليلاً، ولا كثيرًا، ومثله قوله (ولا ينقص منه شيئاً، قال رسول الله عَمّة ((إِن صدق) أي فيما قاله، من الالتزام بما ذكر من غير زيادة ولانقص، وقوله (ليدخلن الجنة))) جواب قسم مقدر ، أي والله ليدخلن الجنة، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه جواب القسم تقديره ((دخل الجنة))، أو الجواب جملة القسم بتقدير الفاء، أي: ((فوالله ليدخلن الجنة)). تنبيه: هذا الحديث من أفراد المصنف، وهو صحيح، ولم يخرجه إلا في هذا الموضع. وفوائده تقدمت في الحديث السابق. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ١٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ٥ - بابُ البَيْعَة عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمْس أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المبايعة على أداء الصلوات الخمس. والبيعة : - بفتح فسكون - بذل الطاعة للإمام ، قاله المناوي(١) وقال الراغب: وَبَايَعَ السلطان: إذا تَضَمَّنَ بَذْلَ الطاعة له بما رضخ له ، ويقال لذلك بَيْعَة، ومُبَايَعَة. اهـ (٢) . ٤٦٠ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُور، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهر، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أبي إذْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنَ أبي مُسْلم الخَوْلانيِّ، قال: أخْبَرَنِي الحَبيبُ الأمينُ: عَوْفُ بْنُ مَالك الأشْجَعيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنَدَ رَسُولِ اللهِعَهِ، فَقَال: ((ألا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِعَه))، فَرَدّدها ثَلاثَ مَرَّت، فَقَدَّمْنَا أيديَنَا، فَبَايَعْنَاهُ، فَقُلْنَا: يا رسولَ الله قَدْ ٥ بَايَعْنَاكَ، فَعَلامَ؟ قَالَ: ((عَلَى أنْ تَعْبُدوا الَّلَهَ، ولا (١) ((التوقيف على مهمات التعريف)) ص ١٥٣ . (٢) المفردات ص ١٥٥ . : : ١٥٧ - ٥ - باب البيعة على الصلوات الخمس - حديث ٤٦٠ تُشْرِكُوا به شَيْئًا، والصََّوَات الْخَمْس))، وأسَرَّ كَلمَةً خَفيَّةً ((أنْ لا تَسْألُوا النَّاسَ شَيْئًا)). رجال الإسناد: سبعة ١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد الحافظ، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، وتقدم في ١٠٨/ ١٤٧ . ٢ - (أبو مسهر) عبد الأعلى بن مُسْهر الغَسَّاني الدمشقي، ثقة فاضل من کبار [١٠]. وفي تهذيب الكمال: ذكره ابن سعد في الطبقة السابعة من أهل الشام، وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد بن حنبل: كان عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروانُ، والوليدُ، وأبو مسهر. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: رَحمَ اللهُ أبا مسهر، ما كان أثبته، وجَعَلَ يُطْریه . وقال أبو الحسن الميموني: وذكر يوما - يعني أحمد بن حنبل - أبا مسهر الشامي، فقال: كيّسٌ، عالم بالشاميين، قلت: وبالنسب؟ قال: نعم، زَعَمُوا. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة. وقال أحمد بن أبي الحواري عن يحيى بن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادي أحدًا أشبه بالمشْيَخَة الذين أدركتهم من أبي مسهر، والذي يحدث وفي البلد أولى شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ١٥٨ - منه فهو أحمق. وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجَانّي: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّ الذي يحدث بالبلد وبها من هو أولى منه بالحديث أحمق، إذا رأيتني أحدث ببلدة فيها مثل أبي مسهر، فينبغي للحَيتي أن تُحْلَقَ، وأمَرّ يَدَهُ على لحيته. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مسهر: وُلُدَلي، والأوزاعيُّ حي، وجالستُ سعيدَ بنَ عبد العزيز ثنتي عشرة سنة، وما كان أحد من أصحابه أحفظ لحديثه مني، غير أني نسيت. وقال في موضع آخر: سمعت أبا مسهر يقول: قال سعيد بن عبد العزيز: ما رأيت أحسن مسألة منك بعد سليمان بن موسى. وقال أيضًا قال لي سعيد: ما شَبَّهْتُكَ في الحفظ إلا بجَدِّكَ أبي ذُرَامَةَ، ما كان يسمع شيئًا إلا حفظه. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال محمد بن عثمان التّنُوخِيُّ: ما بالشام مثل أبي مسهر، وذكر أبا مسهر، فقال: كان أحفظ الناس، فقلت له: قال يحيى بن معين: منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت لمْ أرَ مثلَ أبي مسهر. قال: صَدَقَ، وجعل يُثْني عليه. وقال فَيَّاض بن زُهَيَرَ عن يحيى بن معين: من ثَبَّتَهُ أبو مسهر من الشاميين فهو ثَّبْت . وقال أبو زرعة الدمشقي أيضًا: رأيت أبا مسهر يحضر المسجد الجامع بأحسن هيئة في البياض والساج والخف، ويَعْتَمَّ على شامية ١٥٩ _ ٥ - باب البيعة على الصلوات الخمس - حديث ٤٦٠ طويلة بعمامة سوداء عَدَيَّة . وقال عبد الملك بن الأصبغ عن مروان بن محمد: أين أنا من أبي مسهر؛ كان سعيد بن عبد العزيز يسند أبا مسهر معه في صدر المجلس، وأنا بين يدي سعيد في طيلساني عشرون رُفْعَةٌ. وقال أبو حاتم الرازي: ما رأيت ممن كَتَبْنَا عنه أفصح من أبي مسهر، وما رأيت أحدًا في كورة من الكُوَر أعظم قدرًا، ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكنت أرَىَ أبا مسهر إذا خرج إلى المسجد اصطَّف الناس یسلمون علیه ويقبلون يده. ~ وقال أحمد بن علي بن الحسن البصري: سمعت أبا داود، وقيل له: إن أبا مسهر كان متكبرًا في نفسه، فقال: كان من ثقات الناس، رَحمَ الله أبا مسهر لقد كان من الإسلام بمكان، حُملَ على المحْنَة فَأَبَى، وحُملَ على السيف فمدَّ رأسه وجُرِّدَ السيفُ فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حُملَ إلى السجن، فمات. وقال أبو حاتم بن حبان: كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان، من عُني بأنساب أهل بلده وأنبائهم، وإليه يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم. وقال محمد بن سعد: كان رَاويَةً لسعيد بن عبد العزيز وغيره من الشامیین، و کان أشْخص من دمشق إلی عبد الله بن هارون - يعني المأمون - وهو بالرَّقَّة، فسأله عن القرآن؟ فقال: هو كلام الله، وأبي أن شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ١٦٠ يقول: مخلوق، فدعا له بالسيف والنَّطع ليضرب عنقه، فلما رأى ذلك، قال: مخلوق، فتركه من القتل، وقال: أما إنك لو قلت ذاك قبل أن أدعو لك بالسيف لقبلت منك، ورددتك إلى بلادك وأهلك، ولكنك تخرج الآن فتقول: قلت ذلك فَرَقًا من القتل، أشخصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتی یوت، فأشخص من الرقّة إلی بغداد في شهر ربيع الآخر من سنة (٢١٨) فحُبس قبل إسحاق بن ابراهيم، فلم يلبث في الحبس إلا يسيراً حتى مات فيه في غُرَّةً رجب سنة (٢١٨) فأخرج ليُدْفَنَ، فشهده قوم كثير من أهل بغداد. وُلُدَ أبو مسهر في صفر سنة (١٤٠) ومات سنة (٢١٨) وله ٧٨ سنة. أخرج له الجماعة. ٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخيُّ الدمشقي، ثقة إمام، سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَه أبو مسهر لكنه اختلط في آخر عمره، من [٧]. وفي ((تت)): سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى أبو محمد، ويقال: أبو عبد العزيز الدمشقي؛ قرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك، وسأل عطاءَ بنَ أبي رباح. قال أحمد: ليس بالشام رجل أصح حديثاً من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء، ووثّقه ابن معين وأبو حاتم، والعجلي. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدُحَيْم: مَنْ بَعْدَ عبد الرحمن