النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ _ ٢ - باب أين فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٢ ٢ - بَابٌ أَيْنَ فُرْضَتِ الصَّلاةُ؟ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل: أين فرضت الصلاة؟، ومحل الترجمة من الحديث قوله: ((فرضت بمكة)). والمراد به أول محل ظهر فيه فرضيتها من الأرض، وإلا فأول محل فرضها فوق السموات. والله تعالى أعلم. ٤٥٢ - أخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاودَ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، قَال: أخْبَرَنِي عَمْرُوُ بْنُ الْحَارث: أنَّ عَبْد رَبِّه بْنَ سَعيد، حَدَّثَه: أنّ البُنَانِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ: أنَّ الصََّوَاتِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وأنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَذَهَبَا به إلى زَمْزَمَ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، وأخْرَجَا حَشْوَهُ في طَسْتِ منْ ذَهَب، فَغَسَلَاهُ بِمَاءَ زَمْزَمَ، ثُمَّ كَبَسَا جَوْفَهُ حكْمَةٌ وَعَلْمًا. رجال هذا الإسناد ١ - (سليمان بن داود) بن حَمَّاد المَهْري، أبو الرَّبيع المصري بن أخي رشْدين بن سَعْد، ثقة، توفي سنة ٢٥٣، من [١١]، أخرج له أبو داود والنسائي، وتقدم في ٧٩/٦٣. ٢ - عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد - ١٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، توفي سنة ١٧٩، عن ٧٢ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٩/ ٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري، مولاهم أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ، توفي قديمًا قبل سنة ١٥٠، من [٧]، وأخرج له الجماعة، وتقدم في ٧٩/٦٣ . ٤ - (عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري، أخو يحيى، المدني، ثقة، توفي سنة ١٣٩، وقیل بعد ذلك، من [٥]. وفي ((تت)) عن يحيى بن سعيد القطان ، قال: كان وَقَّاداً حَيَّ الفؤاد، وعن عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة مدني، وقال ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: حسن الحديث ثقة، ووثقه النسائي، والعجلي، وابن سعد، وقال: كثير الحديث دُونَ أخيه يحيى، وقال أبو عوانة: هو أعَزُّ إخْوَتَه حديثًا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: هو الذي يقال له: عبد ربه المدني، أخرج له الجماعة. ٥ - (البُنَانِيُّ) هو ثابت بن أسلم أبو محمد البصري، منسوب إلى بُنَانَة - بضم الباء الموحدة وتخفيف النون - ابن سَعْد بن لُؤَيّ بن غالب، ثقة عابد، من [٤]، تقدم في ٤٥/ ٥٣ . ٦ - (أنس بن مالك) بن النضر بن ضَمْضَم أبو حَمْزَة خادم رسول الله تَّه رضي الله عنه تقدم في ٦/٦. والله تعالى أعلم. ! ٢ - باب أين فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٢ ١٠٣ - لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا علیهم غیر شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود. ومنها: أنهم ما بين مصريين؛ وهم الثلاثة الأولون، ومدنیین؛ وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عبد ربِّه عن ثابت. ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرع الحديث (عن أنس بن مالك) رضي الله عنه (أنَّ الصلوات الخمس) بفتح همزة ((أن))، لأن الجملة في تأويل المصدر مفعول ((حَدَّثَ))، (فُرِضَت) بالبناء للمفعول، أي أظهر للناس وجوبها (بمكة) قبل الهجرة إلى المدينة، ليلة المعراج، كما تقدم إيضاحه في الباب السابق. (وأن ملكين) بفتح ((أن)) أيضًا عطفًا على ((أنَّ الصلوات))، وقد تقدم اختلاف الروايات في الملائكة الذين أتوه، هل هما اثنان أم ثلاثة؟ في الحديث (٤٤٨) (أتيا رسول الله عَّةٍ، فذهبا به إِلى) بئر (زمزم، فشقا بطنه)، وتقدم أن الشق من النحر إلى مَرَاقِ البَطْن، شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١٠٤ (وأخرجا حَشوَه) قال السندي رحمه الله: هكذا في نسختنا - وهو يفتح فسكون - أي ما في بطنه، وفي نسخة السيوطي ((حُشوته)) وهي بالضم والكسر: الأمعاء. اهـ. قلت: المعنى واحد. (في طَست) بالفتح والكسر، وتقدم الكلام على ضبطه ومعنا في (٤٤٨)، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، أي وَضَعَاهُ في طست (من ذهب)، وتقدم سبب اختصاص الطست وكونه من ذهب، في حديث الرقم المذكور، (فغسلاه بماء زمزم) فيه أن ماء زمزم أفضل من غيره. (ثم كَبَسَا) بفتح الكاف والباء، قال المجد في ((ق)): كَبَسَ البثْرَ وَالنَّهْرَ يَكْبِسُهُمَا: طَمَّهُمَا بالتُّرَابِ، وقَال أيْضًا: ((طَمَّ الإِنَاءَ: مَلأُهُ، والرِّكَيَّةَ، يَطَمُّهَا - بالكسر، ويَطُمُّهَا - بالضم: دَفَنَهَا، وسَتَرَهَا اهـ. فتبين بهذا أن معنى قوله (ثم كبسا جوفه) أي ملآه، وقوله: (حكمةً وعلماً) منصوبان على التمييز، وفي ((الكبرى)) ((حكْمَةً وإيماناً)) وهو الموافق للرواية المتقدمة في الباب السابق. وقال السندي: ((ثم كبسا جوفه)) أي ستراه («حكمةً وعلمًا)) أي حال کونه ذا حکمة وعلم. اهـ. قال الجامع: ما قدمته هو الأوضح. والله أعلم، وهو المستعان وعليه الكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: ١٠٥ - ٢ - باب أين فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٢ حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا في ((المجتبى)) (٤٥٢) وفي ((الكبرى)) (٣١٦) بسند ((المجتبى))، وقال: قال أبو عبد الرحمن: عبد ربه بن سعيد، ويحيى بن سعيد، وسعد بن سعيد بن قيس بن قهد(١) الأنصاري، وهم ثلاثة إخوة، ويحيى بن سعيد أجَلُّهم، وأنْبَلُهُم، وهو أحد الأئمة، وليس بالمدينة بعد الزهري في عصره أجل منه، وعبد ربه ثقة، وسعد ضعيف. اهـ جـ١ ص ١٤١ . قال الجامع: قوله في نسبه: ابن سعيد بن قيس بن قهد، لا يصح كما قاله البخاري في التاريخ الكبير، والصحيح في نسبه أنه ابن سعيد . ابن قيس بن عمرو بن سَهْل بن ثَعْلَبَةَ بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غَنْم ابن مالك بن النَّجَّار. انظر ((تت)) جـ١١ ص٢٢١، و((تهذيب الكمال)» جـ ٣١ ص٣٤٧. والله تعالى أعلم. تنبيه: هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. انظر ((تحفة الأشراف)) جـ١ ص ١٤٥ . والله تعالى أعلم. (١) ونسخة ((الكبرى)) ابن فهد، بالفاء، والصواب ابن قهد بالقاف، كما في ((تت)) جـ ١١ ص٢٢١، و((تهذيب الكمال)) جـ٣١ ص ٣٤٧. - ١٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة المسألة الثالثة: في فوائده: منها : بيان محل فرض الصلوات الخمس، وهو مكة، وهو محل الترجمة للمصنف، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم. ومنها: بيان فضل النبي ◌َّى حيث أكرمه الله تعالى بشق بطنه وغسل ما فيه مما ينافي كمال العبودية؛ من حظوظ النفس والشيطان. ومنها: إظهار معجزة باهرة له في هذا العمل؛ حيث إنه لم يتأثر بجروح، ولا قَرِحَ مَحَلُّ الشق. ومنها : بيان فضل ماء زمزم على غيرها من المياه ؛ حيث غسل بها باطنه ◌َ﴾ . ومنها: بيان أنه ◌َهُ مُلىء حكمة وعلمًا، وهذا من فضل الله العظيم، قال الله تعالى ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. ١٠٧ - ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٣ ٣ - بَابُ كيفَ فُرضَتِ الصَّلاةُ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على جواب سؤال السائل عن كيفية فرض الصلاة . هل فرضها الله تعالى أن تصلى على هيئة صلاة الحضر، أم على هيئة صلاة السفر؟ ٤٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُّ إِبْرَاهيمَ، قَال: أنْبَأْنَا سُفْيَانُ عَن الزُّهْرِي، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائشَةَ، قَالتْ: أوَّلَ مَا فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأقرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَأَتمَّتْ صَلاةُ الحَضَر. رجال الإسناد : خمسة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو محمد، أو أبو يعقوب المعروف بابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة حافظ مجتهد، قرين الإمام أحمد، من [١٠]، وتقدم في ٢/٢ . ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهلالي مولاهم الكوفي ثم ٠ المكي، ثقة حافظ حجة فقيه إمام، من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١ . ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الفقيه الحُجَّة - ١٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة الحُجَّة رأس الطبقة [٤]، تقدم في ١/١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام أبو عبد الله الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤ . ٥ - (عائشة) أم المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق رضي الله عنهما، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا علیهم، و کلهم مدنیون إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري . ومنها : أن فيه روايةً تابعي عن تابعي؛ الزهري عن عروة. ومنها : أن عروة هو أحد الفقهاء السبعة. ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرع الحديث (عن عائشة) رضي الله عنها، أنها قالت: (أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتين) هكذا في بعض النسخ؛ بنصب ((ركعتين)) على الحال العامل محذوف، تقديره: فُرضَت حال كونها ركعتين، وأولَ منصوب على الظرفية متعلق بالفعل المقدر، و((ما)) مصدرية، والتقدير: في أول فرض الصلاة فرضت حال كونها ركعتين، أو ((ما)) موصولة عبارة عن -- - --- --- ١٠٩ - ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٣ وقت، وجملة ((فرضت الصلاة)) صلتها، والعائد محذوف، والتقدير: في أول الوقت الذي فرضت فيه الصلاة، فرضت حال كونها ركعتين. وفي بعض النسخ: ((ركعتان)) بالرفع، وعلى هذا يكون مرفوعًا على الابتداء، والظرف قبله خبره، والتقدير: ركعتان كائنتان في أول فرض الصلاة. والله أعلم. ثم إنَّ المرادَ به الصلاة التي تختلف حَضرًاً وَسَفرًا، فلا يستشكل بالمغرب والفجر. وقد وردت زيادة توضح المراد في مسند أحمد - رحمه الله - ((إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا)) . (فأقرت صلاة السفر) فعل ونائب فاعله، أي رَجَعَت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر في السفر بحيث كأنها مقررة على الحالة الأصلية، وما ظهرت الزيادة فيها أصلاً، فلا يشكل بأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ... ) الآية [النساء: ١٠١]، يفيد أن صلاة السفر قصرت بعد أن كانت تامة، فكيف يصح القول بأنها أقرت؟ وأيضًا اندفع أن يقال مُقْتَضَى هذا الحديث أن الزيادة على الركعتين لا يصح، ولا يجوز كما في صلاة الفجر، فكيف كانت عائشة تتمها في السفر؟ فليتأمل. قاله السندي رحمه الله . (وأتمت صلاة الحضر)، وفي الكبرى للمصنف ((وَزَيَد في الحَضَر)» أي بعد الهجرة إلى المدينة، لما عند البخاري في كتاب الهجرة من طريق -- شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ١١٠ قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ◌َّ، فَفُرضَتْ أربعًا)). وقد أخذ بهذا الحديث الحنفية ، وقالوا : إن القصر عزيمة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل قريبًا إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا (٤٥٣) وفي ((الكبرى)) (٣١٧) بسند الباب. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول : أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله ابن محمد، عن سفيان، عن الزهري بسند المصنف، وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن علي بن خشْرَم، عن سفيان به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: أنه استدل الحنفية بحديث عائشة رضي الله عنها على أن القصر في السفر عزيمة، لا رخصة. واحتج مخالفوهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ لأن نفي الجُنَاح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما یکون من شيء أطول منه. i ١١١ _ ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٣ ويدل على أنه رخصة أيضا قوله ملة: (( صدقة تصدق الله بها عليكم)). وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره. قال الحافظ رحمه الله: وفي هذا الجواب نظر، أمَّا أَوَّلاً فهو مما لا مَجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي، وهو حجة، لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي تَّ، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك. وأما قول إمام الحرمين: ((لوكان ثابتًا لَنُقلَ متواترًا)) ففيه نظر أيضًا، لأن التواتر في مثل هذا غير لازم. وقالوا أيضًا: يعارض حديثَ عائشة هذا حديثُ ابن عباس ((فُرضَت الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين)) أخرجه مسلم. ويأتي للمصنف بعد حدیثین. والجواب أنه يمكن الجمع بين حديثي عائشة وابن عباس بحمل حديث عائشة على ما آل إليه الأمر من التخفيف، فيتفق مع حديث ابن عباس رضي الله عنهم. وألْزَمُوا الحنفيةَ على قاعدتهم - فيما إذا عارض رأيُ الصحابي رَوَايَتَه - بأنهم يقولون: العبرةُ بما رأى، لا بما رَوَى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت أنها كانت تُتُمُّ في السفر، فدل على أن المروي عنها غير ثابت . ..- - ١١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة والجواب عنهم أنَّ عروة الراوي عنها قد قال لما سُئلَ عن إتمامها في السفر: إنها تأولت كما تأوَّلَ عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها، وبين رأيها، فروايتها صحيحة، ورأيها مبني علي ما تأولت. قال الحافظ رحمه الله: والذي يظهر لي - وبه تجتمع الأدلة السابقة . أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم زيدَت بعد الهجرة عَقبَ الهجرة، إلا الصبح، كماَرَوى ابنُ خزيمة وابنُ حبان والبيهقيَّ من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ((فُرضَت صلاةُ الحَضَر ركعتان ركعتان، وتُركَت صلاةُ الفجر لطول القراءة، وصلاةُ المغرب، لأنها وتر النهار)). ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خُفّفَ منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾. [النساء، آية: ١٠١]. ويؤيد ذلك ما ذكره ابنُ الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره ؛ أن نزول آية الخوف كان فيها ، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدُّولابيُّ، وأورده السُّهَيَلِيُّ بلفظ «بَعْدَ الهجرة بعام، أو نحوه))، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا . ١١٣ _ ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٣ فعلى هذا المرادُ بقول عائشة ((فأقرَّت صلاةُ السفر)) أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استَمَرَّت منذ فَرضَت، فلا يلزم من ذلك أنَّ القصر عزيمة. اهـ. «فتح الباري)) ج١ ص٥٥٣ ، ٥٥٤ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في وجه الجمع حسن جدّاً. ويؤيد عدمَ كون القصر عزيمة ما يأتي للمصنف من طريق العلاء بن زُهَير الأزدي عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة رضي الله عنها: ((أنها اعتَمَرَتْ مع رسول الله تَّ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قَصَرْتَ، وأَتْمَمْتُ، وأفطَرْتَ، وصُمْتُ؟ قال: أحسنت يا عائشة، وما عاب عليَّ). والحديث ضعفه ابن حزم بجهالة العلاء، وردَّ عليه ذلك عبدُ الحق، وقال: بل هو ثقة مشهور، والحديث الذي رواه في القصر صحيح، وتناقض فيه ابن حبان؛ فقد ذكره في الثقات، وقال في الضعفاء: يَروي عن الثقات مالايُشْبُهُ حديثَ الأثبات، فَبَطَل الاحتجاجُ به فيما لم يوافق الثقات، ورده الذهبي بأن العبرة بتوثيق يحيى، يعني ابن معين، فقد وثَّقَهُ. انظر ((تت)) جـ ٨ ص١٨١ . وسيأتي تحقيق الكلام في المسألة في ((كتاب تقصير الصلاة)) إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. - ١١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ٤٥٤ - أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشم البَعْلَبَكّيَّ، قال: أنْبَأْنَا الوليدُ، قال: أخْبَرَني أبُو عَمْرٍو يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ، أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِعَُّ بِمَكَّةٌ قَبْلَ الهِجْرَة إِلَى المَدينَة؟ قال: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عائشةَ، قالتْ: فَرَضَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ الصَلاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّه أوَّلَ مَا فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ أَتِمَّتْ فِي الحَضَر أَرْبَعًا، وأقرَّتْ صَلاةُ السَّفَر عَلَى الفَرِيضَة الأولَى)). رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن هاشم) بن سعيد القرشي (البعلبكي) بفتحات وسكون العين المهملة: نسبة إلى بعلبك مدينة بالشام على ١٢ فرسخًا من دمشق. اهـ لب اللباب بزيادة جـ١ ص ١٣٥. صدوق، توفي سنة ٢٥٤، من [١٠]. وفي (تت)): أبو عبد الله البَعْلَبكيُّ، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يُغَرِّبُ، قال عمرو بن دُحيم: مات ببعلبك سنة ٢٥٤، وكان مولده في شهر ربيع الأول سنة ١٦٧ ، وقال مسلمة بن قاسم: صدوق مشهور. اهـ ((تت)) باختصار. انفرد به المصنف . ٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ------- ١١٥ - ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٤ ثقة ، لكنه كثير التدليس والتسوية، من [٨] . وفي ((تت)): الوليد بن مسلم القرشي مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو الوليد الدمشقي عالم الشام. قال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث، وقال أبو مسهر: كان الوليد مُعْتَنيًا بالعلم، وكان من ثقات أصحابنا، وفي رواية: من حفاظ أصحابنا، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وعن أحمد قال: كان الوليدَ رَفَّاعًا، وعنه كان كثيرَ الخطأ، وعن أبي مسهر: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديثَ الأوزاعي، كان أبو السفر كَذَّابًا، وعنه: كان الوليد يحدث حديثَ الأوزاعي عن الكذابين، ثم يدلسها عنهم، وعن الهيثم بن خارجة قال: قلت للوليد: قد أفْسَدتَ حديثَ الأوزاعي، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري، ويحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي، وبين نافع: عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري: إبراهيم ابن مُرَّةً، وقُرَّةً، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنَبِّل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قلت: فإذا رَوَى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء ضعفاء أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت وَصَيَّرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعُّفَ الأوزاعُمي، قال: فلم يلتفت إلى قولي. وقال الدارقطني: كان الوليد يرسل، يَروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١١٦ فيُسقطُ أسماءَ الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي، عن نافع، وعن عطاء ولد سنة ١١٩، وتوفي سنة ١٩٤، وقيل: ١٩٥، وقيل: ١٩٦، أخرج له الجماعة اهـ «تت)) باختصار جـ١١ ص١٥١ -١٥٥. ٣ - (أبو عمرو الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو؛ أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، توفي سنة ١٥٧ من [٧]، أخرج له الجماعة وتقدم في ٤٥/ ٥٦ . ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحجة من [٤]، تقدم في ١/ ١ . ٥ - (عروة) بن الزبير أبو عبد الله المدني الفقيه الحجة، من [٢]، تقدم في ٤٠ / ٤٤ . ٦ - (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها تقدمت في ٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فانفرد هو به، ونصفهم الأول شاميون، والثاني مدنيون . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن عروة، ورواية الراوي عن خالته . ! : ١١٧ _ ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٤ ومنها : أن عروة أحد الفقهاء السبعة. ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثاً. ومنها: قوله ((يعني الأوزاعي))، والقائل هو شيخ المصنف، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هو المصنفَ، وإنما أتى بها لأن شيخه لم ينسبه، فأراد نسبته، ففصل كلامه من كلام شيخه، قال في ألفية الأثر: وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أوْ وَصْفٍ مَنْ . فَوْقَ شُيُوخِ عَنْهُمُو مَا لَمْ يُبَنْ بِنَحْوٍ يَعْنِي أَوْ بِأنَّ أَوْ بِهُو أَمَّا إِذا أَتَمَّهُ أَوَّلهُ أجِزْهُ في البَاقي لَدَى الْجُمْهُورِ وَالفَصْلُ أولَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) رضي الله عنها، أنها (قالت: فرض الله عز وجل الصلاةَ على رسوله تَِّ أول ما فرضها) منصوب على الظرفية متعلق بفَرَضَ، و((ما)) مصدرية، أو موصولة واقعة على الأوقات، والعائد محذوف، والتقدير: في أول فَرْضها، أو في أول الأوقات التي فَرَضَهَا فیها (ركعتين ركعتين) بالتكرار، ليفيد عموم التثنية لكل صلاة رباعية، ولولاه لكان فيه إيهامُ أنَّ الفريضة في السفر والحضر ما كانت إلا فردَ ركعتين فقط . قال الكرماني: فإن قلتَ: لمَ انْتَصَبَ ((ركعتين))؟ قلتُ: بالحالية، فإن قلتَ: ما حكم لفظ ((ركعتين)) الثاني؟ قلتُ: هو تكرار للفظ الأول ! شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١١٨ وهما في الحقيقة عبارة عن كلمة واحدة، نحو مَثْنَى، وذلك كالحُلْو الحَامض، القائم مَقَامَ الُزِّ. اهـ. (ثم) بعد الهجرة إلى المدينة (أثّت) الصلاة، أي زيد عليها ركعتان، فصارت أربعًا (في الحضر) أي في حال كون المكلف بها مقيمًا بالحضر (وأقرَّت صلاة السفر على الفريضة الأولى) وتقدم أن معنى ((أقرت)): رجعت إلى الحالة الأولى بعد نزول القصر، فكأنها مقرَّرةٌ على الحالة الأولى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله عنها هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا (٤٥٤) بهذا السند فقط . المسألة الثالثة: أنه مما انفرد به المصنف من بين الكتب الستة. وفوائده تقدمت في الحديث الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادتها. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالك، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: فُرْضَتَ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، فَأَقَرَّتَ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فيَ صَلاةِ الحَضَرِ. ١١٩ - ٣ - باب كيف فرضت الصلاة - حديث رقم ٤٥٥ رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلانيّ، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٠ عن ٩٠ سنة، من [١٠]، وتقدم في ١/١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الشهير المدني، من [٧]، وتقدم في ٧/ ٧. ٣ - (صالح بن كيسان) بفتح الكاف وسكون الياء - المدني مُؤَدِّب أولاد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، توفي بعد سنة ١٣٠ أو بعد سنة ١٤٠، من [٤]، وتقدم في ٣١٤/١٩٦. ٤ - و(عروة) و(عائشة) تقدما في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأنّ رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه فَبَغْلانِّي، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ صالح عن عروة. والحديث مضى مشروحًا قريبًا، فلا حاجة إلى إعادته. والله تعالى أعلم. تنبيه: حديث عائشة هذا أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بسند المصنف، شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ١٢٠ وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، عن مالك به، وأخرجه أبو داود؛ في الصلاة أيضًا عن القعنبي، عن مالك به. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٦ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَليّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وعَبْدُ الرَّحمَن، قَالا: حَدَّثَنا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ بُكَيْر بْن الأخْنَسَ، عَنْ مُجَاهد، عَن ابْن عَبَّاس، قال: فُرضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانَ النَّبِيِّنَّهُ فَي الحَضْرِ أَرْبَعًا، وَفَي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفَي الَخَوْفَ رَكْعَةً. رجال الإسناد : سبعة ١ - (عمرو بن علي) الفَلاسُ الصَّيْرفيّ، أبو حَفْص البصري، ثقة حافظ أحد مشايخ الستة، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، وتقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ التميمي، أبو سعيد القَطَّان البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة ، توفي سنة ١٩٨، عن ٧٨ سنة ، من كبار [٩]، وتقدم في ٤ / ٤ . ٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حَسَّان، أبو سعيد العَنْبَري مولاهم البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بأحوال الرجال والأحاديث، توفي سنة ١٩٨، عن ٧٣ سنة، من [٩]، وتقدم في ٤٢ / ٤٩ .