النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ _ ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ والأسباب في خوف شديد من بأسه على، فلا يشكل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر ، وأكثر ، فكانت بلقيس تخاف من سليمان عله الصلاة والسلام مسيرة شهر ، وهذا ظاهر ، وقد بقي آثار هذه الخاصية في خلفاء أمته ما داموا على حاله ، والله أعلم (١) . (مسيرة شهر) منصوب على الظرفية ، متعلق بنُصرت ، قال في الفتح : ومفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ، ولا في أكثر منها ، أما ما دونها فلا ، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب : ((ونُصرتُ على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر)) فالظاهر اختصاصه به مطلقا ، وإنما جعل الغاية شهرا ، لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه ، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر ، وهل هي حاصلة لأمته من بعده ؟ فيه احتمال (٢) . ثم ذكر الثانية بقوله : ( وجعلت لي الأرض مسجدا) أي موضع سجود ، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره ، ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبني للصلاة ، وهو من مجاز التشبيه ، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها ، كانت كالمسجد في ذلك ، قال ابن التين : قيل : المراد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل له طهورا ، لأن عيسى كان يسيح في الأرض ، ويصلي حيث أدركته الصلاة ، كذا قال . وسبقه إلى ذلك الداودي ، وقيل : إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته ، بخلاف هذه الأمة ، فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته . قال الحافظ : والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن مَنْ قَبْلَه إنما أُبيحت (١) شرح السندي جـ١ ص٢١٠-٢١١. (٢) فتح جـ١ ص٥٢١ . - ٦٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبيع ، والصّوامع ، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: (( وكان مَنْ قَبْلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم)) وهذا نص في موضع النزاع فثبتت الخصوصية ، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث هذا الباب ، وفيه : (( ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يَبْلُغَ مَحْرَابَهُ » (١). ( وطهوراً) بفتح الطاء : أي مُطَهِّرة ، والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصلية فهي كذلك ، وإلا فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك ، والحديث لا ينفي ذلك ، وهو يؤيد القول بأن التيمم يجوز على وجه الأرض كلها ، ولا يختص بالتراب ، ويؤيد أن هذا العموم غير مخصوص، قوله : (( فأينما أدرك الرجلَ الصلاةُ)) فإنه ظاهر سيما في بلاد الحجاز ، فإن غالبها الجبال والحجارة ، فكيف يصح أو يناسب هذا العموم إذا قلنا : إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمم منها إلا في مواضع مخصوصة ، فليتأمل . قاله السندي . وقال الحافظ : استدل به على أن الطَّهُور هو المطهر لغيره ، لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية ، والحديث إنما سيق لإثباتها ، وقد روى ابن المنذر ، وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: (( جُعلت لي كُلُّ أرض طيبة مسجدا وطَهُورا)) ومعنى طيبة طاهرة ، فلو كان معنى (( طهورا)) طاهرا للزم تحصيل الحاصل . واستدل به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا الوصف ، وفيه نظر . قال الجامع : ليس فيه نظرٌ يُعْتَبَرُ ، بل الصواب كونه رافعا ، كما تقدم لنا تحقيقه برقم ٣٢٢/٢٠٣ فتنبه . (١) فتح جـ ١ ص ٥٢١ . ٦٠٣ - ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ قال : واستدل به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض ، وقد أكد في رواية أبي أمامة بقوله: (( وجعلت لي الأرض كلها ، ولأمتي مسجدا وطهورا )) (١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم تحقيق الخلاف في المسألة ، وترجيح قول من قال بجواز التيمم بجميع جنس الأرض برقم ٣٢١/٢٠٢ فراجعه تستفد . (فأينما أدرك الرجلَ من أمتي الصلاةُ يصلي) ((أين )) ظرف مكان مُضَمَّن مَعْنى الشرط يجزم الفعلين و(( ما)) زائدة لتوكيد العموم و((أدرك)) فعل الشرط في محل جزم، وهو العامل في الظرف، و((الرجلَ )) بالنصب مفعول مقدم ، و(( من أمتي » متعلق بحال محذوف ، أي حال كونه من أمتي ، و(( الصلاة)) بالرفع فاعل مؤخر ، و((يصلي )» جواب الشرط ، ورفع لکون فعل الشرط ماضیا ، كما قال ابن مالك : وَبَعْدَ مَاض رَفْعُكَ الجَزَا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَمَنْ والمعنى : إذا أدركت الرجلَ الصلاةُ فليصل في أي مكان كان ، والمراد بعد أن يتيمم ، لأن الحديث سيق لبيان كون الأرض مسجدا وطهورا . ورواية البخاري وغيره: (( فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)) قال الحافظ : وهذه صيغة عموم يدخل تحتها من لم يجد ماء ولا ترابا ووجد شيئا من أجزاء الأرض فإنه يتيمم به ، ولا يقال : هو خاص بالصلاة ، لأنا نقول : لفظ حديث جابر مختصر ، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: (( فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طَهُورا ومسجدًا))، وعند أحمد: (( فعنده طهوره ومسجده )) ، (١) فتح جـ ١ ص ٥٢٢ . شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم - ٦٠٤ وفي رواية عمرو بن شعيب ((فأينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت )). واحتج من خص التيمم بالتراب بحديث حذيفة عند مسلم بلفظ : ((وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها طهورا ، إذا لم نجد الماء))، وهذا خاص فينبغي أن يحمل العامَّ عليه ، فتختص الطهورية بالتراب ، ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدا، دون الآخر على افتراق الحكم ، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقا ، كما في حديث الباب . ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ ((التربة)) على خصوصية التيمم بالتراب ، بأن قال : تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره . وأجيب بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ ((التراب)) أخرجه ابن خزيمة ، وغيره، وفي حديث علي: (( وجعل التراب لي طهورا)) أخرجه أحمد ، والبيهقي بإسناد حسن ، ويقوي القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإظهار التشريف والتخصيص ، فلو كان جائزا بغير التراب لما اقتصر عليه. انتهى كلام الحافظ (١). قال الجامع عفا الله عنه : قد تقدم لنا ترجيح قول من قال بجواز التیمم بجميع ما كان من جنس الأرض ترابا كان أو غيره ، عملا بظاهر النصوص المطلقة، وأما رواية ((تربتها)) أو ((ترابها)) فليس مما يخص به العام ، بل هو من باب ذكر بعض الأفراد تشريفا ، قال القرطبي رحمه الله : ولا يظن أن ذلك مخصص له فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم ، ولم يخرج هذا الخبر شيئا ، وإنما عَيِّن واحدا مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم وصار بمثابة قوله تعالى﴿ فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ [الرحمن: آية ٦٨] وقوله تعالى: ﴿من كان عدوا (١) فتح جـ١ ص٥٢٢ . ٦٠٥ - ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ [البقرة: آية٩٨] فعین بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف. انتهى (١) . والحاصل : أن الراجح جواز التيمم بالتراب وغيره من جنس الأرض مما يصدق عليه اسم الصعيد ، فتبصر ، والله أعلم . ثم ذكر الثالثة بقوله : ( وأعطيتُ الشفاعة ) أي أعطاني الله الشفاعة العظمى في هول الموقف . والشفاعة : هي سؤال فعل الخير ، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، وذكر الأزهري في تهذيبه عن المبرد، وثعلب: أن الشفاعة : الدعاء ، والشفاعة كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره ، وعن أبي الهيثم أنه قال : ﴿من يشفع شفاعة حسنة ﴾ [النساء: آية ٨٥] أي من يزد عملا إلى عمل ، وفي الجامع: الشفاعة الطلب من فعل الشفيع ، وشفعت لفلان إذا كان متوسلا بك ، فشفعت له ، وأنت شافع له ، وشفیع (٢). وقال ابن دقيق العيد رحمه الله : الأقرب أن اللام فيها للعهد ، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف ، ولا خلاف في وقوعها، وكذا جزم النووي، وغيره ، وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يُرَدّ فيما يَسْألُ، وقيل : الشفاعة لخروج مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، لأن شفاعة غيره تقع فيمنْ في قلبه أكثر من ذلك ، قاله عياض . قال الحافظ رحمه الله : والذي يظهر لي أن هذه مرادة مع الأولى، لأنه يُتْبعُها بها ، وقال البيهقي في البعث : يحتمل أن الشفاعة التي يختص بها أنه يشفع لأهل الصغائر والكبائر ، وغيرُهُ إنما يشفع لأهل (١) عمدة القاري ج٤ص١٠ وراجع رقم ٢٠٢/ ٣٢١. (٢) عمدة القاري جـ ٤ ص ١٠ . -٦٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم الصغائر دون الكبائر ، ونقل عياض أن الشفاعة المختصة به شفاعة لا تُرَدُّ. وقد وقع في حديث ابن عباس: (( وأعطيت الشفاعة ، فأخرتها لأمتي ، فهي لمن لا يشرك بالله شيئا)) ، وفي حديث عمرو بن شعيب: («فهي لكم ، ولمن شهد أن لا إله إلا الله ، فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث إخراج من ليس له عمل صالح إلا التوحيد ، وهو مختص أيضا بالشفاعة الأولى ، لكن جاء التنويه بذكر هذه لأنها غاية المطلوب من تلك ، لاقتضائها الراحة المستمرة ، والله أعلم . وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن ، عن أنس كما في صحيح البخاري في كتاب التوحيد (( ثم أرجع إلى ربي في الرابعة ، فأقول : يا رب ائذن فيمن قال : لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأُخْرجَنَّ منها من قال : لا إله إلا الله)» ولا یعکر علی ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله: ((وعزتي)) فيقول: ((ليس ذلك لك، وعزتي)) .. الخ ، لأن المراد أنه لا يباشر الإخراج ، كما في المرات الماضية ، بل كانت شفاعته سببا في ذلك في الجملة ، والله أعلم (١). (ولم يُعط) بالبناء للمفعول، (نبي) بالرفع نائب فاعل ((يُعْطَ)) (قبلي) ظرف لـ((يعط))، أو متعلق بواجب الحذف صفة لنبي ، أي لم يعط الله سبحانه هذه الشفاعة لأحد من الأنبياء قبلي ، وإنما كرر هذه الجملة مع الشفاعة ، وإن كانت داخلة في قوله: ((لم يعطهن أحد قبلي )) تنويها بعظم شأن الشفاعة وشرفها لكونها عامة في جميع الخلق سواء كان من أمته ، أو من غيرهم ، بخلاف الخصال الأخرى ، فإنها خاصة بأمته ، والله أعلم . ثم ذكر الرابعة بقوله : ( وبعثت إلى الناس) بالبناء للمفعول أيضا ، يقال: بَعَثْتُ رسولا بَعْثًا - من باب نَفَعَ - أوْصَلْتُهُ، وابتعثته ، كذلك، (١) فتح جـ١ ص٥٢٣ . - ٦٠٧ - ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ وفي المُطّاوع: فانبعث ، مثل كَسَرْتُهُ ، فانكَسَرَ ، وكل شيءٍ يَنْبَعثُ بنفسه فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بَعَثْتُهُ، وكل شيء لا ينبعث بنفسه كالكتاب ، والهدية ، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء ، فيقال : بعثت به ، وأوْجَزَ الفارابي ، فقال: بَعَثَهُ ، أي أهَبَّهُ ، وبَعَثَ به وجَّهَهُ ، أفاده في المصباح (١) . أي أرسلني الله تعالى إلى جميع الناس: العرب، والعجم، والأحمر ، والأسود ، ولذا أكده بقوله ( كافة) أي جميعا . قال ابن منظور حمه الله : والكافة : الجماعة ، وقيل : الجماعة من الناس ، يقال: لقيتهم كافَّةً ، أي كلهم، ومعنى (( كافة )) في اشتقاق اللغة: ما يكُفُّ الشيءَ في آخره، من ذلك كُفَّةُ القميص ، وهي حاشيته وكل مستطيل فَحَرْفُهُ كُفَّةٌ -بالضم - وكل مستديركِفَة -بالكسر - نحو كِفَّة الميزان (٢). وقال الفيومي رحمه الله : وجاء الناس كافة ، قيل : منصوب على الحال نصبا لازما ، لا يستعمل إلا كذلك ، وعليه قوله تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: آية ٢٨] أي إلا للناس جميعا، وقال الفَرَّاء في كتاب معاني القرآن : نُصبَتْ لأنها في مذهب المصدر ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها آخرٌ لكلام مع معنى المصدر ، وهي في مذهب قولك : قاموا معًا، وقاموا جميعا ، فلا يدخلون الألف واللام على ((معا))، (( وجميعا)) إذا كانت بمعناها أيضا، وقال الأزهري أيضا : كافة منصوب على الحال ، وهو مصدر على فاعلة ، كالعافية ، والعاقبة ولا يجمع كما لو قلت : قاتلوا المشركين عامة ، أو خاصة ، لا يُثَنَّى ذلك، ولا يجمع انتهى كلام الفيومي (٣). (١) المصباح ص٢١ . (٢) لسان باختصار جـ٥ ص٣٩٠٤ . (٣) المصباح جـ٢ ص٥٣٦ . - ٦٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم ( وكان النبي) من الأنبياء السابقين ( يبعث إلى قومه خاصة) وهذا يشمل نوحا عليه الصلاة والسلام فقد قال تعالى : ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ [نوح: آية١] وآدم ، نعم قد اتفق في وقت آدم أنه ما كان على وجه الأرض غير أولاده ، فعمت نبوته لأهل الأرض اتفاقا ، وكذا اتفق مثله في نوح بعد الطوفان حيث لم يبق إلا من كان معه في السفينة ، وهذا لا يؤدي إلى العموم ، وأما دعاء نوح على أهل الأرض كلها ، وإهلاكهم فلا يتوقف على عموم الدعوة ، بل يكفي فيه عموم بلوغ الدعوة ، وقد بلغت دعوته الكلّ لطول مدته، كيف والإيمان بالنبي بعد بلوغ الدعوة ، وثبوت النبوة واجب ، سواء كان مبعوثا إليهم ، أم لا ، كإيماننا بالأنبياء السابقين ، مع عدم بعثتهم إلينا ، وفرق بين المقامين ، والله أعلم ، قاله السندي رحمه الله (١) . تنبيه : قد سقطت من هذه الرواية الخصلة الخامسة ، وهي ثابتة في الصحيحين، وهي ((وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لأحد من قبلي)) ولعلها سقطت سهوا من المصنف ، أو أحد الرواة عنه ، أو من شيخه الحسن لأن هشيمًا ، ومن فوقه ذكروها ، كما في رواية الصحيحين . وليس قوله: (( وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) خصلتين بل هما خصلة واحدة لتعلقهما بالأرض فتنبه . وقوله : (وأحلت لي الغنائم)، وفي رواية ((المغانم)) قال الخطابي رحمه الله : كان من تقدم على ضربين : منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم ، ومنهم من أذن له فيه ، لكن كانوا إذا غَنَمُوا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه ، وجاءت نار فأحرقته . وقيل : المراد أنه خص بالتصرف في الغنيمة يصرفها كيف يشاء ، والأول أصوب ، وهو أن مَن مَضى لم تحل لهم الغنائم أصلا ، قاله في الفتح (٢) . وبالله التوفيق ، وعليه التكلان. (١) شرح السندي جـ١ ص ٢١١-٢١٢. (٢) فتح جـ١ ص٥٢٢ . ٦٠٩ - ٢٦ - باب التيمم بالصعيد -حديث رقم ٤٣٢ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث جابر رضي الله عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكره من الكتاب : أخرجه المصنف هنا ٢٦/ ٤٣٢ وفي الصلاة أيضا ببعضه برقم ٧٣٦/٤٢ (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدرك رجل الصلاة صلى )) . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه (خ م) فأخرجه (خ) في الطهارة ، وفي الصلاة ، وفي الخمس عن محمد بن سنان ، وفي الطهارة عن سعيد بن النضر . وأخرجه (م) في الصلاة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلهم عن هشيم ، عن سَيَّار أبي الحَكَم ، عن يزيد الفَقير ، عن جابر رضي الله عنه (١) . المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما ترجم به المصنف ، وهو مشروعية التيمم بالصعيد ، وقد تقدم المعنى المختار للصعيد وذكرُ مذاهب العلماء فيه في ٢٠٢/ ٣٢١ . ومنها : مشروعية تعديد النعم تَحَدَّثًا بها ، وإظهارالها ، لا فخرا وخُيَلاء ، امتثالا لقوله تعالى : ﴿وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ [الضحى: آية ١١] . ومنها : إلقاء العلم قبل السؤال . ومنها : أن الأصل في الأرض الطهارة . (١) تحفة الأشراف جـ٢ ص٣٨٩. - ٦١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم ومنها : أن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك ، وأما حديث (( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) فضعيف أخرجه الدار قطني من حديث جابر . ومنها : ما استدل به صاحب المبسوط من الحنفية على إظهار كرامة الآدمي ، وقال : لأن الآدمي خُلق من ماء وتراب ، وقد ثبت أن كلا منهما طهور ففي ذلك بیان کرامته (١) . ومنها : ما قاله ابن بطال : فيه دليل أن الحجة تلزم بالخبر ، كما تلزم بالمشاهدة ، وذلك أن المعجزة باقية مساعدةٌ للخبر ، مبينةٌ له ، دافعة لما يخشى من آفات الأخبار ، وهي القرآن الباقي ، وخص الله سبحانه وتعالى نبيه عليه ببقاء معجزته لبقاء دعوته ، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان . ومنها : ما خصه به الله سبحانه من الشفاعة ، وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شُفْع فيه ((قُلْ تَسْمَعْ ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ )). ومنها : إباحة الغنائم له، لأمته عَ﴾(٢). المسألة الخامسة : قد تقدم أن ذكر الخَمْس ليس للحصر ، بل أخبر به على حسب ما أطْلَعَهُ الله تعالى عليه ، وإلا فقد ثبت في حديث أبي هريرة مرفوعا عند مسلم: ((فُضِّلْتُ على الأنبياء بست .. )) فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة ، وزاد خصلتين ، وهما : ((وأُعْطيتُ جوامع الكلم ، وختم بي النبيون)) قال الحافظ رحمه الله : فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال ، ولمسلم أيضا من حديث حذيفة : (( فضلنا على الناس بثلاث خصال : جعلت صفوفنا كصفوف (١) فتح جـ٢ ص ٥٢٤ . (٢) عمدة القاري جـ٤ ص ١٠ . ٦١١ - ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ الملائكة )) وذكر خصلة الأرض كما تقدم ، وذكر خصلة أخرى ، وهذه الخصلة المبهمة بَيْنَها ابن خزيمة، والنسائي، وهي: ((وأُعْطيتُ هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش)) يشير إلى ما حَطَّه الله تعالى عن أمته من الإصر ، وتحميل ما لا طاقة لهم به ، ورفع الخطأ والنسيان ، فصارت الخصال تسعا . ولأحمد من حديث علي: (أُعْطيتُ أربعا لم يعطهن أحد من الأنبياء : أُعْطيتُ مفاتيح الأرض ، وسُمِيتُ أحمدَ ، وجُعلت أمتي خيرَ الأمم )) وذكر خصلة التراب ، فصارت الخصال اثنتى عشرة خصلة ، وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه : (( فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: غُفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم ، وأعطيت الكوثر ، وإن صاحبكم لَصَاحبُ لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه )) وذكر ثنتين مما تقدم . وله من حديث ابن عباس رفعه: (( فُضِّلتُ على الأنبياء بخصلتين : كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه، فأسْلَمَ، قال: ونسيت الأخرى)). قال الحافظ رحمه الله : فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة ، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع ، وقد تقدم طريق الجمع بين هذه الروايات ، وأنه لا تعارض فيها . وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن عدد الذي اختص به نبيناء عن الأنبياء ستون خصلة. انتهى كلام الحافظ (١). قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله : بعد نقل كلام الحافظ ما نصه : وقد دعاني ذلك لمّا ألفت التعليق الذي على البخاري في سنة بضع وسبعين وثمانمائة إلى تتبعها ، فوجدت في ذلك شيئا كثيراً في الأحاديث والآثار ، وكتب التفسير ، وشروح الحديث ، والفقه (١) فتح جـ١ ص٥٢٣ -٥٢٤ . شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم - ٦١٢ والأصول ، والتصوف، فأفردتها في مُؤَلَّف سميته ((أنموذج اللبيب ، في خصائص الحبيب)) وقسمتها قسمين : ما خص به عن الأنبياء ، وما خص به عن الأمة ، وزادت عدة القسمين على ألف خصيصة ، وسار المُؤَلَّفُ المذكور إلى أقصى المغارب والمشارق ، واستفاد كل عالم وفاضل، وسَرَقَ منه كل مُدَّع وسارق . اهـ (١) . قال الجامع عفا الله عنه: وقد عقد الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة المسماة (( نظم الدرر البهية ، في سيرة خير البرية )) بابًا في ذكر القسمين فقال: «باب في ذكر خصائصه الوتْرِ والسِّوَاكِ وَالأضْحيَّةِ خُصَّ النَّبِيِّ بوُجُوب عدَّةٍ عَلَى العَدُوِّ وَكَذَا الْمُشَاوَرَهْ حكَاهُ عَنْهُ البَيْهَقيْ في المَعْرفَهْ كَذَا الضَّحَى لَوْ صَحَّ(٢) وَالْمُصَابَرَهْ وَالشَّافعيْ عَنِ الوُجُوب صَرَفَهْ كَذَا التَّهَجُّدُ ولكنْ خُفِّفَا نَسْخًا وَقيلَ الوتْرُذَا وَضُعِّفَا يَتْرُكْ وَفَا وَقِيلَ : بَلْ هَذَا كَرَمْ كَذَا قَضَاءُ دَيْن مَنْ مَاتَ وَلَمْ كَذَاكَ تَخْييرُ النِّسَاء اللاتِي مَمَّا أبيحَ لسوَاهُ حُرِّمَا قَدْ مُتِّعَ النَّاسُ به منْ زَهْرَةِ الْأَعْيُنِ أُعْدُدْهُ وَنَزْعُهُ لماَ حَتَّى يُلاقيَ العدَا فَيَنْزِعَا مَعْهُ وَأَمَّا فِي الْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْه فَهْوَ مَدُّ عَيْنَيْهِاَ دُنْيَاهُمُ كَذَكَ مِنْ خَائِنَةٍ لِبِسَ مِنْ لَأْمَةِ حَرْنٍ حُرِّمَا صَدَقَّةٌ فَأُمْنَعْ وَلَوْ تَطَوُّعًا ثُوْمٌ وَنَحْوُهُ وَأَكْلٌ يَقَعُ والشِّعْرَ وَالخَطّ وَقيلَ: يُمْنَعُ (١) زهر الربى في شرح المجتبى جـ ١ ص ٢١٠ . (٢) أي لو صح الحديث ، ولكن لم يصح ، كما قال البلقيني . ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ مَعَ اتِّكَاءٍ والنِّكَاحُ للأمَهْ كَذَاكَ إِمْسَاكُ التي قَدْ كَرِهَتْ وَقَدْ أَبَاحَ رَبُّهُ الوصَالاَ بِمَكَّة كَذَا بلا إحْرَامِ مُضْطجعًا نَقْضُ وُضُوئه حَصَلْ مِنْ قَبْلِ قِسْمَة كَذَاكَ يَقْضِي كَذَا الشَّهَادَةُ كَذَاكَ يَقْبَلُ في حُكْمهِ بعلْمِهِ لِلْعصْمَةِ كَذَالَهُ أنْ يَحْميَ الَوَاتَا وَغَيْرَهَا مِنَ الطَّعَامِ مَهْمَا مِنْ مَالك وَإِنْ يَكُنْ مُحْتَاجًا وَالْخُلْفُ في النَّقْضِ بَلَمْسِ المَرْآةِ وَجَائِزٌ نِكَاحُهُ لتَسْعَةِ فَإِنْ فَلاَ بالعَقْد حَتْمُ مَهْرهِ كَذَا بلا وَلَيٍّ أوْ شُهُودِ آَوْ وَمَنْ يَرُمُ نكَاحَهَا لَزِمَهَا وَمَنْ لَهْا زَوْجٌ فَحَقًا وَجَبَا ٦١٣ - مَعَ الكِتَابَيَّةِ غَيْرِ الْمُسْلمَه نكَاحَهُ وَالْخُلْفُ فِي هَذَا ثَبَتْ لَهُ وَفِي سَاعَة القتَالاً دُخُولُهَا وَلَيْسَ بالمَنَامِ كَذَا اصْطَفَاءُ مَالَهُ اللهُ أحَلّ لنَفْسه وَوُلْده فَيَمْضِي مَنْ شَهِدُوا لَهُ كَذَكَ يَفْصِلُ وَاخْتَلَفُوا في غَيْره للرِّيْبَقِ لنَفْسهِ وَيَأْخُذَ الأقْوَتَا احْتَاجَ وَالبَذْلَ فَأَوْجِبْ حَتْمَا لَكنَّهُ لِفِعْلِ هَذَاَ مَا جَا وَالْكْثُ في المَسْجِدِ مَعْ جَنَابَةٍ وَفَوْقَهَا وَعَقْدُهُ بِالهِبَةِ وَلا الدُّخُولِ بخلافٍ غَيْرِهِ فِي حَال إحْرَام بخُلْف قَدْ حكَوْا إِجَابَةٌ وَحَرُمَتْ خِطْبَتُهَا طَلَاقُهَا كَمَا جَرَى لزَيْنَبَا(١) (١) وقد أنكر السبكي رحمه الله، هذا وقال: هو من منكر القول، ولم يكن ﴾ تعجبه امرأة أحد من الناس ، وقصة زينب إنما جعلها الله كما في سورة الأحزاب قطعا لقول الناس : إن زيدا ابن محمد ، وإبطالا للتبني ، قال : وبالجملة فهذا من منكرات كلامهم في الخصائص ، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع اقتحموا فيها عظائم ، لقد كانوا في غنية عنها . اهـ من هامش شرح الألفية ص١٣٩ . - ٦١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم وَفِي وُجُوبِ قَسْمهِ بَيْنَ الإمَا زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ نكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّه لانَظَرٌ وَخَلْوَةٌ بِهِنَّهْ مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَوْ قَدْ فُورقَتْ وَهُنَّ أَفْضَلُ نسَاءِ الأمَّةِ أفْضَلُهُنَّ مُطْلَقًا خَديجَةُ وَأَنَّهُ خَاتَمُ الأنْبيَاءِ أَمَّتُهُ في النَّاسِ أَفْضَلُ الأمَمْ أصْحَابُهُ خَيْرُ القُرُونِ في الَلاَ شِرْعَتُهُ قَدْ أَبْدَتْ وَنَسَخَتْ وَالأرْضُ مَسْجِدٌلَهُ طَهُورُ سَيِّدُ أوْلاد أبينَا آدَمَا أرْسلَ للنَّاسِ جَمِيعًا أَعْطَيَا وَبَيْنَ زَوْجَاتٍ لَهُ خُلْفٌ نَمَا هُنَّ لِذِي الإِيمَانِ أُمَّهَاتُ مَعَ الوُجُوب ◌ِأُخْترامِهِنَّهُ(١) وَلَا بتَحْرِيمِ بَنَاتِهِنَّهُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ تَكُونُ سَبَقَتْ ضُعِّفْنَ في الأجْرِ وَفِي العُقُوبَةِ وَبَعْدَهَا عَائشَةُ الصِّدِّيقَةُ خَيْرُ الْخَلائقِ بلا امْترَاءِ مَعْصُومَةٌ مِنَ الضَّلَالِ بِعِصَمْ كتَابُهُ المحْفُوظُ أنْ يُبَدَّلاً كُلَّ الشَّرائع التي قَبْلُ خَلَتْ وَالرُّعْبُ شَهْرًا نَصْرَهُ يَسِيرُ قَدْ حَلَّلَ اللَّهُ لَهُ الغَنَائِمَا مَقَامَهُ الَحْمُودَ حَتَّى رَضِيَا وَخصَّ بِالشَّفَاعَةِ العُظْمَى الَّتِي يُحْجِمُ عَنْهَا كُلُّ مَنْ لَهَا أُتِ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ بَلْ غَمْضُ أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّقِ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَقُدَّاءٍ مَعَا قَرِينُهُ أُسْلَمَ فَهُوَقَدْسِلِمْ أوَّلُ مَنْ تَخْشَقُ عَنْهُ الأرْضُ أوَّلُ مَنْ يَقُومُ لِلشَّفَاعَةِ أكْثَرُ الأنْبِيَاءِ حَقًا تَبَعَا آَتَاهُ رَبُّهُ جَوَمعَ الكَلِمْ (١) والهاء في المواضع الأربعة للسكت . ٢٦ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٤٣٢ صَفُوفُهُ وَالأَمَّةِ المُبَارَكَهْ وَلَا يَحِلُّ الرَّفْعُ فَوْقَ صَوْتِهِ خُوطِبَ في الصَّلاةِ بِالسَّلامِ وَمَنْ دَعَاهُ فِي الصَّلاة وَجَبَتْ وَبَوْلُهُ وَدَمُهُ إِذْ أُتِّيَا يَقْبَلُ مَا يُهْدَى لَهُ فَحِلَّ فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَمَا لَنَا دَوَامُ ذَابَلْ يَمْتَنِعْ وَنَسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَنْ يَكُونُ لِلشَّيْطَانِ مِنْ تَمَثَّلِ وَكَذِبٌ عَلَيْهِلَيْسَ كَكَذِبْ ٦١٥ - كَصَفِ عنْدَ رَبِّهَا المَلائِكَهُ وَلَا يُنَادَى باسْمِهِ بَلْ نَعْتِهِ عَلَيْكَ دُونَ سَائر الآنَامِ إِجَابَةٌ لَهُ وَفَرْضُهُ ثَبَتْ تَبَرُّكّا منْ شَارِبٍ مَا نُهِبَا دُونَ الوُلاةِ فَهْوَ لا يَحِلُّ صَلاهُمَا وَدَامَ بَعْدَ العَصْرِ وَمَا سوَى سَبَبِهِ فَمُنْقَطِعْ رَآهُ نَوْمًا فَهْوَ قَدْرَآهُ لَنْ بصُورَةَ النَّبِيِّ أوْ تَخَيُّلِ عَلَى سِوَاهُ فَهْوَ أَكْبَرُ الْكَذِبْ(١) (١) الألفية بنسخة الشرح ص ١٣٣ - ١٥٠. - ٦١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم ٢٧ - بَابُ التَّيَمْمِ لَنْ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلاة هكذا النسخ (( لمن يجدُ الماء)) والمعنی علیه واضح أي : باب جواز التيمم لمن يجدُ الماء بعد الصلاة بالتيمم ، والمراد بذلك أن من يرجو وجود الماء بعد الصلاة بالتيمم ولو في آخر الوقت لا يجب عليه أن يؤخر الصلاة لذلك ، بل يصلي في أول الوقت بالتيمم لكونه فاقدًا للماء ، مع أن الشارع أمره بالمبادرة لأداء الصلاة في أول وقتها . وأشار في النسخة الهندية إلى أن هناك نسخة أخرى ((باب التيمم لمن لم يجد الماء » الخ ، وعلى هذه النسخة ، يكون المعنى عكس الأول ، أي أن التيمم جائز لمن لا يجد الماء بعد الصلاة ، وأما لمن يجده فلا ، والظاهر أن النسخة الأولى هي الأوْلَى ، لموافقتها لحديث الباب، والحاصل أن المسألة فيها اختلاف بين أهل العلم كما سنحققه، ونبينه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. ٤٣٣ - أخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِ ابْنُ نَافِعٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ عَطَاء ابْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ،: أنَّ رَجُلَيْنِ تَيَمَّمَا، وَصَلًَّا، ثُمَّ وَجَدَا مَاءَ فِي الوَقْتِ ، فَتَوَضَّأُ أَحَدُهُمَا وَعَادَ لصَلاَتِهِ مَا ٠٠ كَانَ فِي الوَقْتِ ، وَلَمْ يُعْدِ الآخَرُ، فَسَأَلاَ النَّبِّ ◌َُّ ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: ((أصَبْتَ السُّنَّةَ، وأجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ)) وقَالَ للآخَرَ : ((أمَّا أنْتَ فَلَكَ مِثْلُ سَهْمٍ جَمْعٍ)). ٦١٧ - ٢٧ - باب التيمم لمن يجد الماء بعد الصلاة - حديث رقم ٤٣٣ رجال الإسناد : ستة ١- ( مسلم بن عمرو بن مسلم) بن وهب الحَذَّاء أبو عمرو المدني صدوق-١١ - روى عن عبد الله بن نافع الصائغ . وعنه الترمذي ، والنسائي ، وأبو بكر بن صدقة البغدادي ، وعامر بن محمد القِرْمطيّ (١) ومحمد بن أحمد بن نصر الترمذي ، ومحمد بن أحمد ابن أبي خيثمة، ويحيى بن الحسن النَسَّابَةُ، ويحيى بن محمد بن صاعدة. قال النسائي : صدوق ، وكذا قال مسلمة ، وأخرج ابن خزيمة عنه في صحيحه (٢) . ٢- ( ابن نافع) هو عبد الله بن نافع الصائغ المخزومي ، مولاهم، أبو محمد المدني ، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين من كبار [١٠] تقدم في ١٢٠/٩٦. ٣- (الليث بن سعد) الإمام الحجة الثبت الفقيه المصري من [٧] تقدم في ٣٥/٣٢ . ٤- (بكر بن سوادة) بن ثُمامة الجُذامي ، أبو ثمامة المصري ، ثقة فقيه من [٣] تقدم في ١٢٢ / ١٧٣ . ٥ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني ، مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة من صغار [٣] تقدم في ٦٤ / ٨٠ . ٦ - ( أبو سعيد) الخدري سعد بن مالك الأنصاري المدني الصحابي الجليل رضي الله عنه تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢ . (١) بكسر فسكون: نسبة إلى المذهب المذموم الذي نسب إلى رجل من سواد الكوفة يقال له : قرمط وقيل : حمدان بن قرمط . اهـ لباب جـ ٣ ص٢٨ . (٢) تت جـ١٠ ص١٣٣ - ١٣٤ . - ٦١٨ . شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسياته ، وأن رواته ثقات غير شيخه ، فصدوق . ومنها : أنهم مدنیون إلا اللیث وبكرا فمصريان . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي . ومنها : أن صحابيه أحد المكثرين السبعة ، روى ١١٧٠ حديث . ومنها : أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة . شرح الحديث (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه (أن رجلين) لم يسميا (تيمما ، وصليا) وعند أبي داود ((عن أبي سعيد الخدري قال : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس معهما ماء ، فتيمما صعيدا طيبا ، فصليا .. )) (ثم) بعد صلاتهما بالتيمم (وجدا ماء) كافيا للوضوء (في الوقت) فيه ردّ على من تأول الحديث بأنهما وجدا الماء بعد الوقت (١) ( فتوضأ أحدهما ، وعاد لصلاته) أي رجع لأداء صلاته بالطهارة الكاملة إمَّا ظنًا بأن الأَولى باطلة، وإما احتياطا . (وعاد) ثلاثي من العَوْدَة، يقال: عاد إلى كذا، وعادَ له أيضا ، يَعُودُ، عَوْدَةٌ، وعَوْدًا: صار إليه، وفي التنزيل: ﴿ولو رُدُّوا لعَادوا لما نُهُوا عنه﴾ (٢) [الأنعام: آية ٢٨]، ولأبي داود: ((فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء)) . (ما كان في الوقت) (( ما)) مصدرية ظرفية ، أي ما دام الرجل ثابتا في الوقت ، وهو ظرف لعاد ، يعني أنه عاد للصلاة مرة أخرى في نفس الوقت (ولم يُعِد الآخر) يحتمل أن يكون من العودة ثلاثيا ، وهو المناسب للأول ، وأن يكون من الإعادة ، أي لم يَعُدْ إلى الصلاة مرة (١) المنهل جـ ٣ ص ١٩٥. (٢) المصباح جـ٢ ص٤٣٦ . ٦١٩ - ٢٧ - باب التيمم لمن يجد الماء بعد الصلاة - حديث رقم ٤٣٣ أخرى ، أو لم يُعد الصلاةَ مرة ثانية ، لاعتقاده أن تلك الصلاة صحيحة (فسألا النبي #) عن حكم ما فعلاه (فقال) ﴾ ( للذي لم يُعدْ: أصبت السنة) أي صادفت الشريعة الواجبة الثابتة بالكتاب والسنة ، وفي هذا تصويب لاجتهاده ، وتخطئة لاجتهاد الآخر ، وفيه أن الخطأ في الاجتهاد الْمُسْتَوفي للشروط لا ينافي الأجر على العمل المبني عليه ، والظاهر ثبوت الأجر له ، ولمن قَلَّدَهُ على وجه يصح . قاله السندي . ( وأجزأتك الصلاة ) ومعنى أجزأتك : أي كفتك عن القضاء ، والإجزاء عبارة عن كون الفعل مسقطا للإعادة قاله في النيل (وقال للآخر) الذي عاد للصلاة مرة ثانية (أما أنت فلك مثلُ سَهْم جَمْع) بإضافة ((سهم) إلى ((جمع))، من إضافة الموصوف إلى الصفة بقلة ، أي سهم مَجْمُوع فيه أجران ، وقال في النهاية : أي له سهم من الخير جُمع فيه حظان ، والجيم مفتوحة ، وقيل : أراد بالجمع الجيش ، أي سهم من الغنيمة ، وقال غيره : سئل ابن وهب ما تفسر ((جَمْع))؟ قال : يعني أن له أجر الصلاة مرتين ، ولم يُرد جمع الناس بالمزدلفة ، ويؤيد هذا التفسير ما رُوي عن المنذر بن الزبير أنه قال في قصة له : (أن لفاطمة ابنتي بغلتي الشهباء ، وعشرة آلاف درهم، ولابني محمد سهمٌ جَمْع)). فقال : نصيب رجلين . انتهى زهر الربى جـ١ ص ٢١٤ . وعند أبي داود: ((لك الأجر مرتين)) يعنى مرة لصلاته الأولى ، ومرة لصلاته الثانية ، فإن كلا منهما صحيحة يترتب عليها مثوبة ، وإن كانت إحداهما فرضا والأخرى نفلا ، لقوله سبحانه : ﴿ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ [الكهف: آية ٣٠]. وفيه بيان أن العمل بالأحوط أفضل ، قال الخطابي رحمه الله : في هذا الحديث من الفقه أن السنة تعجيل الصلاة للمتيمم في أول وقتها ، كما هو للمتطهر بالماء . بـ ٦٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الغسل والتيمم وقد اختلف أهل العلم في جواز التيمم في أول الوقت ، وفيمن تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت هل يعيد أم لا؟ وسيأتي قريبا في المسائل تحرير الخلاف في المسألتين إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي سعيد صحيح . المسألة الثانية : في بيان موضع ذكره في الكتاب : ذكره المصنف هنا فقط . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه (د) في الطهارة عن محمد بن إسحاق المُسَيِّبي ، عن عبد الله ابن نافع ، عن الليث به ، وعن القعنبي ، عن ابن لَهيعَة ، عن بكر بن سوادة ، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد ، عن عطاء ، فذكره، ولم یذکر أبا سعيد ، وزاد أبا عبد الله . المسألة الرابعة : أنه قد اختلف في وصل هذا الحديث ، وإرساله ، والصحيح كونه موصولا : قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر الحديث بلفظ أبي داود ما حاصله: رواه أبو داود ، والدارمي ، والحاكم ، من حديث أبي سعيد الخدري ، ورواه النسائي مسندا ومرسلا ، ورواه الدار قطني موصولا ، ثم قال : تفرد به عبد الله بن نافع ، عن الليث ، عن بكر بن سوادة ، عن عطاء ، عنه موصولا ، وخالفه ابن المبارك فأرسله ، وكذا قال الطبراني في الأوسط : لم يروه متصلا إلا عبد الله بن نافع ، تفرد به المسيبي عنه ، وقال موسى بن هارون : فيما حكاه محمد بن عبد الملك بن أيمن عنه :