النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١ -
٢٠٣ - باب الصلوات بتيمم واحد - حديث رقم ٣٢٢
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة من كبار [٧] تقدم في
٣٧/٣٣ .
٤- ( أيوب ) بن أبي تميمة السختياني البصري الحجة الثبت من [٥]
تقدم في ٤٢ /٤٨ .
٥- ( أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو ، ويقال : عامر بن نابل بن
مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد ، الجرمي البصري ، أحد الأعلام ثقة
فاضل كثير الإرسال ، قال العجلي : فیه نصب يسير - ٣ - .
روى عن ثابت بن الضحاك الأنصاري ، وسُمُرَة بن جُندب ، وأبي
زيد عمرو بن أخطب ، وعمرو بن سلمة الجرمي ، ومالك بن الحويرث
وزينب بنت أم سلمة ، وأنس بن مالك ، وغيرهم .
وعنه أيوب وخالد الحَذَّاء ، وأبو رجاء سلمان مولى أبي قلابة ،
ويحيى بن أبي كثير ، وأشعث بن عبد الرحمن الجرمي ، وغيرهم .
وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة ، وقال : كان ثقة
كثير الحديث ، وثقه العجلي ، وقال عمر بن عبد العزيز : لن تزالوا بخير
يا أهل الشام ما دام فيكم هذا ، يعني أبا قلابة ، وأرادوه للقضاء فهرب
إلى الشام، مات سنة ١٠١، وقيل: ١٠٧، أو ١٠٦، أخرج له الجماعة.
٦ - ( عَمْرو بن بُجْدان) العامري حديثه في البصريين .
روى عن أبي ذر الغفاري ، وأبي زيد الأنصاري .
وعنه أبو قلابة .
قال ابن المديني : لم يرو عنه غيره ، وذكره ابن حبان في الثقات ،
قال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : عمرو بن بجدان معروف ؟ قال :
لا ، وقال القطان : لا يعرف ، وقال الذهبي في الميزان : مجهول الحال

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٨٢
-
أخرج له الأربعة .
وفي التقريب : تفرد عنه أبو قلابة من الثانية لا يعرف حاله ، لكن في
التلخيص : وثقه العجلي ، وقد غفل ابن القطان ، فقال : إنه مجهول .
اهـ جـ ١ ص١٥٤ .
٧- (أبو ذر) جُندب بن جُنادة بن قيس بن عمرو بن هليل بن صريم
ابن حرام بن غفار ، وقيل : اسمه بُرير بن جنادة ، وقيل : ابن جندب بن
عبد الله ، وقيل : ابن السكن ، وكان أخا عَمْرو بن عَبَسَة لأمه .
روى عن النبي ◌َّ
وعنه أنس بن مالك ، وابن عباس ، وخالد بن وهبان .
وروي مرفوعًا: ((ما أظَلَّت الخضْراء، ولا أقَلَّت الغبراء أصدق
لهجة من أبي ذر » ، حسنه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص (١)، وعن علي: «أبو ذر وعاء مُلىَ علمًا، وأوكي عليه فلم
يخرج منه شيء)) ، وذكر الآجري عن أبي داود : أنه لم يشهد بدرا ،
ولكنّ عمر ألحقه بهم ، يعني في العطاء . وكان يوازي ابن مسعود في
العلم. روى ٢٨١ حديثا، اتفق (خ م) على ١٢، وانفرد (خ)
بحديثين، و(م) ١٩ حديثا مات بالرََّذَة سنة ٣٢، وصَلَّى عليه ابن
مسعود ، ومات بعده بيسير . أخرج له الجماعة .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات غير مَخْلد ، فصدوق
له أوهام ، وعمرو بن بُجْدان ، فمختلف فيه .
ومنها : أن شيخه هذا أولُ محلّ ذُكر فيه ، وكذا مخلد بن یزید ، وأبو
قلابة ، وعَمْرو بن بُجْدان ، وأبو ذر رضي الله عنه .
(١) صححه الشيخ الألباني. انظر صحيح الترمذي جـ ٣ ص ٢٢٩ .

-٢٨٣ -
٢٠٣ - باب الصلوات بتيمم واحد - حديث رقم ٣٢٢
شرح الحديث
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري رضي الله عنه ( قال: قال
رسول الله=&) هذا طرف من حديث طويل ساقه أبو داود في سننه بسنده
عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: ((اجتمعت غُنَيمَة عند رسول الله عَ﴾))،
وفي رواية ((غنيمة من الصدقة))، فقال: (( يا أبا ذر ابدُ فيها ، فبدوت
إلى الرَّبَذة ، فكانت تصيبني الجنابة ، فأمكث الخمس والسّتّ ، فأتيت
النبي ◌َّ، فقال: أبو ذر، فسكتُّ، فقال: ثَكِلَتك أمُّك يا أبا ذر ،
لأمِّك الويلُ )) فدعا لي بجارية سوداء ، فجاءت بعُسُّ فيه ماء ، فسترتني
بثوب ، واستترتُ بالراحلة ، واغتسلت ، فكأني ألقيت عَنِّي جبلا ،
فقال: ((الصعيد الطيب وَضُوء المسلم ولو إلى عشر سنين ، فإذا وجدت
الماء فأمسه جلدك ، فإن ذلك خير لك )) .
(الصعید) مبتدأ ، تقدم اختلاف العلماء في معناه ، في أول الباب
السابق ٢٠٢ (الطيب) أي الطاهر ، المطهر (وَضوء المسلم) بفتح الواو
لأن التراب بمنزلة الماء في صحة التطهر به ، وقيل : بضم الواو ، أي
استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوُضُوء المسلم ، فهو تشبيه
بليغ، وعلى كل فيه أن التيمم رافع للحدث ، لا مبيح فقط ، خلافا لمن
قال بذلك ، وعليه فيصلي به ما يشاء من فرض ونفل ، وسيأتي بيان
اختلاف أهل العلم في ذلك ، مع الترجيح في المسائل الآتية إن شاء
الله تعالى .
( وإن لم يجد الماء عشر سنين) يعني إلى مدة طويلة ، فالمراد منه
التكثير لا التحديد ، ومعناه أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى ، وإن بلغت
مدة عدم الماء عشر سنين ، وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة تكفيه لعشر
سنين .
وفيه دليل على أن خروج الوقت لا ينقض التيمم ، وأن التيمم جائز
قبل دخول الوقت .

- ٢٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى : في درجته : حديث أبي ذرّ رضي الله عنه صحيح .
قال الحافظ في التلخيص ما نصه : واختلف فيه على أبي قلابة ،
فقيل : هكذا - یعني عن عمرو بن بُجْدان - وقيل : عنه عن رجل من
بني عامر ، وهذه رواية أيوب عنه ، وليس فيها مخالفة لرواية خالد ،
وقيل عن أيوب عنه عن أبي المُلِّب ، عن أبي ذر ، وقيل عنه بإسقاط
الواسطة ، وقيل في الواسطة مِحْجَن أو ابن محجن ، أو رجاء بن عامر ،
أو رجل من بني عامر ، وكلها عند الدار قطني ، والاختلاف فیه كله على
أيوب ، ورواه ابن حبان والحاكم من طريق خالد الحذاء ، وصححه أيضا
أبو حاتم ، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان ، وقد وثقه العجلي،
وغفل ابن القطان ، فقال : إنه مجهول ، وفي الباب عن أبي هريرة رواه
البزار ، قال : حدثنا مقدم بن محمد ، ثنا عمي القاسم بن يحيى ، ثنا
هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، رفعه :
((الصعيد وَضُوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليتق
الله وليُمسه بشرته فإن ذلك له خير)) ، وقال : لا نعلمه عن أبي هريرة إلا
من هذا الوجه ، ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه مطولا ،
أخرجه في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة ، وساق فيه قصة أبي ذر ،
وقال : لم يروه إلا هشام ، عن ابن سيرين ، ولا عن هشام إلا القاسم ،
تفرد به مقدم ، وصححه ابن القطان ، لكن قال الدار قطني في العلل :
إن إرساله أصح . اهـ كلام الحافظ رحمه الله (١) .
قال الجامع عفا الله عنه : الحاصل أن الحديث صحيح ، وممن صححه
الترمذي ، والحاكم ، وابن حبان ، وأبو حاتم ، وابن دقيق العيد(٢).
والله أعلم .
(١) التلخيص ج١ ص١٥٤ .
(٢) وصححه الشيخ الألباني . انظر صحيح النسائي جـ ١ ص ٦٨ .

٢٨٥ -
٢٠٣ - باب الصلوات بتيمم واحد - حديث رقم ٣٢٢
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٣٢٢/٢٠٣ - والكبرى - ٣١١/١٨٣ بهذا السند فقط.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه (دت) .
فأخرجه (د) في الطهارة عن عمرو بن عون ، ومسدد ، كلاهما عن
خالد بن عبد الله، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة ، عن عمرو بن
بُجدان ، عن أبي ذر رضي الله عنه .
وأخرجه (ت) فيه عن ابن بشار ، ومحمود بن غيلان ، كلاهما عن
أبي أحمد الزَّبيري عن سفيان ، عن خالد الحذَّاء به ، وقال : حسن
صحيح ، وقد روي هذا الحديث أيوب ، عن أبي قلابة ، عن رجل من
بني عامر ، عن أبي ذر ، ولم يسمه .
وأخرجه ابن حبان ، والحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما ترجم له المصنف ، وهو جواز الصلوات بتيمم واحد ،
وسيأتي اختلاف أهل العلم في المسألة التالية .
ومنها : أن التيمم رافع للحدث لا مبيح له على الراجح كما سيأتي .
ومنها : أن وجود الماء ناقض للتيمم ، لقوله في آخر الحديث كما
تقدم عند أبي داود: ((فإذا وجدت الماء فأمسَّهُ جلدك)).
المسألة الخامسة : في اختلاف العلماء في أداء الصلوات الكثيرة
بتیمم واحد :
اختلف العلماء في التيمم هل تُصلَّى به صلوات كالوضوء بالماء أم هو
لازم لكل صلاة ؟

- ٢٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فقالت طائفة : يتمم لكل صلاة ، روي هذا القول عن علي ، وابن
عمر ، وابن عباس ، والنخعي ، وقتادة ، والشعبي ، وبه قال ربيعة ،
ويحيى الأنصاري ، ومالك ، والليث ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق.
وقالت طائفة : يصلي بالتيمم الواحد الصلوات ما لم يحدث ، وهو
قول الحسن ، وابن المسيب ، والزهري ، ورُوي عن ابن عباس ، وأبي
جعفر ، وبه يقول سفيان الثوري ، وأصحاب الرأي ، ويزيد بن هارون.
وقالت طائفة : إن من صلى الصلوات في أوقاتها يتيمم لكل صلاة ،
وإذا فاتته صلوات صلاها بتیمم واحد ، وهو قول أبي ثور ، أفاده ابن
المنذر (١) .
قال الجامع عفا الله عنه : أرجح المذاهب عندي المذهب الثاني :
فيصلي المتيمم بتيممه ما شاء من الصلوات ، الفرض والنفل ، ما لم
ينتقض تيممه بحدث، أو وجود ماء، لحديث الباب: ((الصعيدُ وَضُوء
المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين)) .
ولأن الطهارة إذا كملت، وجاز أن يصلي بها المرء ما شاء من النوافل،
فكذلك له أن يصلي بها ما شاء من المكتوبة ، إذ ليس بين طهارته
للمكتوبة، وطهارته للنافلة فرق في شيء من أبواب الصلاة ، وغيرُ جائز
أن يقال له إذا صلى نافلة أنت طاهر ، ويمنع من أن يصلي المكتوبة ، لأنه
غير طاهر ، فالذين خوطبوا بالتيمم في قوله : ﴿ فلم تجدوا ماء﴾ الآية،
المحدثون الذين خوطبوا في أولها عند القيام إلى الصلاة بقوله : ﴿يا أيها
الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ الآية ، وليس ذلك على من كان طاهرا
في باب الوضوء والتيمم ، مع أن الطهارة المجمع عليها لا يجوز نقضها
إلا بسنة أو إجماع ، وقد أجمع أهل العلم على أن الأحداث التي تنقض
(١) الأوسط جـ٢ ص ٥٧-٥٨ .

٢٨٧ -
٢٠٣ - باب الصلوات بتيهم واحد - حديث رقم ٣٢٢
طهارة المتوضئ بالماء ، تنقض طهارة المتوضئ بالصعيد ، وأجمعوا على
أن المتيمم إذا قدر على الماء (١) مثل دخوله في الصلاة أن طهارته تنتقض ،
فوجب تسليم ذلك لإجماعهم ، إلا حرف شاذ عن بعضهم لا معنى له ،
أفاده ابن المنذر رحمه الله (٢).
والحاصل أن الأصح جواز الصلوات ، فرضها ونفلها بالتيمم
الواحد. والله أعلم .
المسألة السادسة : اختلف أهل العلم هل ينتقض التيمم بوجود الماء ،
أم لا ؟
ذهب الجمهور إلى أن وجود الماء ينقضها، وذهب قوم إلى أن الناقض
لها الحدث ، وأصل الخلاف : هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة
التي كانت بالتراب؟ أو يرفع ابتداء الطهارة به ؟ فمن رأى أنه يرفع
استصحاب الطهارة قال : إنه ينقضها ، فإن حد الناقض هو الرافع
للاستصحاب .
ومن رأى أنه يرفع ابتداء الطهارة به قال : لا ينقضها إلا الحدث .
وقد احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت ، وهو حديث : ((ما لم
يجد الماء )) قال ابن رشد: والحديث محتمل ، فإنه يمكن أن يقال: إن
قوله: ((ما لم يجد الماء)) يمكن أن يفهم منه فإذا وجد الماء انقطعت هذه
الطهارة وارتفعت ، ويمكن أن يفهم منه : فإذا وجد الماء لم تصح ابتداء
الطهارة ، والأقوى في عضد الجمهور هو حديث : (( فإذا وجدتَّ الماء
فأمسَّهُ جلدك)) فإن الأمر محمول عند جمهور المتكلمين على الفور ، وإن
كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال المتقدم ، فتأمل هذا .
(١) هكذا في عبارة الأوسط مثل ، والصواب قبل . اهـ الجامع .
(٢) الأوسط جـ ٢ ص٥٨-٥٩ .

- ٢٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الجامع : عندي أن الاحتمال الأول هو المتعين ، فإن قوله :
«فأمسه جلدك )» يدل على وجوب استعمال الماء حال وجوده سواء كان
المتيمم حصل له حدث أم لا ، فدل على أن وجود الماء يبطل التيمم .
فتبصر .
قال ابن رشد : وقد حمل الشافعي تسليمه أن وجود الماء يرفع هذه
الطهارة ، أن قال : إن التيمم ليس رافعًا للحدث ، أي ليس مفيدًا
للمتيمم الطهارة الرافعة للحدث ، وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء
الحدث ، وهذا لا معنى له ، فإن الله سماه طهارة ، وقد ذهب قوم من
أصحاب مالك هذا المذهب ، فقالوا : إن التيمم لا يرفع الحدث ، لأنه لو
رفعه لم ينقضه إلا الحدث ، والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في
حقها هو حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضها .
واتفق القائلون بأن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع
في الصلاة ، وبعد الصلاة ، واختلفوا هل ينقضها طُرُؤَّهُ في الصلاة ؟
فذهب مالك ، والشافعي ، وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة في الصلاة ،
وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة ،
وهم أحفظ للأصل ، لأنه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا
ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة ، وبمثل هذا شَنَّعُوا
على مذهب أبي حنيفة فيما يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض
الوضوء ، مع أنه مستند في ذلك إلى الأثر (١)، فتأمل هذه المسألة فإنها
بينة ، ولا حجة في الظواهر التي يُرام الاحتجاج بها لهذا المذهب من قوله
تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: آية ٣٣] فإن هذا لم يُبطل
الصلاة بإرادته ، وإنما أبطلها طُرُّو الماء كما لو أحدث (٢).
(١) قال الجامع : لكن الأثر لا يصح .
(٢) بداية المجتهد جـ١ ص٧٢ - ٧٣ .

٢٨٩ -
٢٠٣ - باب الصلوات بتيمم واحد - حديث رقم ٣٢٢
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الراجح ما
ذهب إليه الجمهور من أن وجود الماء ناقض للتيمم ، وأن الراجح أيضا
نقضه مطلقا في الصلاة أو خارجها ، فتبصر . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب » .

٢٩٠
-
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٠٤ - بابٌ فِيمَنْ لَمْ يَجِد المَاءَ وَلاَ الصَّعيدَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم من لم يجد الماء ولا
الصعيد .
٣٢٣- حَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَهُ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَنَاسًا يَطْلُبُونَ
قِلاَدَةٌ كَانَتْ لِعَائِشَةَ نَسِيَتْهَا في مَنْزِلِ نَزَلَتْهُ، فَحَضَرَت
الصَّلاَةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ يَجِدُوا مَاءَ، فَصَلَّوا
بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ عَّهُ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ
وَجَلَّ آيَةَ النَّهُمْ، قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُصَيْرِ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا ،
فَوَالله مَا نَزَلَ بك أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلا جَعَلَ اللَّهُ لَك
وللْمُسْلِمينَ فيه خَيْرًا .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم ) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة
حجة من [١٠] تقدم في ٢/ ٢ .

٢٩١ -
٢٠٤ - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد - حديث رقم ٣٢٣
٢- ( أبو معاوية) محمد بن خازم - بالخاء والزاي المعجمتين -
الكوفي ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش ، وقد يهم في حديث غيره ،
من كبار [٩] تقدم في ٢٦/ ٣٠.
٣- ( هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ثقة فقيه ربما دلس من [٥] تقدم
في ٤٩/ ٦١ .
٤- (عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني أحد الفقهاء السبعة
ثقة مشهور من [٢] تقدم في ٤٠ / ٤٤.
٥- ( عائشة) أم المؤمنين أم عبد الله الصديقة بنت الصديق رضي الله
عنهما تقدمت في ٥/ ٥ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأنهم
مدنيون إلا شيخه ، فمروزي ، نزل نيسابور ، وأبا معاوية فكوفي ، وفيه
رواية الراوي عن أبيه ، عن خالته ، وفيه عائشة من المكثرين السبعة ،
وفيه الإخبار ، والإنباء ، والتحديث ، والعنعنة .
شرع الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها أنها ( قالت : بعث رسول الله ## أسيد
ابن حُضير) - بتصغير الاسمين - بن سِمَاك بن عَتِيك الأنصاري
الأشهلي أبو يحيى صحابي جليل مات سنة ٢٠ ، أو ٢١ ، تقدمت
ترجمته في ٣١٠/١٩٤ (وناسا) اسم وضع للجمع كالقوم ، والرهط ،
واحده إنسان ، من غير لفظه ، مشتق من ناسَ يَنُوس: إذا تَدَلَّى وتحرّك،
ويطلق على الجن والإنس ، قال تعالى : ﴿الذي يوسوس في صدور
الناس من الجنة والناس ﴾ [الناس: آية ٥ - ٦] وتقدم تمام البحث فيه برقم
٣٠٥/١٩١.

- ٢٩٢.
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(يطلبون قلادة) القلادة : ما يجعل في العُنُق من حُليّ ونحوه ، وقد
تقدم أن القلادة من جَزَعِ ظَفَار ، وأنها استعارتها عائشة من أسماء أختها
رضي الله عنهما ، فقوله هنا ( كانت لعائشة ) فيه تجوز ، إذ هي تستعملها
الآن بالعارية (نسيتها في منزل نَزَلَتْهُ) ولأبي داود: ((أضلتها عائشة))
وتقدم في حديث عمار: ((فانقطع عقدها من جزع ظّفَار)) ولا تنافي بين
هذه الروايات ، لأن النسيان يطلق على معنى ترك الشيء ذُهولا
والإضلال هو الفقدان ، ويكون سبب نسيانها وفقدانها انقطاع تلك العقد
عن عنقها من غير شعورها ( فحضرت الصلاة) وهي الصبح كما تقدم
(وليسوا على وضوء) بضم الواو أي ليسوا متوضئين (ولم يجدوا ماء)
لكون المَحَلِّ ليس فيه ماء ( فَصَلُوا بغير وضوء) فيه دليل على وجوب
الصلاة على فاقد الطهورين ، لأنهم صلوا معتقدين وجوب الصلاة
عليهم، فأقرَّهم النبي ◌َّ على ذلك، ولو كانت الصلاة غير واجبة حينئذ
لأنكر عليهم ، وبهذا قال الشافعي ، وأحمد ، وجمهور أهل الحديث ،
وأكثر أصحاب مالك . كماسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك مع الترجيح إن
شاء الله تعالى (فذكروا ذلك لرسول الله ﴾) أي شكَوْا ما أصابهم من
الصلاة بغير وضوء ( فأنزل الله عز وجل آية التيمم) المراد بها آية المائدة
على الأرجح ، وتقدم الخلاف في المراد بها مُستوفىَ في ١٩٤/ ٣١٠ ،
فارجع إليه تزدد علما ( قال أسيد بن حضير : جزاك الله خيرا ، فوالله ما
نزل بك أمر تکرهینه إلا جعل الله لك وللمسلمین فیه خیرا) وهذا يدل
على أن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، وأن ضياع عقدها كان مرتین،
وأما نزول آية التيمم فهي في المرة الثانية ، وقد تقدم تحقيق ذلك كله .
وبالله التوفيق ، وعليه التكلان .
قال الجامع عفا الله عنه : تقدم ما يتعلق بهذا الحديث من المسائل برقم
٣١٠/١٩٤، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته هنا ، وإنما نذكر هنا ما

-٢٩٣ -
٢٠٤ - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد - حديث رقم ٣٢٣
يتعلق بما ترجم له المصنف رحمه الله، وهي بيان اختلاف العلماء فيمن
لم يجد الماء والصعيد، فنقول:
اعلم : أن المصنف رحمه الله أورد حديث عائشة رضي الله عنها هذا
استدلالا على أن فاقد الطهورين يصلي ولا يعيد الوضوء .
قال العلامة السندي رحمه الله : ثم إن الظاهر أن مراد المصنف
بالترجمة أن من لم يجد ماء ولا ترابًا يصلي ولا يعيد .
ووجه الاستدلال بالحديث تنزيل عدم مشروعية التيمم مَنزلَة عدم
التراب بعد المشروعية ، إذ مرجعهما إلى تعذر التيمم ، وهو المؤثر ههنا ،
قال: وهذا هو الموافق لظاهر قوله : ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما
استطعتم)) إذ الصلاة على حاله غاية ما يستطيع الإنسان في تلك الحالة ،
وغيرُ المستطاع ساقط ، ولا يسقط به المستطاع إلا بدليل هو الموافق
للقياس والأصول ، فإن سقوط تكليف الشرط لتعذره لا يستلزم سقوط
تكليف المشروط ، لا حالا ولا أصلا ، كستر العورة ، وطهارة الثوب،
والمكان ، وغير ذلك ، فإن شيئا من ذلك لا يسقط به طلب الصلاة عن
الذمة ، ولا يتأخر ، بل يصلي الإنسان ، ولا يعيد ، والطهارة كذلك ،
بل تعذرُ الركن لا يُسقط تكليف باقي الأركان ، فكيف الشرط ، كما إذا
تعذر غسل بعض أعضاء الوضوء لعدم المحل فإنه يغسل الباقي ، ولا
يسقط الوضوء ، وكما إذا عجز عن القراءة في الصلاة ، وكذا من عجز
عن القيام وغيره .
قال : بل قد عُلم سقوطُ الطهارة تخفيفا بالنظر إلى المعذور ،
فالأقرب أنه يصلي ولا يعيد كما يميل إليه المصنف ، وكذا البخاري في
صحيحه . اهـ كلام السندي (١).
(١) شرح السندي جـ١ ص ١٧٢ - ١٧٢.

- ٢٩٤ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقال الحافظ رحمه الله: عند قول البخاري في صحيحه: ((بابٌ إذا
لم يجد ماء ولا ترابا)) ما نصه : قال ابن رُشَيد : كأن المصنف نَزَّلَ فَقْد
شَرْعية التيمم منزلة فقد التراب بعد شرعية التيمم ، فكأنه يقول :
حكمهم في عدم المطهر الذي هو الماء خاصة كحكمنا في عدم المُطَهِّرَين
الماء والتراب ، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة ، لأن الحديث ليس
فيه أنهم فقدوا التراب ، وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط ، ففيه دليل على
وجوب الصلاة لفاقد الطهورین ، ووجهه أنهم صلوا معتقدین وجوب
ذلك ، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﴾.
وبهذا قال الشافعي ، وأحمد ، وجمهور المحدثين ، وأكثر أصحاب
مالك ، لكن اختلفوا في وجوب الإعادة ، فالمنصوص عن الشافعي
وجوبها ، وصححه أكثر أصحابه ، واحتجوا بأنه عذر نادر ، فلم يسقط
الإعادة ، والمشهور عن أحمد ، وبه قال الْمُزَني ، وسحنُون ، وابن
المنذر: لا تجب ، واحتجوا بحديث الباب ، لأنها لو كانت واجبة لبَيْنَها
النبي ◌َّ#، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
وتُعُقِّبَ بأن الإعادة لا تجب على الفور ، فلم يتأخر البيان عن وقت
الحاجة ، وعلى هذا فلابد من دليل على وجوب الإعادة .
وقال مالك ، وأبو حنيفة في المشهور عنهما : لا يصلي ، لكن قال
أبو حنيفة ، وأصحابه : يجب عليه القضاء ، وبه قال الثوري،
والأوزاعي، وقال مالك فيما حكاه عنه المدنيون: لا يجب عليه القضاء .
وهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة في المسألة . وحكى النووي في
شرح المهذب عن القديم : تستحب الصلاة وتجب الإعادة ، وبهذا تصير
الأقوال خمسة . انتهى كلام الحافظ رحمه الله (١) .
(١) فتح ج١ ص٥٢٤-٥٢٥ .

٢٩٥ -
٢٠٤ - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد - حديث رقم ٣٢٣
قال الجامع عفا الله عنه : الأرجح عندي قول من قال بوجوب
الصلاة على فاقد الطهورين ، وعدم وجوب الإعادة عليه .
قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى : ومن كان مَحْبوسًا في
حضر ، أو سفر بحيث لا يجد ترابا ولا ماء ، أو كان مصلوبا ، وجاءت
الصلاة فليصل كما هو ، وصلاته تامة ، ولا يعيدها سواء وجد الماء في
الوقت ، أو لم يجده إلا بعد الوقت .
بُرْهانُ ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾
[التغابن: آية ١٦] وقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾
[البقرة: آية ٢٨٦] وقول رسول الله عنه: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم)) وقوله : ﴿وقد فَصِّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾
[الأنعام: آية ١١٩] فصح بهذه النصوص أنه لا يلزمنا من الشرائع إلا ما
استطعنا ، وأن ما لم نستطعه فساقط عنا ، وصح أن الله تعالى حَرَّمَ علينا
ترك الوضوء أو التيمم للصلاة إلا أن نضطر إليه ، والممنوع من الماء
والتراب مضطر إلى ما حُرِّمَ عليه من ترك التطهر بالماء أو التراب ، فسقط
عنه تحريم ذلك عليه ، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها ،
وبالإيمان (١)، فبقي عليه ما قدر عليه ، فإذا صلى كما ذكرنا فقد صلَّى
كما أمره الله تعالى، ومن صلَّى كما أمره الله تعالى فلا شيء عليه ،
والمبادرة إلى الصلاة في أول الوقت أفضل لما ذكرنا قَبْلٌ .
ثم ذكر اختلاف العلماء في المسألة إلى أن قال : وأما من قال : لا
يصلي أصلا فإنهم احتجوا بقول رسول الله عَّه: (( لا تُقَبلُ صلاة من
أحدث حتى يتوضأ)) وقال عليه السلام: (( لا يقبل الله صلاةً بغير طهور))
قالوا : فلا نأمره بما لم يقبله الله تعالى ، لأنه في وقتها غير متوضئ ولا
متطهر ، وهو بعد الوقت محرم عليه تأخير الصلاة عن وقتها .
(١) هكذا النسخة بزيادة ((والإيمان)) ولا يظهر له هنا مناسبة. اهـ الجامع.

- ٢٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال أبو محمد : هذا كان أصح الأقوال لولا ما ذكرنا من أن النبي ﴾﴾
أسقط عنا ما لا نستطيع مما أمرنا به ، وأبقى علينا ما نستطيع ، وأن الله
تعالى أسقط عنا ما لا نقدر عليه وأبقى علينا ما نقدر عليه بقوله تعالى :
﴿ فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: آية ١٦] فصح قوله عليه السلام:
((لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) و (( لا يقبل الله صلاة إلا بطهور))
إنما كلف ذلك من يقدر على الوضوء أو الطهور بوجود الماء أو التراب ،
لا من لا يقدر على وضوء ولا تيمم، هذا هو نص القرآن والسنن ، فلما
صح ذلك سقط عنا تكليف ما لا نطيق من ذلك ، وبقي علينا تكليف ما
نطيق ، وهو الصلاة، فإن ذلك كذلك فالمصلي كذلك مُؤدِّ ما أمر به فلا
قضاء عليه ، ومن أدى ما أمر به فلا قضاء عليه .
فکیف وقد جاء في هذا نص ، ثم ذکر حديث عائشة رضي الله عنها
المذكور في هذا الباب ، وقال : فهذا أسيد وطائفة من الصحابة مع حكم
الله تعالى ورضاء نبيه عليه، وبالله التوفيق . انتهى كلام ابن حزم رحمه
الله تعالى. باختصار (١) .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله أبو محمد رحمه الله تعالى
هو التحقيق الحقيق بالقبول ، وما عداه لا يؤيده منقول ولا معقول . والله
أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب )).
(١) المحلى جـ ٢ ص١٣٨ - ١٤١.

٢٩٧ -
٢٠٤ - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد - حديث رقم ٣٢٤
٣٢٤- أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أنَّ مُخَارِقًا أخْبَرَهُمْ، عَنْ طَارق: أنَّ رَجُلاً
أجْتَبَ ، فَلَمْ يُصَلِّ، فَأَتَى النَّبِيَّ مَُّ فَذَكَرَ ذَلكَ لَهُ، فَقَالَ:
((أصَبْتَ)). فَأَجْنَبَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَيَمَّمَ، وَصَلَى، فَأَتَاهُ ،
فَقَالَ نَحْوَ مَا قَالَ للآخَرَ - يَعني: ((أصَبْتَ)) - .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة من [١٠] تقدم
في ٥/٥ .
٢- (خالد) بن الحارث الهُجَيمي بصري ثقة من [٨] تقدم في
٤٧/٤٢ .
٣- (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي ثم البصري الحجة الثبت
-٧- تقدم في ٢٤/ ٤٦ .
٤ - ( مُخارق) بضم الميم ، بن خليفة بن جابر بن عبد الله ويقال :
ابن عبد الرحمن الأحْمَسيّ أبو سعيد الكوفي ثقة-٦ -.
روى عن طارق بن شهاب . وعنه سعيد ، وإسرائيل ، وابن حي ،
وحصين بن عمر ، وشريك ، وأبو يحيى التيمي والسفيانان .
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: مخارق ثقة ثقة. قال
عبد الله : وسألت يحيى بن معين عنه ، فقال : ثقة ، وقال النسائي :

- ٢٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مخارق بن عبد الرحمن ثقة . وقال أبو حاتم : مخارق بن عبد الله بن
جابر ، ويقال : ابن خليفة ثقة . وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال
العجلي : كوفي ثقة أخرج له البخاري ، وأبو داود في القدر ،
والترمذي ، والنسائي (١).
٥- (طارق) بن شهاب بن عبد شمس بن هلال بن سلمة بن عوف
ابن خُثيم البجلي الأحمسي ، أبو عبد الله الكوفي .
رأى النبي عَّة، وروى عنه مرسلا، وعن الخلفاء الأربعة ، وبلال
وحذيفة ، وخالد بن الوليد ، والمقداد ، وسعد ، وابن مسعود ، وأبي
موسى ، وأبي سعيد ، وكعب بن عُجرة ، وغيرهم .
وعنه إسماعيل بن أبي خالد ، وقيس بن مسلم ، ومخارق الأحمسي
وعلقمة بن مَرْتَد ، وسماك بن حرب ، وجماعة .
قال إسحاق بن منصور : عن يحيى بن معين : ثقة . وقال أبو داود :
رأى النبي ◌َّهُ. ولم يسمع منه شيئا ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليست
له صحبة ، والحديث الذي رواه (( أيّ الجهاد أفضل )) مرسل ، قلت له :
أدخلتَهُ في مسند الوحدان؟ قال: لما حكى من رؤيته النبي عليه، وقال
العجلي : طارق بن شهاب الأحمسي من أصحاب عبد الله ، وهو ثقة .
مات سنة ٢ ، أو ٨٣، وقيل: ١٢٣، وهو وَهَم. أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأن مخارقا
وطارقا ، هذا أول محلّ ذكرهما ، وأن فيه رواية تابعي ، عن تابعي .
(١) تت جـ ١٠ ص٦٧ .

٢٩٩ -
٢٠٤ - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد - حديث رقم ٣٢٤
شرح الحديث
(عن طارق) بن شهاب (أن رجلا) لم يسم ( أجنب ) أي أصابته
جنابة ( فلم يُصَلّ) لعدم الماء ، والظاهر أن هذا كان قبل مشروعية التيمم
(فأتى النبي ﴾ فذكر ذلك له) أي كونه لم يُصَلِّ بسبب الجنابة ، مع عدم
الماء (فقال) عَّ ( أصبت ) أي حيث عمل باجتهاده ، وهذا يؤيد ما قلناه
أن هذا كان قبل شرع التيمم لأنه ثبت أنه ﴾ قال للذي اعتزل عن الناس
وهم يصلون لكونه جنبا: (( عليك بالصعيد فإنه يكفيك)) وتقدم
برقم ٣٢١ .
والحاصل أن تصويب فعله هذا إنما هو بالنسبة لعمله باجتهاده ، وإن
كان مخطئا بعدم صلاته عند فقده الطهور ، فلا ينافي ما تقدم مما قررناه
من أن المصنف كالإمام البخاري يرى وجوب الصلاة على فاقد الماء
والصعيد ، حيث أوردا حديث عائشة الدالَّ على أنهم صَلَّوْا بغير وضوء
فقررهم عليه ، ولو لزم التنافي لقدم حديث عائشة لصحته بخلاف
حديث طارق لإرساله .
( فأجنب رجل آخر ، فتيمم وصلى) وهذا ظاهر في كونه بعد شرع
التيمم (فأتاه) أي النبي ◌َّه، أي فذكر له ذلك (فقال) عَّ له (نحو ما قال)
أي الكلام الذي قاله (للآخر) أي الذي ترك الصلاة ثم بَيَّن المَقُولَ بقوله
(يعني أصبت) والعناية من بعض الرواة ، ذكرها لإيضاح معنى (( ما)).
والحاصل أنه عَّه قال لكل منهما: ((أصبت)) لكونهما عملا باجتهاد
فكل منهما مصيب من هذه الحيثية ، وإن كان الأول مخطئا من حيث
تركه الصلاة ، فالذي يظهر من إيراد المصنف لهذا الحديث بعد إيراد
حديث عائشة رضي الله عنها تضعيف هذا الحديث لكونه مرسلا ، وأنه
لا ينافي حديث عائشة رضي الله عنها ، لكونه أصح والله أعلم .

- ٣٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى في درجته : حديث طارق بن شهاب حديث صحيح الإسناد
إلا أنه مرسل ، لأنه رأى النبي ﴾ ولم يسمع منه فهو تابعي كما تقدم .
المسألة الثانية : في بيان موضع ذكره من هذا الكتاب :
ذكره المصنف هنا فقط وهو من أفراده ، لم يخرجه من أصحاب
الأصول غيره . والله أعلم .
المسألة الثالثة : في فوائده :
منها : جواز الاجتهاد في زمنه ۶﴾ ..
ومنها : أن المجتهد لا يعاتب فيما اجتهد فيه ، وإن لم يصب ، لأنه
مكلف ببذل وسعه فيما يعلم ، فإن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ
فله أجر .
ومنها : أن العالم وإن عمل باجتهاده فلا يستغني عن مراجعة
النصوص ليثبت عليه إن وافق اجتهاده لها ، أو يرجع عنه إذا لم يوافق
والله أعلم .
(((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )).