النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١ -
٢٠٠ - نوع آخر - حديث رقم ٣١٩
(يقول: الكفين، والوجه والذراعين) أي مَسَحَ الكفين والوجه
والذراعين ، أي إلى المرفقين (فقال له منصور) بن المعتمر (ما تقول ؟)
أي أيّ شيء تقول ، فما استفهامية للإنكار (فإنه ) أي الأمرَ ، فالضمير
للشأن ( لا يذكر الذراعين غيرك ) أي أن كل مَن رَوَى حديث عمار هذا لا
يذكر الذراعين ، بل يقتصر على ذكر الكفين فقط (فـ) ـعند ذلك ( شك
سلمة فقال: لا أدري أُذَكَرَ) يعني شيخه ذرًا ( الذراعين ، أم لا)
ذكرهما؟ .
والحاصل أن سلمة بن كهيل ، شاك في ذكر الذراعين ، ولا تَخالُفَ
بينه وبين قوله: ((المرفقين)) لأن المراد بالذراعين الذراعان مع المرفقين .
وقد تقدم أن غیر سلمة ذکر الکفین بدون شك ، فیکون الواجب هو
المسح إلى نهاية الكفين فقط ، ولا يزاد عليهما ، لعدم صحة الروايات في
ذلك ، فتبصر والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )) .

-٢٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٠١ - بابُ تَيَمَّمِ الجُنُبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم للجنب .
والجُنُبُ : - بضمتين - يطلق على الذكر والأنثى والمفرد ، والتثنية ،
والجمع ، وربما طابق على قلة، فيقال: أجْنَابٌ ، وجُنُوب ، ونساء
جُنُبات . قاله في المصباح .
وقال العلامة ابن منظور رحمه الله : والجنابة : المنيّ، وفي التنزيل
العزيز: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: آية ٦] وقد أجنبَ الرجل،
وجَنُبَ أيضا - بالضم - وجَنبَ - يعني بالكسر - وتَجَنَّبَ ، وقال ابن
بَرِّيّ : المعروف عند أهل اللغة: أجْنَبَ، وجَنِبَ - بكسر النون - وأجْنَبَ
أكثر من جَنِبَ.
وقال الأزهري : إنما قيل له : جُنُب لأنه نُهي أن يقرب مواضع
الصلاة ما لم يتطهر ، فَتَجَنَبها ، وأجْنَبَ عنها ، أي تَنَّحى عنها ، وقيل :
لُجانبته الناسَ ما لم يَغْتَسل .
والرجل جُنُب من الجنابة ، وكذلك الاثنان ، والجمع ، والمؤنث ،
كما يقال : رجل رضًا، وقوم رضًا ، وإنما هو على تأويل ذوي جُنُب ،
فالمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه . ومن العرب من يُثَنِّي ، ويجمع ،
ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل .
وحكى الجوهري : أجْنَبَ ، وجَنُب - بالضم - وقالوا : جُنُبان ،
وأجناب ، وجُنُبُون ، وجُنُبَات ، قال سيبويه : كُسرَ على أفعال ، كما
كُسِرَ بَطَل عليه ، حين قالوا : أبْطَال ، كما اتفقا في الاسم عليه - يعني
نحو جَبَل، وأجْبَال، وطُنُب وأطناب، ولم يقولوا: جُنُبَةٍ(١).
(١) لسان جـ١ ص ٦٩٣ .

٢٦٣ -
٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠
٣٢٠ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ
عَبْدِاللّه، وأبي مُوسَى ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : أوَلَمْ تَسْمَعْ
قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ فِي حَاجَةٍ ،
فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجْدِ الماءَ، فَتَمَرَغْتُ بِالصَّعِيدِ، ثُمَّ أَتَيْتُ
النَّبَِّهُ فَذَكَرْتُ ذَلَكَ لَّهُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ))
وَضَرَبَ بَيَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ ضَرْبَةً ، فَمَسَحَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ
نَفَضَهُمَا ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ ، وبَيَمِينِهِ عَلَى
شِمَالِه عَلَى كَفَّهِ وَوَجْهِهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّه : أوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ
٠٠
٠٠
يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟.
رجال هذا الإسناد : ستة
١- ( محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الكوفي ثقة حافظ من
[١٠] تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٢- ( أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة من كبار [٩]
تقدم في ٢٦/ ٣٠.

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٦٤
٣- ( الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي ثقة
حافظ مدلّس -٥ - تقدم في ١٨/١٧ .
٤ - (شقيق) بن سلمة أبو وائل الكوفي ثقة مخضرم - ٢ - تقدم في
٢/ ٢.
٥- (عبد الله) بن مسعود الهذلي أبو عبد الرحمن الصحابي رضي
الله عنه تقدم في ٣٩/٣٥ .
٦ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي رضي الله عنه
تقدم في ٣/٣ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأنهم
كوفيون ، وفيه الإخبار ، والتحديث والعنعنة .
شرح الحديث
(عن شقيق) بن سلمة ، أبي وائل أنه (قال : كنت جالسا مع
عبد الله) ابن مسعود رضي الله عنه (وأبي موسى) الأشعري رضي الله
عنه (فقال أبو موسى) لعبد الله (أولم تسمع قولَ عمار لعمر) هكذا
للمصنف مختصراً ، وقد ساقه البخاري ومسلم في صحيحيهما بتمامه ،
ولفظ البخاري :
حدثنا عمر بن حفص ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ،
قال : سمعت شقيق بن سلمة ، قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ،
فقال أبو موسى : أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف
يصنع ؟ ، فقال عبد الله : لا يصلي حتى يجد الماء ، فقال أبو موسى:
فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي عَّ: ((كان يكفيك؟)) قال:

٢٦٥ -
٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠
ألم تَرَ عمر لم يقنع بذلك ؟ فقال أبو موسى : فَدَعْنَا من قول عمار ،
كيف تصنعون بهذا الآية؟ فما دَرَى عبد الله ما يقول: فقال : إنا لو
رَخَّصْنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرُدَ على أحدهم الماء أن يَدَعَه ويتيمم ،
فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله لهذا؟ قال : نعم .
حدثنا محمد بن سلام ، قال : أخبرنا أبو معاوية ، عن الأعمش ،
عن شقيق ، قال : كنت جالسا مع عبد الله ، وأبي موسى الأشعري ،
فقال أبو موسى : لو أن رجلا أجنب ، فلم يجد الماء شهرا أما كان يتيمم
ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فلم تجدوا ماء
فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم في هذا لأوشكوا
إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد ، قلت : وإنما كرهتم هذا لهذا ؟
قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : بعثني رسول
الله عَّه في حاجة، فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد ،
كما تمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي عليه، فقال : إنما يكفيك أن تصنع
هكذا - فضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح بهما
ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بهما وجهه . فقال
عبد الله : أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ وزاد يعلى عن الأعمش ،
عن شقيق : كنت مع عبد الله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : ألم تسمع
قول عمار لعمر ! إن رسول الله عَّه بعثني أنا وأنت ، فأجنبت ، فتمعكت
بالصعيد ، فأتينا رسول الله عَّ فأخبرناه، فقال: ((إنما كان يكفيك
هكذا)» ومسح وجهه وکفیه واحدة؟ (١).
( بعثني) أي أرسلني ( رسول الله } في حاجة) وقد تقدم أن الحاجة
هي رعاية الإبل (فأجنبت) أي أصابتني جنابة ( فلم أجد الماء فتمرغت
بالصعيد ، فأتيت النبي + فذكرت ذلك له) يعني تمر غه بالصعيد (فقال)
(١) صحيح البخاري نسخة الفتح جـ١ ص٥٤٢ - ٥٤٣ .

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ٢٦٦
النبي عَّ ( إنما كان يكفيك أن تقول) أي تفعل ، وفي رواية البخاري :
((أن تصنع)) واستعمال القول بمعنى الفعل شائع في اللغة ، قال ابن
الأنباري: ((قال)) يجيء بمعنى ((تكلم))، و((ضرب))، و((غلب))، و((مات))،
و((مالَ)) و((استراحَ))، و((أقبل))، ويُعبَّرُ بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد
لها، يقال: قال: فأكل، وقال، فضرب، وقال، فتكلم، ونحوه (١).
قال الجامع : قد نظمت ذلك بقولي :
تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا
يجيء ((قال)) معَان تُجْتُلَی
وَللَّهُيُِّ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى
ومَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلِبًا
فَاحْفَظْ فإنَّهَا مَعَانٍ سَامِيَهْ
فُجُمْلَةُ المَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ
( هكذا) إشارة إلى الكيفية المبيَّنة بقوله ( وضرب الأرض بيديه ضربة)
أي واحدة ، فيه أن الضربة الواحدة هي التي تكفي للوجه واليدين (فمسح
کفیه) فیه أن مسح الکف هو المتعین ، ومازاد علیه لم يثبت له دليل ( ثم
نفضهما) هذا بيان لما أجمله من مسح الكف ، فقوله ((فمسح کفیه »
مجمل، وقوله ((ثم نفضهما)) الخ بيان لهذا المجمل والنفض :
التحريك، يقال : نفضه نفضًا، من باب قتل : حرّكه ليزول عنه الغُبار،
ونحوه ، وإنما نفضهما تخفیفا للتراب لئلا يتلوث به وجهه وكفاه (ثم
ضرب بشماله على يمينه ، وبيمينه على شماله ، على كفيه) بدل من
((على يمينه، وعلى شماله)) (ووجهَه) بالنصب عطفا على كفيه ، وعند
البخاري وأبي داود: «ثم مسح بهما وجهه)) وروايتهما فيها الدلالة على
أن الترتيب في التيمم غير مشروط .
قال ابن دقيق العيد رحمه الله : اختلف في لفظ هذا الحديث فوقع
عند البخاري بلفظ (( ثم)) وفي سياقه اختصار ، ولمسلم بالواو ، ولفظه
(١) ((ق)) في مادة ((قال)).
١

٢٦٧ _
٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠
((ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه ))، وللإسماعيلي ما
هو أصرح من ذلك .
ولفظه كما قال الحافظ ، من طريق هارون الحَمَّال ، عن أبي معاوية :
(( إنما يكفيك أن تضرب بيدك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح
بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك)) (١).
قال الجامع عفا الله عنه : الأظهر أن الترتيب غير واجب في التيمم
بخلاف الوضوء ، عملا بهذه الروايات المصرحة بتأخير الوجه عن
الكفين، وأما تأويل ((ثم)) بمعنى الواو فخروج عن الظاهر بلا داع إليه ،
وأما الوضوء فقد تقدم ترجيح وجوب الترتيب عملا بملازمة النبي ◌َّ له ،
فقد روى وضوءَه ◌َّ جماعة على كيفيات ، فما نَقَلَ أحد أنه خالف
الترتيب . والله أعلم .
(فقال عبد الله) بن مسعود لعمار (أو لم تر عمر لم يقنع بقول
عمار؟) وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لكونه أخبره أنه كان معه في تلك
الحال ، وحضر معه تلك القصة حيث قال له كما في الرواية السابقة
٣١٩: ((أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنت وأنا في سرية، فأجنبنا ، فلم نجد
الماء)) الحديث، ومع ذلك لم يتذكر ذلك أصلا، ولهذا قال لعمار: ((اتق
الله يا عمار)) كما في الرواية ٣١٦، فقال: ((يا أمير المؤمنين إن شئت لم
أذكره ، قال : لا ، ولكن نُوليك من ذلك ما توليت)) .
قال النووي رحمه الله : معنى قول عمر: (( اتق الله يا عمار)) أي
فيما ترويه ، وتثبت فيه ، فلعلك نسيتَ ، أو اشتبه عليك ، فإني كنت
معك، ولا أذكر شيئا من هذا، ومعنى قول عمار: (( إن شئت لا أحدث
به)) أي إن رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على
(١) فتح جـ١ ص ٥٤٤ .

٢٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
التحديث به وافقتك ، وأمسكت ، فإني قد بلغته ، فلم يبق عَلَيَّ فيه
حرج، فقال عمر: ((نوليك ما توليت )) أي لا يلزم من كوني لا أذكره أن
لا يكون حقا في نفس الأمر ، فليس لي منعك من التحديث به .
وبهذا يتضح عذر عمر في عدم قبوله لقول عمار ، وأما ابن مسعود
فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار ، فلهذا جاء عنه أنه رجع
عن الفُتيا بذلك ، كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع
عنه(١). وبالله التوفيق ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه المصنف هنا
-٣٢٠/٢٠١ - والكبرى - ٣٠٨/١٨١- بالسند المذكور .
المسألة الثالثة : فیمن أخر جه معه : أخرجه (خ مد) .
فأخرجه (خ) مطولا في الطهارة عن عمر بن حفص بن غياث ، عن
أبيه ، وعن محمد بن سلام ، عن أبي معاوية ، وعن بشر بن خالد ، عن
غندر ، عن شعبة ، وزاد يعلى بن عبيد .
وأخرجه (م) فيه عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد
ابن عبد الله بن نمير ، ثلاثتهم عن أبي معاوية ، وعن أبي كامل فضيل بن
حسین ، عن عبد الواحد بن زياد .
وأخرجه (د) فيه عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن أبي معاوية
خمستهم عن الأعمش ، عن شقيق ، عن أبي موسى رضي الله عنه .
(١) فتح جـ١ ص ٥٤٤ - ٥٤٥ ببعض تصرف.

٢٦٩ -
٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : مشروعية التيمم للجنب ، وهو ما ترجم له المصنف ، وهو
مذهب جمهور أهل العلم ، ويأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف فيه إن
شاء الله تعالى .
ومنها : جواز المناظرة لأهل العلم تَوَصُّلا إلى الحق ، لاللمراء
والجدال .
ومنها : الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه إقناعا للخصم ،
فإن أبا موسى قال لعبد الله لما قال له: أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمار :
((دعنا من قول عمار، فكيف تصنعون بهذه الآية ؟)) .
المسألة الخامسة : في بيان مذاهب أهل العلم في التيمم للجنب .
أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم للجنب عند عدم الماء ، ولم
يخالف في ذلك أحد من السلف ، ولا من الخلف ، إلا ما جاء عن عمر
ابن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي ،
وقيل : إن عمر ، وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت بجوازه
الأحاديث الصحيحة .
ثم إذا صلى الجنب بالتيمم ، ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال
بالإجماع ، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن التابعي ، أنه
قال: لا يلزمه ، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده ،
وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره منّه للجنب بغسل بدنه إذا وجد
الماء ، أفاده الشوكاني (١) .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ،
وإليه أنيب )) .
(١) نيل جـ١ ص ٣٨٥.

- ٢٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٠٢ - بابُ التَّيَمْمِ بِالصَّعِيدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم بالصعيد .
والصَّعيد : وجه الأرض ترابا كان أو غيره ، قال الزجاج : ولا أعلم
اختلافا بين أهل اللغة في ذلك ، ويقال : الصعيد في كلام العرب يطلق
على وجوه : على التراب الذي على وجه الأرض ، وعلى وجه
الأرض، وعلى الطريق ، وتجمع على صُعُد بضمتين ، وصُعُدات ، مثل
طريق ، وطُرُق وطُرُقَات .
قال الأزهري : ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله تعالى :
﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [المائدة: آية ٦] أنه التراب الطاهر الذي على
وجه الأرض ، أو خرج من باطنها (١) .
وقال العلامة ابن منظور : والصَّعيد : المرتفع من الأرض ، وقيل :
الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة ، وقيل : ما لم يخالطه رَمْل ، ولا
سَبَخَة ، وقيل : وجه الأرض ، لقوله تعالى : ﴿فتصبح صعيدا زلقا ﴾
[الكهف: آية ٤٠] وقال جرير (من الوافر):
إِذَاتَيْمُ ثَوَتْ بِصَعِيدٍ أَرْضِ بَكَتْ مِنْ خُبْتِ لُؤْمِهِمُ الصَّعِيدُ
وقال في آخرين (من الكامل) :
وَالأَطْيَبينَ منَ التُّرَاب صَعِيدًاً
وقيل : الصعيد : الأرض ، وقيل : الأرض الطيبة ، وقيل : هو كل
تراب طيب ، وفي التنزيل : ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾. وقال الفراء في
قوله تعالى: ﴿صعيدا جُرُّزًا﴾ [الكهف: آية ٨] الصعيد التراب ، وقال
غيره : هي الأرض المستوية (٢) .
(١) المصباح المنير جـ١ ص ٣٤٠.
(٢) لسان جـ٤ ص٢٤٤٦ .

٢٧١ -
٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١
٣٢١- أخْبَرَنَا سُوَيَدُ بْنُ نَصْر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالله ، عَنْ
عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ:
أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ رَأى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ ،
فَقَال : ((يَا فَلَانُ مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ )) فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّه أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، ولاَ مَاءَ، قَالَ: ((عَلَيْكَ
بالصَّعيد ، فَإِنَّهُ يَكْفيكَ)) .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١٠- (سويد بن نصر) بن سويد المروزي أبو الفضل لقبه شاه راوية ابن
المبارك ، ثقة من [١٠] مات سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة تقدم في ٤٥/ ٥٥ .
٢- (عبد الله) بن المبارك المروزي الإمام ثقة ثبت فقيه عالم جَوَاد
مجاهد، اجتمعت فيه خصال الخير، من [٨] مات سنة ١٨١ ، وله ٦٣ ،
تقدم في ٣٦/٣٢ .
٣- (عوف) بن أبي جَميلة الأعرابي العبدي البصري، ثقة رمي
بالقدر ، والتشيع ، من [٦] مات سنة ٦ أو ١٤٧، وله ٨٦ سنة ، تقدم
في ٤٦ / ٥٧ .
٤- ( أبو رجاء) عمران بن ملْحَان - بكسر الميم وسكون اللام بعدها
حاء مهملة - ويقال : ابن تيم العطاردي مشهور بكنيته ، وقيل غير ذلك
في اسم أبيه ، مخضرم ثقة مُعَمَّر .

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٧٢
-
أدرك زمن النبي ءَّه ولم يَرَه ، ورَوَى عن عمر ، وعلي ، وعمران بن
حصين ، وابن عباس ، وسَمُرَة بن جُندب ، وعائشة .
وعنه أيوب ، وجرير بن حازم ، وعوف الأعرابي ، وعمران
القصير، ومهدي بن ميمون ، وأبو الأشهب ، وحماد بن نجيح ، وسَلَّم
ابن زَرير ، وسعيد بن أبي عروبة ، والجَعْد أبو عثمان ، والحسن بن
ذكوان وآخرون.
وثقه ابن معين ، وأبو زرعة وابن سعد ، وقال : وله رواية، وعلم
بالقرآن ، وأمَّ قومه أربعين سنة ، وتُوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ،
قال : وقال الواقدي : توفي سنة ١١٧ ، قال : وهذا عندي وَهَم ، وقال
الذهلي : مات قبل الحسن ، لا أدري في أي سنة ، غير أني أتوهمه سنة
١٠٧ ، وقال أبو حاتم: جاهلي فَرَّ من النبي ◌َّ ثم أسلم بعد الفتح،
وأتى عليه ١٢٠ سنة ، وقال البخاري : قال أشعث بن سوّار: بلغ ١٢٧
سنة ، وقال البخاري : يقال : مات قبل الفرزدق والحسن ، ومات
الحسن سنة ١١٠ ، وقال ابن عبد البر: كان ثقة ، وكانت فيه غفلة ،
وكانت له عبادة ، وعُمِّر طويلا أزيد من مائة سنة وعشرين سنة. مات
سنة ١٠٩ ، في أول خلافة هشام .
قال الحافظ رحمه الله : حكى ابن سعد أن اسمه عُطارد بن برز ،
وتبعه ابن حبَّان ، فذكره كذلك في الثقات فيمن اسمه عطارد ، وقال ابن
أبي حاتم : عمران بن ملحان ، ويقال : عمران بن تَيم ، وهو أصح ،
وقال البخاري في الأوسط : ملحان ما أراه يصح ، وقال في الكبير :
قال أحمد : هو عمران بن عبد الله (١) . أخرج له الجماعة.
٥- ( عمران بن حصين) بن عُبید بن خلف بن عبد نهم بن سالم بن
(١) تت ج٨ ص ١٤٠- ١٤١.

٢٧٣ -
٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١
غاضرة بن سلُول بن كعب بن عمرو الخزاعي ، أبو نُجيد أسلم هو وأبو
هريرة عام خيبر .
روى عن النبي ◌ّ﴾، وعن معقل بن يسار .
وعنه ابنه نُجيد ، وأبو الأسود الديلي ، وأبو رجاء العطاردي ،
وربعي بن حراش ، ومطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشّخير ، والحكم بن
الأعرج ، وزَهْدَمَ الجَرْمي ، وصفوان بن مُحْرز ، وعبد الله بن رَبَاح
الأنصاري ، وآخرون . له ١٣٠ حديثًا ، اتفقا على ٨ وخ ٤، وم ٩.
استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة ، ثم استعفاه ، ومات بها سنة
٥٢، وکان الحسن البصري یحلف بالله ما قدمها راکب خیر من عمران
ابن حصين ، وكذا قال ابن سيرين ، وسياق النسب هنا من عند ابن
عبد البر ، وكذا ذكره ابن الكلبي ومن تبعه أن عبد بن نهم بن حذيفة بن
جهم بن غاضرة ، وقال ابن سعد : استقضاه زياد ، ثم استعفاه ، وكانت
الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي ، وقال ابن البرقي : كان صاحب راية
خزاعة يوم الفتح ، وحكى ابن منده قولا أنه مات سنة ٥٣ (١). أخرج له
الجماعة .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين
مروزيين ، وهما شيخه وشيخ شيخه، وبصريين ، وهم الباقون .
شرح الحديث
(عن أبي رجاء) عمران بن ملحان العُطاردي (قال : سمعت عمران
ابن حصین ) الصحابي الجليل رضي الله عنه( أن رسول الله ###) يحتمل
(١) تت ج٨ ص ١٢٥- ١٢٦ .

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ٢٧٤
كون ((أنّ)) بفتح الهمزة ، وهي في تأويل المصدر مفعول لمحذوف حال
من مفعول سمعت ، أي سمعت عمران ذاكرا رؤية رسول الله عَبه ،
ويحتمل كونها بكسر الهمزة ، والجملة محکې بقول محذوف حال أيضا
أي سمعته قائلا: ((إن رسول الله عَّه رأى رجلا .. الخ)) (رأى رجلا)
قال الحافظ رحمه الله : لم أقف على تسميته ، ووقع في شرح العمدة
للشيخ سراج الدين بن المُلقِّن ما نصه : هذا الرجل هو خَلاد بن رافع بن
مالك الأنصاري ، أخو رفاعة شهد بدرا ، قال ابن الكلبي : وقتل
يومئذ، وقال غيره : له رواية، وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي ◌َّ،
قال الحافظ : أما على قول ابن الكلبي فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه
القصة لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف ، فكيف
يحضر هذه القصة بعد قتله؟ وأما على قول غير ابن الكلبي فيحتمل أن
يكون هو ، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النبي عليه
لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة ، أو متصلة لكن نقلها عنه صحابي
آخر ونحوه . وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين من قال : إنه قتل ببدر ،
إلا أن تجيء رواية عن تابعي مخضرم وصرح فيها بسماعه منه فحينئذ يلزم
أن يكون عاش بعد النبي ◌ّ لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه
القصة، إلا أن وردت رواية مخصوصة بذلك ، ولم أقف عليها إلى
الآن. انتهى كلام الحافظ (١).
(معتزلا) أي منفردا عن الناس (لم يُصَلُ مع القوم) جملة في محل
نصب صفة ثانیة لرجل ، أو على الحال (فقال) رسول اللهټ﴾( يا فلان ما
منعك أن تصلي مع القوم ؟ فقال : يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء)
بالبناء على الفتح على أنه اسم ((لا)) التي لنفي الجنس ، وخبرها محذوف
لدلالة المقام عليه ، كما قال ابن مالك :
(١) فتح جـ١ ص٣٧٥ .

٢٧٥ _
٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١
وشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ الخَبَرْ إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطه ظَهَرْ
تقديره معي ، أو موجود ، ويحتمل أن تكون ((لا)) عاملة عمل
((ليس))، و((ماء)) اسمها مرفرع، والخبر مقدر أيضا، والجملة في محل
نصب على الحال (قال) ﴾ (عليك بالصعيد) ((عليك)) اسم فعل منقول
من الجار والمجرور ، كما قال ابن مالك :
وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكا
والفعلُ من أسمائه عَلَیکا
ومعنى (( عليك)) الزم ، وهو يتعدى بنفسه ، فيقال : عليك زيدا ،
وقد يتعدى بالباء ، كهذا الحديث ، وکحدیث (( علیك بذات الدين )) ،
فيكون بمعنى استمسك مثلا ، وقد صرح العلامة الرضي بأنها زائدة ،
لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل لضعف عمله (١) .
و ((الْ)) في الصعيد للعهد المذكور في الآية الكريمة ويؤخذ منه الاكتفاء
في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام ، لأنه أحاله على الكيفية
المعلومة من الآية ولم يصرح له بها ، قاله في الفتح جـ ١ ص٥٣٨.
أي عليك باستعمال الصعيد ( فإنه يكفيك ) أي يُجزئك في إسقاط
الفرض ، وفيه دلالة على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء ،
وقال الحافظ: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ((يكفيك)) أي للأداء ، فلا
يدل على ترك القضاء . اهـ .
قال الجامع : ولكن الظاهر هو الأول . والله أعلم .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى : في درجته : حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما هذا
متفق عليه .
(١) انظر حاشية الخضري على ابن عقيل جـ٢ ص ٩٠ .

- ٢٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
ذكره المصنف هنا -٣٢١/٢٠٢ - والكبرى - ٣١٠/١٨٢ - بهذا
السند فقط .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) في الطهارة عن عبدان، عن ابن المبارك بسند المصنف
مختصرا ، وأخرجه (خ م) مطولا .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : أن فيه مشروعية التيمم للجنب .
ومنها : جواز الاجتهاد بحضرة النبي ۶﴾﴾، لأن سياق القصة يدل على
أن التيمم كان معلوما عندهم ، لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر
بناء على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع ، وأما الحدث الأكبر ليست
صريحة فيه ، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم ، فعمل بذلك مع قدرته
على أن يسأل النبي # عن هذا الحكم ، ويحتمل أنه كان لا يعلم مشروعية
التیمم أصلا فکان حُكمُهُ حكم فاقد الطهورين .
ومنها : أنه ينبغي للعالم إذا رأی فعلا محتملا أن يسأل فاعله عن
الحال فيه ليوضح له وجه الصواب .
ومنها : التحريض على الصلاة في الجماعة ، وأن ترك الشخص لها
بحضرة المصلين معيب على فاعله بغير عذر .
ومنها : الملاطفة والرفق في الإنكار لمن رأى منكرا .
ومنها : أن الصعيد كاف في إسقاط الفرض ، فلا قضاء على من
صلى بالتيمم، لصريح قوله: (( فإنه يكفيك )).
المسألة الخامسة : في اختلاف العلماء في معنى ((الصعيد))، وهل

-٢٧٧ -
٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١
يجوز التيمم بغير التراب ؟
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في الاستذكار : وأما
الصعيد فقيل : وجه الأرض ، وقيل : بل التراب خاصة ، والطيب
الطاهر لا خلاف في ذلك .
وأما اختلاف العلماء في الصعيد ، فقال مالك وأصحابه : الصعيد :
وجه الأرض ، ويجوز التيمم عندهم على الحصباء ، والجبل ، والرمل
والتراب ، وكل ما كان وجه الأرض .
وقال أبو حنيفة وزفر : يجوز التيمم بالنَّوْرة، والحجر ، والزِّرنيخ،
والجص ، والطين ، والرّخام، وكل ما كان من الأرض. وقال
الأوزاعي: يجوز التيمم على الرمل . وقال الثوري ، وأحمد بن حنبل :
يجوز التيمم بغبار الثوب واللبد . ولا يجوز عند مالك ، وقال ابن خویز
منداد : يجوز التيمم عندنا على الحشيش إذا كان ذلك على وجه
الأرض، واختلفت الرواية عن مالك في التيمم على الثلج فأجازه مرة ،
وكرهه أخرى ، ومنع منه .
ومن الحجة لمذهب مالك في هذا الباب قوله تعالى : ﴿ صعيدا زلقا﴾
[الكهف: آية ٤٠] و ﴿صعيدا جرزا﴾ [الكهف: آية ٨]، والجرز:
الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئا، وقوله تعثّ: ((جُعلت لي الأرض
مسجدا وطهورا)) فكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم
به ، وقال عَلّ: (( يحشر الناس يوم القيامة على صعيد واحد)) أي أرض
واحدة ، وقال الشافعي ، وأبو يوسف : الصعيد التراب ، ولا يجوز
عندهم التيمم بغير التراب ، وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب
ذي غبار ، أونحوه ، فأما الصخرة الغليظة والرقيقة ، والكثيب الغليظ فلا
يقع اسم الصعيد عليه .
وقال أبو ثور : لا يتيمم إلا على تراب ، أو رمل .

- ٢٧٨ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال أبو عمر رحمه الله : أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز
واختلفوا فيما عداه، وقد قال عَّ: (( جعلت لي الأرض مسجدا ،
وجعلت تربتها طهورا)) وروى هذا جماعة من حفاظ العلماء عن
الصحابة، عن النبي ## وهو يقضي على رواية من روى: ((جعلت لي
الأرض مسجدا وطهورا)) ويفسرها . والله أعلم (١).
وقال العلامة ابن رشد رحمه الله بعد ذكر الخلاف السابق ما نصه :
والسبب في اختلافهم شيئان :
أحدهما : اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب ، فإنه مرة يطلق
على التراب الخالص ، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة ،
حتى أن مالكا وأصحابه حملهم على دلالة اشتقاق هذا الاسم أعني
الصعيد ، أن يجيزوا التيمم في إحدى الروايات عنهم على الحشيش
والثلج ، قالوا : لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية أعني من جهة
صعوده على الأرض ، وهذا ضعيف .
والسبب الثاني : اطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض
روايات الحديث المشهور ، وتقييدها بالتراب في بعضها ، وهو قوله :
عَّة: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) فإن في بعض رواياته :
((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) وفي بعضها: ((جعلت لي
الأرض مسجدا ، وجعلت لي تربتها طهورا)) .
وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يُقضَى بالمطلق على المقيد ، أو
بالمقيد على المطلق ؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق ، وفيه
نظر ، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد ، لأن
المطلق فيه زيادة معنى ، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق ، وحمل
(١) الاستذكار جـ٢ ص٩ - ١٠ .

٢٧٩ -
٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١
اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز عنده التيمم إلا بالتراب ، ومن
قضى بالمطلق على المقيد ، وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه
الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى .
وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف ، إذ كان لا يتناوله اسم
الصعيد ، فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض ،
لا أن يدل على الزرنيخ والنورة ، ولا على الثلج والحشيش والله الموفق
للصواب (١).
قال الجامع عفا الله عنه : الذي يترجح عندي في هذه المسألة ما ذهب
إليه ابن حزم لأمرين :
الأول : المعنى الذي ذكره هو ، وهو أن في تقديم المطلق على المقيد
عملا بالزائد . وقال العلامة القرطبي رحمه الله : إنه ليس من باب
المطلق والمقيد بل من باب النص على بعض أشخاص العموم ، كما في
قوله تعالى : ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: آية ٦٨] .
والثاني : أن فيه موافقة لأصل مشروعية التيمم ، وهو الترخيص
والتوسيع ، فلوكلف الناس طلب التراب فقط لكان فيه إحراج ﴿ ما جعل
الله في الدين من حرج﴾ فإذا حمل معنى الصعيد على أعم من التراب
كان معنى الترخيص والتوسيع أظهر وأوضح .
والحاصل أن التيمم بكل ما كان من جنس الأرض جائز ترابا كان أو
حجرا أو غيرهما . انظر فيما كتبه الناقد الجهبذ أبو محمد بن حزم رحمه
الله تعالى في كتابه الحافل المُحَلَّى جـ٢ص١٥٨-١٦١.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت وإليه أنيب )) .
(١) بداية المجتهد جـ ١ ص ٧١ - ٧٢ .

- ٢٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢٠٣ - بابُ الصَّوَاتِ بِتَيَمَّمٍ وَاحِدٍ
$
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلوات الكثيرة بتيمم
واحد .
٣٢٢ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أِبِي قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ: ((الصَّعيدُ الطَّيْبُ
وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سنينَ )) .
رجال هذا الإسناد : سبعة
١ - (عمرو بن هشام) بن يزيد الجزري أبو أمية الحرَّاني ، ثقة - ١٠ -
روى عن جده لأمه عَتَّاب بن بشير ، ومحمد بن سلمة الحرّاني،
وعبد الملك الماجشون ، وسليمان بن أبي كريمة ، وابن عيينة ، وأبي بكر
ابن عياش ، ومَخْلَد بن يزيد ، وغيرهم .
وعنه النسائي، ومحمد بن عوف الطائي، وبَقيّ بن مَخْلَد، وآخرون.
قال النسائي : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : مات
بسواد الكوفة ، وهو ذاهب إلى الحج سنة ٢٤٥، أخرج له المصنف فقط.
٢- (مخلد) بن يزيد القرشي الحَرَّاني ، صدوق له أوهام ، من کبار
[٩] تقدم في ١٤١ / ٢٢٢.