النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١ -
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٩
الفقهاء السبعة من كبار [٣] تقدم في ١٦٦/١٢٠.
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها تقدمت في ٥/٥ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأنهم
مدنيون إلا شيخه فبغلاني ، وفيه رواية الراوي ، عن أبيه ، عن عمته ،
وفيه القاسم أحد الفقهاء السبعة ، وفيه عائشة من المكثرين السبعة روت
٢٢١٠ حديثا، وفيه الإخبار في أوله ، والعنعنة فيما بقي .
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت (خرجنا مع
رسول الله﴾﴾ في بعض أسفاره) قال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد :
يقال : إنه كان في غزوة بني المصطلق ، وجزم بذلك في كتاب الاستذكار
وورد ذلك عن ابن سعد ، وابن حبان قبله . وغزوة بني المصطلق هي
غزوة المُرَيسيع التي كان فيها قصة الإفك ، قال أبو عبيد البكري في
حديث الإفك : (( فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاؤه))
وقال ابن سعد: (( خرج رسول الله إلى المريسيع يوم الاثنين لليلتين خلتا
من شهر شعبان سنة خمس)) ورجحه أبو عبد الله في الإكليل ، وقال
البخاري ، عن ابن إسحاق : سنة ست ، وقال عن موسى بن عقبة : سنة
أربع ، وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال : سقط عقدها في السنة
الرابعة في غزوة ذات الرقاع ، وفي غزوة بني المصطلق قصة الإفك .
قال العلامة العيني رحمه الله : يعارض هذا ما رواه الطبراني أن
الإفك قبل التيمم ، فقال : حدثنا القاسم ، عن حماد ، حدثنا محمد بن

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٨٢
حميد الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل ، وإبراهيم بن المختار ، عن
محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد ، عن عبد الله بن الزبير ، عن
أبيه، عن عائشة، قالت: (( لما كان من أمر عقدي ما كان ، وقال أهل
الإفك ما قالوا ، خرجت مع رسول الله عَّه في غزوة أخرى ، فسقط أيضا
عقدي حتى حُبس الناسُ على التماسه ، وطلع الفجر ، فلقيت من أبي
بكر ما شاء الله ، وقال : يا بُنَيّة في كل سفر تكونين عَنَاءَ وبَلاءً ، ليس مع
الناس ماء ، فأنزل الله الرخصة في التيمم ، فقال : أبو بكر : إنك ما
عملت لمباركة)) قال العيني: إسناده جيد(١).
قال الجامع : لكن قال الحافظ بعد ذكر حديث الطبراني : وفي إسناده
محمد بن حميد الرازي وفيه مقال .
وقال أيضا : فإن كان ما جزموا به - يعني ما تقدم من جزم ابن
عبد البر ، وقبله ابن سعد وابن حبان من أن المراد ببعض الأسفار هو
غزوة بني المصطلق - ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة
مرتين، لاختلاف القصتين ، كما هو مُبَيّن في سياقهما ، واستبعد بعض
شيوخنا ذلك ، قال : لأن المريسيع من ناحية مكة بين قُديد والساحل ،
وهذه القصة كانت من ناحية خيبر، لقولها في الحديث: (( حتى إذا كنا
بالبيداء، أو بذات الجيش)) وهما بين المدينة وخيبر كما جزم به النووي .
قال الحافظ : وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين ، فإنه قال :
وذات الجيش : وراء ذي الحليفة ، وقال أبو عبد الله البكري في معجمه :
البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة ، ثم ساق حديث عائشة هذا ، ثم
ساق حديث ابن عمر ، قال: (( بيداءكم هذه التي تكذبون فيها ، ما أهل
رسول الله عَّ إلا عند المسجد)) قال: والبيداء: هو الشَّرَفُ الذي قُدَّامَ
(١) عمدة القاري جـ٤ ص٤ .

١٨٣ -
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٩
ذي الحليفة من طريق مكة ، وقال أيضا : ذات الجيش من المدينة على
بَريد ، قال : وبينها وبين العقيق سبعة أميال ، والعقيق من طريق مكة ، لا
من طريق خيبر ، فاستقام ما قال ابن التين ، ويؤيده ما رواه الحميدي في
مسنده عن سفيان ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، في هذا
الحديث ، فقال فيه: ((إن القلادة سقطت ليلة الأبواء)) اهـ. والأبواء:
بين مكة والمدينة ، وفي رواية علي بن مُسهر في هذا الحديث عن هشام ،
قال : وكان ذلك المكان يقال له : الصَّلَصَل . رواه جعفر الفريابي في
كتاب الطهارة له ، وابن عبد البر من طريقه ، والصَّلصَل - بمهملتين
ولا مين الأولى ساكنة بين الصادین - قال البكري : هو جبل عند ذي
الحليفة ، كذا ذكره في حرف الصاد المهملة ، ووهم مغلطاي في فهم
كلامه ، فزعم أنه ضبطه بالضاد المعجمة ، وقلده في ذلك بعض الشراح ،
وتصرف فيه فزاده وهما على وهم .
وعُرف من تضافر هذه الروايات تصويب ما قاله ابن التين ، واعتمد
بعضهم في تعدد السفر على رواية الطبراني المتقدمة فإنها صريحة في
ذلك والله أعلم (١).
(حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة ، والمد ، هي الشَّرَفُ الذي قُدَّام
ذي الحليفة في طريق مكة (أو بذات الجيش) قيل : هي من المدينة على
بريد بينها وبين العقيق سبعة أميال ، والشك من بعض الرواة عن عائشة
أو منها ، وقد جاء في حديث عمار أنها ذات الجيش بالجزم قاله في الفتح
(انقطع عقد) بكسر العين المهملة وسكون القاف : هو القلادة ، وهو
كل ما يُعقد ويُعلّق في العنق ، ويسمى قلادة ، وللبخاري في التفسير من
رواية عمرو بن الحارث : ((سقطت قلادة لي بالبيداء ، ونحن داخلون
(١) أفاده في الفتح جـ ١ ص ٥١٥-٥١٦ .

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٨٤
المدينة، فأناخ النبي ◌َّه، ونزل)) قال الحافظ: وهذا مشعر بأن ذلك كان
عند قربهم من المدينة . (لي) أي معي ، فاللام للاختصاص ، وإلا فهو
كان لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم استعارته منها . أفاده السندي.
(فأقام رسول الله ته على التماسه) أي لأجل طلبه (وأقام الناس معه
وليسوا على ماء) أي ليسوا نازلين على محلّ فيه ماءٌ (وليس معهم ماء)
أي وليسوا هم حاملين الماء من محل آخر ، والجملة في محل نصب على
الحال من الناس .
واستدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه ، وكذا
سلوك الطريق التي لا ماء فيها .
قال الحافظ : وفيه نظر ، لأن المدينة كانت قريبة منهم ، وهم على
قصد دخولها ، ويحتمل أن يكون قوله : (( وليس معهم ماء )) أي
للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون معهم ،
والأول محتمل ، لجواز إرسال المطر، أو نبع الماء من بين أصابعه عليه ،
كما وقع في مواطن أخرى .
وفيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين ، وإن قلَّت ، فقد نقل ابن
بطال : أنه روي أن العقد المذكور كان اثني عشر درهما، ويلتحق
بتحصيل الضائع الإقامةُ للحوق المنقطع ، ودفن الميت ، ونحو ذلك من
مصالح الرعية ، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال (١).
( فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟) فيه
شكوى المرأة إلى أبيها ، وإن كان لها زوج ، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي
بكر لكون النبي ## كان نائما، وكانوا لا يوقظونه . وفيه نسبة الفعل إلى
من كان سببا فيه ، لقولهم: (( صنعت ، وأقامت )) . وفيه جواز دخول
(١) فتح جـ١ ص٥١٦ .

١٨٥ -
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٩
الرجل على ابنته ، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك ، ولم
يكن حال المباشرة (أقامت برسول الله #) بيان لما صنعته ، والباء
للتعدية، ونسبة الفعل إليها للسببية ( والناس) بالجر عطفا على رسول
الله، قالت عائشة رضي الله عنها (فجاء أبو بكر رضي الله عنه) وإنما لم
تقل أبي تنبيهاً على أنه ما راعى حق الأبوة في الغضب في الله ( ورسول
الله ﴾ واضع رأسه على فخذي) جملة في محل نصب على الحال من
فاعل ((جاء)) (قد نام) جملة في محل نصب من المبتدإ فتكون من الأحوال
المتداخلة ، أي حال كونه نائما ( فقال) أبو بكر ( حبست) من باب ضرب
(رسول الله® والناس) بالنصب عطفا على المفعول ، أو على المفعولية
معه ( وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، قالت عائشة : فعاتبني أبو
بكر ) أي لامني على الحبس المذكور ، قال الحافظ : والنكتة في قولها :
((فعاتبني أبو بكر)) ولم تقل: أبي، لأن قضية الأبوة والحُنُوّ، وما وقع
من العتَاب بالقول ، والتأنيب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر ، فلذلك
أنزلته منزلة الأجنبي ، فلم تقل: أبي (١).
( وقال ما شاء الله أن يقول) أي من اللوم والعتاب، كما جرت به
عادة الأب مع ابنته ، ومن جملة ما قاله ما في رواية عمرو بن الحارث من
قوله: ((حَبَست الناسَ في قلادة))، وما عند الطبراني من قوله: (( في
كل مرة تكونين عَنَاءً)) . (وجعل يَطْعَنْن بيده) بضم العين وكذا في جميع
ما هو حسي ، وأما المعنوي : فيقال : يَطْعَنُ - بفتح العين - هذا هو
المشهور فيهما ، وحَكَى فيهما الفتح معًا في المطالع وغيرها ، والضم
فيهما حكاه صاحب الجامع .
وفيه تأديب الرجل ابنته ، ولو كانت مُزَوَّجة كبيرة خارجة عن بيته ،
ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ، ولو لم يأذن له الإمام .
(١) فتح جـ١ ص٥١٦ .

- ١٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(في خاصرتي) الخاصرة من الإنسان : ما بين رأس الوَرك ، وأسفل
الأضلاع، وهما خاصرتان (١). ( فما يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسول
الله ◌َ على فخذي) أي لم يمنعني من التحرك لألم الطعن إلا كون رسول
الله عَ هنائما على فخذي.
فمكان مصدر ميمي لكان ، فاعل ((يمنع)).
وفيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة ، أو يحصل به
تشويش لنائم ، وكذا لمصل ، أو قارئ ، أو مشتغل بعلم ، أو ذكر . قاله
في الفتح .
(فنام رسول الله ﴾ حتى أصبح على غير ماء) وعند البخاري في
التيمم: ((فقام حين أصبح)) قال الحافظ: والمعنى متقارب ، لأن كلا
منهما يدل على أن قيامه من نومه کان عند الصبح ، وقال بعضهم : لیس
المراد بقوله : ((حتى أصبح)) بيان غاية النوم إلى الصباح ، بل بيان غاية
فقد الماء إلى الصباح، لأنه قيد قوله: ((حتى أصبح)) بقوله: ((على غير
ماء )) أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء ، وأمارواية عمرو بن الحارث
فلفظها: ((ثم إن النبي # استيقظ وحضر الصبح))، فإن أعربت الواو
حالية كان دليلا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح وهو الظاهر.
واستُدلَّ به على الرخصة في ترك التهجد في السفر ، إن ثبت أن
التهجد كان واجبا عليه ، وأن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت ،
لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله : « وحضرت الصبح ،
فالتُمسَ الماء فلم يوجد)) . وعلى أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول
آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء ، ووقع من أبي بكر
في حق عائشة ما وقع .
(١) المعجم الوسيط جـ١ ص ٢٣٧.

١٨٧ ~
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٩
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله : ومعلوم عند جميع أهل المغازي
أنه ◌َّ لم يُصلّ منذ افترضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا
جاهل أو معاند ، قال : وفي قوله في هذا الحديث آية التيمم إشارة إلى
أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم ، لا حكم الوضوء ،
قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه مَتْلُوّاً
بالتنزيل ، وقال غيره : يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما
فعملوا به الوضوء ، ثم نزل بقيتها ، وهو ذكر التيمم في هذه القصة ،
وإطلاق آية التيمم على هذا من تسمية الكل باسم البعض .
قال الحافظ رحمه الله : لكن رواية عمرو بن الحارث التي أخرجها
البخاري في التفسير تدل على أن الآية نزلت جميعا في هذه القصة ،
فالظاهر هو ما قاله ابن عبد البر (١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية عمرو بن الحارث ، عن عبد الرحمن
ابن القاسم لفظها : ((فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾
[ المائدة الآية - ٦] إلى قوله ﴿تشكرون))) وهي صريحة في أن الآية
نزلت كاملة في وقت واحد في تلك السفرة والله أعلم .
(فأنزل الله عز وجل آية التيمم) قال أبوبكر بن العربي رحمه الله :
هذه مُعضلة ما وجدت لدائها من دواء ، لأنا لا نعلم أي الآيتين عَنَت
عائشة رضي الله عنها ، وقال ابن بطال: هي آية النساء ، أو آية المائدة .
وقال القرطبي : هي آية النساء ، ووجَّهَهُ بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء
وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء ، فيتجه تخصيصها بآية التيمم ، وأورد
الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا .
قال الحافظ : وخَفيَ على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية
المائدة بغير تردد ، لرواية عمرو بن الحارث ، إذ صَرَّحَ فيها بقوله :
(١) فتح جـ١ ص٥١٧ .

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٨٨
((فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ المائدة
الآية ٦)) (١).
(فقال أسيد بن حُضَير) بتصغير الاسمين - وحضير - بمهملة ، ثم
معجمة آخره راء مهملة - ابن سِمَاك بن عَتيك الأنصاري الأشهلي أبو
يحيى ، وقيل في كنيته غير ذلك ، كان أحد النقباء ليلة العقبة ، واختلف
في شهوده بدرا . روى عن النبي عليه، وله ١٨ حديثا ، اتفق الشيخان على
حديث منها. وعنه أبو سعيد الخدري ، وأنس ، وأبو ليلى الأنصاري ،
وكعب بن مالك ، وعائشة ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، ومحمد بن
إبراهيم التيمي ، وحصين بن عبد الرحمن ، ولم يدركاه .
قال ابن إسحاق : لا عقب له ، وقال ابن سعد : كان شريفا في قومه
كاملا ، ، وذكره موسى بن عقبة فيمن شهد العقبة الثانية ، وقالت عائشة
رضي الله عنها : كان من أفاضل الناس ، وقال عروة : مات أسيد بن
حضير وعليه دين أربعة آلاف درهم ، فبيعت أرضه ، فقال عمر : لا
أترك بني أخي عالة فَرَدَّ الأرض ، وباع ثمرها من الغرماء ، أربع سنين
بأربعة آلاف كل سنة ألف درهم . قال المزي : هذا هو الصحيح في تاريخ
وفاته ، وأما الحديث الذي رواه هارون بن عبد الله ، عن حماد بن
مَسْعدة ، عن ابن جريج ، عن عكرمة بن خالد ، عن أسيد بن حضير
الأنصاري ، أن معاوية كتب إلى مروان : إن الرجل إذا وجد سرقة في يد
رجل فهو أحق بالثمن .. الحديث ، فإنه وهم ، قال هارون : قال
أحمد: هو في كتاب ابن جريج ، أسَيد بن ظُهَير ، ولكن كذا حدثهم
بالبصرة ، ورواه عبد الرزاق وغيره ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، عن
أسيد بن ظهير ، وهو الصواب .
(١) فتح جـ ١ ص٥١٧ .

١٨٩ -
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣١٠
وذكره ابن إسحاق في البدريين ، وروى الواقدي ما يخالفه أنه تلقى
رسول الله ◌َّ مَرْجعَه من بدر، واعتذر عن تخلفه ، توفي سنة ٢٠ ،
وقيل : ٢١ ، وقال البخاري : مات في عهد عمر ، قاله عبد الله بن عمر
عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهم (١).
(ما هي) أي البركة الحاصلة بسبب فقد العقد ، من الرخصة
المشروعة بالتيمم ( بأول بركتكم) أي بل هي مسبوقة بغيرها من البركات
قال العلامة العيني رحمه الله : والقرينة الحالية والمقالية تدلان على أن
قوله: ((هي)) يرجع إلى البركة، وإن لم يمض ذكرها، والبركة : كثرة
الخير (يا آل أبي بكر) لفظ ((آل)) مقحمة ، وأراد به أبا بكر نفسه ، ويجوز
أن يراد به أبو بكر وأهله وأتباعه ، قاله العيني .
قال الجامع : الظاهر هو المعنى الثاني .
والآل يستعمل في الأشراف ، بخلاف الأهل ، ولا يرد قوله تعالى :
﴿ أدخلوا آل فرعون﴾ [غافر الآية ٤٦] لأنه بحسب تصوره ذكر
كذلك، أو بطريق التهكم ويجوز فيه : يَالَ أبي بكر بحذف الهمزة
للتخفيف ، قاله العيني (٢) .
وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها رضي الله عنهما ، وتكرار البركة
منهما، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((لقد بارك الله للناس فيكم))
وفي تفسير ابن إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة عنها أن النبي عَ﴾.
قال لها : (( ما كان أعظم بركة قلادتك)) وفي رواية هشام بن عروة :
((فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرا )) وفي
رواية: ((إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة)) .
(١) تهذيب التهذيب جـ١ ص٣٤٧-٣٤٨ بزيادة يسيرة من الخلاصة.
(٢) عمدة ج٤ ص٤-٥ .

- ١٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، فَيُقَويّ قولَ من
ذهب إلى تعدد ضَيَاع العقد ، وممن جزم به محمد بن حبيب الأخباري ،
فقال : سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق.
وقد اختلف أهل المغازي في أيّ هاتين الغزاتين كانت أوّلا ، وقال
الداودي : كانت قصة التيمم في غزوة الفتح ، ثم تردد في ذلك ، وقد
روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت آية
التيمم لم أدر كيف أصنع .. الحديث . فهذا يدل على تأخرها عن غزوة
بني المصطلق ، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة ، وهي بعدها
بلا خلاف .
قال الحافظ : ويرى البخاري أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم
أبي موسى ، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة .
ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من
طريق عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: (( لما كان من أمر
عقدي ما کان ، وقال أهل الإفك ما قالوا ، خرجت مع رسول الله ﴾في
غزوة أخرى ، فسقط أيضا عقدي ، حتى حُبس الناسُ على التماسه ،
فقال أبو بكر : يا بُنيّة في كل سفرة تكونين عَنَاءً وبَلاء على الناس ؟ فأنزل
الله عز وجل الرخصة في التيمم ، فقال أبو بكر: إنك المباركة، ثلاثا)).
وفي إسناده محمد بن حميد الرازي ، وفيه مقال ، وفي سياقه من
الفوائد بيان عتاب أبي بكر الذي أبهم في حديث الباب ، والتصريح بأن
ضياع العقد كان مرتين ، والله أعلم (١) .
(قالت ) عائشة رضي الله عنها ( فبعثنا) أي أثرنا من مبر که ( البعير
الذي كنت عليه ) أي حالة السفر ( فوجدنا العقد تحته) وفي رواية عروة
(١) فتح جـ ١ ص٥١٨.

١٩١ -
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣١٠
عند البخاري: ((فبعث رسول الله عَُّ رجلاً فوجدها)) أي القلادة ،
وللبخاري أيضا في فضل عائشة من هذا الوجه ، وكذا لمسلم: (( فبعث
ناسا من أصحابه في طلبها)) ولأبي داود: (( فبعث أسيد بن حضير وناسًا
معه )) .
وطريق الجمع كما قاله الحافظ : أن أسيد بن حضير كان رأس من
بُعث لذلك ، فلذا سمي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند
الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به ، وكأنهم لم يجدوا العقد أوّلا ،
فلما رجعوا ، ونزلت آية التيمم ، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده
أسيد بن حضير ، فعلى هذا فقوله في رواية عروة: ((فوجدها)) أي بعد
جميع ما تقدم من التفتيش وغيره .
وقال النووي رحمه الله: يحتمل أن يكون فاعل ((وجدها)) النبي ﴾.
وقد بالغ الداودي في توهيم رواية عروة ، ونقل عن إسماعيل القاضي أنه
حمل الوهَم فيها علی عبد الله بن نمير .
قال الحافظ : وقد بان بما ذكرنا من الجمع بين الروايتين أن لا تخالف
بينهما ، ولا وهم، وفي الحديث اختلاف آخر ، وهو قول عائشة رضي
الله عنها: ((انقطع عقد لي)) وقالت في رواية عمرو بن الحارث :
((سقطت قلادة لي)) وفي رواية (( أنها استعارت قلادة من أسماء )) يعني
أختها ، ((فهلكت )) أي ضاعت .
والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها
وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريح عائشة في رواية عروة أنها استعارتها
منها ، وكله بناء على اتحاد القصة . وقد جنح البخاري في التفسير إلى
تعددها ، حيث أورد حديث الباب في تفسير المائدة ، وحديث عروة في
تفسير النساء ، فكان نزول آية المائدة بسبب عقد عائشة ، وآية النساء

١٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بسبب قلادة أسماء ، وما تقدم من اتحاد القصة أظهر ، والله أعلم (١).
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق
عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه هنا
٣١٠/١٩٤ - والكبرى - ٢٩٩/١٧٤ - بالسند المذكور ، وفي التفسير
في الكبرى - ١١١٠٧ - به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه (خ) في الطهارة ، وفي
النكاح مختصرا عن عبد الله بن يوسف ، وفي فضل أبي بكر ، عن
قتيبة ، وفي التفسير ، وفي المحاربين مختصرا عن إسماعيل بن أبي أويس
كلهم عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة
رضي الله عنها .
وأخرجه (م) في الطهارة عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به .
وأخرجه (د) في الطهارة من طريق عروة عنها .
المسألة الرابعة : في بيان فوائده غير ما تقدم :
منها : وجوب النية للتيمم ، لأن التيمم معناه القصد، وهو قول فقهاء
الأمصار ، لم يخالف فيه إلا الأوزاعي ، وزفر من الحنفية وأنه يجب نقل
التراب ، ولا يكفي هبوب الريح بخلاف الوضوء كما لو أصابه مطر
فنوى به ، فإنه يجزئ ، كذا قال بعضهم ، والأظهر كما قال الحافظ :
الإجزاء لمن قصد التراب من الريح الهابَّة ، بخلاف من لم يقصد ، وأنه
يتعين الصعيد الطيب للتيمم ، لكن اختلف الفقهاء في المراد بالصعيد
(١) فتح جـ١ ص٥١٨ .

١٩٣ -
١٩٣ - باب البزاق يصيب الثوب-حديث رقم ٣١٠
الطيب ، وأنه يجوز السفر بالنساء واتخاذهن الحلي تجملا لأزواجهن ،
ويجوز السفر بالعارية ، إذا رضي صاحبها ، وأنه يجوز التيمم
للصحيح، والمريض ، والمحدث ، والجنب ، ولم يختلف فيه علماء
الأمصار بالحجاز ، والعراق ، والشام، والمشرق ، والمغرب ، وخالف
في الجنب عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما .
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك برقم ٣٢٠ ، إن شاء الله تعالى، وأنه
يجوز التيمم في السفر ، واختلفوا في الحضر ، وسيأتي تحقيقه في الباب
التالي ، وأنه يجوز اتكاء الرجل على فخذ امرأته ، وفيه احترام أهل
الفضل وإن أدى ذلك إلى المشقة . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )).

- ١٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١٩٥ - بابُ التَّيَمْمِ فِي الحَضَر
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم في الحضر .
الحَضَر - بفتحتين - خلاف البادية ، والنسبة إليه حَضَريّ على لفظه،
وحَضَر : أقام بالحضر ، والحَضَارَة - بفتح الحاء وكسرها - سكون
الحضر. قاله الفيومي (١).
وقال ابن منظور : والحَضَر والحَضْرَة والحاضرة : خلاف البادية ،
وهي الُدُن ، والقُرَى، والرّيف ، سميت بذلك لأن أهلها حَضَروا
الأمصار ، ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار ، والبادية يمكن أن
یکون اشتقاق اسمها من بدا يبدوُ ، أي برز ، وظهر ، ولکنه اسم لزم
ذلك الموضع خاصة دون ما سواه (٢).
٣١١- أخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ
اللَّيْ، عَنْ أبيهِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
أقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الله بْنُ يَسَارِ مَوْلَى مَيْمُونَةً حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى
أبي جُهَيْمُ بْن الْحَارِثِ بِنِ الصَّنَّةِ الأنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو
جُهَيمٍ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِلَّهُ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ الْجَمَلِ، ولَقِيهُ
(١) المصباح جـ١ ص ١٤٠.
(٢) لسان جـ٢ ص ٩٠٧ .

١٩٥ -
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١١
رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللّهِ عَهُ حَتَّى أَقْبَلَ
عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيهِ السَّلاَمَ.
رجال هذا الإسناد : سبعة
١- (الربيع بن سليمان) بن عبد الجبار المرادي أبو محمد المصري
المؤذن صاحب الشافعي ثقة [١١] مات سنة ٢٧٠ ، وله ٩٦ سنة .
وفي ((تت )) هو راوية كتب الشافعي عنه قال النسائي : لا بأس به ،
ووثقه ابن يونس ، والخطيب ، وقال ابن أبي حاتم : سمعنا منه ، وهو
صدوق، سئل عنه أبي فقال : صدوق ، وقال الخليلي : ثقة متفق عليه ،
والمزني مع جلالته استعان على ما فاته من الشافعي بكتاب الربيع ، وقال
مسلمة : كان من أكابر أصحاب الشافعي ، ينتمي إلى مُراد ، وكان
يوصف بغفلة شديدة ، وهو ثقة أخبرنا عنه غیر واحد ، وقال ابن يونس :
توفي يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة ٢٧٠ ، وقال الطحاوي : كان
مولده ومولد المزني ومحمد بن نصر سنة ١٧٤ ، وكان المزني أسن من
الربيع بستة أشهر (١).
تنبيه :
أخطأ الشيخ الشنقيطي رحمه الله هنا فظن أن الربيع هذا هو الجيزيّ ،
وليس كذلك كما يظهر من تهذيب التهذيب وتهذيب الكمال فتأمل .
٢- (شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي مولاهم ، أبو عبد الملك
المصري ، ثقة نبيل من كبار [١٠] تقدم في ١٦٦/٢٠.
(١) تت جـ ٣ ص ٢٤٦ .

- ١٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٣- (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري
ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من [٧] تقدم في ٣٥/٣١ .
٤- (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حَسَنَة الکندي أبو شرحبیل
المصري ثقة من [٥] تقدم في ١٢٢ / ١٧٣ .
٥- (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج أبو داود المدني ثقة ثبت عالم
من [٣] تقدم في ٧/ ٧ .
٦ - (عمير مولى ابن عباس) هو عُمير بن عبد الله الهلالي ، أبو
عبد الله المدني، مولى أم الفضل. روى عن مولاته، وعن ابنيها عبد الله،
والفضل ابني العباس ، وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة ، وأسامة بن
زيد، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة .
وعنه الأعرج ، وسالم أبو النضر ، وإسماعيل بن رجاء الزّبيديّ ،
وعبد الرحمن بن مهران . قال ابن إسحاق : حدثني الأعرج ، عن عمير
مولی ابن عباس ، وکان ثقة . أخرج له (خ م د س) حدیثین أحدهما
حديث الباب ، والآخر في الصيام ، وقال النسائي : ثقة وذكره ابن حبان
في الثقات ، مات بالمدينة سنة ١٠٤ .
٧- (أبو جهيم بن الحارث بن الصِّمّة) بتصغير جُهيم ، والصِّمّة
بكسر الصاد المهملة ، وتشديد الميم - الأنصاري ، قيل : اسمه عبد الله،
وقد ينسب لجده ، وقيل : هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن
الصمة، وقيل: اسمه الحارث بن الصمة ، وقيل : هو آخر غيره ،
صحابي معروف ، وهو ابن أخت أبيّ بن كعب ، بقي إلى خلافة معاوية
رضي الله عنهما .
وفي ((تت)) : أبو جهيم بن الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن
عمرو بن مَبْذُول بن عامر بن مالك بن النجار الأنصاري ، وقيل في نسبه

١٩٧ _
١٩٥- باب التيمم في الحضر-حديث رقم ٣١١
غير ذلك ، وهو ابن أخت أبيّ بن كعب ، قيل : اسمه عبد الله ، وقال
أبو حاتم : يقال : أبو جهيم بن الحارث بن الصمة ، ويقال : إنه الحارث
ابن الصمة .
روى عن النبي ﴾، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي ، وأخوه مسلم بن
سعيد ، وعمير مولى ابن عباس ، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة .
وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه لا اسمه ، وقال ابن أبي
حاتم : عبد الله بن جهم أبو جهيم ، فرق بينه وبين ابن الصمة ، وفي أسد
الغابة عن الاستيعاب والمعرفة : عبد الله بن جهيم بن الحارث بن
الصمة .. فذكره وجعل الحارث جده ، وهكذا قاله ابن منده ، وكأنه أراد
أن يجمع الأقوال المختلفة ، ومع ذلك فما سلم . أخرج له الجماعة .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم أجلاء ، وأن الأربعة
الأولين مصريون ، والباقون مدنيون ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي
بعضهم ، عن بعض ، وفيه عمير مولى ابن عباس ، وهو مولى أم الفضل
بنت الحارث ، وقد روى ابنُ إسحاق هذا الحديث فقال : مولى عبيد الله
ابن عباس وهو صحيح أيضا ، لأنه إذا كان مولى أم الفضل فهو مولی
أولادها . وفيه الإخبار ، والتحديث ، والعنعنة .
شرح الحديث
(عن عمير) بن عبد الله الهلالي ( مولى ابن عباس) هو مولى أمه أم
الفضل بنت الحارث رضي الله عنها ( أنه) أي عبد الرحمن بن هرمز
(سمعه) أي عميرا ، قال في الفتح: ورواية الأعرج عنه من رواية الأقران
( يقول ) جملة في محل نصب على الحال ، أو مفعول ثان على رأي من
يقول: إن ((سمع)) تنصب مفعولين (أقبلت أنا ) أكد الضمير المنفصل

- ١٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ليعطف عليه ما بعده ، لوجوب الفصل بالضمير أو بفاصل مّا ، كما قال
ابن مالك في الخلاصة :
وَإِنْ عَلَى ضَمِير رَفْع مُتَّصلْ عَطَفْتَ فَافْصلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفصلْ
أَوْ فَأَصل مَّا وَبَلاَ فَصْل يَرِدْ فِي النَّظْم فَاشيًا وَضُعْفَهِ اعْتَقِدْ
(وعبد الله بن يسار) هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور ، قال
في الفتح : ووقع عند مسلم في هذا الحديث : عبد الرحمن بن يسار ،
وهو وَهَم ، وليس له (١) في هذا الحديث رواية ، ولهذا لم يذكره
المصنفون في رجال الصحيحين . اهـ .
قال الجامع : بل لم يذكر في رجال الكتب الستة ، وقد ترجمه ابن أبي
حاتم في الجرح والتعديل ، فقال : عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو
سليمان بن يسار المديني ، وهو أخو عبد الملك بن يسار ، وأخو عطاء بن
يسار، كانوا إخْوَة (٢).
وقال ابن حبان في الثقات : عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو
سليمان ، وعبد الملك ، وعطاء بنو يسار ، يروي عن رجل من أصحاب
النبي ◌َّ عدَادُه في أهل المدينة ، روى عن أهلها وليس هو بصاحب
سليمان بن صُرَد ، وخالد بن عُرْفُطَةَ (٣).
(مولى ميمونة) بنت الحارث الهلالية زوج النبي عليه، قيل : اسمها
بَرَّة ، فسماها النبي ◌َّ ميمونة ، وتزوجها بسرف سنة سبع ، وماتت بها
ودفنت سنة ٥١ على الصحيح .
(١) أي لعبد الله بن يسار المذكور في هذا الحديث، وليس المراد عبد الرحمن الذي وقع في
مسلم وَهَماً . فتنبه .
(٢) الجرح والتعديل جـ٥ص٢٠٣ .
(٣) الثقات ج٥ ص ٥٣ .

١٩٩ -
١٩٥- باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١١
تنبيه :
روى موسى بن عقبة ، وابن لهيعة ، وأبو الحويرث هذا الحديث عن
الأعرج ، عن أبي الجهيم ، ولم يذكروا بينهما عميرا ، والصواب إثباته،
قاله في الفتح (١).
(حتى دخلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري) ووقع
في مسلم ((دخلنا على أبي الجهم)) بإسكان الهاء ، والصواب أنه
بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له : أبو الجهم ، وهو صاحب
الإنبجانية ، وهو غير هذا، لأنه قرشي ، وهذا أنصاري ، ويقال في كل
منهما بحذف الألف واللام وبإثباتهما ، قاله في الفتح .
(فقال أبو جهيم : أقبل رسول الله ﴾ من نحو بئر الجمل) أي من
الموضع الذي يعرف بذاك ، وهو معروف بالمدينة ، وهو بفتح الجيم والميم
ويقال فيه الجمل بالتعريف كما عند المصنف ، وبئر جمل بالتنكير كما عند
الشيخين وغيرهما موضع قريب من المدينة ، فيه مال من أموالها (٢).
( ولقيه رجل) وللبخاري ((فلقيه )) بالفاء ، والرجل هو أبو جهيم ،
كما صرح به الشافعي ، فقد رَوَى البغوي في شرح السنة بإسناده عن
الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد ، عن أبي الحويرث ، عن الأعرج ، عن
أبي جهيم بن الصمة قال: مررت على النبي عَّ وهو يبول ، فسلمت
علیه، فلم يرد عليَّ حتى قام إلى الجدار فحتّه بعصا كانت معه ، ثم وضع
يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعيه ثم رد عليّ)) قال: هذا
حدیث حسن (٣) .
قال الجامع : وفي تحسينه نظر لأن في سنده إبراهيم بن محمد وهو
(١) الفتح جـ١ ص ٥٢٧ .
(٢) عمدة جـ٤ ص١٥ .
(٣) شرح السنة جـ ٢ ص ١١٥.

- ٢٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
متروك وأبا الحويرث وهو متكلم فيه، وفيه انقطاع ، وقد تقدم أن
الصواب إدخال عمير بين الأعرج ، وأبي جُهَيم فتفطن .
(فسلم عليه ) أي علی النبي ﴾﴾(فلم يرد رسول الله﴾﴾عليه) سلامه
ويجوز في دال ((يرد )) الحركات الثلاث: الكسر لأنه الأصل، والفتح
لأنه أخف ، والضم لاتباع الراء ، قاله العيني (حتى أَقْبَلَ على الجدار)
الألف واللام فيه للعهد الخارجي ، أي جدار هناك ، والجدار کان مباحا،
فلم یحتج إلى الإذن ، أو کان مملوكا لغيره ، وكان راضیا به . قاله البدر
العيني .
وللدار قطني من طريق ابن إسحاق عن الأعرج: ((حتى وضع يده
على الجدار)) وزاد الشافعي، كما تقدم ((فَحَتَّهُ بعصا)) قاله في الفتح .
قال الجامع : لكن سند الشافعي ضعيف .
(فمسح وجهه ويديه) وللدار قطني من طريق أبي صالح عن الليث
((فمسح بوجهه وذراعيه)) وكذا للشافعي من رواية أبي الحويرث ، وله
شاهد من حديث ابن عمر ، أخرجه أبو داود ، لكن خطأ الحفاظ رواية
رفعه وصوَّبوا وقفه ، وقد رواه مالك موقوفا ، وهو الصحيح ، والثابت
في حديث أبي جهيم أيضا بلفظ ((يديه)) لا ذراعيه فإنها شاذة مع ما في
أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف (١).
وسيأتي الكلام على حديث مسح اليدين في الحديث الآتي إن شاء
الله تعالى .
(ثم رد عليه) أي على الرجل المُسَلُّم (السلامَ) فيه استحباب الطهارة
للسلام .
(١) فتح جـ ١ ص ٥٢٧ .